الشارع الفرنسي في مواجهة الحكومات... وقانون التقاعد إشكالية متواصلة

مظاهرات وإضرابات هيمنت على الحراك الاجتماعي خلال ستين عاماً

جانب من الاشتباكات بين متظاهرين وقوات الأمن في تولوز الخميس (أ.ف.ب)
جانب من الاشتباكات بين متظاهرين وقوات الأمن في تولوز الخميس (أ.ف.ب)
TT

الشارع الفرنسي في مواجهة الحكومات... وقانون التقاعد إشكالية متواصلة

جانب من الاشتباكات بين متظاهرين وقوات الأمن في تولوز الخميس (أ.ف.ب)
جانب من الاشتباكات بين متظاهرين وقوات الأمن في تولوز الخميس (أ.ف.ب)

لا شيء يشي، حتى اليوم، بأن الحركة الاحتجاجية التي انطلقت في فرنسا منذ 19 يناير (كانون الثاني) الماضي، رفضاً لخطة الحكومية لتغيير نظام التقاعد، آخذة بالتراجع رغم التصديق على مشروع القانون يوم الاثنين الماضي، في البرلمان، ومن المرجح أن يصبح نافذاً بعد أن يعطي المجلس الدستوري رأيه في مدى ملاءمته للنص الدستوري. كذلك، لا شيء يدل على أن الرهان الحكومي على تراجع التعبئة مصيب. وبعد أن كان منتظراً أن تنتج تصريحات الرئيس ماكرون التلفزيونية يوم الأربعاء تهدئة، فقد جاءت مفاعيلها عكسية تماماً، إذ انتشت التعبئة وازدادت أعداد المتظاهرين في باريس وبقية المدن الكبرى والمتوسطة. والأهم من ذلك أن سلمية المظاهرات الجرارة التي انطلقت طيلة أيام التعبئة الثمانية آخذة بسلوك نهج جديد يطبعه العنف والاشتباكات مع رجال الشرطة، وإشعال الحرائق، والاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة من قبل مجموعات متطرفة مرتبطة، وفق الأوساط الأمنية، بتنظيم «البلاك بلوك» اليساري المتطرف الفوضوي، فيما عنف رجال الشرطة وعناصر قمع الشغب يتزايد يوماً بعد يوم. وأفاد وزير الداخلية صباح أمس، بأنه تم، يوم الخميس، القبض على 457 شخصاً، فيما أصيب 441 عنصراً من الشرطة والدرك. وبحسب جيرالد دارمانان، فإن 903 حرائق اشعلت في باريس وحدها. وما حصل في العاصمة حصل مثله في المدن الأخرى، ومنها نانت ورين ولوريان وروان وغيرها.
بيد أن ما تعيشه فرنسا هذه الأيام ليس جديداً، لا بل إن التقليد الفرنسي يقول إن كل عهد يجلب معه حركاته الاحتجاجية بما تعنيه من مظاهرات وإضرابات وأعمال عنف وشغب. وتجدر الإشارة إلى أن القانون الفرنسي منذ عام 1864 يعترف بحق الإضراب الذي تحول إلى حق دستوري في الدستور الذي أقر في عام 1946، وثبت في دستور عام 1958.
ويطول الحديث عن الإضرابات والمظاهرات التي عرفتها فرنسا في الستين سنة الأخيرة، ومنها شكّلت علامات فارقة في بروز دور النقابات العمالية التي أنشئت أساساً للمطالبة بحقوق العمال، وتحسين ظروف عملهم ورواتبهم. وما قبل هذه الشريحة الزمنية، لا بد من الإشارة إلى التحولات التي شهدها عام 1936 مع الفوز الانتخابي لـ«الجبهة الشعبية» اليسارية التي عانت من مظاهرات مليونية صاخبة وإضرابات شاملة أعلنتها النقابات الرئيسية، وتضمنت احتلال المصانع وأماكن العمل وتعطيل الحركة وشل الاقتصاد. وانتهت إلى توقيع اتفاقيات برعاية رئيس الحكومة وقتها، الاشتراكي ليون بلوم، وأهم ما جاءت به اختصار أسبوع العمل إلى 48 ساعة وزيادات ملموسة في الأجور والرواتب، وأيضاً قبول أرباب العمل إعطاء العمال والموظفين إجازة سنوية من أسبوعين مدفوعة الأجر، وهي المرة الأولى التي يحصل فيها تطور من هذا النوع في التاريخ الفرنسي.
وقتها، لم يطرح ملف سن التقاعد والقانون لم يأتِ على ذكره. ولقد صدر قانون بذلك لأول مرة في عام 1945 مع إطلاق صندوق الضمان الاجتماعي، وأحد فروعه يتناول التقاعد، حيث حدد سن التقاعد بـ65 عاماً. وظل هذا القانون سارياً حتى وصول الاشتراكي فرنسوا ميتران إلى الرئاسة في عام 1981. وكان إصلاح قانون التقاعد أحد أول وأهم القوانين التي أقرها عهده، إذ أنزل سن التقاعد إلى 60 عاماً. ومنذ ذلك التاريخ وحتى اليوم، فإن كل ما يسمى «قوانين إصلاح نظام التقاعد» يهدف إلى رفع سن التقاعد، إما لأن معدل الأعمار ارتفع كثيراً قياساً، وإما لإبقاء تمويل نظام التقاعد قائماً بعد الارتفاع الملموس لأعداد المتقاعدين وارتفاع مدة حصولهم على معاشات تقاعدية.

ربيع 1968 وسقوط ديغول

يشكل ربيع عام 1968 محطة فاصلة في الحراك الاجتماعي والاقتصادي الفرنسي. ففي عز الإضرابات والمظاهرات، نزل إلى الشوارع في كل أنحاء فرنسا ما لا يقل عن 10 ملايين مواطن. وعرفت المظاهرات والإضرابات طيلة 3 شهور شلل الاقتصاد والحياة العامة وإقامة حواجز ومتاريس ومعارك شوارع بين مئات الآلاف من المحتجين ورجال الأمن. وشكّل انضمام طلبة جامعة السوربون القائمة في الحي اللاتيني في باريس، وتلامذة المدارس الكبرى، دفعاً كبيراً للحراك الذي كاد يطيح بنظام الرئيس الجنرال شارل ديغول.

ومع هذا الحراك، نشأ ما يسمى «جيل ربيع 1968» وممثله الأشهر الطالب الألماني - الفرنسي دانيال كوهين بنديت، الذي أطلق عليه لقب «داني الأحمر». ولاحقاً، انتخب نائباً في البرلمان الأوروبي ومارس مهنة الصحافة وبقي رمزاً لربيع 1968. وكانت خلاصة الحراك التوصل إلى ما يسمى «اتفاقيات غرونيل»، التي مكنت الموظفين والعمال والأجراء من زيادة رواتبهم بنسبة 35 في المائة، وخفض ساعات العمل الأسبوعية إلى 40 ساعة، وتعزيز حقوق العمال والنقابات. ولم تطرح وقتها إشكالية سن التقاعد، أو بالأحرى لم تكن مركزية. لكن ديغول دفع الثمن لاحقاً عندما طرح في استفتاء عام التعديلات الدستورية التي أراد موافقة المواطنين عليها. إلا أن هؤلاء خذلوه، فلم يتردد للحظة واحدة في الاستقالة من منصبه. ومع مجيء رئاسة فرنسوا ميتران، كان همّ حكومته الأولى برئاسة الاشتراكي بيار موروا إنجاز وعود ميتران الـ110، وعلى رأسها الوعود الاجتماعية. ولم يخلُ عهده من المظاهرات والإضرابات. إلا أنها لم تكن اجتماعية بل مجتمعية - تعليمية وتربوية، وأهمها موضع المدارس الخاصة إلى جانب المدارس الرسمية، ما أدى إلى نزول مئات الألوف من الفرنسيين المحافظين إلى الشوارع، وإعلان الإضرابات «دفاعاً» عن حرية التعليم ودعماً للقطاع التعليمي الخاص.

شيراك: التراجع تحت ضغط الشارع

مع انتخاب اليميني جاك شيراك رئيساً للجمهورية في عام 1995 وتعيينه ألن جوبيه رئيساً للحكومة، كان الهم الأول للسلطات إصلاح قانون الضمان الاجتماعي، ومن ضمنه نظام التقاعد بسبب العجوزات المتراكمة التي كان يعاني منها. وترافق ذلك مع عزم الحكومة على تعديل القوانين الناظمة لعمال السكك الحديد، والجمع بين نظام التقاعد الخاص بالموظفين الحكوميين والمعمول به في القطاع الخاص. وما لم تأخذه الحكومة بعين الاعتبار تشكل جبهة نقابية ومطلبية واحدة رافضة لخططها بالجملة. وطيلة شهرين، عرفت فرنسا مظاهرات وإضرابات في القطاعين العام والخاص. وتفيد أرقام يوم 12 ديسمبر (كانون الأول) بأن ما لا يقل عن مليوني فرنسي نزلوا إلى الشوارع، وزاد الأمر خطورة مع انضمام سائقي القطاع الخاص إلى الإضراب بالتوازي مع إضراب موظفي شركة السكك الحديد وإضراب النقل العام في شبكة المترو والحافلات والقطارات وبعض القطاع الجوي، ما جعل التنقل في البلاد بالغ الصعوبة وأدى إلى شلل الاقتصاد وتدهور الحياة العامة. وكانت النتيجة أن الحكومة اضطرت إلى سحب مشروعها بدفع من الرئيس شيراك، الذي عمد بعدها إلى حل المجلس النيابي. وكم كانت خيبته كبيرة عندما خسر اليمين الانتخابات، واضطر شيراك إلى القبول برئيس حكومة اشتراكي (ليونيل جوسبان) وحكومة يسارية.
وفي ولايته الرئاسية الثانية، واجه شيراك أوضاعاً اجتماعية مشابهة مع مشروع رئيس حكومته وقتها، دومينيك دو فيلبان، يتناول الشباب وتسهيل دخولهم ميدان العمل. إلا أن ردة الفعل العامة كانت الرفض المطلق. وخلال 3 أشهر، عرفت فرنسا احتجاجات ومظاهرات جامحة جمعت بين الشباب والنقابات. وبنتيجتها، اضطر دو فيلبان إلى سحب مشروعه، ما شكّل هزيمة ثانية لشيراك. وقارن كثيرون بين هذه الحركة وتلك التي حصلت زمن رئاسة فرنسوا هولند، الذي سعت وزيرة العمل وقتها ميريام الخمري إلى تعديل قانون العمل، ما أفضى إلى حركة احتجاجية واسعة.

ساركوزي ـ ماكرون: وحدة نهج

ثمة ما يجمع بين هذين الرئيسين الأسبق والراهن، وهو أن كليهما سعى إلى تعديل قانون التقاعد ورفع سنه. ساركوزي من 60 إلى 62 عاماً، وماكرون من 62 إلى 64 عاماً. وفي عام 2010، عرفت فرنسا 10 أشهر من المظاهرات وأسابيع طويلة من الإضرابات التي طالت قطاعات رئيسية مثل الطاقة والنقل والتعليم والوظيفة العمومية. وهي نفسها القطاعات التي تتظاهر وتضرب منذ بداية العام الحالي. ساركوزي رفض الانصياع لمطالب الشارع والمضربين، وما زالت جملته الشهيرة «لا يمكنني أن أقبل أن عمل ملايين من الفرنسيين يؤخذ رهينة»، مشيراً بذلك إلى تعطيل الحياة الاقتصادية ودورة الأعمال العادية. ويوم 23 سبتمبر (أيلول) 2010، نزل إلى الشوارع ما لا يقل عن 3 ملايين نسمة في 239 مدينة. واعتمد ساركوزي أسلوب القوة في التعامل مع المضربين بالقطاعات الحيوية، مثل مصافي تكرير النفط، حيث أرسل قوات الدرك لفك الاعتصامات وفتح الطرقات. ولأن ساركوزي كان يتمتع بأكثرية مريحة في البرلمان، فقد تم التصويت لصالح مشروع القانون في مجلس الشيوخ والنواب. ومع حلول شهر نوفمبر (تشرين الثاني) من العام نفسه، تراجعت الإضرابات والمظاهرات وانتهى الحراك. إلا أن الرد على ساركوزي كان إسقاطه في الانتخابات الرئاسية التي هزمه فيها الاشتراكي فرنسوا هولند.

ليس ما يعاني منه ماكرون حالياً، أمراً جديداً. فقد عاش تجربة قاسية مع حراك «السترات الصفراء» التي كادت تطيح بعهده الأول. فصور الحرائق في جادة الشانزليزيه وتحولها إلى ساحة حرب لم تُمحَ بعد من الذاكرة. كذلك سارت المظاهرات وحصلت الإضرابات في 2019 و2020 مع مشروعه الأول لتعديل نظام التقاعد الذي كان يدفع به إلى الأمام أدورا فيليب، رئيس الحكومة، ولم يتم طيه إلا مع استفحال جائحة «كوفيد - 19». إلا أن الرئيس الفرنسي عاد وجعله أحد رموز ولايته الثانية. وها هو يعاني من حراك ينشط مجدداً، ومال إلى العنف كما ظهر يومي الخميس والجمعة الماضيين. ويبدو أن ماكرون يريد انتهاج خط ساركوزي الرافض للشارع، وهو ما أكد عليه أمس مجدداً في مؤتمره الصحافي في بروكسل.


مقالات ذات صلة

فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

شؤون إقليمية فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

ندّدت فرنسا باحتجاز البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني ناقلة النفط «نيوفي» التي ترفع عَلَم بنما، في مضيق هرمز الاستراتيجي، وذلك صبيحة الثالث من مايو (أيار)، وفق المعلومات التي أذاعها الأسطول الخامس، التابع لـ«البحرية» الأميركية، وأكدها الادعاء الإيراني. وأعربت آن كلير لوجندر، الناطقة باسم «الخارجية» الفرنسية، في مؤتمرها الصحافي، أمس، أن فرنسا «تعرب عن قلقها العميق لقيام إيران باحتجاز ناقلة نفطية» في مياه الخليج، داعية طهران إلى «الإفراج عن الناقلات المحتجَزة لديها في أسرع وقت».

ميشال أبونجم (باريس)
العالم باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

باريس «تأمل» بتحديد موعد قريب لزيارة وزير الخارجية الإيطالي

قالت وزارة الخارجية الفرنسية إنها تأمل في أن يُحدَّد موعد جديد لزيارة وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني بعدما ألغيت بسبب تصريحات لوزير الداخلية الفرنسي حول سياسية الهجرة الإيطالية اعتُبرت «غير مقبولة». وكان من المقرر أن يعقد تاياني اجتماعا مع وزيرة الخارجية الفرنسية كاترين كولونا مساء اليوم الخميس. وكان وزير الداخلية الفرنسي جيرار دارمانان قد اعتبر أن رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني «عاجزة عن حل مشاكل الهجرة» في بلادها. وكتب تاياني على «تويتر»: «لن أذهب إلى باريس للمشاركة في الاجتماع الذي كان مقررا مع الوزيرة كولونا»، مشيرا إلى أن «إهانات وزير الداخلية جيرالد دارمانان بحق الحكومة وإي

«الشرق الأوسط» (باريس)
طرد الطيور في مطار «أورلي الفرنسي»  بالألعاب النارية

طرد الطيور في مطار «أورلي الفرنسي» بالألعاب النارية

يستخدم فريق أساليب جديدة بينها الألعاب النارية ومجموعة أصوات لطرد الطيور من مطار أورلي الفرنسي لمنعها من التسبب بمشاكل وأعطال في الطائرات، حسب وكالة الصحافة الفرنسية. وتطلق كولين بليسي وهي تضع خوذة مانعة للضجيج ونظارات واقية وتحمل مسدساً، النار في الهواء، فيصدر صوت صفير ثم فرقعة، مما يؤدي إلى فرار الطيور الجارحة بعيداً عن المدرج. وتوضح "إنها ألعاب نارية. لم تُصنّع بهدف قتل الطيور بل لإحداث ضجيج" وإخافتها. وتعمل بليسي كطاردة للطيور، وهي مهنة غير معروفة كثيراً لكنّها ضرورية في المطارات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
العالم فرنسا: المجلس الدستوري يصدر عصراً قراره بشأن قبول إجراء استفتاء على قانون العمل الجديد

فرنسا: المجلس الدستوري يصدر عصراً قراره بشأن قبول إجراء استفتاء على قانون العمل الجديد

تتجه الأنظار اليوم إلى فرنسا لمعرفة مصير طلب الموافقة على «الاستفتاء بمبادرة مشتركة» الذي تقدمت به مجموعة من نواب اليسار والخضر إلى المجلس الدستوري الذي سيصدر فتواه عصر اليوم. وثمة مخاوف من أن رفضه سيفضي إلى تجمعات ومظاهرات كما حصل لدى رفض طلب مماثل أواسط الشهر الماضي. وتداعت النقابات للتجمع أمام مقر المجلس الواقع وسط العاصمة وقريباً من مبنى الأوبرا نحو الخامسة بعد الظهر «مسلحين» بقرع الطناجر لإسماع رفضهم السير بقانون تعديل نظام التقاعد الجديد. ويتيح تعديل دستوري أُقرّ في العام 2008، في عهد الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي، طلب إجراء استفتاء صادر عن خمسة أعضاء مجلس النواب والشيوخ.

ميشال أبونجم (باريس)
«يوم العمال» يعيد الزخم لاحتجاجات فرنسا

«يوم العمال» يعيد الزخم لاحتجاجات فرنسا

عناصر أمن أمام محطة للدراجات في باريس اشتعلت فيها النيران خلال تجدد المظاهرات أمس. وأعادت مناسبة «يوم العمال» الزخم للاحتجاجات الرافضة إصلاح نظام التقاعد الذي أقرّه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)


نائب رئيس الوزراء الصيني يزور الولايات المتحدة قبل قمة شي وترمب

نائب رئيس الوزراء الصيني وكبير المفاوضين للشؤون التجارية هي ليفينغ خلال لقائه وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في باريس يوم 16 مارس (آذار) 2026 (رويترز)
نائب رئيس الوزراء الصيني وكبير المفاوضين للشؤون التجارية هي ليفينغ خلال لقائه وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في باريس يوم 16 مارس (آذار) 2026 (رويترز)
TT

نائب رئيس الوزراء الصيني يزور الولايات المتحدة قبل قمة شي وترمب

نائب رئيس الوزراء الصيني وكبير المفاوضين للشؤون التجارية هي ليفينغ خلال لقائه وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في باريس يوم 16 مارس (آذار) 2026 (رويترز)
نائب رئيس الوزراء الصيني وكبير المفاوضين للشؤون التجارية هي ليفينغ خلال لقائه وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في باريس يوم 16 مارس (آذار) 2026 (رويترز)

يزور نائب رئيس الوزراء الصيني وكبير المفاوضين للشؤون التجارية هي ليفينغ، الولايات المتحدة، قبل القمة المرتقبة بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب ونظيره الصيني شي جينبينغ، بحسب ما أفادت به وسائل إعلام صينية رسمية اليوم (السبت).

ويجري رئيسا أكبر قوتين اقتصاديتين في العالم محادثات بالبيت الأبيض في 24 سبتمبر (أيلول)، في لقاء يهدف إلى الحد من التوترات حول التجارة والتكنولوجيا ومسائل استراتيجية بصورة عامة.

وفي حين لا تزال الهدنة التجارية التي توصل إليها الطرفان قبل نحو عام صامدة، فإنهما لم ينجحا بعد في التوصل إلى اتفاق دائم.

ويترأس هي وفداً صينياً سيزور الولايات المتحدة من 19 إلى 23 سبتمبر، لإجراء محادثات حول «القضايا الاقتصادية والتجارية محلّ الاهتمام المشترك»، بحسب ما نقلته وكالة «شينخوا» الصينية للأنباء عن وزارة التجارة.

وأوضحت الوزارة أن المحادثات ستستند إلى «التوافق المهم» الذي توصل إليه شي وترمب في وقت سابق.

وكان وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت قد أعلن هذا الأسبوع، أنه سيلتقي هي خلال عطلة نهاية الأسبوع. وأشار إلى أن المناقشات قد تتطرق أيضاً إلى ملف إيران، فيما تثير العلاقات الاقتصادية الوثيقة بين بكين وطهران استياء واشنطن، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتسري منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2025، هدنة هشة في حرب الرسوم الجمركية التي أطلقها ترمب بعد عودته إلى البيت الأبيض.


لماذا تندلع الحروب؟... وكيف تتحول إلى كوابيس بلا نهاية؟

دخان قصف إسرائيلي يتصاعد في سماء جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دخان قصف إسرائيلي يتصاعد في سماء جنوب لبنان (أ.ف.ب)
TT

لماذا تندلع الحروب؟... وكيف تتحول إلى كوابيس بلا نهاية؟

دخان قصف إسرائيلي يتصاعد في سماء جنوب لبنان (أ.ف.ب)
دخان قصف إسرائيلي يتصاعد في سماء جنوب لبنان (أ.ف.ب)

نادراً ما تدخل دولة حرباً وهي تتوقع الهزيمة، أو تتخيل أن الصراع الذي بدأته سيتحول إلى كابوس طويل ونفق لا نهاية له. ومع ذلك، يبدو أن أحداً لا يستخلص العبر بل يكرر التاريخ - أو بالأحرى الإنسان - نفسه: قرارات تبدو في لحظتها محسوبة ومدروسة قد تقود إلى حروب استنزاف، وأهداف تتغير مع الوقت، وقادة يجدون أنفسهم عاجزين عن التراجع من دون دفع أثمان سياسية واستراتيجية باهظة.

يقول أستاذ العلاقات الدولية الأميركي ستيفن إم. والت، أحد أبرز منظّري المدرسة الواقعية في العلاقات الدولية، إن الحروب الكارثية لا تأتي عادة من فراغ، ولا تكون مفاجآت بالمعنى الكامل. فهي غالباً نتيجة أخطاء متكررة في الحسابات الاستراتيجية، تبدأ بسوء فهم الخصم وقدراته، ثم تتفاقم بسبب نصائح مُغرضة، وأهداف خفيّة، وضغوط سياسية تجعل التراجع أكثر صعوبة من الاستمرار.

حفرة أحدثها صاروخ روسي سقط في كييف عاصمة أوكرانيا (أ.ب)

* علامات الخطر

أولى علامات الخطر هي الجهل؛ فالقوة العسكرية لا تعني بالضرورة فهماً للمجتمع الذي تتدخل فيه. وقد تملك دولة متفوقة عسكرياً معلومات دقيقة عن جيش خصمها، لكنها تجهل تاريخ هذا الخصم، وتركيبته السياسية والاجتماعية، وقدرته على المقاومة، أو طبيعة ردود فعل القوى المحيطة به جغرافياً. ومن هنا تبدأ المفارقة: الانتصار في المعركة قد يكون متاحاً، لكن توقع نتائجها والسيطرة عليها قد يكونان مستحيلَين...

في الطريق إلى الحرب، لا تتحدث كل الجهات التي تقدم المشورة إلى صانع القرار من الموقع نفسه. هناك من تكون له مصالح آيديولوجية أو اقتصادية أو جيوسياسية تدفعه إلى تضخيم فرص النجاح وخفض حجم الأخطار. وفي أحيان كثيرة، يميل القادة إلى تصديق التقييمات المتفائلة التي تؤكد ما يودّون سماعه، بدلاً من الإصغاء إلى التحذيرات الأكثر عقلانية.

طائرات على متن حاملة الطائرات الأميركية «جورج واشنطن» (أ.ف.ب)

ثم تأتي مشكلة الأهداف الهشة والمتغيرة؛ فقد تبدأ الحرب بهدف محدود، أو باعتقاد أن تحقيقه سيكون سريعاً وقليل التكلفة. لكن عندما يتعثر المسار، تتغير المهمة. الهدف الذي كان إسقاط نظام يصبح بناء نظام جديد، وما كان عملية عسكرية قصيرة يتحول إلى مشروع سياسي طويل. وهكذا تستمر الحرب حتى بعد أن يفقد الهدف الأصلي وضوحه.

* دوّامة التصعيد

الأخطر يحدث عندما تدخل الحرب دوامة التصعيد؛ فمع تزايد الخسائر، يصبح الاعتراف بالفشل مكلفاً سياسياً. ويبدأ القادة رفع الرهان بدلاً من تقليصه، أملاً في أن تحقق الجولة التالية ما لم تحققه الجولة السابقة. ويتداخل الضغط الداخلي مع التوتر الخارجي، إلى أن يصبح التراجع نفسه أسوأ من مواصلة القتال.

لكن هذه الديناميكية لا تفسر وحدها لماذا يندفع العالم نحو مزيد من الصراعات؛ فهناك عوامل أعمق: الخوف وعدم اليقين، وسوء تقدير نوايا الخصم وقدرته على الرد؛ وصراعات القوة التي ترافق انتقال النظام الدولي من قوة مهيمنة إلى أخرى صاعدة، وهو ما يُعرف بـ«فخ ثوقيديدس»؛ فضلاً عن القادة الذين لا يواجهون قيوداً سياسية كافية، فيصبح المجد الشخصي أو الآيديولوجيا أو الرغبة في الانتقام، جزءاً من حسابات الحرب.

ويزداد الخطر عندما تبدأ قواعد النظام الدولي نفسها في التآكل؛ فالقواعد والمؤسسات التي يفترض أن تساعد القوى الكبرى في إدارة خلافاتها تصبح أقل فاعلية عندما تتجاهلها الدول القوية، أو تستخدمها بصورة انتقائية. وعندما تتراجع الثقة بالقواعد والمؤسسات، يصبح سوء التقدير أكثر احتمالاً، والانتقال من أزمة إلى أخرى أسرع.

* نهايات الحروب

تكشف نهاية الحروب الكبرى أن الانتصار ليس دائماً الطريق الذي تنتهي به الصراعات؛ فقد تنتهي الحرب بهزيمة عسكرية كاملة وانهيار أحد أطرافها، كما حدث في الحرب العالمية الثانية. وقد تنتهي بالاستنزاف والانهيار العسكري والسياسي، كما حدث في الحرب العالمية الأولى. وقد تتوقف عبر تسوية تفاوضية لا تحل جذور النزاع، كما حدث في شبه الجزيرة الكورية عام 1953. أما الصراعات الطويلة بين القوى الكبرى، فيُحتمل أن تنتهي بانهيار أحد أطرافها من الداخل، كما حدث مع الاتحاد السوفياتي عام 1991.

مروحية ودبابات في تدريب للجيش البولندي (أ.ف.ب)

والواقع أن الطريقة التي تنتهي بها الحرب تكون أحياناً أهم من نهايتها نفسها؛ فالتسويات القاسية أو غير المتوازنة سوف تزرع بذور الصراع التالي. ومن هنا فإن إنهاء الحرب لا يعني بالضرورة إنهاء أسبابها.

* السؤال الملحّ

السؤال الأكثر إلحاحاً اليوم هو: هل يتجه العالم نحو حرب عالمية ثالثة؟

لا توجد إجابة حاسمة، لكن المؤشرات التي تجعل السؤال مشروعاً أصبحت أكثر وضوحاً؛ فالحدود بين الصراعات أصبحت أكثر ضبابية من أي وقت مضى. لذا نرى أن الحرب في أوكرانيا، والتنافس الأميركي - الصيني، والتوتر في الشرق الأوسط، والصراع على النفوذ والطاقة والتكنولوجيا، كلها تتحرك داخل بيئة دولية واحدة، وتتزايد نقاط التماس بينها.

ومع ذلك، هناك مفارقة تستحق التوقف عندها؛ ففي العقود الأخيرة، بدت الصين، مقارنة بالولايات المتحدة وروسيا، أكثر حذراً في الانخراط المباشر في حروب برية واسعة النطاق. وهذا لا يعني أنها بعيدة عن الصراع أو ترفض استخدام القوة، بل يشير إلى اعتمادها بدرجة أكبر على أدوات أخرى: الاقتصاد، والتجارة، والتكنولوجيا، والنفوذ السياسي، والضغط الاستراتيجي على المدى الطويل.

وفي عالم تتزايد فيه الأزمات وتتقاطع فيه المصالح، قد لا يكون الخطر الأكبر أن يقرر زعيم ما إشعال حرب عالمية عمداً، بل أن تبدأ سلسلة من القرارات الصغيرة، المبنية على معلومات ناقصة وتقديرات خاطئة وضغوط سياسية، ثم يصبح التراجع في كل مرحلة أصعب من المرحلة التي سبقتها.

فالحروب الكبرى لا تبدأ دائماً بقرار كبير. أحياناً تبدأ بخطأ صغير (أو بحادث مدبّر بحيث يبدو كأن خطأ وقع) لا يعرف أحد، لحظة وقوعه، إلى أين سيقود.

مقاتلتان صينيتان (أرشيفية - رويترز)

* قالوا في الحرب

- عرّف كارل فون كلاوزفيتس - من بروسيا «سلف» ألمانيا الموحّدة - (1780 - 1831) الحرب من منظور فلسفي بوصفها أداةً عقلانية لسياسة الدولة، مشيراً إلى أنها ببساطة «استمرار للسياسة بوسائل أخرى».

- قال الفيلسوف الألماني إيمانويل كانط (1724 - 1804): «يمكن تحقيق السلام الدائم من خلال تنمية التجارة الدولية، والجمهوريات الدستورية، واتحادات الدول الحرة التي تجعل القادة حذرين حيال تكاليف خوض الحروب». وفي كتابه «السلام الدائم»، أكد أن الحرب هي دورة عبثية لا طائل منها لأنها تعتمد على القوة بدلاً من الحق.

- قال الفيلسوف الهولندي إيراسموس (1466 - 1536): «السلام المجحف خيرٌ من أعدل الحروب».

- في الفلسفة الطاوية، يذكر كتاب «تاو تي جينغ» أن الانتصارات العسكرية هي مآسٍ وليست منجزات، مشيراً إلى أن «من يبتهج بالنصر، يبتهج بمذبحة للبشر». وتنظر الطاوية إلى الحرب على أنها اختلال في النظام الطبيعي لا ينتج عنه إلا مزيد من العنف.

- سخر الفرنسيّ المتنوّر فولتير في كتابه «المعجم الفلسفي» من الحرب، واصفاً إياها بأنها «مجزرة بطولية» لا تجلب سوى البؤس. كذلك، سخر من فكرة أن قتل الآلاف من الجيران الأبرياء بناءً على أوامر السلطة يمكن أن يُعدّ يوماً ما أمراً مفيداً أو مجيداً.

- أكد رائد الفلسفة الوجودية، الفرنسي جان بول سارتر، عبثية الحرب، وكتب مقولته الشهيرة: «عندما يحارب الأثرياء، يموت الفقراء». فقد كان يرى الحرب ممارسةً عديمة الفائدة، يجري فيها التلاعب بالمواطنين العاديين ليركضوا نحو حتفهم ويضحوا بأرواحهم من أجل مفاهيم مجردة لا تخدم في النهاية سوى السلطة.


أميركا ترفع العقوبات عن قوات الدفاع الإريترية

وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
TT

أميركا ترفع العقوبات عن قوات الدفاع الإريترية

وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)
وزارة الخزانة الأميركية (رويترز)

رفعت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم (الجمعة)، العقوبات المفروضة على قوات الدفاع الإريترية وكيانات أخرى في إريتريا، في خطوة يرى محللون أنها قد تعزّز العلاقات الأميركية مع الدولة الأفريقية، نظراً إلى موقعها الاستراتيجي على مسار الشحن البحري في البحر الأحمر.

وتأتي هذه الخطوة، التي أعلنها في إشعار نُشر على الموقع الإلكتروني لوزارة الخزانة الأميركية، في ظل الحرب الدائرة والمتسعة في الشرق الأوسط، ومع تجدد التركيز على منطقة البحر الأحمر حيث تقع السواحل الإريترية.

وكانت وكالة «رويترز» للأنباء أفادت في وقت سابق، نقلاً عن وثيقة حكومية داخلية، بأن إدارة ترمب تعتزم رفع هذه العقوبات.

وكانت إدارة الرئيس الديمقراطي السابق جو بايدن قد فرضت عقوبات عام 2021 على الحزب الحاكم والجيش في إريتريا، بالإضافة إلى مسؤولين إريتريين كبار، وذلك بسبب دورهم في الحرب بإثيوبيا المجاورة، حيث قدمت قوات إريترية دعماً لقوات إثيوبية في قتالها ضد السلطات الإقليمية في منطقة تيغراي بشمال إثيوبيا.

ولم يرد وزير الإعلام ولا وزير الدفاع في إريتريا حتى الآن على طلبات من «رويترز» للتعليق.