زهير الذوادي: الثقافة التونسية بدأت تتعافى من الخطر «الإخواني»

يرى أن أزمة المثقف تكمن في تراجع تأثير الفكر النقدي

الباحث التونسي زهير الذوادي
الباحث التونسي زهير الذوادي
TT

زهير الذوادي: الثقافة التونسية بدأت تتعافى من الخطر «الإخواني»

الباحث التونسي زهير الذوادي
الباحث التونسي زهير الذوادي

حصل الباحث التونسي زهير الذوادي على الدكتوراه في العلوم السياسية من جامعة السوربون بفرنسا، وعمل سفيراً لتونس لدى العديد من البلدان الأفريقية والآسيوية والأوروبية، وله العديد من المؤلفات المهمة التي تتناول تاريخ تونس والحركة الإصلاحية التحديثية التونسية والعربية الإسلامية، ومنها «الفكر الإصلاحي العربي الإسلامي ومسألة الاستبداد»، و«الخروج من نسق الدولة الدينية»، و«نقد الفكر الجهادي»، و«إصلاح الفقهاء»، و«صناعة الرعب»، وهو أحدث إصداراته.
على هامش زيارته أخيراً للقاهرة، هنا حوار معه حول المشهد الثقافي والفكري في تونس ارتباطاً بالتغيرات السياسية في البلد، ودور المثقف النقدي في مواجهة تأثيرات الفكر الديني المتزمت، ومشكلات الثقافة العربية عموماً.
> ما هي ملامح أزمة الثقافة والمثقف في العالم العربي برأيك؟
- حالياً يواجه المثقف العربي وضعاً مأزوماً إلى درجة غير معهودة، يكمن في تراجع تأثير الفكر النقدي في الثقافة العربية، بداية من تأثير الفكر الديني المحافظ والماضوي من ناحية، وتراجع منطق الالتزام الفكري في ممارسة وأعمال رموز الثقافة والفن من ناحية أخرى، هذا إلى جانب هشاشة وركاكة المشاريع الثقافية للدولة الوطنية التي أصبحت في بعض جوانبها تعتمد الترفيه بدل التثقيف، والقبول بالرداءة والاستهلاك بدل الامتياز والإبداع، فضلاً عن ضمور المشاريع الفكرية والنقدية الكبرى والملهمة من الساحة الثقافية العربية، وتسرب المنطق التجاري والسلعي لقطاعات الإنتاج الفكري والثقافي والإعلامي، وتراجع مكانة المثقف بالمجتمع في خضم التحولات التي عرفها، ناهيك بالاقتصاد والسياسة، ومجالات التواصل الاجتماعي والاتصالي.

> ما هي الحلول التي تراها إذن؟
- الحقيقة أنه على ضوء التجربة التي عرفتها البلدان المتقدمة «الغرب والشرق الآسيوي» تبقى مجالات تدخل المثقف العربي واسعة ولا متناهية، شريطة التجذر في توظيف التراكم المعرفي، وربطه بجذوره الفلسفية والواقعية، مع الالتزام بروح النقد والإبداع دائماً. فلا يمكن أن نفشل حيث نجح غيرنا. والمسألة هنا رهينة المبادرة والمثابرة.
> لكن ماذا عن الحالة الثقافية في تونس تحديداً؟
- شكل المجال الثقافي في تونس ميداناً للصراع بين الحداثيين وأنصار المشروع الإخواني، وقد تحول ذلك إلى قلعة صمود، رغم تسلل بعض الإداريين التابعين للإسلام السياسي إلى بعض الهيئات أو المواقع المؤثرة، محاولين اختراق الهياكل الثقافية، وجمهورها من خلال بعض المثقفين المتكيفين أو «المطبعين» مع الوضع الذي نتج عن أحداث 2011، أما عن القطاع الثقافي التونسي فيتعافى اليوم من الخطر الإخواني، لكنه يواجه تحديات جديدة، منها غياب المشروع الوطني الجديد في المجال الثقافي وعلاقته مع تقييم البرامج السابقة لسنة 2011 واللاحقة لها، وضعف الدعم المالي العمومي بالنظر إلى الأزمة الاقتصادية والمالية السائدة في البلاد، الأمر الذي يضعف دعم الدولة للفاعلين والمتدخلين والمبدعين.
> وماذا على صعيد الفنون؟
- هناك نجاحات باهرة في مجال السينما، بخلاف قطاع الأغنية، وهناك تراكم في مجال الرواية والنقد والقصة القصيرة في مقابل الشعر الذي لا يزال رغم تزايد الإنتاج يفتقد قامات بارزة جديدة. أما قطاع النشر فهو «الرجل المريض» الذي ما انفك يتخبط في صعوبات خانقة.
> ما أثر حركة «النهضة» على أجهزة المؤسسات الثقافية التونسية؟ وما سر الفوضى النسبية وسط النخب الحداثية ما بعد بورقيبة؟!
- بعد سنة 2011 عرف المثقفون الحداثيون في تونس تحديين: الأول يتمثل في فقدان السند السياسي الذي كانت توفره الدولة لمشروع التحديث (رغم أنه كان قسرياً)، والثاني تنامي الخطر ضد مشروع الحداثة الذي ظهر مع وصول الإسلام السياسي للسلطة، وتنامي تأثيره في المجتمع، لذلك تبعثرت جهود الفصائل المثقفة الحداثية، وارتبكت تحت تأثير المحاصرة التي فُرضت عليها من طرف خصومها المفكرين والسياسيين والأكاديميين الذين غزوا منابر الإعلام والنشر، مدعومين من بعض المثقفين، غربيين ومسلمين وعرب، وقد أحدث ذلك شرخاً عميقاً في جسد نخبة مهشمة بفعل التسلطية السياسية السابقة ليناير (كانون الثاني) 2011، والمترددة إزاء قوة الهجمة الآيديولوجية والثقافية المتأسلمة والقادمة من المشرق ومن مراكز دعمها الجيوسياسي القادم من الغرب.
> لكن ألا ترى بارقة أمل للخروج من هذا الوضع؟
- هناك حراك يقاوم آيديولوجية الإسلام السياسي، وقد أفرز شيئاً فشيئاً جمهوراً مدنياً وتحررياً شكل في نهاية الأمر عبر «اعتصامات باردو 2013» حزام أمان للمشروع المجتمعي المدني والتقدمي وقيمه الحداثية، وساعد على تراكم جهود الأعمال الفكرية والنضالات المدنية التي شرعت في الانصهار التدريجي، مبشرة على المدى المتوسط بآفاق واعدة قادرة على تجاوز مواطن الضعف في أعمال النخبة خلال بعض الانحرافات التي أضرت الفكر والنشاط المجتمعي، وكان مصدرها بعض أفكار منظورة ليبرالية الفوضى الخلاقة والثورات المصطنعة، والتي مفادها أن الإسلام السياسي أصبح قوة ديمقراطية وثورية وحداثية، وأن التحالف معه ومساندته والانصياع له أمر مفيد تاريخياً ومجتمعياً وفكرياً، وهو ما يشكل طعنة قاتلة لمشروع التحرر الوطني والاجتماعي والثقافي الذي يشكل القاعدة الأساسية لعمل الدولة الوطنية.
> تحدثت في كتابك «إصلاح الفقهاء» عن جهود الفقيه التونسي شيخ جامعة الزيتونة، محمد الطاهر بن عاشور ودوره في مجال الحقوق المشروعة للمرأة... كيف تنظر الآن لما تحقق في هذا المجال؟
> وبرأيك، ما المكاسب في فترة ما بعد الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي؟
- في زمن الرئيس بورقيبة وبن علي تحقق الكثير من المكاسب في صالح المرأة التونسية، لكن بعد سنة 2011 تعرضت لبعض مخاطر التراجع، لكن يقظة قوى المجتمع المدني، والحركة النسوية التونسية نجحت في التصدي لها، بل عززت بعض المكاسب من خلال تكريس آليات التناصف في كل أصناف الانتخابات، وآليات التمييز الإيجابي في بعض المناصب السياسية والإدارية على أساس الكفاءة، والمسألة تبقى ثقافية ومجتمعية في الأساس؛ أي إنها لا تزال تحتاج إلى دعم ومساندة لمواجهة الدعوات المحافظة المشدودة إلى قيم الماضي المتزمتة. إن ربط الحركات النسوية العربية بعضها بعضاً على مستوى أنشطتها وبرامجها وتوافقاتها الفكرية يمكن أن ينتج تصورات مشتركة لمفهوم عمل حداثي وتقدمي لتحرير المرأة العربية والإسلامية في إطار التفاعل الإيجابي والمدروس مع تيارات الفكر والثقافة والنضال النسوي التقدمي في العالم.
> في كتابك «صناعة الرعب» تحدثت عن الذهنية المحرّكة للممارسة الإرهابية... كيف ترى هذه الذهنية؟
- بخصوص ذهنية الإرهابي فهي متمحورة حول إلحاق الضرر بالغير، سواء كان «المجتمع أو الدولة»، وذلك ليس نتيجة مرض نفساني، كما أنه لا يندرج تحت سطوة غريزة الموت أو العدوان أو التدمير، وإنما يأتي تكريساً لمبدأ الانشقاق والتمرد على المجتمع بهدف إصلاحه أو تغييره أو معاقبته وفق نظرة استعلائية وسلطوية واستبدادية تنبع من أولوية مصالح ومعتقدات أصحابها في الدنيا «والآخرة»، ومن دونية الباقي، وذهنية الإرهابي تنطلق من قدسية خيارها ورفعة شأنه المعنوي، خصوصاً إذا اقتحمت مجال ممارسة «الرعب ضد الرعب» حسب عبارة جان بودياز، وممارسة «الانتحار» على أساس «الشعور بالذنب، والشعور بالعجز»، حسب عبارة فتحي بن سلامة، وحيث يصبح التحدي قاعدة للسلوك يكون الموت ردّاً على الموت.
> لكن ما هي الأسس التي تقوم عليها ذهنية الإرهابي؟
- تقوم على اعتبار أنه ينتمي إلى طليعة الأفاضل، وهو أحد عناصر «الفرقة الناجية» أو الملة المختارة والمنتصرة آجلاً أو عاجلاً، أو ملة شعب الله المختار «اليهودية»، أو جماعة المؤمنين «المسيحية»، وهي ذهنية قطيعة مع المجتمع على أساس أنها تمتلك الحقيقة المطلقة، والرأي الصواب. ولا تعرف ذهنية الإرهابي صلة بمبادئ التسامح والديمقراطية، وحق الاختلاف؛ لذلك فهي مقدمة للاستبداد في المجتمعات، كما أنها نتيجة له في مستوى كل من الآيديولوجيا أو التنظيم الذي يساعد على تكوينها وإفرازها، وترافق ذهنية الإرهابي ثقة ميتافيزيقية في حتمية النصر الذي تحتمه إرادة ربانية أو حتمية تاريخية، في حين أن الهزيمة تجعل الإرهابي أكثر عزلة في المجتمع وأكثر دموية ويأساً، الأمر الذي يسقط كل إمكانية للحوار والتفاوض السياسي معه.
> لكن على ماذا تتأسس هذه الدموية ورفض الحوار؟
- على كونه يرى نفسه مؤمناً صادقاً، ما يجعله منفتحاً على فكرة التضحية بالنفس، حسب عبارة ايريك هوفنز في كتابه «المؤمن الصادق»، من هنا لا يقبل التفاوض أو التجادل أو الحوار، وهو لذلك منتج لممارسة مطلقة للشر، ويظل في قطيعة مطلقة مع الواقع، وكل ما يخالف عقيدته؛ أي «العقيدة الأبدية» المفرزة لذهنية «اللاتفاعل» التي ترفض نصف الحلول أو المراجعة للمواقف.


مقالات ذات صلة

حين تتآكل الدبلوماسية

كتب الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس

حين تتآكل الدبلوماسية

تكتسب الصدامات العسكرية الكبرى دلالتها التاريخية انطلاقاً من المسارات التمهيدية السابقة للحظة اندلاعها المباشرة.

ندى حطيط
كتب «الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

«الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

مرَّ جهيمان العتيبي، الشخصية التي قادت اقتحام الحرم المكي عام 1979 بتحوّل راديكالي عميق، حيث بدأ من الهامش.

عمر البدوي (الرياض)
كتب امرأة جزائرية بـ«وجوه كثيرة»

امرأة جزائرية بـ«وجوه كثيرة»

صدرت حديثاً عن «دار نوفل - هاشيت أنطوان»، رواية «وجهي الغريب» للكاتبة الجزائرية وئام شرماطي، وفيها تروي قصة امرأة جزائرية تحمل آثار العنف الأسري والفقدان

«الشرق الأوسط» (بيروت)
يوميات الشرق استراحة من التمرير... للقراءة (غيتي)

15 دقيقة قراءة... سنغافورة تدفع لمواطنيها!

باتت سنغافورة تدفع لمواطنيها مقابل قراءة كتاب لمدّة لا تقل عن 15 دقيقة يومياً، وذلك في إطار مساعيها للتصدّي لظاهرة التصفُّح السلبي المتنامية.

«الشرق الأوسط» (سنغافورة)
يوميات الشرق يقام «معرض الرياض الدولي للكتاب 2026» خلال الفترة من 10 إلى 19 ديسمبر (واس)

«معرض الرياض الدولي للكتاب» يستقبل جمهوره في ديسمبر المقبل

يستعد «معرض الرياض الدولي للكتاب 2026» لاستقبال جمهوره خلال شهر ديسمبر المقبل، بمشاركة دور نشر ووكالات محلية وعالمية، في حين تحل «سوريا» ضيفَ الشرف هذا العام.

عمر البدوي (الرياض)

حين تتآكل الدبلوماسية

الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس
الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس
TT

حين تتآكل الدبلوماسية

الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس
الحرب الروسية - الأوكرانية... من عملية محدودة إلى حرب دخلت عامها الخامس

تكتسب الصدامات العسكرية الكبرى دلالتها التاريخية انطلاقاً من المسارات التمهيدية السابقة للحظة اندلاعها المباشرة. وتفترض هذه القاعدة المنهجية تشكّل الحروب الكبرى عبر تراكمات من القرارات الاستراتيجية والاشتباكات المحدودة والتحولات السياسية المتعاقبة.

يتبنى الباحث السعودي عبد العزيز العساكر هذا المنطق التحليلي في كتابه المعنون «كيف ساهم تآكل العلاقات الدبلوماسية بين الولايات المتحدة الأميركية وروسيا الاتحادية في الأزمة الأوكرانية؟ - دار النخبة للنشر والتوزيع / 2025»، مقدماً دراسة مستفيضة تضع حرب فبراير (شباط) 2022 في نهاية سلسلة ممتدة من التحولات والقرارات وسوء التقدير المتبادل بين موسكو وواشنطن، ومقترحاً قراءة ترى في تدهور العلاقة بين القوتين عنصراً فاعلاً في إنتاج الأزمة، عوض التعامل معه بوصفه أثراً تالياً لها، ناقلاً السؤال من مسؤولية القرار الروسي المباشر بالغزو إلى البيئة الدولية التي جعلت ذلك القرار ممكناً وفق حسابات الكرملين.

يستمد الكتاب متانته المعرفية من خلفيته الأكاديمية في حقل العلاقات الدولية، وتتجلى هذه المتانة في المعمار المنهجي للبحث، وكثافة إحالاته المرجعية المتنوعة في تتبعه لمسار تطور العقيدة السياسية الخارجية الروسية بداءة من حقبة ما بعد الحرب الباردة، مروراً بمرحلة إعادة التموضع الاستراتيجي في عهد فلاديمير بوتين، رابطاً إياها بمسارات التوسع المستمر لحلف شمال الأطلسي باتجاه الشرق. ويمتد هذا الرصد التاريخي ليشمل محطات مفصلية شكلت نقاط تحول حرجة في جسد العلاقة بين الطرفين، أبرزها الثورة البرتقالية في أوكرانيا، وصدام جورجيا عام 2008، ومحاولات إعادة ضبط العلاقات في عهد الإدارة الأميركية إبان حقبة الرئيس أوباما، بلوغاً إلى احتجاجات الميدان الأوروبي، وأزمتي القرم ودونباس، وصولاً إلى مرحلة الحشود العسكرية الثقيلة والمفاوضات الأمنية الحاسمة السابقة لحرب 2022. يفلح العساكر في دمج هذه الوقائع المتناثرة داخل نسق تاريخي متصل تتصاعد فيه الهواجس المتبادلة، وتتراجع مساحات الثقة المشتركة، وتتقلص قدرة المؤسسات الدبلوماسية التقليدية على احتواء التباينات الجيوسياسية.

يمثل عام 2004 نقطة ارتكاز مفصلية بالغة الأهمية في هذا المسار التصاعدي، فقد قرأت واشنطن الثورة البرتقالية في كييف تحولاً ديمقراطياً محموداً ومقاربة ناجحة نحو المنظومة القيمية الأوروبية، يقابل ذلك تفسير روسي حاد يعتبر الحدث ذاته اختراقاً غربياً صريحاً للمجال الحيوي السوفياتي السابق، وتهديداً ينذر بانتقال عدوى الثورات الملونة إلى الداخل الروسي.

هنا يلتقط العساكر إحدى أكثر أفكار العلاقات الدولية خصوبة، أي «المعضلة الأمنية» التي تجعل سعي دولة إلى تعزيز أمنها سبباً في تراجع شعور الدولة المقابلة بالأمن. فتوسع الناتو الذي قدمه الغرب باعتباره توسيعاً لمنطقة الاستقرار الأوروبي ظهر أمام موسكو حركة في ميزان القوى تصل تدريجياً إلى حدودها، بينما تحولت الاستجابات الروسية العسكرية والسياسية إلى دليل لدى دول أوروبا الشرقية على حاجتها إلى مزيد من الحماية الغربية. وهكذا دخل الطرفان في حركة جدليّة تنتج أسباب استمرارها بنفسها: توسع غربي يثير القلق الروسي، وسياسة روسية أكثر حزماً تعزز المخاوف الأوروبية، ثم توسع أكبر في البنى الأمنية الغربية يرفع بدوره مستوى القلق الروسي.

يشكل خطاب بوتين في مؤتمر ميونيخ للأمن عام 2007 محطة دالة في سردية العساكر؛ لأنه يكشف عن انتقال الاعتراض الروسي من التذمر الدبلوماسي إلى صياغة رؤية متكاملة تعترض على الأحادية الأميركية وطريقة إدارة النظام الدولي بعد الحرب الباردة. ثم كان أن جاءت حرب جورجيا في العام التالي لتمنح هذا التحول مضموناً عسكرياً؛ إذ أظهرت استعداد موسكو لاستخدام القوة عندما ترى ميزان النفوذ في جوارها المباشر مهدداً، كما أظهرت حدود الاستجابة الغربية في تلك المرحلة، الأمر الذي يربطه الكتاب بتطور الثقة الروسية بإمكانية حماية خطوطها الحمراء بوسائل أشد صرامة.

يستند العساكر في تفسير هذه الدينامية إلى «الواقعية الهجومية» عند جون ميرشايمر، التي تفترض نظاماً دولياً فوضوياً تتحرك فيه القوى الكبرى وفق هاجس البقاء وتعظيم القوة ومنع المنافسين من إقامة مواقع متقدمة في مناطقها الحيوية. وبهذا النسق تصبح الحساسية الروسية تجاه أوكرانيا قابلة للقراءة ضمن منطق القوة والمجال الجغرافي وتوازنات الأمن، بدلاً من ربطها حصراً بشخصية بوتين أو الحنين الإمبراطوري الروسي، وهي مساهمة تحليلية مفيدة؛ لأنها تعيد السياسة الروسية إلى بنية دولية أوسع، وتضع السلوكَيْن الأميركي والروسي داخل منظومة واحدة من الحسابات الاستراتيجية.

تتجلى براعة المؤلف الفكرية في تطويع النظريات المتنوعة لاستيعاب تعقيدات الهوية والمكانة التاريخية، جاعلاً من المقاربة البنائية أداة مساعدة شديدة الأهمية للفهم الشامل لتأثيرات انهيار الاتحاد السوفياتي، وصدمة تراجع المكانة الدولية، والروابط السلافية العميقة بين روسيا وأوكرانيا. وهذه مرونة فكرية تحسب للمؤلف؛ لأن النظرية عنده تتحول إلى أداة للفهم أكثر منها قالباً تساق الوقائع نحوه.

يمثل عام 2014 الاختبار الأقسى وراء أطروحة تآكل الدبلوماسية الواردة في عنوان الكتاب. فعملية ضم شبه جزيرة القرم أحدثت قطيعة مؤسسية واسعة النطاق بين واشنطن وموسكو، شملت تعليق مسارات التعاون العسكري والأمني، وتجميد مبادرات الحد من التسلح، ووقف المشاريع المشتركة في مجالات الطاقة والأمن النووي. حوّلت هذه القطيعة الجذرية مسار العلاقة الثنائية لتعتمد كلياً على أدوات الضغط المتبادل والعقوبات الاقتصادية المشددة، متسببة في تلاشي آليات الحوار الفعالة والمنصات المؤسسية الضامنة لاستمرار التواصل وقت الأزمات.

يعيد الكتاب الاعتبار إلى الدبلوماسية بوصفها بنية لإدارة التناقضات قبل أن تصبح وقائع عسكرية يصعب الرجوع عنها

غير أن هذا الاختيار النظري يفتح أيضاً مساحة للاشتباك مع أطروحة الكتاب؛ لأن مفهوم «تآكل العلاقات الدبلوماسية» في العنوان يبدو أحياناً أوسع من المادة التي يقدمها المتن، حيث ينصب الجزء الأكبر من التحليل على توسع التحالفات وميزان القوى والعقوبات والثورات الملونة والتحركات العسكرية والسياسات الداخلية الروسية، بينما كان المفهوم المركزي سيكتسب وزناً تفسيرياً أكبر عبر تحليل أكثر تفصيلاً لآليات الدبلوماسية نفسها: كيف تغيرت قنوات الاتصال بين موسكو وواشنطن؟ وأي مفاوضات تعثرت؟ وأين ضاعت فرص التسوية؟ وكيف انتقلت الرسائل بين الطرفين؟ وأي مؤسسات أو شخصيات لعبت أدواراً في تضييق هوامش الحل؟ فعند هذه النقطة يتحول «التآكل الدبلوماسي» من وصف لمسار العلاقة إلى متغير سببي يمكن قياس أثره بصورة أكثر إحكاماً.

يخصص الكتاب حيزاً تحليلياً مهماً لموقع أوكرانيا بوصفها فاعلاً سياسياً واجتماعياً مستقلاً، متجاوزاً تصويرها كمجرد رقعة شطرنج تتنافس عليها القوى العظمى. فالوقائع أثبتت حيوية المجتمع الأوكراني في صناعة تحولاته السياسية وإعادة صياغة هويته الوطنية وموقعه الجيوسياسي المستقبلي. وعززت الضغوط العسكرية والسياسية الروسية المتعاقبة ميول قطاعات واسعة من الرأي العام الأوكراني نحو التحالف الاستراتيجي مع المنظومة الغربية، وتوطيد الارتباط بمؤسسات الاتحاد الأوروبي وحلف الناتو، ما قوّض القاعدة الاجتماعية الداعمة للنفوذ الروسي داخل أوكرانيا، وبدد الحسابات الاستراتيجية المسبقة للكرملين.


«الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

«الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»
TT

«الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

«الغريب».. سيكولوجيا الوعي المهدوي وتفكيك «حادثة الحرم»

مرَّ جهيمان العتيبي، الشخصية التي قادت اقتحام الحرم المكي عام 1979 بتحوّل راديكالي عميق، حيث بدأ من الهامش. بدأ حياته عاملاً مُحتالاً صغيراً، يُهرِّب السجائر عبر الحدود، ويلهث في الكويت خلف اللذائذ العابرة، قبل أن يندمج في جماعة «الدعوة والتبليغ»، ثم تنصل منها ليصعد كأب كاريزمي لجماعة أُصولية مفتونة بالرؤى والأساطير، وصولاً إلى اللحظة الفارقة، حين قاد هجوماً على الحرم، وبايع فيه «المهدي» المزعوم، بين الركن والمقام، حيث كشف الحجاب عنه، إيذاناً بالملحمة النهائية.

ويطرح كتاب «الغريب: دراسة في الجهيمانية المهدوية» مقاربة نقدية ورؤية تفكيكية مغايرة لسيرة جهيمان، وهو صادر عن دار جداول للنشر والترجمة، ومن تأليف الدكتورة لطيفة الشعلان، أستاذة علم النفس بجامعة الأميرة نورة بنت عبد الرحمن بالرياض، وعضوة مجلس الشورى السعودي، وهو يعالج الاختزالات التقليدية التي تقف عند حدود التحليل السياسي أو التشخيص الباثولوجي الإكلينيكي لـ«جهيمان العتيبي»، وتغوص في أعماق «سيكولوجيا الوعي المهدوي»، متتبعة مسارات القلق الوجودي وسؤال المعنى لدى شخصية هذه التراجيديا المؤلمة.

قصور الاختزال

لا تعلق الباحثة كل المسؤولية على «اليقين المهدوي» الذي أدّى بطبيعة الحال دوراً حاسماً في الحراك الذي انتهى بالاقتحام، لكنه لا يُقدِّم سوى نصف الإجابة عن السؤال التاريخي المُحيِّر، إذ يكمن النصف الآخر في بنية هذه الذات التي سمحت لهذا الإيمان أن يتشكّل، بكل ذلك الصدق والتماسك، وصولاً إلى اللحظة الفاصلة وما ترتّب عليها.

تضمنت نشأة جهيمان - في مرحلتي الطفولة والمراهقة - استدماجاً للمشاعر المُرتبطة بواقعة «السبلة» (1347 هـ / 1929 م)، وهي المشاعر التي سادت محيطه الاجتماعي، من الأُسرة والمسجد، وصولاً إلى القبيلة، ومن المُحتمل أن الحنين كان يشدّه إلى ماضي أسلافه، بحديث يُراوح بين التبجيل والأسى.

لكن الباحثة ترى أن هذه الاستحضارات الوجدانية تظل هامشية في سياق الدراما المهولة، التي بلغت ذروتها في عملية الاقتحام.«مجتمع الأوهام»

يكشف الكتاب عن كيفية تشكل «مجتمع أوهام» متكامل داخل أروقة الجماعة، حيث أصبحت مرويات الفتن وأشراط الساعة محاكاة يومية استهلكت وجدان الأفراد، لينكمش الواقع تدريجياً لصالح عالم موازٍ.

ولعبت «الأحلام والمنامات» دوراً محورياً في تغذية هذا الوهم؛ إذ وثقت الجماعة وصنفت ملفات تضم ما لا يقل عن 270 مناماً، تحولت من مجرد شطحات نفسية إلى «تأكيدات غيبية» يستند إليها الأفراد.

وتجلت المأساة في كون الفكرة المهدوية نشأت في فضاء هامشي عبر المزاح والمداعبات، قبل أن تتلقفها بيئة الإشارات والرموز، وتشكّلت دائرة ارتدادية خادعة، تبشير «محمد بن عبد الله» بنفسه بناءً على نبوءات ورؤى، ليصادق جهيمان عليها ويمررها للأتباع، الذين يعودون بدورهم للمهدي المزعوم كبراهين تصديق، لتستحيل كل ذات إلى مرآة تعكس ضلال الأخرى وتمنحها الشرعية.

هذه البدايات التي اتسمت بالخِفة العابرة، سُرعان ما وجدت في بيئة الإشارات والرموز والأحلام تربة خصبة للتشابك والنمو الملحمي، ليتكفل جهيمان بنقلها من سياق الهمس الخجول إلى صعيد «الحقيقة الكونية»، التي شكّلت في نهاية المطاف تلك التراجيديا التاريخية.

تقول الباحثة: «بفعل ذلك الاستغراق، كان الواقع ينكمش ويضيق تدريجياً لينغلق على عالم موازٍ، يحكمه مناخ غرائبي مشدود إلى الغيب، استهلك وجدان هؤلاء الرجال، وأخرجهم من سياق الواقع إلى حيِّز الانتظار الملحمي. ومع ذلك، لم يكن اليقين بظهور «المهدي» على درجة واحدة من الاستقرار في النفوس، إذ ظل بعضهم متوجساً حيال هذه الدعوى، وإن استمروا في فلك الجماعة، مدفوعين إما بالارتهان للآيديولوجية الرامية إلى التغيير الديني والأخلاقي، وإما انشداداً إلى سطوة القائد وشخصيته الكاريزمية».

القطيعة والإنكار

يرصد الكتاب محطات مفصلية شكلت الوعي الحركي لجهيمان، أبرزها حادثة تكسير «ألمانيكانات» والصور بالمدينة المنورة عام 1965، التي لم تكن مجرد اعتراض باليد، بل أعلنت قطيعة نهائية مع عالمه الراهن وموت براءته السياسية، لتتأسس بعدها بعام واحد (1966) الجماعة السلفية المحتسبة، التي انشق عنها هو الآخر، منفرداً بخط أكثر صرامة وتشدداً.

ومع حلول عام 1978، استقرت فكرة المهدوية في ذهنه، ليبدأ التحرك نحو السلاح عبر المهربين، ترتيباً لإطلالة القرن الهجري الجديد.

ورغم الحصار والتطورات الميدانية أثناء المواجهة داخل الحرم المكي، انقاد جهيمان لسيطرة يقينه اللامعقول؛ حيث مارس حالة نموذجية من «الانفصال عن الواقع»، وحين تسرب الشك بين صفوف أتباعه عقب مقتل «المهدي المزعوم»، واجه ذلك بغضب حاد، معتبراً إياه إرجافاً، مصرّاً على أن المهدي لا يُقتل، بل ينتظر «الخسف بالجيش».

تقول الباحثة: «تُوفِّر الرؤى الأُخروية للمؤمنين بها على المدى القصير شعوراً بالراحة والسكينة، وأملاً باكتمال المعنى، لكن هذا الاستقرار سرعان ما يضطرب حين تمرّ الأيام دون تحقق وعد الخلاص، وحينذاك يزداد الإحباط وتتراكم مشاعر الخواء والاغتراب، ما يُحيل هذه الرؤى الغيبية ذاتها إلى قوة ديناميكية تدفع أصحابها دفعاً نحو الكارثة».

غربة الروح وسؤال المعنى

تجلت لدى جهيمان رمزية بالغة، في اهتمامه المُفرط بالترتيب الزماني والمكاني للعلامات المرتبطة بخروج «المهدي»، ومحاولة مطابقتها قسرياً مع واقع السعودية المُعاش خلال سبعينات القرن العشرين.

لقد اندفع جهيمان تحت وطأة الاغتراب وانسداد الأفق في قفزة نحو اللامعقول، مسكوناً بقلق وجودي جارف سعى من خلاله إلى إعادة هيكلة الوجود، عبر تسريع المسير العنيف من الحاضر المأزوم إلى الغيب المنتظر؛ لتنتهي تلك المأساة باستسلامه الإجهادي، وصمته الواجم أثناء رحلته الأخيرة نحو القصاص، مخلفاً وراءه واحدة من أقسى السرديات المسيانية في التاريخ الحديث.

ورصدت الباحثة من خلال مصادرها، ومن بينهم مسؤول أمني مطلع على تفاصيل القضية، أن جهيمان لم يُبد أي مقاومة لحظة اعتقاله، إذ كان الإجهاد قد نال منه، وخلال مجريات التحقيق ظهر متماسكاً، مختزلاً العملية بأكملها في صورة اجتهاد تبيَّن أنه في غير محله.

وفي رحلته الأخيرة نحو تنفيذ حُكم القتل، برفقة سعيد بن عبد اللّه - شقيق «المهدي» - وأربعة محكومين آخرين، كان جهيمان واجماً طوال الطريق، شأنه في ذلك شأن رفاقه الخمسة الآخرين، فلم ينبس بكلمة واحدة.

وترى الباحثة أن «جهيمان يبقى حالة استثنائية مُتفرِّدة في يقينه المُطلق بأنه يُعاصر أواخر الزمان، وهو يقين استبدّ بمداركه وهيمن عليها، وصاغ خياراته الوجودية، ورسم مصيره الشخصي ومصائر الآخرين من حوله. فقد تجاوز هذا الاعتقاد كل حد مُتصور ليستحيل قوة تاريخية كبرى، أحدثت تأثيرات عميقة ومتعددة الأبعاد».


امرأة جزائرية بـ«وجوه كثيرة»

امرأة جزائرية بـ«وجوه كثيرة»
TT

امرأة جزائرية بـ«وجوه كثيرة»

امرأة جزائرية بـ«وجوه كثيرة»

صدرت حديثاً عن «دار نوفل - هاشيت أنطوان»، رواية «وجهي الغريب» للكاتبة الجزائرية وئام شرماطي، وفيها تروي قصة امرأة جزائرية تحمل آثار العنف الأسري والفقدان والحب المنقطع، وتعيش صراعاً متواصلاً مع ذاكرتها وهويتها... تكبر المرأة وهي تحمل اسماً لا يشبهها، ووجوهاً كثيرة تخفي وراءها الخوف والذنب والوحدة.

في هذه الرواية (256 صفحة) يتسع السرد ليكشف لا عن تاريخ عائلة فحسب بل عن مجتمع، وسط التحولات السياسية والاجتماعية التي عرفتها الجزائر من أواخر الثمانينات إلى سنوات العنف المسلح.

إنها رواية عن آثار العنف المتوارث، وتبعات الفقد، والخوف من الأمومة، وتضحية النساء بذواتهن داخل الأسرة والزواج، إلى جانب محاولات استعادة الصوت والحلم من خلال التعليم والرسم والحب.

جاء في كلمة الناشر:

«لا جدار أبيض في منزل كاملة. هناك، تعيش وحيدة، محاطة بوجوه لا تعرفها. وجوه نساء من دون ملامح أو مشوّهة الملامح تكتظّ بها الجدران كيفما التفتت. لكنَّ وجهاً غريباً يبدأ، خارج حدود ذلك المنزل المتخم بالرسومات، بالظهور أمام كاملة في كلّ انعكاس: على واجهات المحالّ، ونوافذ الحافلات، والزجاج البارد للثلاجات. وجه امرأة لا تعرفها... لكن، مع ذلك، يبدو مألوفاً بشكل مقلق.

تخبر المحيطين بها أنَّ امرأة تلاحقها، وتترصدها. لكن لا أحد يصدقها، فلا تجد أمامها سوى العودة إلى الماضي، ومخالفة أهمّ قاعدة وضعتها لنفسها: ثلاث أيادٍ لن تسمح بأن تمسك بها يوماً: يد غريب، ويد عدوّ، ويد الذكريات.

في رحلةٍ تعود بها إلى ما حاولت طويلاً دفنه في غياهب ذاكرتها، تجد كاملة نفسها أمام سؤالٍ لم يخطر لها يوماً أن تطرحه:

هل يمكن للإنسان أن يفقد وجهه فعلاً، أم أنّ الحياة هي من تغيّره بصمت حتى يعجز عن التعرف إليه؟

من تكون المرأة التي تظهر في المرايا؟ ولماذا يبدو وجهها مألوفاً إلى هذا الحدّ؟». وكانت وئام شرماطي قد أصدرت روايتين: «قبر مكشوف على السماء» التي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة القلم الذهبي و«المرأة التي لا تشبه اسمها».