الأسلحة النووية في بيلاروسيا ورقة بوتين الجديدة للضغط على الغرب

خبراء يستبعدون «أزمة كاريبي 2»... وموسكو لن تسلم مينسك مفاتيح التحكم

طائرات روسية وأخرى بيلاروسية تقوم بطلعات مشتركة فوق بيلاروسيا في فبراير 2022 (أ.ب)
طائرات روسية وأخرى بيلاروسية تقوم بطلعات مشتركة فوق بيلاروسيا في فبراير 2022 (أ.ب)
TT

الأسلحة النووية في بيلاروسيا ورقة بوتين الجديدة للضغط على الغرب

طائرات روسية وأخرى بيلاروسية تقوم بطلعات مشتركة فوق بيلاروسيا في فبراير 2022 (أ.ب)
طائرات روسية وأخرى بيلاروسية تقوم بطلعات مشتركة فوق بيلاروسيا في فبراير 2022 (أ.ب)

منذ أن أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، عزمه نشر أسلحة نووية تكتيكية في بيلاروسيا، الجار الأقرب والحليف الوحيد للكرملين، في الفضاء السوفياتي السابق، لم تهدأ السجالات على الساحة الدولية حول مدى جدية النيات الروسية، وما إذا كانت موسكو ذاهبة بالفعل نحو خطوة تربك كل حسابات خريطة الأمن الاستراتيجي في القارة الأوروبية. لم يتوقف أيضاً سيل الانتقادات الغربية، التي ترافقت مع تلويح برُزم عقوبات جديدة تستهدف قيادتَي البلدين.
لكنّ السؤال الأبرز حول الموضوع تركز على خيارات بوتين اللاحقة، وما إذا كان الإعلان تمهيداً جدياً لاستخدام القدرات النووية التكتيكية في حال دعت الضرورات الميدانية لذلك.
يتجنب الخبراء الروس في الفترة الأخيرة التعليق على خطوات الكرملين، التي تحمل غالباً مفاجآت حتى للنخب المحيطة بالرئيس. ومثل قرار شن الحرب الذي فاجأ كثيرين، فإن سلسلة القرارات الرئاسية خلال العام الأخير، دلّت بوضوح، كما يقول خبراء، على أن عدداً محدوداً جداً من المقربين إلى بوتين يعرفون مسار تفكيره. ويطّلعون سلفاً على قراراته الحاسمة.
هذا الأمر ينسحب على قرار نقل قدرات نووية إلى بيلاروسيا. رغم أن الخطوة لم تكن مفاجئة تماماً. نظراً لأن بعض التحركات كانت قد سبقتها، بينها إشارات الرئيس البيلاروسي أكثر من مرة، إلى أنه طلب من بوتين نشر أسلحة نووية في بلاده لـ«مواجهة المخاطر المشتركة». اللافت في الموضوع أن فريقاً مهماً من الخبراء يركّز على تأكيد أن إعلان بوتين لا يحمل نوعاً من الاستعراض، أو التضليل والتخويف وحسب.
موسكو جادة في نشر قدرات نووية تكتيكية في البلد الجار، ما يعني اقتراب ترسانتها من حدود بولندا، وحلف شمال الأطلسي بشكل عام. خلافاً لتقديرات بعض الخبراء الغربيين بأن التلويح الروسي لن يتجاوز حدود التهديد الكلامي بهدف تعزيز أوراق روسيا التفاوضية.
بذلك، فإن موسكو تكون مقبلة فعلاً على تغيير خريطة الأمن الاستراتيجي في أوروبا، لأن هذه الخطوة سوف تقابلها خطوات أطلسية لتعزيز ترسانة نووية مقابلة في بولندا ورومانيا وربما في بلدان أخرى أيضاً. يرفع هذا التطور من مخاطر التهديد النووي في القارة الأوروبية، لكنه لا يشكل بالضرورة، كما يقول خبراء في موسكو، مؤشراً إلى استعداد بوتين لاستخدام هذه الترسانة في الحرب الأوكرانية.
تقوم الرواية الرسمية الروسية على أن خطوة الكرملين شكّلت رداً على خطوات قامت بها واشنطن، لنشر أسلحة نووية على أراضي البلدان الحليفة، في هذا الشأن لا يمكن تجاهل توقيت القرار الروسي، الذي جاء بعد مرور أيام على إعلان بولندا إقامة أول قاعدة عسكرية أميركية بشكل دائم على أراضيها. وكذلك، بعد مرور وقت قصير على بروز معطيات بأن بريطانيا تتأهب لتزويد أوكرانيا بذخائر استُخدم فيها اليورانيوم المنضب. بذلك فإن الكرملين ينطلق من قاعدة الرد بالمثل التي دأب على التلويح بها منذ احتدام الصراع في أوكرانيا وحولها.
لكن كيف يمكن أن تؤثر الخطوة الروسية على الصراع القائم، وعلى التوازن الاستراتيجي بشكل عام في القارة الأوروبية؟
تمتلك روسيا أكبر قدرة نووية في العالم: 5977 رأساً نووياً، 2000 منها تكتيكية. أي بمعدل يفوق ترسانة واشنطن بعشرة أضعاف. من بين ما يقرب من ستة آلاف رأس حربي نووي روسي (استراتيجي وتكتيكي)، تم إدراج نحو 1500 على أنها قديمة، و2889 أخرى في الاحتياط، لتبقى 1588 وحدة نووية في حالة التأهب، منها 812 منتشرة على حاملات أرضية. وبالمقارنة، تمتلك الولايات المتحدة 1644 رأساً حربياً في حالة تأهب، والصين لديها 350، وفرنسا 290، وبريطانيا 225.
بذلك فإن نشر أسلحة نووية تكتيكية في بيلاروسيا لن يغيّر كثيراً من معادلات القوة لدى المعسكرين، لكن يمنح موسكو أسبقية في حال اضطرت إلى استخدام الأسلحة التكتيكية في أوكرانيا. وهو أمر رغم استبعاده حالياً، لكنه مشروط، كما يقول خبراء، بعاملين: الأول استمرار تزويد أوكرانيا بتقنيات غربية وزيادة مستوى وفاعلية هذه التقنيات، والآخر احتمال تعرض الأراضي الروسية (أو ما يدخل في عدادها) لخطر جدي مثل هجوم كاسح قد يسفر عن تقهقر واسع للقوات الروسية.
هنا، لا يمكن تجاهل أن موسكو عملت منذ فترة طويلة على إعداد الوضع في بيلاروسيا للانخراط بشكل مباشر في الصراع العسكري إذا دعت الحاجة. كما أن موسكو ومينسك سارتا خطوات نحو تجهيز البنى التحتية البيلاروسية لاستقبال أسلحة نووية.
وفي هذا الإطار كان لوكاشينكو قد أعلن منتصف العام الماضي أن بلاده قد اشترت أنظمة صواريخ «إس - 400» المضادة للطائرات وأنظمة صواريخ «إسكندر». لكنه لم يحدد ما إذا كانت صواريخ «إسكندر» التي نشرتها روسيا في وقت لاحق في بلاده قرب الحدود الأوكرانية من النسخة الحديثة القادرة على حمل أسلحة تكتيكية نووية.
وفي نهاية العام تم وضع الأنظمة الروسية المسلَّمة إلى بيلاروسيا في وضع التأهب القتالي، قبل ذلك، كان لوكاشينكو قد أعلن في خريف العام الماضي، عن إدخال تعديلات تقنية على طائرات «سوخوي 24» المشتراة من روسيا لتغدو قادرة على حمل أسلحة نووية. وهنا تجدر الإشارة إلى أن بوتين أعلن أخيراً، عن نقل عشر طائرات قادرة على حمل تلك الأسلحة إلى بيلاروسيا أخيراً.
لكن، في ظل هذه المعطيات، والتكهنات الكثيرة، تبرز حقيقة أن موسكو لم تضع مجموعة صواريخ «إسكندر» المنتشرة على الحدود البيلاروسية - الأوكرانية تحت قيادة الجيش البيلاروسي. هذه الحقيقة قد تعني أن قرار نشر أسلحة نووية تكتيكية قد يكون تحت سيطرة الطواقم الروسية العاملة على قيادة تلك المنظومات، وليس تحت إمرة الرئيس البيلاروسي.
هذا لا يعني عدم وجود انخراط مباشر من جانب مينسك، التي ستتعرض بناها التحتية لضربات انتقامية إذا شنت موسكو هجوماً من أراضيها، الحديث هنا يدور عن بقاء قرار استخدام «النووي» بيد بوتين وحده.
في هذا الإطار، يشير الخبير في السياسة النووية الروسية، الباحث في مركز السياسة الدولية والدفاعية في جامعة «كوينز» في كندا، مكسيم ستارتشاك، في مقابلة مع شبكة «ميدوزا»، إلى أن بوتين «قرر عملياً زيادة درجة التوتر في العلاقات بين روسيا والغرب». ووفقاً له، فإن الكرملين يريد بالتالي أن يضغط على الولايات المتحدة لحملها على الجلوس على طاولة المفاوضات.
يُذكر أن بوتين حاول أن يفعل الشيء نفسه عندما أعلن تجميد العمل باتفاقية الحد من الأسلحة الهجومية الاستراتيجية (ستارت). وحتى تعود روسيا إلى المفاوضات بشأن تلك المعاهدة طالبت موسكو الولايات المتحدة بإعادة النظر في سياستها تجاه أوكرانيا. ووضع كل الملفات المتعلقة بالأمن الاستراتيجي كرزمة واحدة متكاملة على طاولة البحث. يتوقع الخبير أن الولايات المتحدة «لن تستجيب للعبة بوتين» كما حدث في الكاريبي (أزمة الصواريخ الكوبية في ستينات القرن الماضي) رغم أنه أدخل العامل النووي إلى الحرب في أوكرانيا. ويدلل على صحة استنتاجه تأكيد واشنطن أنها ليست بصدد تغيير جاهزية قواتها النووية على خلفية الخطوة الروسية. بهذا المعنى، فإن العامل النووي رغم أنه يضاعف من المخاطر الحالية عموماً، فإنه لا يدخل مباشرةً حتى الآن في إدارة الصراع المحتدم. يقول الخبير: «لم تتشكل بعد ظروف لتكرار أزمة الكاريبي، أوكرانيا وبيلاروسيا لا تعدان النسخة المحدثة من تلك الأزمة».


مقالات ذات صلة

كوريا الشمالية تحذر من «خطر أكثر فداحة» بعد اتفاق بين سيول وواشنطن

العالم كوريا الشمالية تحذر من «خطر أكثر فداحة» بعد اتفاق بين سيول وواشنطن

كوريا الشمالية تحذر من «خطر أكثر فداحة» بعد اتفاق بين سيول وواشنطن

حذرت كيم يو جونغ شقيقة الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون من أن الاتفاق بين الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية لتعزيز الردع النووي ضد بيونغ يانغ لن يؤدي إلا إلى «خطر أكثر فداحة»، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية. كانت واشنطن وسيول حذرتا الأربعاء كوريا الشمالية من أن أي هجوم نووي تطلقه «سيفضي إلى نهاية» نظامها. وردت الشقيقة الشديدة النفوذ للزعيم الكوري الشمالي على هذا التهديد، قائلة إن كوريا الشمالية مقتنعة بضرورة «أن تحسن بشكل أكبر» برنامج الردع النووي الخاص بها، وفقا لتصريحات نقلتها «وكالة الأنباء الكورية الشمالية» اليوم (السبت).

«الشرق الأوسط» (بيونغ يانغ)
العالم في ذكرى كارثة «تشرنوبيل»... أوكرانيا تحذّر من «ابتزاز» نووي روسي

في ذكرى كارثة «تشرنوبيل»... أوكرانيا تحذّر من «ابتزاز» نووي روسي

في الذكرى السنوية الـ37 لكارثة «تشرنوبيل» النووية، حثت أوكرانيا اليوم (الأربعاء)، العالم على ألا يستسلم لـ«ابتزاز» روسيا بخصوص المنشآت النووية التي استولت عليها خلال غزوها لأوكرانيا. وبدأ العاملون السابقون فعاليات إحياء الذكرى في الموقع الذي كان يطلق عليه «محطة تشرنوبيل للطاقة النووية». ووقف العاملون السابقون ليلاً في بلدة سلافوتيتش بشمال البلاد، لإحياء ذكرى ضحايا أسوأ كارثة نووية في العالم والتي وقعت في 26 أبريل (نيسان) 1986. وأسفر انفجار في المحطة، التي كانت تقع في أوكرانيا السوفياتية آنذاك، عن إرسال مواد إشعاعية عبر أوروبا.

«الشرق الأوسط» (كييف)
العالم «الطاقة الذرية» تحذر من تجدد القتال حول محطة زابوريجيا النووية

«الطاقة الذرية» تحذر من تجدد القتال حول محطة زابوريجيا النووية

حذر رافائيل غروسي المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية التابعة للأمم المتحدة أمس (الجمعة)، من أن الأعمال العدائية المتزايدة حول محطة زابوريجيا للطاقة النووية الواقعة جنوبي أوكرانيا تزيد مرة أخرى من خطر وقوع كارثة، وفقاً لوكالة «الأنباء الألمانية». وقال غروسي إنه شاهد بنفسه «مؤشرات واضحة على تجهيزات عسكرية» حول محطة زابوريجيا، أكبر محطة نووية في أوروبا عندما زارها قبل ثلاثة أسابيع. وتابع غروسي في بيان يوم الجمعة، أنه «ومنذ ذلك الحين، أبلغ خبراؤنا في المحطة بشكل متكرر عن سماع دوي انفجارات، مما يشير في بعض الأحيان إلى وقوع قصف مكثف ليس بعيدا عن الموقع.

«الشرق الأوسط» (كييف)
العالم كوريا الشمالية ترفض دعوة «مجموعة السبع» للامتناع عن تجارب نووية جديدة

كوريا الشمالية ترفض دعوة «مجموعة السبع» للامتناع عن تجارب نووية جديدة

رفضت كوريا الشمالية، اليوم (الجمعة)، دعوة مجموعة السبع لها إلى «الامتناع» عن أي تجارب نووية أخرى، أو إطلاق صواريخ باليستية، مجددةً التأكيد أن وضعها بوصفها قوة نووية «نهائي ولا رجعة فيه»، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية». ونددت وزيرة الخارجية الكورية الشمالية تشوي سون هوي بالبيان «التدخلي جداً» الصادر عن «مجموعة السبع»، قائلة إن القوى الاقتصادية السبع الكبرى في العالم تُهاجم «بشكل خبيث الممارسة المشروعة للسيادة» من جانب بلادها. وقالت تشوي في بيان نشرته «وكالة الأنباء الرسمية الكورية الشمالية» إن «موقف جمهورية كوريا الشعبية الديمقراطية بصفتها قوة نووية عالمية نهائي ولا رجوع فيه». واعتبرت أن «(مج

«الشرق الأوسط» (بيونغ يانغ)
العالم روسيا تختبر بنجاح صاروخاً باليستياً «متقدماً»

روسيا تختبر بنجاح صاروخاً باليستياً «متقدماً»

أعلنت روسيا أنها أجرت تجربة ناجحة لإطلاق صاروخ باليستي «متقدم» عابر للقارات، بعد أسابيع على تعليق مشاركتها في آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية مع الولايات المتحدة، وفقاً لوكالة الصحافة الفرنسية. وقالت وزارة الدفاع الروسية في بيان إن «طاقماً قتالياً أطلق بنجاح صاروخاً باليستياً عابراً للقارات (آي سي بي إم) من نظام صاروخي أرضي متحرك» من موقع التجارب في كابوستين يار (الثلاثاء). وأضاف البيان أن «الرأس الحربي للصاروخ ضرب هدفاً وهمياً في ميدان التدريب ساري شاجان (كازاخستان) بدقة محددة». ومنذ إرسال قوات إلى أوكرانيا العام الماضي، أطلق الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، تحذيرات مبطنة بأنه قد يستخدم أسلحة

«الشرق الأوسط» (موسكو)

غوتيريش يتمسّك بدور مجلس الأمن: سيادة القانون يُستبدل بها «شريعة الغاب»

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش (أ.ف.ب)
الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش (أ.ف.ب)
TT

غوتيريش يتمسّك بدور مجلس الأمن: سيادة القانون يُستبدل بها «شريعة الغاب»

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش (أ.ف.ب)
الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش (أ.ف.ب)

دافع الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش الاثنين عن دور مجلس الأمن الدولي باعتباره الهيئة «الوحيدة» المخولة فرض قرارات تتعلق بالسلام في عالم تسوده «شريعة الغاب».

وقال غوتيريش: «في كل أنحاء العالم، تُستبدل بسيادة القانون شريعة الغاب. نشهد انتهاكات صارخة للقانون الدولي، وازدراء سافراً لميثاق الأمم المتحدة».

وأضاف أمام المجلس: «من غزة إلى أوكرانيا، وفي كل أنحاء العالم، يتم التعامل مع سيادة القانون وكأنها اختيارية»، مشيراً إلى أن ميثاق الأمم المتحدة يحظر «التهديد أو استخدام القوة»، وأنه «يفرض القواعد نفسها على كل الدول، كبيرة وصغيرة».

ولم يذكر غوتيريش صراحة «مجلس السلام» الجديد الذي أنشأه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، والذي يُنظر إليه على أنه منافس للأمم المتحدة، لكنه شدد على المسؤولية «الحصرية» لمجلس الأمن.

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش يلقي كلمة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها الثمانين بمقر الأمم المتحدة في مدينة نيويورك يوم 23 سبتمبر 2025 (رويترز)

وقال إن المجلس «في وقت تتزايد المبادرات... الوحيد المخول بموجب الميثاق بالتصرف نيابة عن كل الدول الأعضاء في مسائل السلام والأمن».

وأضاف: «لا يمكن لأي هيئة أخرى أو تحالف مؤقت إلزام كل الدول الأعضاء قانوناً بالامتثال لقرارات متعلقة بالسلام والأمن»، والمجلس هو الجهة الوحيدة المخولة «إصدار الإذن باستخدام القوة».

وتأتي تصريحات غوتيريش بعد أيام من إعلان ترمب إنشاء «مجلس السلام» برئاسته، والذي يهدف إلى العمل على حل النزاعات في العالم. ويثير «المجلس» ودوره شكوك دول عديدة.

وشدّد غوتيريش على أن «الوقت حان لتجدّد كل الدول التزامها بالاحترام الكامل للقانون الدولي، والوفاء بالوعود والالتزامات المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة».


الأمم المتحدة: مئات المهاجرين فُقدوا في البحر المتوسط خلال يناير

مهاجرون على متن قارب مطاطي ينتظرون إغاثتهم من قبل أفراد طاقم سفينة إنقاذ قبالة المياه الدولية لليبيا... 16 يناير 2026 (أ.ف.ب)
مهاجرون على متن قارب مطاطي ينتظرون إغاثتهم من قبل أفراد طاقم سفينة إنقاذ قبالة المياه الدولية لليبيا... 16 يناير 2026 (أ.ف.ب)
TT

الأمم المتحدة: مئات المهاجرين فُقدوا في البحر المتوسط خلال يناير

مهاجرون على متن قارب مطاطي ينتظرون إغاثتهم من قبل أفراد طاقم سفينة إنقاذ قبالة المياه الدولية لليبيا... 16 يناير 2026 (أ.ف.ب)
مهاجرون على متن قارب مطاطي ينتظرون إغاثتهم من قبل أفراد طاقم سفينة إنقاذ قبالة المياه الدولية لليبيا... 16 يناير 2026 (أ.ف.ب)

رجّحت المنظمة الدولية للهجرة التابعة للأمم المتحدة، الاثنين، أن يكون مئات المهاجرين فُقِدوا أو قضوا في البحر المتوسط خلال شهر يناير (كانون الثاني) نتيجة حوادث غرق قوارب.

وأعربت في بيان عن «قلقها البالغ إزاء تقارير عن حوادث غرق قوارب عدة»، مشيرة إلى أن «سوء الأحوال الجوية أعاق عمليات البحث والإنقاذ بشدة». وأكدت أنها تتحقق من هذه التقارير.

وأبدت خشيتها من «فقدان مئات الأشخاص في الأسابيع الأولى من عام 2026 وحدها».

وقال المتحدث باسم المنظمة خورخي غاليندو لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إنه خلال الأيام العشرة الماضية «تم الإبلاغ عن ثلاثة حوادث غرق» قوارب اثنان منها في 23 يناير وواحد في 25 منه، يُعتقد أنها أودت بحياة «104 أشخاص».

وتقدّر المنظمة أن هذه القوارب انطلقت من ليبيا وتونس.

وأضاف غاليندو: «نحقق أيضاً في اختفاء قوارب من تونس»، مقدّراً عدد المفقودين «بنحو 380 شخصاً».

مهاجرون على متن قارب مطاطي يتلقون سترات نجاة بينما يقوم أفراد طاقم سفينة إنقاذ بعملية إنقاذ قبالة المياه الدولية لليبيا... 16 يناير 2026 (أ.ف.ب)

وأفادت ميرنا عبد العظيم، وهي محللة بيانات في مشروع «المهاجرون المفقودون» التابع للمنظمة الدولية للهجرة، «وكالة الصحافة الفرنسية» بأن هؤلاء كانوا على متن 9 قوارب مختلفة يُقدّر أنها غرقت بين 14 و21 يناير.

وذكرت المنظمة الدولية للهجرة أن القوارب التسعة انطلقت من تونس.

وأوضحت ميرنا عبد العظيم أن المنظمة الدولية للهجرة لم تتمكن حتى الآن من تأكيد سوى 3 وفيات مرتبطة بحادثة 23 يناير.

ومن بين الضحايا رضيعتان توأمان توفيتا بسبب انخفاض حرارة الجسم قبيل نزولهما من القارب، بحسب والدتهما. كما توفي رجل بعيد وصوله للسبب ذاته.

وأفاد ناجون بأن قارباً آخر أبحر من الموقع ذاته لكنه لم يبلغ وجهته وكان على متنه 51 شخصاً على الأقل، ويُقدّر أنه غرق قبالة سواحل طبرق في ليبيا.

وأفادت المنظمة الدولية للهجرة بغرق قارب آخر كان يقل 51 شخصاً على الأقل ونجا منه شخص واحد.

وجددت المنظمة التحذير من أن طريق الهجرة في وسط البحر المتوسط هو الأخطر في العالم، حيث سُجلت 1340 حالة وفاة العام الماضي.

وقضى أكثر من 33 ألف مهاجر أو فقدوا في البحر المتوسط منذ عام 2014 بحسب مشروع «المهاجرون المفقودون».


دافوس... تأكيد التحوّلات الجيوسياسيّة وطغيان حضور ترمب

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع الصحافيين بعد إلقائه كلمته في منتدى دافوس 21 يناير 2026 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع الصحافيين بعد إلقائه كلمته في منتدى دافوس 21 يناير 2026 (رويترز)
TT

دافوس... تأكيد التحوّلات الجيوسياسيّة وطغيان حضور ترمب

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع الصحافيين بعد إلقائه كلمته في منتدى دافوس 21 يناير 2026 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع الصحافيين بعد إلقائه كلمته في منتدى دافوس 21 يناير 2026 (رويترز)

من أقوال الزعيم الروسي الراحل فلاديمير لينين: «هناك عقود لا يحدث فيها شيء، وهناك أسابيع يحدث فيها ما يُعادل عقوداً». يردّ بعض المفكّرين على هذا القول بأن الحدث الكبير التغييري الذي يقع، لا يكون معزولاً عن السياق الذي يحصل فيه. فهو مجاور وملامس (Adjacent) للتراكمات، وفي كل الأبعاد التي تحصل قبل الانفجار الكبير.

لم تستوعب أوروبا حتى الآن التحوّلات الجيوسياسيّة في النظام العالميّ. فهي في حالة الصدمة (Trauma). وللخروج من هذه الصدمة، هناك مراحل متعدّدة، منها: الإنكار، والغضب، والاكتئاب، ومن ثم القبول. تتطلّب هذه المراحل وقتاً طويلاً للخروج منها، وتُكلّف أثماناً كبيرة. ولتقصير الوقت، لا بد من «القبول» أولاً بالواقع الذي خلّفته الصدمة، كونه يُسرّع عملية تجاوز الواقع المأساوي وتقصير المراحل.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يحمل وثيقة إنشاء «مجلس السلام» في دافوس بسويسرا يوم 22 يناير 2026 (رويترز)

من المفروض أن يُؤمّن منتدى دافوس منصّة عالميّة تجمع العام والخاص. والهدف دائماً هو المساعدة على صياغة أجندات تعاون دولي وفي كل المجالات، تبدأ من التكنولوجيا، والتحدّيات التي خلقها الذكاء الاصطناعي مثلاً. وتنتهي بتحدّيات التحوّل المناخيّ، وذلك مروراً بالتنسيق لرسم السياسات الاقتصاديّة العالميّة، وكيفيّة التعامل مع المخاطر التي تهدّد العالم.

جيوسياسياً، فيه يعرض الأقوى سياساته بطريقة غير مُلزمة. فهو منصة تنسيق غير رسمية بين مراكز القوى العالمية. ويُقال إنه بمثابة رسالة لمن يهمّه الأمر، ولكنه ليس مُلزماً. إنه ساحة صراع بطريقة أخرى (طريّة). فيه تُعرض الأفكار. وهو مختبر للأفكار. ومن شاور الرجال شاركهم في عقولهم.

لكن الأكيد هذا العام، وبعد غيابه العام الفائت عن المنتدى، هيمن الرئيس دونالد ترمب الذي لقبته مجلّة «فايننشال تايمز» بـ«الملقط»، لحضوره على المؤتمر. وبدل أن يعكس المنتدى حال العالم بكلّ الأبعاد، حسب التوصيف الوظيفي لفكرة المنتدى، فإنه شكّل منبراً لإعلان وفاة النظام العالمي القائم.

وقد يُشكّل توقيت المؤتمر النقطة الفاصلة بين مرحلتين: المرحلة الأولى هي مرحلة النظام العالمي القديم والمتهاوي أصلاً؛ أما المرحلة الثانية فهي مرحلة إعلان الوفاة لذلك النظام، وعدم اهتمام القوى المؤثّرة بترتيبات الدفن؛ على أن يبحث المتضرّرون عن كيفيّة التموضع والتأقلم، وتقليل الخسائر قدر الإمكان.

لقاء بين الرئيسين: الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين في ألاسكا يوم 15 أبريل 2025 (أ.ب)

تميّز المنتدى هذا العام بتظهير عدّة مؤشّرات تغييريّة- جيوسياسيّة على حال النظام العالمي، منها:

يدور عالم اليوم - أو النظام العالمي القديم - على فكرة العولمة، وأهميتها لصنع الثروة عبر التكامل والترابط. فيه كانت تتظهَّر أهمية «الداتا»، القدرة على الحوسبة، الرأسمال، كما على ترابط الشبكات العنكبوتيّة (Networks) كما المعايير. وحسب بعض المفكّرين، لم يكن النفَس الإمبريالي- الإمبراطوري سائداً؛ لأن المنفعة كانت عبر التموضع الترابطي والتكامل. بكلام آخر: لم يكن اجتياح الأرض والمساحة أولويات لدى القوى الكبرى. ظهّر المنتدى الأخير في دافوس استراتيجيّات القوى العظمى حول العودة إلى فكرة السيطرة على المساحة والأرض. يريد الرئيس ترمب كلاً من: كندا، وقناة بنما، وجزيرة غرينلاند، ونفط فنزويلا، كما يدير مشروعاً كبيراً للسيطرة على قطاع غزة. في مكان آخر، يسعى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى السيطرة على الأرض الأوكرانيّة. ومن يدري كيف ستتصرّف الصين تجاه جزيرة تايوان!

تميّز خطاب رئيس الوزراء الكندي، مارك كارني، بوضوح جيوسياسي مهمّ. وإذا كان الرئيس ترمب قد سرق الأضواء في دافوس. فإن رئيس الوزراء الكندي كان النجم الأفضل، وذلك حسب جريدة «واشنطن بوست». المهم في الخطاب هو الشفافيّة حول سقوط النظام العالمي القديم، وأهمية أن تسعى الدول العظمى الإقليميّة، من الوزن المتوسّط (Middle Power) إلى تحقيق هامش المناورة الدبلوماسيّة، وعزل نفسها عن تأثيرات القوى العظمى الإكراهيّة؛ خصوصاً إذا اتفقت هذه القوى العظمى على العمل معاً. ويتابع رئيس الوزراء الكندي ليقول: «إن لم تكن على الطاولة، فأنت حتماً على لائحة الطعام (Menu)».

صورة مركبة لرئيس الوزراء الكندي مارك كارني والرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

وأخيراً وليس آخراً، لا يصف كارني العالم بأنه قاسٍ، ولكنه يطلب التأقلم معه. والعكس قد يعني العبوديّة. ألم تتظهّر في الإقليم بعض السلوكيّات التي تدلّ على سعي القوى العظمى الإقليميّة إلى خلق مسارات وخيارات متعدّدة؟ ولماذا تذكر الولايات المتحدة على سبيل المثال في استراتيجيّة الدفاع القومي (NDS) التي نشرت بعد استراتيجيّة الأمن القومي (NSS) أن إيران لا تزال الخطر الأكبر، وأن إسرائيل هي الحليف النموذجي للولايات المتحدة الأميركيّة؟

عندما سئل الرئيس ترمب من قِبل صحيفة «نيويورك تايمز» عما يمكن أن يحدّ من نفوذه على الساحة الدوليّة، أجاب: «هناك شيء واحد فقط. مبادئي الشخصية. تفكيري. هذا هو الشيء الوحيد الذي يمكن أن يوقفني». وأضاف: «لست بحاجة إلى محكمة دولية». في مكان آخر، وقبيل ذهابه إلى دافوس، كتب وزير التجارة الأميركي، هوارد لوتنيك، مقالاً في «فايننشال تايمز» قال فيه ما معناه: «لسنا ذاهبين إلى دافوس للحفاظ على الستاتيكو؛ بل لمواجهته. عندما تربح أميركا يربح العالم. والعولمة كانت كارثيّة على الولايات المتحدة الأميركيّة. ولكن للرأسماليّة (شريفاً) جديداً في العالم». في مكان آخر، صرّح مساعد الرئيس ترمب، ستيفن ميلر، مؤخّراً، إلى محطّة «سي إن إن» بما معناه: «إن العالم يجب أن يُحكَم بالقوّة».

علم تايوان في العاصمة تايبيه (أرشيفية- أ.ب)

وأخيراً وليس آخراً، يؤكّد الكاتب والمفكّر الأميركيّ، روبرت د. كابلان، في كتاب له بعنوان «أرض النفايات: عالم في أزمة دائمة»، أن الأزمة ليست حالياً الاستثناء؛ لا بل هي القاعدة؛ إذ تحوّلت السياسة من صناعة المستقبل إلى إدارة الأزمة. ويتابع: «في هكذا حالة، يتعب البشر، يقلّ إيمانهم بالمؤسسات، وتعود الدول العظمى إلى الصراع الجيوسياسي على المدى الحيويّ (Lebensraum)؛ لكن من دون وضوح آيديولوجي». فماذا يعني تشكيل «مجلس السلام» بهذه السرعة، بعد أن استلزم تشكيل الأمم المتحدة أربع سنوات؟ وماذا يعني الانسحاب الأميركي من منظمة الصحة العالميّة؟ وماذا يعني إبلاغ الولايات المتحدة الأميركيّة حلفاءها في «الناتو» عن سحب مرتقب لمائتي عنصر يعملون في هياكل محددة داخل الحلف؟

في الختام، لا نزال نعايش المرحلة الانتقاليّة بين القديم والجديد- المُتخيّل. وفي هكذا حالة، تعود القوى بكل أحجامها إلى البديهيّ، والذي يقول حسب المثل: «عند تغيير الأمم، احفظ رأسك».