الرئيسان الصيني والفرنسي يدعوان إلى مفاوضات لوقف الحرب في أوكرانيا

موسكو عجلت برفض وساطة بكين ولا ترى بديلاً عن مواصلة الحرب

منذ وصوله إلى بكين لم يفتأ ماكرون عن «الضغط» على شي لمزيد من الانخراط في عملية السلام (أ.ب)
منذ وصوله إلى بكين لم يفتأ ماكرون عن «الضغط» على شي لمزيد من الانخراط في عملية السلام (أ.ب)
TT

الرئيسان الصيني والفرنسي يدعوان إلى مفاوضات لوقف الحرب في أوكرانيا

منذ وصوله إلى بكين لم يفتأ ماكرون عن «الضغط» على شي لمزيد من الانخراط في عملية السلام (أ.ب)
منذ وصوله إلى بكين لم يفتأ ماكرون عن «الضغط» على شي لمزيد من الانخراط في عملية السلام (أ.ب)

مثلما كان متوقعاً، احتلت المسألة الأوكرانية الحيز الرئيسي من المحادثات التي أجراها، أمس، الرئيسان الصيني والفرنسي، ولاحقاً في الاجتماع الثلاثي الذي شاركت فيه رئيسة المفوضية الأوروبية بحيث طغت على العلاقات الثنائية الفرنسية - الصينية والأوروبية الصينية. وكان واضحاً من خلال التصريحات التي أدلى بها شي جينبينغ وإيمانويل ماكرون، قبل بدء قمتهما الثنائية وعقبها، أن الطرفين يبحثان عن السبل التي من شأنها وقف الحرب الدائرة في أوكرانيا منذ فبراير (شباط) من العام الماضي، والدفع باتجاه إعادتهما إلى طاولة المفاوضات. وفي هذا السياق، لم يفتأ ماكرون عن تكرار أنه يعول على دور حاسم للصين، ممتنعاً عن أي انتقاد، أقله علناً، للسياسة التي سارت عليها بكين منذ 15 شهراً والتي حرصت خلالها على تأكيد «حيادها» بين الطرفين المتحاربين. وكانت مبادرتها الأولى طرح خطة سلام من 12 بنداً قبل شهرين لم تلق تقبلاً، لا من موسكو ولا من أوكرانيا أو الأطراف الغربية الداعمة لها. وتميز ماكرون بأنه كان الأكثر تقبلاً للخطة الصينية من بين كافة القادة الغربيين. وتبين التصريحات الواردة من بكين، في اليوم الثاني من زيارة الدولة التي يقوم بها ماكرون، أنه نجح في إقناع نظيره الصيني بضرورة البحث عن طريقة لاستئناف المفاوضات، وهو ما شدد عليه داعياً إلى أن يتم ذلك «بأسرع وقت من أجل إرساء سلام دائم»، وكان جواب شي جينبينغ مشابهاً؛ إذ دعا بدوره إلى «العودة إلى المحادثات بأسرع وقت ممكن».
استفاد ماكرون من المناسبة لعرض رؤيته للسلام بقوله: «نحن لا نريد إنهاء الصراع فحسب، بل نريد احترام سيادة أوكرانيا وسلامة أراضيها، وهو شرط للسلام الدائم، ونريد من ناحيةٍ عدم حدوث تصعيد على المدى القصير وتحقيق الاستقرار الدائم. وبنظره، فإن الحرب التي أطلقتها روسيا أصابت الاستقرار في العالم، وأن المطلوب اليوم إطلاق مناقشات جادة مع الجميع، وخاصة روسيا في المستقبل القريب، حتى تحترم روسيا المبادئ التي تتشارك بها الصين وفرنسا. ومن نقاط التلاقي التي برزت بين الجانبين رفضهما لاستخدام أسلحة الدمار الشامل. وقال شي إن الأسلحة النووية «لا يجوز أن يتم استخدامها»، متبعاً ذلك بالتنديد بأي هجمات تستهدف المدنيين أو أي استخدام «لأسلحة بيولوجية أو كيماوية». وزاد ماكرون على كلام مضيفه بدعوة «كل الأطراف إلى الالتزام بواجباتها، خصوصاً روسيا التي أعلنت عن عزمها نشر أسلحة نووية في بيلاروسيا»، الأمر الذي يعد مخالفا لالتزاماتها وللقانون الدولي الخاص بمنع انتشار الأسلحة النووية.
بيد أن هذه الرغبة المشتركة الصينية - الفرنسية - الأوروبية اصطدمت سريعاً برفض روسي جاء على لسان الناطق باسم الكرملين بعد ساعات قليلة من المؤتمر الصحافي المشترك شي - ماكرون. وقال ديمتري بيسكوف، الناطق باسم الكرملين، إن الصين «تحظى بالطبع بإمكانية هائلة وفعالة حين يتعلق الأمر بخدمات الوساطة»، لكنه أردف قائلاً إن «الوضع مع أوكرانيا معقد، وليس هناك أي أفق لحصول تسوية سياسية. وفي الوقت الحالي، ليس لدينا حل آخر غير مواصلة العملية العسكرية الخاصة»، وهي التسمية التي يطلقها الكرملين على الحرب الروسية على أوكرانيا.
باستثناء الإعراب عن الرغبة المشتركة لدفع الطرفين إلى طاولة المفاوضات مجدداً، لم يصدر عن الطرفين الصيني والفرنسي أي إشارة إلى آلية معينة لاستئنافها أو للمحددات التي يفترض أن تنطلق على أساسها. والمعروف أن مواقف موسكو وكييف متناقضة تماماً، حيث إن روسيا تريد أن تأخذ المفاوضات بعين الاعتبار ما تسميه «التغيرات الحاصلة على الأرض» أي الاعتراف بضمها أربع مناطق أوكرانية إضافة إلى شبه جزيرة القرم، فيما ترفض كييف التفاوض إلا بعد أن تستعيد كافة أراضيها المحتلة بما فيها شبه جزيرة القرم التي ضمتها موسكو في عام 2014. وسبق لروسيا أن عبرت عن «تحفظات» إزاء الخطة الصينية التي لاقت رفضاً أوكرانياً وفتوراً غربياً. ومشكلة ما عرضته بكين أن خطتها غامضة ونظرية إلى حد بعيد، حيث تشدد، في الوقت عينه، على مبادئ متناقضة مثل احترام وحدة أراضي دول وعلى رأسها بطبيعة الحال أوكرانيا، لكنها تريد في الوقت عينه الدفاع عن المصالح الدبلوماسية والأمنية لروسيا.
منذ وصوله إلى بكين، لم يفتأ ماكرون عن «الضغط» الطري على شي لمزيد من الانخراط في عملية السلام. وفي كلامهما معاً للصحافة قبل اجتماعهما الثنائي، أشاد الأول بقدرة نظيره الصيني على التأثير على قرار الرئيس الروسي، وقال له: « أعلم أن بوسعي الاعتماد عليكم في إقناع روسيا وإعادتها لرشدها وإعادة الجميع إلى طاولة المفاوضات». وأضاف عبر «تويتر»: «أنا مقتنع بأن للصين دوراً رئيسيا في بناء السلام. وهذا ما جئت لمناقشته للمضي به قدماً». وحرص ماكرون على التذكير بنقاط الالتقاء بينه وبين شي، خصوصاً تأكيد الأخير أنه «لا يمكن استخدام السلاح النووي»، وتنديده بأي «هجوم يستهدف مدنيين». ويبدو أن الرئيس الصيني استجاب، من جانب آخر، لإلحاح ماكرون بالإعلان عن استعداده للاتصال بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي «في الوقت المناسب»، وفق ما أفاد به مصدر دبلوماسي فرنسي في بكين كما نقلت عنه وكالة الصحافة الفرنسية.
وحتى اليوم، امتنع شي عن التواصل مع زيلينسكي الذي أكد علناً وأكثر من مرة، رغبته واستعداده للتحاور مع الرئيس الصيني، ودعاه لزيارة كييف، والاطلاع على وجهة النظر الأوكرانية وليس الاكتفاء بما يسمعه من موسكو. كذلك كشف المصدر المذكور أن ماكرون «طلب بإلحاح من شي عدم إرسال» أيّ إمدادات إلى موسكو «لدعم حربها على أوكرانيا». وتتخوف الدول الغربية من أن انخراط بكين في تقديم الأسلحة للقوات الروسية من شأنه أن يغير مسار الحرب لصالح موسكو. لكن بكين تنفي بقوة أن يكون من بين مخططاتها تقديم السلاح لروسيا؛ لأنها تعتبر أن ذلك سيعرضها لعقوبات أميركية - غربية. وإذا كانت الصين ستقرن القول بالفعل، فإن ماكرون يكون قد نجح في مهمته القاضية بـ«زحزحة» المواقف الصينية ودفع الصين لتكون «صانعة السلام»، رغم تقاربها الواضح مع روسيا، بحسب ما برز خلال زيارة الأيام الثلاثة التي قام بها الرئيس الصيني إلى موسكو الشهر الماضي. وتجدر الإشارة إلى أن الزعيمين الصيني والروسي اللذين أكدا، بهذه المناسبة، أن صداقتهما «بلا حدود»، قدما نفسيهما كحليفين استراتيجيين مصممين على مقاومة الهيمنة الأميركية. كذلك، فإن شي في كل تصريحاته لم ينتقد أبداً الاجتياح الروسي، ولم تصوت بلاده إطلاقاً لصالح القرارات التي طرحها الغربيون؛ إنْ في مجلس الأمن أو في الأمم المتحدة، للتنديد بالغزو الروسي، وللمطالبة بخروج القوات الروسية من أوكرانيا.
هل ستغير محادثات بكين شيئاً في مسار الحرب؟ السؤال مطروح. إلا أن مصادر أوروبية في باريس استبعدت حصول أي اختراق على صعيد معاودة المفاوضات في المستقبل القريب أو التوصل إلى هدنة أو وقف لإطلاق النار، فيما الطرفان الروسي والأوكراني يستعدان لاستئناف العمليات العسكرية على نطاق واسع في الأسابيع القليلة المقبلة. وترجح هذه المصادر أن ما ستسفر عنه العمليات الميدانية هو العامل الذي سيدفع الأمور بهذا الاتجاه أو ذاك، علماً بأن كييف ومعها واشنطن وجهات أوروبية على رأسها بريطانيا وبولندا ودول البلطيق، تحث زيلينسكي على رفض أي هدنة أو وقف للقتال؛ لأنه «سيكون لصالح روسيا». ووفق الصورة التي يعكسها المشهد الدولي في الوقت الراهن، لا يبدو أن ثمة وسيطاً آخر غير الصين. من هنا، أهمية التشديد الأوروبي على ضرورة أن تكون الصين هي الجهة التي تعيد الطرفين إلى طاولة المفاوضات.
يبدو أن ماكرون، بزيارة الدولة التي تنتهي اليوم للصين، كان يريد تحقيق هدفين: الأول، العمل على بقاء بكين بعيدة عن الالتصاق بروسيا والسعي للقيام بشيء مشترك معها على صعيد وضع حد للحرب المتواصلة في أوكرانيا، ويبدو أنه حصل على تفهم وتقبل الزعيم الصيني، لكن العبرة في النتائج العملية. والهدف الثاني أن يكون صوتاً لأوروبا وليس فقط ناطقاً باسم فرنسا. من هنا تأتي أهمية ضم رئيسة المفوضية الأوروبية للزيارة، مع إفهام الجانب الصيني أنه لا يتبنى بالضرورة كل القراءة الأميركية لمصير الحرب الدائرة، ولا لاعتبار أن بكين هي «خصم منهجي» تتعين مواجهته، بل يريد التعاون معها. وأفادت مصادر الإليزيه بأن المحادثات كانت «صريحة وبناءة». وفي القاموس الدبلوماسي تعني كلمة «صريحة» أن الطرفين لم يعبرا عن وجهات نظر متقاربة. وبالمقابل، وصفتها بكين بأنها جاءت «ودودة ومتعمقة». ونقل التلفزيون الصيني عن شي قوله إن الصين وفرنسا تتحليان بالقدرة والمسؤولية لتجاوز «الخلافات» و«العقبات» في ظل ما يمر به العالم من تغييرات جوهرية تاريخية. وأضاف أن الصين عازمة على العمل مع الاتحاد الأوروبي لاستئناف «التواصل» على جميع الأصعدة.


مقالات ذات صلة

فرنسا: صدامات بين الشرطة ومتظاهرين في عيد العمال

العالم فرنسا: صدامات بين الشرطة ومتظاهرين في عيد العمال

فرنسا: صدامات بين الشرطة ومتظاهرين في عيد العمال

نزل مئات الآلاف إلى شوارع فرنسا، اليوم (الاثنين)، بمناسبة عيد العمّال للاحتجاج على إصلاح نظام التقاعد الذي أقرّه الرئيس إيمانويل ماكرون، في مظاهرات تخلّلتها في باريس خصوصاً صدامات بين الشرطة ومتظاهرين. وتوقّعت السلطات الفرنسية نزول ما بين ألف وألفين من الأشخاص الذين يشكّلون «خطراً»، وفقاً لمصادر في الشرطة.

«الشرق الأوسط» (باريس)
العالم فرنسا: ماكرون يتطلّع إلى انطلاقة جديدة لعهده

فرنسا: ماكرون يتطلّع إلى انطلاقة جديدة لعهده

بإعلانه فترة من مائة يوم لانطلاقة جديدة بعد تعثّر، يقرّ الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بالمأزق السياسي الذي وصل إليه بعد مرور عام على إعادة انتخابه. في 24 أبريل (نيسان) 2022 أعيد انتخاب الرئيس البالغ من العمر 44 عاماً، وهزم بذلك مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبن في الدورة الثانية، تماماً كما حدث قبل خمس سنوات. وهذا يعد إنجازاً في ظل الجمهورية الخامسة خارج فترة التعايش، من جانب الشخص الذي أحدث مفاجأة في 2017 من خلال تموضعه في الوسط لتفكيك الانقسامات السياسية القديمة. لكن انطلاقة هذه الولاية الثانية، التي ستكون الأخيرة حسب الدستور، فقدت زخمها على الفور.

«الشرق الأوسط» (باريس)
العالم شعبية ماكرون تقترب من أدنى مستوياتها

شعبية ماكرون تقترب من أدنى مستوياتها

أظهر استطلاع للرأي نشرت نتائجه اليوم (السبت)، أن أكثر من 70 في المائة من الفرنسيين غير راضين عن أداء الرئيس إيمانويل ماكرون الذي تقترب شعبيته من أدنى مستوياتها، في تراجع يعود بشكل رئيسي إلى إصلاح نظام التقاعد المثير للجدل. وبحسب الاستطلاع الذي أجراه «معهد دراسات الرأي والتسويق» (إيفوب) لحساب صحيفة «لو جورنال دو ديمانش»، أبدى نحو 26 في المائة فقط من المشاركين رضاهم عن أداء الرئيس، بتراجع نقطتين مقارنة باستطلاع مماثل في مارس (آذار).

«الشرق الأوسط» (باريس)
ماكرون يواجه موجة غضب شعبي

ماكرون يواجه موجة غضب شعبي

يواجه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون موجة غضب شعبي مستمرة بعد إقرار قانون إصلاح نظام التقاعد.

«الشرق الأوسط» (باريس)
العالم ماكرون يوسّع مروحة اتصالاته لاستئناف مفاوضات السلام بين روسيا وأوكرانيا

ماكرون يوسّع مروحة اتصالاته لاستئناف مفاوضات السلام بين روسيا وأوكرانيا

رغم انشغال الرئيس الفرنسي بالوضع الداخلي، واستعادة التواصل مع مواطنيه بعد «معركة» إصلاح قانون التقاعد الذي أنزل ملايين الفرنسيين إلى الشوارع احتجاجاً منذ منتصف شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، فإنه ما زال يطمح لأن يلعب دوراً ما في إيجاد مَخرج من الحرب الدائرة في أوكرانيا منذ 14 شهراً. ولهذا الغرض، يواصل إيمانويل ماكرون شخصياً أو عبر الخلية الدبلوماسية في قصر الإليزيه إجراء مروحة واسعة من الاتصالات كان آخرها أول من أمس مع الرئيس الأميركي جو بايدن.

ميشال أبونجم (باريس)

ما دور غرينلاند في الدفاع النووي و«القبة الذهبية» التي يعتزم ترمب بناءها؟

منازل مضاءة على طول الساحل مع بزوغ ضوء الصباح الباكر فوق التلال المغطاة بالثلوج في نوك بغرينلاند 22 يناير 2026 (أ.ف.ب)
منازل مضاءة على طول الساحل مع بزوغ ضوء الصباح الباكر فوق التلال المغطاة بالثلوج في نوك بغرينلاند 22 يناير 2026 (أ.ف.ب)
TT

ما دور غرينلاند في الدفاع النووي و«القبة الذهبية» التي يعتزم ترمب بناءها؟

منازل مضاءة على طول الساحل مع بزوغ ضوء الصباح الباكر فوق التلال المغطاة بالثلوج في نوك بغرينلاند 22 يناير 2026 (أ.ف.ب)
منازل مضاءة على طول الساحل مع بزوغ ضوء الصباح الباكر فوق التلال المغطاة بالثلوج في نوك بغرينلاند 22 يناير 2026 (أ.ف.ب)

في حرب نووية افتراضية تشمل روسيا والصين والولايات المتحدة، ستكون جزيرة غرينلاند في قلب المعركة.

تُعدّ الأهمية الاستراتيجية لهذه المنطقة القطبية الشمالية - الواقعة ضمن مسارات الصواريخ النووية الصينية والروسية التي قد تسلكها في طريقها لتدمير أهداف في الولايات المتحدة، والعكس صحيح - أحد الأسباب التي استشهد بها الرئيس الأميركي دونالد ترمب في حملته المثيرة للجدل لانتزاع السيطرة على غرينلاند من الدنمارك، مما أثار قلق سكان غرينلاند وحلفائهم الأوروبيين على حد سواء، وفق تقرير لوكالة «أسوشييتد برس».

يزعم ترمب أن ملكية الولايات المتحدة لغرينلاند ضرورية لـ«القبة الذهبية»، وهي منظومة دفاع صاروخي بمليارات الدولارات، يقول إنها ستكون جاهزة للعمل قبل انتهاء ولايته في عام 2029.

وقال ترمب في منشور على منصة «تروث سوشيال» السبت: «بسبب القبة الذهبية، وأنظمة الأسلحة الحديثة، الهجومية والدفاعية على حد سواء، فإن الحاجة إلى الاستحواذ عليها (غرينلاند) بالغة الأهمية». أدى ذلك إلى أسبوع آخر متقلب بشأن الإقليم الدنماركي شبه المستقل، حيث ضغط ترمب مجدداً من أجل سيادته الأميركية على الجزيرة قبل أن يتراجع ظاهرياً، معلناً يوم الأربعاء «إطاراً لاتفاق مستقبلي» بشأن أمن القطب الشمالي، وهو اتفاق قد لا تكون له الكلمة الأخيرة في هذا الملف.

فيما يلي نظرة فاحصة على موقع غرينلاند عند مفترق طرق للدفاع النووي.

مسارات صواريخ ICBM

تميل صواريخ ICBM، التي قد يطلقها الخصوم النوويون بعضهم على بعض إذا ما وصل الأمر إلى ذلك، إلى اتخاذ أقصر مسار مباشر في مسار باليستي إلى الفضاء ثم الهبوط من صوامعها أو منصات إطلاقها إلى أهدافها. وأقصر مسارات الطيران من الصين أو روسيا إلى الولايات المتحدة - والعكس - ستمر عبر منطقة القطب الشمالي وبالتالي احتمال كبير أن تمر فوق غرينلاند.

على سبيل المثال، ستحلّق صواريخ توبول إم الروسية، التي تُطلق من مجمع صوامع تاتيشيفو جنوب شرقي موسكو، عالياً فوق غرينلاند إذا تم توجيهها نحو قوة الصواريخ الباليستية العابرة للقارات الأميركية المكونة من 400 صاروخ مينيوتمان 3، والمتمركزة في قاعدة مينوت الجوية في ولاية داكوتا الشمالية الأميركية، وقاعدة مالمستروم الجوية في ولاية مونتانا، وقاعدة وارن الجوية في ولاية وايومنغ.

كما يمكن لصواريخ دونغ فنغ 31 الصينية، إذا أُطلقت من حقول صوامع جديدة تقول وزارة الحرب الأميركية إنها بُنيت في الصين، أن تحلّق فوق غرينلاند إذا استهدفت الساحل الشرقي للولايات المتحدة.

وقال ترمب يوم الأربعاء، في المنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا: «إذا اندلعت حرب، فسوف يجري جزء كبير من العمليات على تلك البقعة الجليدية. تخيّلوا الأمر: ستحلّق تلك الصواريخ فوق قلب البلاد مباشرة».

قاعدة بيتوفيك الفضائية

تعمل مجموعة من رادارات الإنذار المبكر بعيدة المدى كعيون البنتاغون في مواجهة أي هجوم صاروخي. وتقع أقصى هذه الرادارات شمالاً في غرينلاند، في قاعدة بيتوفيك الفضائية. يمكّن موقع هذه القاعدة فوق الدائرة القطبية الشمالية، وفي منتصف المسافة تقريباً بين واشنطن وموسكو، من مراقبة منطقة القطب الشمالي عبر رادارها، وصولاً إلى روسيا، ورصد المسارات المحتملة للصواريخ الصينية الموجّهة نحو الولايات المتحدة.

يقول بافيل بودفيغ، المحلل المقيم في جنيف والمتخصص في الترسانة النووية الروسية: «هذا (الموقع) يمنح الولايات المتحدة مزيداً من الوقت للتفكير في الخطوة التالية. غرينلاند موقع مثالي لذلك».

يرى الخبراء ثغرات في حجج ترمب الأمنية التي يتبنّاها لضم غرينلاند. ففي معرض حديثه عن «القبة الذهبية» في دافوس، قال ترمب إن الولايات المتحدة بحاجة إلى امتلاك هذه الجزيرة للدفاع عنها.

وقال: «لا يمكن الدفاع عنها باستئجارها».

لكن خبراء الدفاع يجدون صعوبة في فهم هذا المنطق، نظراً لأن الولايات المتحدة تُدير عملياتها في قاعدة بيتوفيك في غرينلاند منذ عقود دون امتلاك الجزيرة.

يشير إتيان ماركوز، الخبير الفرنسي في مجال الدفاع النووي، إلى أن ترمب لم يتحدث قط عن حاجته للسيطرة على المملكة المتحدة (بريطانيا)، رغم أنها، مثل غرينلاند، تلعب دوراً مهماً في منظومة الدفاع الصاروخي الأميركية.

أجهزة استشعار فضائية بدل غرينلاند

يخدم رادار الإنذار المبكر، الذي تشغله القوات الجوية الملكية البريطانية في فايلينغديلز شمال إنجلترا، حكومتي المملكة المتحدة والولايات المتحدة، حيث يقوم بمسح المنطقة بحثاً عن الصواريخ الآتية من روسيا وغيرها، وصولاً إلى القطب الشمالي. وشعار الوحدة العسكرية هناك هو «فيجيلاموس» (Vigilamus)، وهي عبارة لاتينية تعني «نحن نراقب».

يمكن أن يشمل نظام «القبة الذهبية» متعدد الطبقات الذي تصوّره ترمب أجهزة استشعار فضائية لكشف الصواريخ. ويقول ماركوز، وهو خبير سابق في الدفاع النووي بوزارة الدفاع الفرنسية، ويعمل حالياً في مؤسسة الأبحاث الاستراتيجية في باريس، إن هذه الأجهزة قد تقلل من حاجة الولايات المتحدة إلى محطة الرادار الموجودة في غرينلاند.

وأضاف ماركوز: «ادعاء ترمب بأنّ غرينلاند حيوية لنظام القبة الذهبية، وبالتالي ضرورة غزوها، أو بالأحرى الاستيلاء عليها، هو ادعاء خاطئ لعدة أسباب».

وأوضح: «أحد هذه الأسباب هو وجود رادار في المملكة المتحدة، على سبيل المثال، ولا علم لي بوجود أيّ نيّة لغزو المملكة المتحدة. والأهم من ذلك، وجود أجهزة استشعار جديدة قيد الاختبار والنشر، والتي ستُقلّل في الواقع من أهمية غرينلاند».

صواريخ اعتراضية ضمن نظام القبة الذهبية

نظراً لموقعها، يُمكن أن تكون غرينلاند موقعاً مناسباً لنشر صواريخ اعتراضية ضمن نظام القبة الذهبية، لمحاولة تدمير الرؤوس الحربية قبل وصولها إلى الولايات المتحدة.

وكتب ترمب في منشوره الأسبوع الماضي: «لا يُمكن لهذا النظام شديد التعقيد أن يعمل بأقصى طاقته وكفاءته إلا إذا كانت هذه الأرض (أي غرينلاند) مُدرجة فيه».

لكن الولايات المتحدة لديها بالفعل حق الوصول إلى غرينلاند بموجب اتفاقية دفاعية أُبرمت عام 1951. قبل أن يُصعّد ترمب الضغط على الإقليم والدنمارك التي يتبعها الإقليم، كان من المرجح أن يقبلا بسهولة أي طلب عسكري أميركي لتوسيع الوجود العسكري هناك، وفقاً لخبراء. كانت أميركا تمتلك سابقاً قواعد ومنشآت متعددة، لكنها تخلّت عنها لاحقاً، ولم يتبقَّ سوى قاعدة بيتوفيك.

قال ماركوز: «كانت الدنمارك الحليف الأكثر امتثالاً للولايات المتحدة. أما الآن، فالوضع مختلف تماماً. لا أعرف ما إذا كان سيتم منح التفويض، لكن على أي حال، في السابق، كانت الإجابة دائماً (من الدنمارك): نعم»، للطلبات العسكرية الأميركية.


برّاك يؤكد دعم واشنطن القوي لاتفاق وقف إطلاق النار بين «قسد» والحكومة السورية

المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم برّاك (رويترز)
المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم برّاك (رويترز)
TT

برّاك يؤكد دعم واشنطن القوي لاتفاق وقف إطلاق النار بين «قسد» والحكومة السورية

المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم برّاك (رويترز)
المبعوث الأميركي الخاص إلى سوريا توم برّاك (رويترز)

قال المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برّاك اليوم (الخميس) إنه أكد مجدداً لقائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي، أن الولايات المتحدة تدعم بقوة اتفاق وقف إطلاق النار بين الحكومة و«قسد»، والذي تم التوصل إليه في 18 يناير (كانون الثاني) الحالي.

وقال برّاك في منشور على منصة «إكس»: «أكدت الولايات المتحدة مجدداً دعمها القوي والتزامها بتعزيز عملية الدمج الموضحة في اتفاق 18 يناير بين (قوات سوريا الديمقراطية) والحكومة السورية».

وأضاف أن الخطوة الأولى الضرورية هي الالتزام الكامل بوقف إطلاق النار، في إطار عملية بناء الثقة من جميع الأطراف من أجل الاستقرار الدائم.

ونقلت «الوكالة العربية السورية للأنباء» عن مصدر بوزارة الخارجية القول اليوم إن جميع الخيارات مفتوحة؛ من الحل السياسي إلى الحل الأمني إلى العسكري... حال انهيار اتفاق وقف إطلاق النار.

وتبادلت الحكومة السورية و«قسد» الاتهامات اليوم؛ إذ اتهمت «قوات سوريا الديمقراطية» القوات التابعة للحكومة بقصف سجن الأقطان في شمال الرقة بالأسلحة الثقيلة «بالتزامن مع حصار محيط السجن بالدبابات والعناصر»، وبقطع المياه عن مدينة عين العرب (كوباني)، وقالت إنه «ليس مجرد اعتداء عسكري، بل جريمة حرب مكتملة الأركان». لكن وزارة الطاقة السورية نفت ذلك، وقالت إن انقطاعها يعود لأعطال فنية نتيجة أضرار لحقت بإحدى المحطات في السابق جراء اعتداءات قوات «قسد» على البنية التحتية للطاقة في المنطقة.


نائب رئيس وزراء غرينلاند: لن نتخلى عن بلدنا لآخرين

نائب رئيس وزراء غرينلاند ميوتي إيغيدي خلال مؤتمر صحافي في مدينة نوك بغرينلاند 14 يناير 2026 (أ.ف.ب)
نائب رئيس وزراء غرينلاند ميوتي إيغيدي خلال مؤتمر صحافي في مدينة نوك بغرينلاند 14 يناير 2026 (أ.ف.ب)
TT

نائب رئيس وزراء غرينلاند: لن نتخلى عن بلدنا لآخرين

نائب رئيس وزراء غرينلاند ميوتي إيغيدي خلال مؤتمر صحافي في مدينة نوك بغرينلاند 14 يناير 2026 (أ.ف.ب)
نائب رئيس وزراء غرينلاند ميوتي إيغيدي خلال مؤتمر صحافي في مدينة نوك بغرينلاند 14 يناير 2026 (أ.ف.ب)

أكّد نائب رئيس وزراء غرينلاند، اليوم (الخميس)، أن أيّ محاولة «للتخلّي عن بلدنا لآخرين» هي «غير مقبولة»، غداة إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب إطار اتفاق حول الجزيرة مع حلف شمال الأطلسي (ناتو)، حسبما أفادت به «وكالة الصحافة الفرنسية».

وكتب ميوتي إيغيدي في منشور على «فيسبوك»: «أيّاً كانت الضغوط الممارَسة من الآخرين، فإن بلدنا لن يتمّ التخلّي عنه ولن يكون موضع مزايدات على مستقبلنا».

وأضاف: «من غير المقبول محاولة التخلّي عن بلدنا لآخرين. فهذا بلدنا ونحن من يحدّد مستقبله».

وغرينلاند جزيرة في القطب الشمالي تابعة للدنمارك وتتمتع بحكم ذاتي.

وبعد محادثات بين الأمين العام للناتو والرئيس ترمب، أمس (الأربعاء)، في دافوس على هامش المنتدى الاقتصادي العالمي، تراجع ترمب عن تهديداته بالاستيلاء على غرينلاند بالقوّة، معلناً التوصّل إلى «إطار» لاتفاق حول الجزيرة يلبّي رغباته.

وأفاد مصدر مطّلع على المناقشات في دافوس «وكالة الصحافة الفرنسية»، اليوم، بأن الولايات المتحدة والدنمارك ستعيدان التفاوض على اتفاق الدفاع بينهما في شأن غرينلاند الذي وُقّع عام 1951.

وقال إيغيدي: «هذا هو البلد الذي ورثناه من أجدادنا، ولنا أن ننقله إلى أحفادنا».

ومن المرتقب أن يعقد رئيس وزراء غرينلاند ينس-فريديريك نيلسن، الذي لم يعلّق بعد على آخر التطوّرات، مؤتمراً صحافياً في عاصمة الجزيرة، نوك، عند الساعة 16:00 بتوقيت غرينتش.