ماكرون يبحث في بكين عن خيوط حل سياسي لأزمة أوكرانيا

زيارة الرئيس الفرنسي تعكس الحرص على التحاور مع الصين مقابل المقاربة الأميركية «الصدامية»

الرئيس الفرنسي خلال زيارته لمتحف الطوب الأحمر في بكين (رويترز)
الرئيس الفرنسي خلال زيارته لمتحف الطوب الأحمر في بكين (رويترز)
TT

ماكرون يبحث في بكين عن خيوط حل سياسي لأزمة أوكرانيا

الرئيس الفرنسي خلال زيارته لمتحف الطوب الأحمر في بكين (رويترز)
الرئيس الفرنسي خلال زيارته لمتحف الطوب الأحمر في بكين (رويترز)

استبق الرئيس إيمانويل ركوبه الطائرة متجهاً إلى بكين في زيارة دولة من ثلاثة أيام، الأولى من نوعها منذ العام 2019، مصطحباً رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين، باتصال هاتفي بالرئيس الأميركي جو بايدن للتشاور معه بشأن الحرب الروسية على أوكرانيا؛ لأنها على رأس جدول مباحثاته مع نظيره شي جينبينغ. وجاء في بيان مقتضب وزّعه قصر الإليزيه، أن ماكرون وبايدن «تناولا رغبتهما المشتركة في دفع الصين للانخراط من أجل تسريع وضع حد للحرب في أوكرانيا وبناء سلام دائم في المنطقة».
وجاء الاتصال مع الرئيس الأميركي لتتويج سلسلة من المشاورات قام بها ماكرون وشملت، بالطبع، الرئيس الأوكراني ومسؤولين أوروبيين بحيث لا يكون متحدثاً فقط باسم فرنسا، بل باسم الاتحاد الأوروبي والغرب بشكل عام. فضلاً عن ذلك، فإن هذه المشاورات تبيّن أن الملف الأوكراني والدور الذي يمكن أن تلعبه الصين سيكون محورياً في اللقاءات الثلاثة التي سيعقدها ماكرون مع شي جينبينغ اليوم (الخميس) وغداً (الجمعة) وستشارك فون دير لاين بواحد منها مساء اليوم.
ومنذ وصوله إلى بكين، كشف ماكرون عن طبيعة مهمته بخصوص الحرب الأوكرانية في إطار رده على أسئلة صحافية من جهة وفي الكلمة التي ألقاها أمام أعضاء من الجالية الفرنسية في الصين، أنه يعول على دور لبكين القادرة على أن «تلعب دوراً رئيسياً» في البحث عن سبيل ّيؤدي إلى السلام. وسبق لمصادر رئاسية فرنسية أن قالت سابقاً، في معرض تقديمها للزيارة، إن الصين هي «الجهة الوحيدة القادرة على التأثير على الرئيس الروسي»، كما أنها قادرة على «دفع الحرب بهذا الاتجاه أو ذاك». والتخوف الكبير للغربيين أن تعمد الصين إلى تقديم الدعم العسكري للقوات الروسية، وهو ما نبّه منه ماكرون بتأكيده أن الصين إن فعلت فإنها «توفر دعماً للمعتدي»، كما أنها تتحول إلى «شريك في انتهاك القانون الدولي». إلا أن التحذير ترافق مع إرسال إشارات إيجابية للقيادة الصينية بقوله إنها «اقترحت خطة سلام... وأنه بذلك تظهر إرادة لتحمل مسؤولياتها ومحاولة شق طريق تؤدي إلى السلام».
وفي كلمته أمام الجالية الفرنسية، توقف ماكرون مطولاً عند هذه النقطة التي وضعها في إطار «الحوار الاستراتيجي» مع الصين، مشدداً على أن باريس وبكين؛ نظراً لكونهما عضوين دائمي العضوية في مجلس الأمن الدولي «ملزمتان بالدفاع عن شرعة الأمم المتحدة» التي انتهكتها روسيا. وأضاف ماكرون ما حرفيته «لقد تمسكت الصين بشرعة الأمم المتحدة التي تنص على (احترام) سيادة الدول وسلامة أراضيها، وأعتقد أن الدفاع عنها يعني البحث معاً عن الطريق المفضية إلى السلام»؛ وإذ أشار الرئيس الفرنسي إلى «خطة السلام» من 12 بنداً، التي طرحتها بكين في شهر فبراير (شباط) الماضي، فقد سارع إلى القول: إن بلاده «لا تتبناها بكليتها، إلا أنها تكتسي، رغم ذلك، أهمية وتبيّن رغبة (صينية) في الانخراط من أجل إيجاد حل للنزاع».
ترى باريس في العرض الصيني عناصر إيجابية أخرى مثل رفض اللجوء إلى السلاح النووي، معتبراً أن ذلك يعني أن بكين «تتحمل مسؤولياتها» على هذا الصعيد نظراً للتطورات الجارية، ومنها خطة روسيا لنشر أسلحة نووية على أراضي بيلاروسيا. بيد أن المأخذ الفرنسي والغربي الأول، أن الخطة الصينية لا تدعو إلى انسحاب القوات الروسية من الأراضي التي احتلتها في أوكرانيا. وفي أي حال، تؤكد مصادر دبلوماسية أوروبية في باريس، أن الحديث عن السلام اليوم يبدو «مبكراً نظراً؛ لأن كل الأطراف تنتظر التغيرات الميدانية التي ستطرأ في الأسابيع المقبلة، والتي ستكون لها انعكاساتها المباشرة على أي جهود لإعادة فح باب المفاوضات والسعي إلى السلام. وفي أي حال، فإن ماكرون، كما بقية الغربيين، يرى أن علاقات الصين القوية مع روسيا التي شهدت مزيداً من التعزيز بمناسبة زيارة شين جينبينغ الأخيرة إلى موسكو، «تبين أن الصين يمكن أن تلعب دوراً رئيسياً»، لا، بل حاسماً. وما لا يريده ماكرون أن تخلى الساحة الأوروبية لروسيا وحدها في تعاطيها مع الصين وهو ما لا يقبل به. وخلاصة ماكرون، أنه يتعين الحديث مباشرة مع الصين عن الحرب في أوكرانيا وعن العدوان الروسي وعن نتائجه وتبعاته على أوروبا والشرق الأوسط والقارة الأفريقية... وما لا يريده ماكرون هو التهديد بفرض عقوبات على بكين «لأن التهديد ليس الطريقة المناسبة»، بل المناسب «السعي لبناء شيء ما معها في إطار المسؤولية المشتركة من أجل السلام والاستقرار الدولي أيضاً بخصوص إيران وكوريا الشمالية وليس فقط بالنسبة لأوكرانيا. هذه هي مسؤوليتنا».
سيطرح الملف الأوكراني في الاجتماع الثلاثي بحضور فون دير لاين، التي يرى مراقبون في باريس أن خطابها يقترب كثيراً من اللغة المستخدمة أميركياً. وسبق لها أن نبّهت الأسبوع الماضي من أن «الطريقة التي ستتصرف بها الصين بشأن الحرب في أوكرانيا ستشكل العامل الحاسم لمستقبل العلاقات بينها وبين الاتحاد الأوروبي». وفي الأسبوع الماضي، دعت فون دير لاين خلال خطاب رئيسي حول العلاقة بين الاتحاد الأوروبي والصين إلى إعادة التوازن في العلاقات مع أكثر الدول اكتظاظاً بالسكان في العالم. كما شددت فون دير لاين، على أن الاتحاد الأوروبي يجب أن يصبح أكثر استقلالية ويقلل من المخاطر الاقتصادية، مؤكدة في الوقت نفسه أنه ليس هناك مصلحة في الابتعاد عن الصين. ودعت وزيرة الخارجية الألمانية أنالينا بيربوك إلى تقليل المخاطر في العلاقات مع الصين. وقالت الوزيرة على هامش اجتماع لحلف شمال الأطلسي (الناتو) في بروكسل أمس (الأربعاء): إن هذا لا يعني قطع العلاقات مع الصين، مؤكدة في المقابل ضرورة تقليل التبعيات لطرف واحد؛ وذلك لصالح أمن الدول. واستشهدت بيربوك بموقف الصين من الاجتياح الروسي لأوكرانيا كسبب لموقفها، موضحة أن الصين بصفتها عضواً في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة لديها بالفعل مسؤولية خاصة، مضيفاً أن الانسحاب إلى «ما يسمى بالحياد» لا يليق بالصين، موضحة أن الشركاء الأوروبيين أوضحوا لذلك أن تقليل المخاطر أمر ضروري. وفي حلف «الناتو» تضغط الولايات المتحدة على وجه الخصوص من أجل معالجة المخاطر المحتملة فيما يتعلق بالعلاقات مع الصين.
وفي أي حال، فإن زيارة ماكرون تعني أن باريس حريصة على إبقاء باب التحاور مع بكين مفتوحاً بحيث إنها تبتعد عن المقاربة الأميركية «الصدامية» مع الصين. وقال الرئيس الفرنسي «نسمع أكثر فأكثر أصواتاً ترتفع للتعبير عن قلق شديد حول مستقبل العلاقات بين الغرب والصين مع التوصل نوعاً ما إلى خلاصة مفادها أن ثمة دوامة توتر متنامٍ لا مفر منها». لكنه أضاف «لا أريد هذا السيناريو».
ومن جانبه، قال مصدر فرنسي «نحن حلفاء الولايات المتحدة ولسنا على مسافة واحدة من بكين وواشنطن، لكن لدينا مصالح (مع الصين) ولدينا مقاربتنا (معها)» المختلفة عن المقاربة الأميركية. وفي الملفات السياسية، قالت مصادر الإليزيه: إن الرئيسين سيبحثان أوضاع الشرق الأوسط بشكل عام بما فيها الملف النووي الإيراني. وتجدر الإشارة إلى الدور الذي لعبته بكين في التقريب بين المملكة السعودية وإيران والتوصل إلى الاتفاق الذي وقع بين الطرفين برعاية بكين التي ستستضيف اليوم اجتماع وزيري خارجية البلدين. كذلك، سيكون الملف الكوري الشمالي موضع تباحث؛ نظراً للتوتر المتواصل في المنطقة والذي تتسبب كوريا الشمالية من خلال إطلاق الصواريخ وتطوير قدراتها النووية في جزء كبير منه. ووعد الوفد الفرنسي بالتطرق إلى مسألة حقوق الإنسان، ولا سيما في منطقة شينجيانغ التي يرى مراقبون كثر أنها تشهد قمعاً كبيراً للمسلمين الأويغور.
ثمة ملفات أخرى رئيسية، اقتصادية، تجارية، ثقافية وفنية وعلمية وبيئية ستكون موضع مناقشات مع الجانب الصيني. وتبين تشكيلة الوفد الكبير الرسمي والاقتصادي والثقافي والمدني الطموحات الفرنسية «والأوروبية» من هذه الزيارة. ووفق ماكرون، فإن فرنسا والاتحاد الأوروبي يجب «ألا ينفصلا» عن الصين على الصعيد الاقتصادي، بل المحافظة على «طريق واقعية وطموح» معها، مضيفاً أنه «يتعين ألا ننفصل عن الصين، بل الانخراط في علاقة تجارية متواصلة مع الصين».
وستشهد الزيارة، وفق ماكرون، توقيع «عقود كبيرة» اليوم، بعد اجتماعه الأول مع نظيره الصيني، حيث رافقه أكثر من 50 رئيس شركة فرنسية رئيسية، منها «إيرباص» و«كهرباء فرنسا» و«فيوليا»... وتشكو باريس من انعدام التوازن في المبادلات التجارية بين الطرفين ومن «الحمائية» التي تواجهها الشركات الفرنسية لجهة الدخول إلى السوق الصينية. ويعمل الأوروبيون على تخفيف الاعتماد على الصين لتوفير المكونات ذات الأهمية الاستراتيجية مثل الرقائق الإلكترونية.
وفي سياق آخر، ستتخلل الزيارة جوانب ثقافية وفنية في مدينة كانتون (جنوب الصين) التي ينتقل إليها الوفد الفرنسي، حيث سيدعوه شي جينبينغ وعقيلته إلى عشاء خاص؛ تعبيراً عن العلاقة الخاصة التي يريد بناءها مع ماكرون. وتريد باريس «إحياء التواصل» على كل المستويات والمبادلات الإنسانية، ولا سيما بين طلاب البلدين بالتوازي مع تعزيز العلاقات الثقافية. وفي هذا الإطار، يفتتح ماكرون مهرجان «كروازمان» (تقاطعات) الصيني - الفرنسي الذي يقدم على أنه أكبر مهرجان أجنبي في الصين.


مقالات ذات صلة

بولندا تعتزم إنشاء وحدة احتياط عسكرية للرد السريع

أوروبا جنديان بولنديان يطلقان النار من نظام الدفاع الجوي المحمول «بيورون» خلال مشاركتهما في تدريبات عسكرية «المدافع الحديدي» التي أجرتها القوات البولندية مع جنود حلف شمال الأطلسي بالقرب من أورزيسز بولندا... 17 سبتمبر 2025 (رويترز)

بولندا تعتزم إنشاء وحدة احتياط عسكرية للرد السريع

تعتزم بولندا إنشاء فئة جديدة من احتياطي الجيش، يمكن تعبئتها في غضون مهلة قصيرة جداً في حالات الطوارئ، وذلك في إطار خطتها لتوسيع جيشها.

«الشرق الأوسط» (وارسو)
أوروبا وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف (رويترز)

وزير الخارجية الروسي: أميركا لن تدعم نشر قوات أوروبية في أوكرانيا

قال وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف اليوم إن رد الولايات المتحدة على الفكرة التي روجت لها دول أوروبية بشأن نشر قوات في أوكرانيا «لن يكون إيجابياً».

«الشرق الأوسط» (موسكو)
أوروبا مقر الاتحاد الأوروبي في بروكسل (أ.ب)

الاتحاد الأوروبي لإضافة ميناءين في جورجيا وإندونيسيا لعقوبات روسيا

أظهرت ​وثيقة أن دائرة العمل الخارجي، وهي الذراع الدبلوماسية ‌للاتحاد الأوروبي، اقترحت ‌إضافة ‌ميناءين إلى حزمة عقوبات جديدة تستهدف روسيا.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
أوروبا  مدرعات متعددة المهام كما تظهر داخل حاملة الطوافات «تونير» التابعة للبحرية الفرنسية (رويترز)

مناورات عسكرية أوروبية - أطلسية تحسباً لمغامرات روسية

انطلاق مناورات عسكرية أوروبية - أطلسية ضخمة تحت اسم «أوريون 26» بمشاركة 24 بلداً وحتى نهاية أبريل المقبل تحسباً لمغامرات روسية جديدة في أوروبا

ميشال أبونجم (باريس)
أوروبا لقطة مأخوذة من فيديو تم إصداره 1 ديسمبر 2025 تظهر جنوداً يحملون العَلم الروسي في بوكروفسك بأوكرانيا (رويترز)

الجيش الروسي يضغط على بوكروفسك الأوكرانية مع احتدام المعارك

قال الجيش الأوكراني، الاثنين، إن القوات الروسية تحاول التقدم حول مدينة بوكروفسك بشرق البلاد، على أمل إنهاء حملة استمرت شهوراً للسيطرة على المركز الاستراتيجي.

«الشرق الأوسط» (كييف)

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
TT

شركة كندية تعلن العثور على عمالها المخطوفين في المكسيك قتلى

قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)
قالت شركة ​التعدين الكندية فيجلا سيلفر إن عمالها الذين خطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عثر ‌عليهم قتلى (أ.ف.ب)

قالت شركة ​التعدين الكندية «فيجلا سيلفر»، اليوم الاثنين، إن عمالاً خُطفوا من ‌موقع ‌مشروعها ‌في ⁠كونكورديا بالمكسيك ​عُثر ‌عليهم قتلى.

ووفقاً لرويترز، في الشهر الماضي، قالت الشركة، ومقرها فانكوفر، إن عشرة ⁠من عمالها خُطفوا ‌من ‍مشروع ‍بانوكو التابع ‍لها في المكسيك. وذكرت شركة التعدين أنها تنتظر ​تأكيداً من السلطات المكسيكية وستقدم المزيد ⁠من الإفادات.

وهوى سهم «فيجلا سيلفر» 7.1 بالمائة في التعاملات الصباحية.


موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
TT

موسكو تتهم واشنطن باتخاذ «إجراءات خانقة» ضد كوبا

المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)
المتحدث باسم «الكرملين» دميتري بيسكوف (د.ب.أ)

اتهم «الكرملين» الولايات المتحدة، اليوم (الاثنين)، بفرض «إجراءات خانقة» على كوبا، الحليف التقليدي لروسيا، عقب إعلان هافانا تعليق إمدادات الكيروسين لشهر بسبب أزمة الطاقة الناجمة عن توقف إمدادات النفط من فنزويلا بضغط من واشنطن.

وقال المتحدث باسم «الكرملين»، دميتري بيسكوف، إن «الوضع حرج للغاية في كوبا. الإجراءات الخانقة التي تفرضها الولايات المتحدة تُسبب صعوبات جمة للبلاد».

وأضاف: «نناقش حلولاً ممكنة مع أصدقائنا الكوبيين، على الأقل لتقديم أي مساعدة ممكنة».

تعاني كوبا من تداعيات وقف شحنات النفط من كاراكاس بأمر من الولايات المتحدة، بعد أن ألقت القوات الأميركية القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو الشهر الماضي.

وأعلنت الحكومة الكوبية، الجمعة، إجراءات طارئة لمعالجة أزمة الطاقة تشمل تطبيق نظام العمل لأربعة أيام في الأسبوع للشركات المملوكة للدولة، وتقنين بيع الوقود.

وقّع الرئيس الأميركي دونالد ترمب أمراً تنفيذياً يسمح لبلاده بفرض رسوم جمركية على الدول التي تُصدّر النفط إلى هافانا. ودعا ترمب المكسيك التي تُزوّد كوبا بالنفط منذ عام 2023، إلى التوقف عن ذلك تحت طائلة فرض رسوم جمركية أميركية.

يهدد نقص الوقود بإغراق كوبا في ظلام دامس، فيما تُكافح محطات توليد الكهرباء لتوفير الطاقة.

ووجَّهت روسيا في الأسابيع الماضية انتقادات لاذعة ضد سياسة الولايات المتحدة بشأن كوبا، ووصفتها بأنها «غير مقبولة»، محذرةً من أزمة إنسانية.

وأعلن مسؤول في شركة طيران أوروبية، أمس، أن كوبا أبلغت شركات الطيران بتعليق إمدادات وقود الطائرات لشهر.

وتسعى واشنطن منذ فترة طويلة إلى الإطاحة بالحكومة الكوبية الشيوعية أو إضعافها.

وتتهم هافانا ترمب بالسعي إلى «خنق» اقتصاد الجزيرة، وسط تفاقم أزمة الكهرباء ونقص الوقود، وهما مشكلتان مستفحلتان في الجزيرة منذ سنوات.

وقال الرئيس الكوبي ميغيل دياز كانيل، إن بلاده مستعدة لإجراء محادثات مع الولايات المتحدة، ولكن ليس تحت أي ضغط.


أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
TT

أميركا - ترمب... أحادية عالمية جديدة؟

مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)
مجموعة حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لينكولن» ترافقها سفينتا إمداد عسكري وقطعتان من خفر السواحل الأميركي تبحر في بحر العرب في حين تحلّق طائرات الجناح الجوي التاسع فوق التشكيل في استعراض للقوة (سنتكوم)

يقول المؤرّخ الإنجليزي، بول كيندي، إن الإمبراطوريات تسقط بسبب امتدادها الأقصى (Overstretched)، أي عندما تصبح وسائلها لا تتناسب مع الأهداف؛ كون الاستراتيجيّة تقوم وترتكز في جوهرها على ربط الأهداف وتوازنها مع الوسائل.

يعدّ الوقت بشكل عام العدو الأكبر لعمر الإمبراطوريات وديمومتها. كل هذا، بسبب تأثيرات ومفاعيل علم الإنتروبيا (Law of Entropy). يأخذنا هذا الأمر إلى مفارقة الفيلسوف الإغريقي أفلاطون حول الوقت وتقسيمه إلى 3 أفسام، هي: الماضي، الحاضر والمستقبل. فحسب الفيلسوف، الماضي لم يعد موجوداً. والمستقبل لم يأت بعد. أما الحاضر، فهو لحظة عابرة لا تتجزّأ. وإذا كان الحاضر لحظة عابرة، ونقطة بلا مدّة، تتحرّك باستمرار، فكيف يؤثّر قرار دولة عظمى في الحاضر - العابر على ديناميكيّة النظام العالمي؟

تؤثّر الإنتروبيا على كل الأبعاد في اللعبة الجيوسياسيّة. هي تغرف مع مرور الوقت وتبدّل الظروف الجيوسياسيّة من قدرات القوى العظمى. كما أنها تتظهّر في الحرب بسبب تعب المقاتلين والاستنزاف، خاصة في القدرات العسكريّة. وعندما نتحدث عن الاستنزاف، فهذا يعني عدم قدرة القوى العظمى على تعويض ما تم استهلاكه من عديد وعتاد - الذخيرة مثلاً. وبسبب تأثير الإنتروبيا، تذهب الدول عادة إلى الحلول السياسيّة بدلاً من الاستمرار في القتال.

ترمب يعرض لائحة الرسوم الجديدة في حديقة الورود بالبيت الأبيض 2 أبريل 2025 (أ.ب)

لا يمكن إسقاط أيّ تجربة لسقوط أو صعود قوّة عظمى معيّنة على صعود أو انهيار إمبراطوريّة أخرى. لكن لفهم هذه الظاهرة، يسعى المفكّرون إلى دراسة التاريخ بهدف استنباط الأنماط، علّها تُشكّل نبراساً يُساعد على الفهم حالة جيوسياسيّة معيّنة. وفي هذا الإطار، يُنظّر المفكّر الأميركي، ويس ميتشيل، في كتابه المهمّ «دبلوماسيّة القوى الكبرى» على الشكل التالي: عندما تصل القوّة العظمى إلى مرحلة الامتداد الأقصى، وعندما تصبح الوسائل المتوفّرة غير كافية لاستمرار مشروع الهيمنة، تّتبع بعض القوى العظمى «استراتيجيّة التدعيم والتمتين» (Consolidation).

فما المقصود بذلك؟ عمليّاً، تُفسّر هذه الاستراتيجيّة بأنها عمليّة تعزيز ما هو موجود بالفعل وتقويته، بدءاً من تحصين الداخل، وذلك بدلاً من التوسّع والسعيّ وراء أهداف جديدة؛ الأمر الذي يتطلّب تأمين وسائل إضافيّة جديدة غير متوفّرة وممكنة أصلاً.

العم سام واستراتيجيّة التدعيم الحاليّة

من يُحلّل فعلاً استراتيجية الأمن القومي الأخيرة، يستنتج حتماً ما يُشبه استراتيجيّة التدعيم مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب. لكن كيف؟

يسعى الرئيس ترمب إلى تحصين الداخل عبر ترحيل اللاجئين غير الشرعيّين، وعبر مكافحة كارتيلات المخدرات، وكما عبر ضبط الحدود البريّة والبحريّة. كذلك الأمر، يحاول رسم منطقة نفوذ حول الولايات المتحدة الأميركية، تبدأ من رغبته في جعل كندا الولاية الـ51؛ إلى استرداد قناة بنما؛ كما شراء أو الضم بالقوة لجزيرة غرينلاند؛ وأخيراً وليس آخراً، خطف الرئيس الفنزويلي من قصره، ومحاولة إدارة فنزويلا ككل، خاصة قطاع النفط، فيكون بذلك قد حرم الصين من مصدر أساسي للطاقة، وقلّم أظافر روسيا في دولة حليفة للكرملين. ولأن الرئيس ترمب يعتمد على عقد الصفقات؛ فهو يبحث جاهداً عن الثروات الطبيعيّة التي تحّرره من احتكار الصين، خاصة الثروات التي تنتج الثروة، وتخلق القوّة في القرن الحادي والعشرين - الأرض النادرة مثلاً.

وفي هذا الإطار، يقول المفكّر ميتشيل إن القدريّة الجغرافيّة تساعد الولايات المتّحدة على أن تكون متحرّرة من المخاطر على أمنها الوطني؛ كونها مُحاطة بمحيطين كعازل طبيعيّ، وذلك بعكس كل من الصين وروسيا. فهل يعني التركيز الأميركي الأخير على نصف الكرة الغربي الانسحاب من العالم ككلّ؟ وإذا كان الأمر كذلك، لماذا ذُكرت تايوان على أنها مهمّة في خط الجزر الأوّل (First Chain Island)؟ وعلى أنها مهمّة في صناعة أشباه الموصلات؟ ولماذا باعت أميركا لتايوان مؤخّراً أسلحة بقيمة 11 مليار دولار، تشمل أنظمة صاروخيّة متقدّمة، طائرات مسيّرة ومدافع ثقيلة؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يعرض مبادرته الموقَّعة بشأن الذكاء الاصطناعي في المكتب البيضاوي بالبيت الأبيض 11 ديسمبر 2025 (أ.ب)

في الختام، وبسبب سلوك الرئيس ترمب الزئبقيّ، وعدم معاندته إن كان في الداخل الأميركي، أو على المسرح العالميّ. فهل تعايش أميركا معه مرحلة جديدة من «الآحاديّة-2» (Unipolarity)، وذلك بعد أن عايشت الأحاديّة الأولى مع الرئيس بوش الأب مباشرة بعد سقوط الدبّ الروسيّ؟

وهل يتّبع الرئيس ترمب إلى جانب استراتيجيّة «التدعيم» كما يقول ويس ميتشيل، «استراتيجيّة المركز والأطراف»، بحيث يتدخّل، سياسيّاً أو عسكريّاً عندما يريد في العالم لإبقاء التماس، وذلك مع تدعيم المحيط المباشر لأميركا كونها «المركز»؟