«النوستالجيا» في الأدب... من يحتاج إلى الماضي؟

سفيتلانا بويم تستعيده من براثن التحليل النفسي والأمراض السيكولوجيّة

تي. إس. إليوت    -     سفيتلانا بويم
تي. إس. إليوت - سفيتلانا بويم
TT

«النوستالجيا» في الأدب... من يحتاج إلى الماضي؟

تي. إس. إليوت    -     سفيتلانا بويم
تي. إس. إليوت - سفيتلانا بويم

يكاد الفعل الأدبي بمجمله يكون حنيناً لا مفرّ منه: إلى ماضٍ انقضى، أو أماكن ارتدناها، أو إلى أشخاص مروا بنا. ولعل مفتتح الحكايا الشعبيّة التقليدي: «كان يا ما كان في قديم الزّمان...» أبلغ تعبير عن ذلك التمازج العضوي بين ما يعرف اليوم بـ«النوستالجيا» وصنعة الأدب على تنوع أشكالها التعبيريّة، بل إن مفكرين غربيين معاصرين، مثل إريك ساندبيرغ، ذهبوا إلى الزعم أن الأدب هو في الخلاصة شكل فني يعبّر عن «النوستالجيا»، إن لم يكن عبر ارتباط صريح بماضٍ محدد؛ ففي الأقل على شكل عاطفة من الحنين والهوس بما قد كان، تجدها تتسرب من بين ثنايا النص.
وإذا كان في هذا الزّعم من مبالغة، فإن تاريخ الأدب في كل ثقافات العالم متخم بالنّصوص التي تتحدث عن الماضي، وشخصياته، وتحكي تعلقاً يكاد يكون مرضياً بأحداثه الفاصلة، وهو أمر لم تنج منه الثقافة الأدبيّة المعاصرة، رغم الوعي المتزايد بالأبعاد السلبيّة لظاهرة «النوستالجيا» عموماً، والمحاولات الرائدة لكثير من التيارات التقدميّة الرائدة لاستكشاف مساحات مستقبليّة وما ورائيّة لتجارب البشر بعيداً من سطوة التاريخ.
تغيّر معنى مصطلح «نوستالجيا» في العقدين الأخيرين، بعد أن بقي لمدة طويلة وصفاً لحالة أقرب إلى العصاب المرضي عن شعور ممض يغزو الأجساد حين يفرّ أصحابها من حاضرهم إلى الماضي، سواء بالخسارات التي تستعاد بما رافقها من انزعاج وحزن، وحتى باللحظات السعيدة التي يجتاحنا مزاج التفجّع لأنّها لم تعد موجودة في حياتنا. ولعل جذر الكلمة من اليونانيّة الذي يتكون من دمج مقطعين ليعطي معنى «استعادة الألم المرتبط بالحنين للوطن» تفسير كاف للثيمة العامة التي يحملها المصطلح.
لكننا الآن مدينون للرّاحلة سفيتلانا بويم بالتصور الأكثر تفهماً لـ«النوستالجيا» الذي بتنا نمتلكه الآن، وذلك بفضل محاولتها التأسيس لاستعادة علميّة للمصطلح من براثن التحليل النفسي والأمراض السيكولوجيّة، واستقراء الجوانب الأخرى الأعمق لارتباط الناس بصور الماضي، وذلك في كتابها الثمين «مستقبل النوستالجيا» (2001).

ووفق بويم، فإن «النوستالجيا» حنين لمنزل، أو حال، أوّل، لم يعد موجوداً أو متاحاً، أو إنّه لم يوجد قط، مما يعني أن النظر بلوعة وتشوّق إلى الماضي لا يعني بالضرورة تذكّر الماضي كما كان بالفعل، بل إعادة تشكيل كليّة له: حذفاً وحجباً، وتعديلاً وتشويهاً، بل وافتعالاً، في ضوء خبرتنا المعيشة منذ ذلك الحين، لتكون النتيجة أشبه بـ«يوتوبيا» مدينة فاضلة أكثر منها بتنقيب عن آثار قائمة بالفعل.... ماضٍ ليس ذهبيّاً بقدر ما هو ماض مذهّب.
واللافت فيما خلصت إليه بويم، ذلك الارتباط الوثيق والتزامن الذي يتجاوز حيّز العشوائيّة بين تفشي «النوستالجيا» وتعدد مظاهر الحنين إلى الماضي والأوقات التي يشهد فيها مجتمع معيّن مراحل من التفكك الاجتماعي والانقسام السياسي والمصاعب الاقتصادية؛ إذ يبدو أن «النوستالجيا» في شكلها الأكثر رجعيّة تقدّم للبشر اليائسين آليّة دفاع في مواجهة التسارع المطرد في إيقاعات الحياة، والاضطرابات السياسيّة وغياب الاستقرار.
ومع ذلك، فينبغي لنا ألا نقرأ هذه الظاهرة بوصفها شعوراً رجعيّاً محضاً، بل قد تكون حاملاً لتغيير جذري عبر توجيه الحنين إلى ماضٍ كان ممكناً لولا الوضع القائم، وبالتالي فهو ماضٍ يسير المرء نحو تحقيقه واقعاً في المستقبل عبر نقض الحالي. وهكذا؛ بدل أن يكون تفسيرنا لـ«النوستالجيا» في العمل الأدبي مقتصراً بالضرورة على أنّها محافظة وردّة، فإننا أقدر على استكشاف جوانب محتملة ذات طبيعة تغييرية وثوريّة، أي إن الأدب قد يشوبه حنين إلى الماضي يكون وقوداً لاندفاعة تستهدف تطويع الحاضر للحلم، ومواجهة الاستعمار أو الاحتلال أو الاستبداد. وقد طرح إدوارد سعيد هذه الصيغة البديلة من خلال التساؤل حول: «كيف تتخيل ثقافة تسعى إلى الاستقلال عن الإمبريالية ماضيها؟». ويخشى ديريك والكوت، في الإجابة عن سعيد، من أن «فقدان الذّاكرة يصبح التاريخ الحقيقي للعالم الجديد ما بعد الاستقلال».
لكن هذا النموذج الآخر الممكن لمعنى «النوستالجيا» في الأعمال الأدبيّة المعاصرة هو الاستثناء لا القاعدة، سواء أكنا نرصد الثقافة الغربيّة (لا سيّما بنسختها الأهم الأنغلوفونيّة)، أم حتى الإنتاج الفكري والفني في العالم العربي حيث الأعمال الأكثر شعبيّة تدور في فلك استعادة حالة وجود سابقة مثاليّة، أو ماضٍ ذهبي نبيل غير ملّوث بتعفّن اللحظة الحاضرة. فـ«النوستالجيا» اليوم، بكل تعقيدات أشكال الحنين إلى الماضي التي قد تتقمصها، تبدو بشكل متزايد أداةً لخدمة الأفكار الأكثر رجعية في السياسة اليمينية، ومخططاً ملهماً للتأكيد على، أو إعادة تأسيس، هياكل السلطة التي جرى تصوّرها بوصفها مهددة، أو بصدد الانهيار.
على أنّ الفصل بين وجهي «النوستالجيا» قد لا يكون حاسماً وجليّاً، بل قد تتصارع مشاعر الحنين إلى الماضي بين منحى رجعي وآخر تقدمي في منظومة جدليّة الطابع، لا يمكن إدراكها سوى في خضمّ عبور مناخ زمانيّ/ مكاني محدد، إذ لا تلبث تتحول إلى صيغة أخرى قد تكون نقيضة تماماً لدى الانتقال إلى مناخ آخر.
وإذا تناسينا التفسيرات المرتبطة بعوامل التحليل النفسي (الفردي والجماعيّ) لأسباب استعانة البشر بـ«النوستالجيا» أو وقوعهم تحت سطوتها، يتبقى هنا السؤال المركزي: لمَ نحتاج إلى أداة تستلهم آلام الماضي في التعبير الأدبي من حيث المبدأ؟
هذا التساؤل الذي نطرحه اليوم بمعرض رفاهيّة التحليل الأدبي كان مسألة جذريّة عند ظهور ما نسميها «الحداثة الغربيّة» التي قامت على أساس رفض التقاليد، وقادت تحولاً متعمداً ضد كل حنين إلى الماضي، ووصمت كلّ من تعلّق بصوره بـ«الرجعيّة» و«الجمود» و«الثورة المضادة». وقد سعت «الحداثة» فيما انبثق عنها من نتاج أدبي وفني (ومعماريّ) إلى تفكيك التسلسلات الهرميّة الموروثة في المجتمعات لمصلحة بنية جديدة، أكثر ارتباطاً بالعقلانيّة، وتقدم المعارف، وتوسع الآفاق. ومع ذلك، فإن محاولات الحداثة (الغربيّة) لابتداع الجديد انطلقت بشكل أو آخر من استدعاء القديم لنقضه، وهكذا تلّوث انشغالها بالمستقبل دوماً بمرجعيّات ونقاط انطلاق ماضوية، وتحول رفضها الصاخب والظاهر للتقليدي إلى احتفاء ضمني به بوصفه مكوّناً تأسيسياً للعالم الحديث.
يصف تي. إس. إليوت هذا التداخل (الجدّلي الطابع) بين «الحداثة» و«التقاليد» في كتابه «التقليد والموهبة الفردية» (1919) حيث يدافع عما يسميه «الحس التاريخي» الذي ينطوي ليس على تصور الماضي بصفته ماضياً فقط، ولكن على فهم وجوده بصفته استمراراً لهذا الماضي، حيث «المعنى التاريخي يجبر الإنسان على تجاوز (سجن) الكتابة مع مجايليه إلى الشعور بأن كل أدب أوروبا من هوميروس إلى كل أدب بلده وثقافته المعاصرين، له وجود متزامن، ويؤلف معاً نظاماً متزامناً» يحكم النتاج الأدبيّ.
ولعل أعمال الروائي الآيرلندي جيمس جويس، بحكم انشغالها بالقبض على اللحظة الراهنة في مدينة معاصرة، يفترض أن تكون الأكثر تحرراً من عقد «النوستالجيا» و«الماضي المذهّب»، لكن الواقع يقول إنها أفضل تمثيل لهذا الحس التاريخي المضمر في النصوص الحداثية والذي وصفه إليوت؛ إذ لا تبتعد أعماله كثيراً من التقاليد الأدبيّة الآيرلنديّة والأوروبيّة بوصفها إطاراً عاماً، وكل منها انعكاس متعمّد لعاطفة حنين إلى الماضي، أو إلى وقت مضى منذ ذلك الحين.
لاحقاً تحول دور «النوستالجيا» في «أدب ما بعد الحداثة» من موضع التأسيس إلى مربّع الاشتباك المباشر النقدي بالنظر إلى وعينا المتزايد بالطبيعة المتضاربة للذاكرة التاريخية التي تفسح المجال بسهولة للتزوير، والإسقاطات الخاطئة، والذاتية، والانفعال باللحظة الحاضرة. وتبدو «النوستالجيا» لنا اليوم أقرب إلى انعكاس واستجابة لحالتنا الحالية أكثر منها لحالاتنا الماضية، ويمكن لها أن تغير الطريقة التي نتصور بها ماضينا وبالتالي حاضرنا، دون أن تمنحنا القدرة على استعادة الماضي بالكامل، ليبقى كل جهد في هذا الاتجاه بمثابة بحث دائم «عن الزمن الضائع»؛ على حد تعبير الروائي الفرنسي مارسيل بروست.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

رحيل هاني شاكر يصبغ مواقع «سوشيالية» بالشارة السوداء

هاني شاكر قدم أعمالاً مختلفة عبر أجيال متعددة (فيسبوك)
هاني شاكر قدم أعمالاً مختلفة عبر أجيال متعددة (فيسبوك)
TT

رحيل هاني شاكر يصبغ مواقع «سوشيالية» بالشارة السوداء

هاني شاكر قدم أعمالاً مختلفة عبر أجيال متعددة (فيسبوك)
هاني شاكر قدم أعمالاً مختلفة عبر أجيال متعددة (فيسبوك)

عقب الإعلان عن وفاة الفنان المصري هاني شاكر، الأحد، في العاصمة الفرنسية باريس، بعد صراع مع المرض، تصدر اسمه «الترند»، على مواقع من بينها «غوغل»، و«إكس» في مصر، الاثنين، ومنذ اللحظة الأولى لإعلان خبر رحيله اكتظت صفحات المشاهير والجماهير المصرية والعربية بالتعليقات على «السوشيال ميديا»، ونشر الصور التذكارية التي حضر فيها بابتسامته المعهودة، ولكن مع إطار بالشارة السوداء على صوره ونعيه.

وتهافت جمهوره على نعيه، واستعادوا مشواره وأغانيه المؤثرة، وتحولت مواقع «سوشيالية»، لدفتر عزاء، دونوا فيه أعذب الكلمات التي تناغمت مع مشاعره وأحاسيسه وكلمات أغانيه التي حققت نجاحاً لافتاً على مدار مشوار فني بارز امتد نصف قرن، تغنى خلاله هاني شاكر بصوته الذي مدحه الناس، وأثنوا عليه حتى حاز لقب «أمير الغناء العربي»، و«مدرسة الرومانسية»، عن جدارة واستحقاق، حسبما كتبوا.

وهاني شاكر الذي سيوارى جثمانه الثرى، الأربعاء، بمصر، حسبما أعلنت أسرته، كان صديقاً وفناناً محباً لم يفوت فرصة إلا وكشف عن مشاعره بكلماته الحنونة التي يرددها دوماً على مسامع الناس مثل «يا حبيبي»، و«حبيب قلبي»، و«بحبكم كلكم»، وغيرها من العبارات والإشارات المعبرة عما في وجدانه.

وظل هاني شاكر «يعلي الضحكاية»، حتى لا تكاد تفارقه، وكأنه يربت على كتف جمهوره، ويطيب خاطرهم بكل ما أوتي من معاني الحب، خلال حفلاته وأغنياته الشهيرة وإطلالاته الفنية والإعلامية؛ لذلك كان وداعه مختلفاً ومحملاً بالصور والذكريات والشجن.

هاني شاكر وزوجته في مهرجان «الزمن الجميل» اللبناني (فيسبوك)

ربما لن توفيه التعليقات «السوشيالية»، حقه حسبما كتبوا، إلا أن تعبيرهم عن مشاعرهم على الملأ كان وسيلتهم لإخراج حزن كامن على فنان كبير؛ إذ كتبوا منشوراتهم على وقع أشهر أغنياته «نسيانك صعب أكيد»، و«إنتي لسه بتسألي»، و«كده برضه يا قمر»، و«الحلم الجميل»، وغيرها.

الفنانة المصرية شيرين، التي شاركت بالتمثيل مع هاني شاكر في السهرة الدرامية «عيون لا ترى الحب»، وكليب أغنية «الحلم الجميل»، الذي حقق أثراً لافتاً وقت عرضه في تسعينات القرن الماضي، أكدت أنه يمثل لها الكثير على الجانبين المهني والشخصي، وتشعر بحزن كبير بعد رحيله؛ إذ كانت تربطها علاقة قوية بأسرته، مشيرة إلى أنه عاش بمشاعر حزينة بعد وفاة ابنته، وتألم كثيراً لفراقها.

وعن كواليس تصوير أغنية «الحلم الجميل»، قالت شيرين: «عندما استمعت للألبوم كاملاً أُعجبت به كثيراً، وتواصلت مع هاني، وطلبت منه أن يحول أغنياته لفيلم سينمائي، لكنه رفض بعد أن جرب حظه في السينما».

وأضافت شيرين لـ«الشرق الأوسط»: «تواصل معي هاني شاكر بعد ذلك لتصوير أغنية (الحلم الجميل) التي أعدها فيلماً كاملاً، وشعرت معه بأنني بجانب ملاك في أخلاقه وطباعه»، لافتة إلى أنه كان حريصاً على التواصل بعد التصوير مع زوجته السيدة نهلة، وإعلامها بجميع التفاصيل.

هاني شاكر وشيرين في لقطة من كليب أغنية «الحلم الجميل» (يوتيوب)

لم يقتصر العزاء «السوشيالي» للمشاهير، على جيل بعينه بل شمل من بدأ معه، مروراً بأجيال مختلفة، مثل، نادية الجندي، وإلهام شاهين، ولبلبة، ولميس الحديدي، ومصطفى كامل، ومروان خوري، وسيرين عبد النور، وعمرو أديب، وأحلام، وعمرو دياب، ويسرا، وليلى علوي، ومحمد منير، ونادية مصطفى، وأنغام، وبوسي شلبي، وتامر حسني، وأحمد سعد... وغيرهم الكثير، حتى من انتقد صوتهم من مطربي المهرجانات، وحارب لمنعهم من الغناء حفاظاً على شكل الأغنية المصرية، وأصالتها في أثناء توليه منصب «النقيب» نعوه، مثل محمد رمضان، وحمو بيكا، وحسن شاكوش.

وعن السبب في جماهيرية هاني شاكر اللافتة والمستمرة لأجيال، والحزن العميق من زملائه وجمهوره، أكد الناقد الفني المصري مصطفى حمدي أن «الراحل هو الفنان الوحيد المعاصر، الذي بدأ مسيرته وغنى في وجود نجوم الفن الكبار مثل أم كلثوم، وعبد الحليم حافظ، وهو الفنان الذي كان يمثل الجانب الكلاسيكي في الأغنية المصرية، وحافظ عليها حتى في فترة تطورها نهاية السبعينات وأوائل الثمانينات من القرن الماضي، فقد عبر عن (الزمن الجميل)، في الوقت الذي واكب فيه اللون السائد مع احتفاظه بلونه الطربي».

وأضاف حمدي لـ«الشرق الأوسط»: «هاني شاكر كان شخصية رائعة، وكان مهذباً وبشوشاً، وحريصاً على أن تكون سيرته وعلاقته طيبة بالجميع في الوسط الفني وخارجه، وهذا هو السر وراء الحب الكبير الذي نلمسه ونراه الآن، فقد تدخل لحل مشكلات لفنانين، وله أيادٍ بيضاء على شعراء وملحنين كثر».

ونعى هاني شاكر جهات رسمية مصرية وعربية كان في مقدمتها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، ووزارة الثقافة، والنقابات الفنية المحلية والعربية، ودار الأوبرا المصرية التي كثيراً ما احتضنته ليقدم باقة من أروع أعماله، وكذلك «الهيئة الوطنية للإعلام»، و«الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية»، وغيرهم.


«ثمن الشمس»... فيلم وثائقي يسلط الضوء على أمازيغ المغرب

عرض الفيلم للمرة الأولى في سويسرا (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى في سويسرا (الشركة المنتجة)
TT

«ثمن الشمس»... فيلم وثائقي يسلط الضوء على أمازيغ المغرب

عرض الفيلم للمرة الأولى في سويسرا (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى في سويسرا (الشركة المنتجة)

يقدم الفيلم الوثائقي البلجيكي «ثمن الشمس» توثيقاً لكيفية تغير نمط حياة مجموعة من السكان المحليين في المغرب مع تنفيذ مشروع ضخم للطاقة النظيفة من أجل توليد الكهرباء، عبر رحلة من الإعداد، والعمل، والتصوير استمرت 8 أعوام، ليقدم المخرج البلجيكي جيروم لو مير فيلمه الذي تدور أحداثه في الهضبة الصحراوية بميدلت، وقرية سيدي عياط، ومناجم أهولي في المغرب.

الفيلم الذي عرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «رؤى الواقع» في سويسرا الشهر الماضي استغرق 168 يوماً للتصوير موزعة على مراحل عدة بين 2019 و2025، وهو إنتاج مشترك بين بلجيكا، وفرنسا، والمغرب، ويمزج في لغته بين الأمازيغية والفرنسية. تنطلق فكرة العمل من مشروع ضخم للطاقة المتجددة يتم الترويج له باعتباره إنجازاً عالمياً يخدم البشرية، غير أن الكاميرا تكشف تدريجياً الوجه الآخر لهذه المشاريع، حيث تتحمل المجتمعات المحلية، خصوصاً الرحّل، العبء الحقيقي لهذا التحول.

المخرج البلجيكي خلال التصوير (الشركة المنتجة)

يركز الفيلم الذي تدور أحداثه في 92 دقيقة على مجتمع بدوي ينتمي إلى قبيلة آيت مرغاد، إحدى أقدم المجموعات الأمازيغية في المنطقة، والتي وجدت نفسها فجأة في مواجهة مشروع ضخم يهدد نمط حياتها التقليدي. هؤلاء الرحّل، الذين عاشوا لقرون في تناغم مع بيئتهم، يواجهون واقعاً جديداً لم يكونوا مستعدين له.

ويسعى الفيلم إلى فتح نقاش أوسع حول التأثيرات الحقيقية لمشاريع الطاقة المتجددة، سواء على المستوى البيئي، أو الاجتماعي، من خلال قصص إنسانية قريبة، ومؤثرة، ويدعو الجمهور إلى إعادة النظر في استهلاكهم للطاقة، وعلاقتهم بالتكنولوجيا، كما يؤكد أن ما يبدو «نظيفاً» قد يحمل في طياته كلفة إنسانية لا تُرى، لكنها حاضرة بقوة في حياة آخرين.

وقال مخرج الفيلم جيروم لو مير لـ«الشرق الأوسط» إن «مشاريع الطاقة المتجددة تتطلب مساحات شاسعة من الأراضي، وهي أراضٍ تتعرض للتدمير بمجرد تخصيصها لهذا الغرض، وتنتقل غالباً من الملكية العامة أو الجماعية إلى أيدي القطاع الخاص، في ظل سباق عالمي محموم لتلبية احتياجات الشركات الكبرى من الكهرباء». وأكد أن ما لفت انتباهه منذ البداية هو التناقض الصارخ بين الخطاب الذي يروّج لمشاريع الطاقة المتجددة باعتبارها حلاً مستداماً، وما رآه بعينه على الأرض من تحولات قاسية تمس حياة البشر، والبيئة، وأراد من خلال الفيلم أن يضع هذا التناقض أمام المشاهد بشكل مباشر دون تجميل، أو تبسيط.

المخرج البلجيكي جيروم لو مير (الشركة المنتجة)

وأوضح أنه قرر تقديم الفيلم بعد أن شاهد بنفسه بداية التغيرات التي طرأت على الصحراء التي يعرفها جيداً، فكان يعيش في تلك المنطقة لسنوات طويلة، ويرتبط بها إنسانياً، ما جعله يشعر بقلق عميق عندما رأى الآلات الضخمة تمهد لبناء واحد من أكبر مشاريع الطاقة المتجددة، موضحاً أنه أدرك حينها أن ما يحدث ليس مجرد مشروع تنموي عادي، بل إنه تحول جذري سيؤثر على مجتمع كامل لم يتم إبلاغه بما ينتظره، وهو ما دفعه لتوثيق هذه اللحظة الفارقة، ومحاولة فهم تداعياتها الإنسانية، والبيئية، ونقلها إلى العالم قبل أن تختفي ملامح هذا الواقع إلى الأبد.

وعدّ أن «ما يحدث للمجتمعات البدوية يمكن اعتباره امتداداً معاصراً لأشكال من الاستعمار، ولكن بوسائل اقتصادية وتكنولوجية بدلاً من العسكرية»، وشدد على أن فيلمه مليء بإشارات تاريخية، مقارناً بين ما صوره في الهضاب المغربية وما حدث للسكان الأصليين في أميركا خلال ما عرف بـ«حمى البحث عن الذهب»، حيث تم الاستيلاء على الأراضي، وتدمير أنماط الحياة. وأكد أن «النتيجة واحدة في الحالتين، وهي اختفاء مصادر العيش التقليدية، ودفع السكان إلى العمل في ظروف قاسية، كما حدث سابقاً في المناجم خلال فترات الاستعمار».

وثق الفيلم التغيرات التي طرأت على السكان المحليين (الشركة المنتجة)

ولفت إلى أن التجربة كشفت له هشاشة الأنظمة البيئية التي تعتمد عليها هذه المجتمعات، حيث يمكن لمشروع واحد أن يغيّر توازناً استمر لقرون، وهو تحول لا يُقاس فقط بالأرقام، أو الإنتاج، بل بما يفقده الناس من أنماط حياة، وقيم، وعلاقات بالأرض.

وعن البعد الأخلاقي لتوثيق معاناة مجتمع هش، يقول: «العمل الوثائقي بالنسبة لي يقوم على اللقاء، والتبادل، وسعيت منذ البداية إلى بناء علاقة إنسانية مع الأشخاص الذين صورتهم، فالفيلم لا يقتصر على ما يظهر على الشاشة، بل يشمل كل ما حدث خلف الكواليس من تواصل، وثقة»، مؤكداً أنه حاول أيضاً إيصال صوت هؤلاء إلى المسؤولين، وأنه عقد لقاءات مع جهات رسمية، بهدف لفت الانتباه إلى احتياجاتهم، كما يعمل على مبادرات موازية لدعمهم بشكل عملي.

وعن دور السينما الوثائقية، قال: «يصعب قياس تأثيرها على صناع القرار، لكنه أكد أن الأهم هو استمرار المخرج في الدفاع عن قضيته بعد عرض الفيلم، والعمل على خلق تأثير فعلي، سواء على المستوى المحلي، أو العالمي»، لافتاً إلى أنه حريص على البقاء على تواصل مع الشخصيات التي يقدمها حتى تستفيد من صدى الفيلم.


«تقاسيم»... معرض قاهري على إيقاع الأبيض والأسود

حوش النخيل على ضفاف النيل من أعمال المعرض (الشرق الأوسط)
حوش النخيل على ضفاف النيل من أعمال المعرض (الشرق الأوسط)
TT

«تقاسيم»... معرض قاهري على إيقاع الأبيض والأسود

حوش النخيل على ضفاف النيل من أعمال المعرض (الشرق الأوسط)
حوش النخيل على ضفاف النيل من أعمال المعرض (الشرق الأوسط)

تطل أبراج الحمام فوق البيوت الريفية وفي الخلفية تعلو قامة النخيل الذي يحرس الأرض ويظللها من لهيب الشمس، فيما تسير المراكب أو ترسو بحنوٍّ على صفحة المياه الحقيقية أحياناً والمتخيلة في أحيان أخرى، لتقدم مشهداً مألوفاً في البيئة المصرية مأخوذاً من الحياة اليومية للفلاحين والصيادين وأبناء الطبقات الشعبية.

تمثلات لمفردات الحياة اليومية يقدمها الفنان التشكيلي المصري أسامة ناشد في معرضه «تقاسيم»، المقام في غاليري «ضي» بالزمالك (وسط القاهرة)، عبر استخدام أقلام التحبير، ليقدم لوحاته باللونين الأبيض والأسود، وهو الأسلوب الذي اشتهر به وقدم من خلاله كثيراً من المعارض والمشاركات الفنية.

يرى أسامة ناشد أن الأبيض والأسود ثنائية ثرية تمنح العمل الفني أبعاداً فلسفية عميقة، وتحرّض على التفكير في ثنائيات ذات طابع إنساني عابر للثقافات من خلال ثنائيات للنور والظلام والخير والشر والحضور والغياب، في حين خرجت معظم اللوحات من «القرى والمناطق الريفية التي عشت فيها لفترة طويلة خصوصاً في فترات الطفولة، حيث كنت أتنقل مع والدي مهندس الري من مكان إلى آخر، فتأثرت كثيراً بمساحات الخضرة الشاسعة والبيوت المبنية من الطين وأبراج الحمام». وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن المشاهد التي رآها وتأثر بها اشتبكت مع رؤى فنية في خياله لتتجسد في أكثر من لوحة.

المراكب وحياة الصيادين في لوحات المعرض (الشرق الأوسط)

تنويعات كثيرة على ثيمة النخيل المليء بالبلح تظهر في أعمال الفنان، وتحمل الكثير من الدلالات والإحالات على الأجواء النفسية للمكان الذي عاش فيه الفنان لفترات طويلة في الماضي، وكان يرى في مواجهته تماماً وقت استيقاظه غابة من النخيل، وهو ما ترك أثراً في أعماله ليكون النخيل أحد الرموز المهمة في لوحاته.

أسامة الذي تخرج في كلية الفنون الجميلة بالقاهرة قسم الحفر (الغرافيك) في ثمانينات القرن الماضي يؤكد أن تأثير دراسته لفن الغرافيك ما زال بادياً في أعماله، خصوصاً أن فن الحفر يرتكز بدرجة كبيرة على أبعاد حسية وجمالية تتميز أكثر مع الأبيض والأسود، وقال إن «هناك الكثير من الفنانين والنقاد حين رأوا أعمالي الأولى عدّوها ذات بصمة مميزة، وقالوا إن هذ الاتجاه سيحدد ويصنع ويكرّس بصمتي الفنية».

الفنان رسم البيوت الريفية بالأبيض والأسود (الشرق الأوسط)

وإلى جانب مفردات الطبيعة الصامتة من المراكب والأشرعة والنخيل والبيوت وأبراج الحمام تبرز التفاصيل الشعبية في لوحات الفنان الذي يوضح: «أعجبتني تفاصيل للرسوم الشعبية في بيت نوبي، وأحببت التأكيد عليها وتقديمها بطريقة جديدة، مع تعشيق العناصر الشعبية والرموز المصرية القديمة في اللوحة لتعطيها بعداً جمالياً يتماسّ مع التراث».

ويضم المعرض أكثر من 50 لوحة تشترك معظمها في رصد الحياة الريفية والنيل والنخيل ومركب الصيد والصيادين، وعن ذلك يقول: «أعمل على تنفيذ اللوحات بتقنيات أقلام التحبير الدقيقة جداً، وأقدم مشاهد موجودة في الريف إلى جانب تكوينات متنوعة عبر المركب والأشرعة من خلال الرسم وليس الحفر»، على حد تعبيره، لافتاً إلى أنه كان يفكر في إقامة معرض مستقل عن حياة الصيادين. وقدّم في هذا المعرض لوحتَين فقط من هذه الفكرة تضم أسرة كاملة من الصيادين يعيشون في حب وسلام ويمارسون الصيد مجتمعين دائماً.

حياة الصيادين برزت في العديد من اللوحات (الشرق الأوسط)

يقول الفنان عن أول معارضه في أتيليه القاهرة، حيث كان يضم مجموعة لوحات بالأبيض والأسود: «رآها عدد من الفنانين والنقاد مثل كمال الجويلي وصبحي الشاروني وإبراهيم عبد الملاك وصبري ناشد، وأجمعوا على أن أركز في لوحات الأبيض والأسود بوصفها تحمل بصمة مميزة وطابعاً خاصاً».

لوحات المعرض ارتكزت على ثنائية الأبيض والأسود (الشرق الأوسط)

المنازل الريفية التي رسمها الفنان تشبه بيوت القرى وفي الوقت نفسه تحمل ملمحاً من بيوت سيوة في الصحراء، ويؤكد الفنان أنه تأثر بها أيضاً، لكن الخيال كان له دور في تشكيل تكوينات البيوت والمشاهد الطبيعية التي قدمها في أعماله، مفسراً اختياره اسم المعرض «تقاسيم» لاستمتاعه بالألحان القديمة خلال الرسم وشعوره بأنه يقدم أيضاً نوعاً من التقاسيم الموسيقية ولكن في اللوحات.

Your Premium trial has ended