«مهرجان أبوظبي» في دورته العشرين: احتفاء الفن بقيم إنسان العالم

عازف التشيللو الصيني جيان وانغ لـ«الشرق الأوسط»: التكنولوجيا مُخرِّبة

من العرض الراقص «ابنة صياد اللؤلؤ»
من العرض الراقص «ابنة صياد اللؤلؤ»
TT

«مهرجان أبوظبي» في دورته العشرين: احتفاء الفن بقيم إنسان العالم

من العرض الراقص «ابنة صياد اللؤلؤ»
من العرض الراقص «ابنة صياد اللؤلؤ»

تسدل الدورة العشرون لـ«مهرجان أبوظبي» الستارة على وَقْع تصفيق يشتعل بعد العروض. ما تابعناه فناً يحترم الذائقة ويؤثر في الأفكار. دورة شعارها «إرادة التطوّر توقٌ للريادة»، تحتفي بأنامل تعزف وحناجر تمتدّ على مساحات. وتمايلت الأجساد الراقصة في عرض «ابنة صياد اللؤلؤ»، مُنشغلة بإظهار تراث الإمارات. ليلة «شغف بوذا»، تأليف قائد الأوركسترا الصيني الحائز على «أوسكار» تان دون، بديعة لملامستها طبقة أعمق داخل العقل.
* «بيتهوفن» من الصين
حضرت «الشرق الأوسط» ليالي شاهدة على فن يأبى التلاطم بالرخاوة. هاوشين زانغ، عازف بيانو صيني، التقط الأنفاس بعزف منفرد لساعتين في «مركز الفنون بجامعة نيويورك أبوظبي». عمَّ صمتٌ إلا للأنامل البارعة، وهي تستعيد «سوناتا البيانو رقم 29 - هامركلافير» للودفيغ فان بيتهوفن. تصاعدَ النغم من الرقّة إلى التحريض على «الصفع»، وراح خدَّا الشاب الآتي من شرق آسيا يرتجّان، كدليل على الانجراف بتأثير موسيقى تدفع الرأس إلى التحرّك يميناً ويساراً، معلناً عدم الاكتفاء بانطلاق الأنامل. الجسد والروح في تلاقٍ مهيب.
أمام هاوشين زانغ طريق طويلة، وقدمه واثقة. حماسته الفوّارة تغلب حكمة الخبرة. يعدّل كرسيّه الأسود بلون البيانو، ليسلّمه للسحر. النغمات تمسك بالصخب وتفلته.
الشاب الذي قدّم عروضاً مع أوركسترا نيويورك الفيلهارمونية وأوركسترا مهرجان لوسيرن، وأوركسترا إذاعة فرنسا الفيلهارمونية يصبح كله للموسيقى، حتى الأجزاء الثابتة بحُكم الجلوس. يُبحر ثم يعود، بما يحتويه الإبحار من خفقان وضَخّ وتفجُّر. يرفع يده في نهاية المقطوعة الثالثة «سوناتا البيانو رقم 32» ويعلو برأسه وروحه، كأنه يقدّم العزف للفضاء ويسلّم النغم للكون.

العازف الصيني الشاب هاوشن زانغ استعاد موسيقى بيتهوفن
*«من الغرب إلى الشرق أوديسة كلاسيكية»
تدخل «أوركسترا مسرح كوميونال دي مودينا بافاروتي فريني» لتتخذ مقاعدها. قائدها هو تان دون، نجم المهرجان. يقدّم وابن بلاده عازف التشيللو جيان وانغ مجموعة أيقونية من كلاسيكيات العباقرة: موتسارت وموسورسكي وتشايكوفسكي. أمام حضور رسمي ودبلوماسي في «قصر الإمارات»، وبإشراف مؤسِّسة «مجموعة أبوظبي للثقافة والفنون»، المؤسِّسة والمديرة الفنية لـ«مهرجان أبوظبي» هدى الخميس كانو، الحاضرة في جميع السهرات، أدّى العازفون «أوديسة الغرب والشرق»، وللمرة الأولى في الإمارات مقطوعة «كونشيرتو بيبا».
عزفٌ يضفي معنى لقيم التلاقي الثقافي، متجلياً بالأداء المتفوق لاثنين من أشهر عازفي الموسيقى الكلاسيكية المعاصرة؛ تان دون وجيان وانغ. الأخير يُخبر «الشرق الأوسط»، بين البروفات، أنّ زيارته الإماراتية تحاكي ولعه بالتاريخ والثقافات. «موسيقاي هي اللغة المؤدّية إلى اكتمال الحوار. لغة بسيطة وشاملة، تمنحني زخماً من المشاعر»، يقول فنان التشيللو. تعنيه «العواطف الموحّدة»، وهو يشدّد على القواسم المشتركة بين البشر: «كل شيء آخر يخبرنا أننا مختلفون. الموسيقى والفنون استثناء. اهتمامنا بهما يتيح الإحساس بسعادة جامعة. أمامهما نتساوى».
الفنون بالنسبة إليه احتفاء كوني بهذه المشاعر العابرة للصغائر وانعكاس للجوانب الجميلة من أرواحنا. يتكلم عن خليط فني مثير يتيحه «مهرجان أبوظبي» المُشارك في فعالياته للمرة الأولى. مقابل ما يجمع، تستوقفه «التجربة المُخرِّبة» التي تكثّفها التكنولوجيا. فهي رغم تقريبها بشراً تُبعدهم المسافة، باتصال الفيديوهات؛ فإنّ ضريبتها تضاؤل التواصل الإنساني: «الناس لا يهرعون إلى التشاجر حين يكونون معاً. من خلف الشاشات، يحتدم الخناق. إحدى أكبر كوارث زمننا هي التكنولوجيا المؤدّية إلى تمادي البشاعة. وسائل التواصل تشهد».
عازف التشيللو الصيني جيان وانغ يؤمن بالتلاقي الثقافي
* «شغف بوذا»: بديع التجلّي الفلسفي
«شغف بوذا»، عرض مدهش صفّق له الحضور بحرارة لربع ساعة. التأليف الموسيقي والأوبرالي لتان دون المُكرَّم من المهرجان بعد ليلتين سلّمها للجمال. ستة فصول أوركسترالية تشكل عودة غنائية - موسيقية إلى آثار مدينة دونهوانغ وكهوفها القديمة في الصين. يُنشئ قائد الأوركسترا المُحلِّق بيد تمسك بعصا الإيقاعات وأخرى حرّة تضبط مسار الانسجام؛ عالماً ينسج الترانيم والقصص، محتفياً من خلال تجليات الفلسفة البوذية بالمفاهيم والقيم العظمى، أجملها التسامح والتضحية والحب والخلاص.
ستة فصول هي مسار عذابات بوذا وتصاعده الروحي نحو الـ«نيرفانا». من لوحة جدارية تسرد حكاية أمير صغير يتعلم أنّ جميع الأرواح متساوية، مقابل رجل خائن تطاله دورة الحياة (الكارما) بعد خذلانه «الغزلان ذات الألوان التسعة»، تبدأ الحكاية. بصوت حزين يشبه النايات، تغنّي السوبرانو لي تشو آلام «الأميرة مياوشان» رمز التضحية والفداء، ليشهد الفصل الثالث على جدلية المعنى السامي لمبدأ العطاء. وعلى طريق الحرير، ينجذب راهب إلى مصير امرأة تُحتضر، متلألئاً بالنعمة الأسطورية، ليجسّد رسالة بوذا الداعية إلى العطف.
يلخّص الملحمة كتيّب ينتظر الجالسين على مقاعدهم. ما تراه العين ويشهده العقل، مقام آخر لا يبلغه إلا الشهود على تلك الأمسية. تان دون يكتب للمداواة ويؤلف للخشوع والصلاة. في عرضه، يتساوى أحياء العالم، من الأصغر كالنمل إلى الأكبر كالديناصورات. الحب شغف ومُرشد. والموسيقى صحوة تُجدّد الإنسان الخلّاق أمام النور.
أسطورة الغزال والطمع البشري، اختزال للمرء المثير للشفقة. يتيقّن الغزال من خيانة الإنسان ومع ذلك ينقذه. الرمزية في نهايات مأساوية يلقاها الخائنون، وأسوأ «الكارما» في انتظار الملوَّثين بالأنانية. يموت «الغزال ذو الألوان التسعة» بطعنات السيف، ليحل العقاب العادل مهما يطول الزمن.
في المعزوفة مطر يبلل التلال الساكنة على الصخور، فنلمح انسياب الجدول. العذابات تتحرك كما الظلال، والعقل يستوطن الأبعد لكنه يعلو في الريح. الشجرة تتوق للراحة، وهذه الريح تواصل الهبوب. يعيش الإنسان بلا أعين وأذرع، لكنه يموت بلا قلب. لساعتين، والأوركسترا المذهلة تشقّ درباً نحو تحرّر العقول فتوقظ الحكمة في الطريق إلى الضفة الأخرى من رحلة الحياة.

قائد الأوركسترا الصيني تان دون يُبدع في عرض "شغف بوذا"
* «ابنة صياد اللؤلؤ»
عرض راقص تتعاون فيه الكاتبة الإماراتية ميثاء الخياط والمؤلفة الإماراتية إيمان الهاشمي مع شركة الرقص الأميركية «كومباني إي». تسرد الفنانة اللبنانية - الأميركية ميسا قرعة شغف صيادين إماراتيين بالبحث عن اللؤلؤ في مياه الخليج، فيما الأجساد ترسم مشهدية الغوص وعجائب البحر وحكايات الأُسر والتقاليد والمخاطرة. تمتزج ثلاثية الرقص والموسيقى والغناء، مع تقنيات التكنولوجيا، لتشهد على سرد مشوّق بطلته لآلئ الخليج وأمواجه وقصص البحارة. وقوع العرض في رتابة التمايُل، وخروج بعض الحركة الراقصة عن سكة المعنى، أرخيا إحساساً بالهفوة. عوّضت الموسيقى والكوريغرافيا ومتعة اكتشاف الإرث الإماراتي.


مقالات ذات صلة

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

يوميات الشرق رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً. فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه.

يوميات الشرق ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق هشام خرما لـ«الشرق الأوسط»: أستلهمُ مؤلفاتي الموسيقية من التفاصيل

هشام خرما لـ«الشرق الأوسط»: أستلهمُ مؤلفاتي الموسيقية من التفاصيل

يعتمد الموسيقار المصري هشام خرما طريقة موحّدة لتأليف موسيقاه، تقتضي البحث في تفاصيل الموضوعات للخروج بـ«ثيمات» موسيقية مميزة. وهو يعتزّ بكونه أول موسيقار عربي يضع موسيقى خاصة لبطولة العالم للجمباز، حيث عُزفت مقطوعاته في حفل الافتتاح في القاهرة أخيراً.

محمود الرفاعي (القاهرة)
يوميات الشرق معرض «أحلام الطبيعة» في ألمانيا

معرض «أحلام الطبيعة» في ألمانيا

زائرون يشاهدون عرضاً في معرض «أحلام الطبيعة - المناظر الطبيعية التوليدية»، بمتحف «كونستبلاست للفنون»، في دوسلدورف، بألمانيا. وكان الفنان التركي رفيق أنادول قد استخدم إطار التعلم الآلي للسماح للذكاء الصناعي باستخدام 1.3 مليون صورة للحدائق والعجائب الطبيعية لإنشاء مناظر طبيعية جديدة. (أ ب)

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق «نلتقي في أغسطس»... آخر رواية لغارسيا ماركيز ترى النور العام المقبل

«نلتقي في أغسطس»... آخر رواية لغارسيا ماركيز ترى النور العام المقبل

ستُطرح رواية غير منشورة للكاتب غابرييل غارسيا ماركيز في الأسواق عام 2024 لمناسبة الذكرى العاشرة لوفاة الروائي الكولومبي الحائز جائزة نوبل للآداب عام 1982، على ما أعلنت دار النشر «راندوم هاوس» أمس (الجمعة). وأشارت الدار في بيان، إلى أنّ الكتاب الجديد لمؤلف «مائة عام من العزلة» و«الحب في زمن الكوليرا» سيكون مُتاحاً «عام 2024 في أسواق مختلف البلدان الناطقة بالإسبانية باستثناء المكسيك» و«سيشكل نشره بالتأكيد الحدث الأدبي الأهم لسنة 2024».

«الشرق الأوسط» (بوغوتا)

التعرض لضوء النهار يمنح الجسم فوائد كثيرة

التَّعرُّض لضوء النهار يعزِّز المزاج ويزيد الطاقة (جامعة رايس)
التَّعرُّض لضوء النهار يعزِّز المزاج ويزيد الطاقة (جامعة رايس)
TT

التعرض لضوء النهار يمنح الجسم فوائد كثيرة

التَّعرُّض لضوء النهار يعزِّز المزاج ويزيد الطاقة (جامعة رايس)
التَّعرُّض لضوء النهار يعزِّز المزاج ويزيد الطاقة (جامعة رايس)

كشفت دراسة جديدة قادها باحثون من جامعة مانشستر الإنجليزية، عن أنَّ التَّعرُّض لضوء النهار الساطع قد يكون مفتاحاً للنوم المُبكِّر، وتحسين جودة النوم، والحصول على راحة أعمق، وللاستيقاظ المبكر كذلك.

وتُلقي نتائج الدراسة المنشورة في دورية «Biological Timing and Sleep»، الضوء مجدداً على أهمية النوم، لوصفه أحد احتياجات الجسم الأساسية، والذي قد يتسبَّب عدم انتظامه إلى حدوث اضطرابات في المزاج والذاكرة والتمثيل الغذائي والصحة على المدى الطويل.

وتُشير أدلة قوية إلى أنَّ الضوء يُمكن أن يُؤثر على توقيت النوم ويُغيِّر في توازن مراحله المختلفة، كما أنَّ النوم يُعيد ضبط الساعة البيولوجية للجسم كل صباح، ويُساعد على التحكم في شعورنا باليقظة والتعب.

ولاختبار ذلك، جمع الفريق بيانات واقعية باستخدام جهاز بسيط يُرتدى على الجسم، حيث ارتدى 89 بالغاً جهاز استشعار ضوئياً قادراً على التقاط الضوء الميلانوبيكي - وهو نوع الضوء الذي يُؤثر بقوة على الساعة البيولوجية - إلى جانب جهاز تتبع نوم مُتاح للمستهلكين. كما قاموا بتدوين ملاحظاتهم اليومية حول النوم.

أنتجت الأجهزة بيانات لأكثر من 500 يوم، وقد أظهرت أنَّ الأشخاص الذين قضوا وقتاً أطول في ضوء النهار الساطع يميلون إلى النوم والاستيقاظ مبكراً. كما أظهر أولئك الذين يتمتعون بأنماط إضاءة أكثر استقراراً وأقل اضطراباً على مدار الأسبوع توقيتاً أفضل للنوم.

ووفق النتائج تمتع المشاركون الذين تعرَّضوا لضوء أكثر انتظاماً، مع تقلبات أقل حدة بين الضوء الخافت والساطع، بنوم أكثر عمقاً - وهو أمر حيوي للذاكرة والتعافي والصحة العامة - خلال الجزء الأول من الليل.

وتعكس هذه النتائج قلقاً متزايداً بشأن الحياة العصرية داخل المباني، حيث يقضي معظم الناس نهارهم في إضاءة أقل سطوعاً بكثير من ضوء النهار الطبيعي، وأمسياتهم في إضاءة أكثر سطوعاً بكثير مما يتوقعه جسمهم. وقد رُبط هذا التباين بمشكلات صحية مزمنة وارتفاع خطر الوفاة.

ويرتبط نظام النوم والاستيقاظ في الجسم، بدورة ضوء الشمس، إذ يُعزِّز التَّعرُّض للضوء الطبيعي خلال النهار الشعور باليقظة، بينما يساعد غيابه على الشعور بالنعاس. لذلك، فإنَّ قضاء وقت في الخارج يمكن أن يزيد من الشعور بالنعاس الطبيعي ليلاً، ويقلل الوقت اللازم للدخول في النوم، كما أنَّه يحسِّن جودة النوم بشكل عام.

وتُظهر الدراسة الجديدة أنَّ الأيام المشمسة ترتبط بنوم أفضل. كما وجد الباحثون أنَّ تقارير الأشخاص عن نومهم تتطابق عموماً مع بيانات الأجهزة القابلة للارتداء. لكن عندما ازداد اضطراب النوم - مع قلة النوم العميق أو نوم حركة العين السريعة - اتسعت الفجوة بين ما يعتقده الناس عن نومهم وما سجَّلته أجهزتهم. كما وجد الفريق أنَّ أنماط الإضاءة الأكثر استقراراً ترتبط بنوم أعمق يتركز في بداية الليل.

وقال المؤلف الرئيسي للدراسة، ألتوغ ديديكوغلو، من جامعة مانشستر الإنجليزية ومعهد إزمير للتكنولوجيا في تركيا: «تُظهر نتائجنا أنَّ الأيام المشرقة وروتين الإضاءة المنتظم ليسا مجرد أمرَين مرغوبَين، بل قد يكونان أساسيَّين لنوم صحي. فبمجرد التُّعرَّض المستمر لضوء النهار، يمكن للناس تحسين جودة نومهم ليلاً بشكل ملحوظ».

وأضاف في بيان الجمعة: «تُبرز هذه الدراسة إمكانية قياس البيئات اليومية باستخدام أجهزة استهلاكية بأسعار معقولة».

واستطرد أن الدراسة تُشير أيضاً إلى رسالة صحية عامة بسيطة، وهي أنَّ «الأيام المشرقة قد تؤدي إلى ليلٍ أفضل، وأنَّ الحفاظ على استقرار التَّعرُّض للضوء - وتجنب أنماط الإضاءة الخافتة والساطعة المتقلبة - قد يُساعد على تقوية إيقاعات الجسم الداخلية».


لماذا يُعد رسم أطلس عن خلايا وجينات العظام إنجازاً علمياً؟

صورة تظهر الخلايا الغضروفية باللون الأزرق ويمثل اللون البني بالأسفل العظم الجديد (معهد غارفان)
صورة تظهر الخلايا الغضروفية باللون الأزرق ويمثل اللون البني بالأسفل العظم الجديد (معهد غارفان)
TT

لماذا يُعد رسم أطلس عن خلايا وجينات العظام إنجازاً علمياً؟

صورة تظهر الخلايا الغضروفية باللون الأزرق ويمثل اللون البني بالأسفل العظم الجديد (معهد غارفان)
صورة تظهر الخلايا الغضروفية باللون الأزرق ويمثل اللون البني بالأسفل العظم الجديد (معهد غارفان)

نجح فريق دولي من الباحثين في رسم أطلس للخلايا والجينات التي تنظم تكوين العظام وعمليات فقدانها، واكتشفوا الدور المحوري الذي تلعبه خلايا الأوعية الدموية في صحة العظام، فيما وُصف بأنه «إنجاز علمي وعالمي غير مسبوق».

ووفق دراستهم المنشورة، الجمعة، في دورية «نيتشر جينيتكس»، دمج الباحثون قراءات التسلسل الجيني مع بيانات نصف مليون شخص، ما مكنهم من تحديد مئات الجينات غير المعروفة سابقاً التي تتحكم في صحة العظام، والكشف عن الخلايا المحيطة بالأوعية الدموية كأحد أهم محركات ترميم العظام.

ويتوقع الباحثون أن يُسهم هذا الاكتشاف في تطوير علاجات جديدة لإعادة بناء العظام المفقودة، مما يُعطي الأمل لما يقرب من نصف الأشخاص فوق سن الخمسين الذين يعانون من أمراض مثل هشاشة العظام، والتهاب المفاصل، وتكوّن العظم الناقص، بالإضافة إلى المصابين باضطرابات عظمية نادرة وسرطانات تنتشر إلى العظام.

وكما صرح الفريق البحثي بقيادة البروفسور بيتر كروشر والدكتور رايان تشاي من معهد غارفان للأبحاث الطبية بأستراليا، في بيان الجمعة: «تُعزز نتائج الفريق فهمنا لأمراض الهيكل العظمي بشكل جذري».

الدكتور ريان تشاي والبروفسور بيتر كروشر من معهد غارفان للأبحاث الطبية (معهد غارفان)

وقال كروشر: «لا يُدرك معظم الناس أن العظام تتغير باستمرار، إذ يُجدد الجسم هيكله العظمي كل عشر سنوات تقريباً».

وأضاف: «هذه عملية بالغة الأهمية، ولكن حتى الآن، كان فهمنا للخلايا والآليات التي تتحكم في عملية تجديد العظام محدوداً للغاية».

واستطرد: «معظم الأدوية المتوفرة حالياً تركز فقط على إيقاف أمراض العظام، بدلاً من إعادة بناء العظام المفقودة، وهو أمر بالغ الأهمية لعكس الضرر».

ومن المنتظر أن يكون لهذه البيانات آثارٌ على المعرفة الخاصة بنمو الهيكل العظمي، واضطرابات العظام النادرة، والشيخوخة، والأورام الخبيثة والالتهابات. وستساعد هذه المعرفة الأساسية في تحديد أهداف علاجية لأمراض الجهاز العضلي الهيكلي.

استخدم الفريق أحدث تقنيات تسلسل الحمض النووي لقياس الجينات النشطة داخل الخلايا الموجودة في العظام، مع التركيز على منطقة التماس بين العظم الصلب ونخاع العظم، وهي الموقع الرئيسي لتكوين العظام وتحللها.

قال تشاي إن التحليل الشامل الذي أجراه الفريق كشف عن 34 مجموعة مختلفة من الخلايا، وحدد الجينات النشطة في كل نوع منها.

واستخدم الفريق أطلسه الجديد لتحديد الخلايا المتورطة في أمراض الهيكل العظمي النادرة والشائعة، بما في ذلك تكون العظم الناقص وهشاشة العظام.

وقال جون كيمب المشارك في الدراسة إنه من خلال تحليل البيانات الجينية وبيانات كثافة العظام لنصف مليون شخص مشارك في بنك المملكة المتحدة الحيوي، تمكن الفريق من تحديد الخلايا المسؤولة عن أمراض الهيكل العظمي بدقة.

وأضاف: «تشمل هذه الخلايا خلايا معروفة بتنظيم تكوين العظام وفقدانها، بالإضافة إلى خلايا الأوعية الدموية التي لم يُقدّر دورها في صحة العظام حق قدره حتى الآن».

وقال كروشر إن البحث كشف عن فرص علاجية جديدة ليس فقط ضد أمراض العظام، بل أيضاً ضد أمراض السرطان، موضحاً أن «العظام هي المخبأ الرئيسي للخلايا السرطانية الكامنة وموقع شائع لانتكاس المرض، لذا فإن تحديد الخلايا والجينات التي تحفز تجدد العظام يفتح أيضاً آفاقاً جديدة للوقاية من السرطان».

ويواصل الفريق حالياً دراسة أدوار الخلايا والجينات المكتشفة حديثاً والمسؤولة عن تنظيم العظام. وقد أُتيحت بياناتهم الرائدة للباحثين الطبيين حول العالم عبر منصة مفتوحة.


«أرواح صاعدة» لهادي سي... منحوتات تبحث عن الإنسان في عصر الذكاء الاصطناعي

كلما اقتربت الآلة من الإنسان... ازدادت الحاجة إلى الإنسان (الشرق الأوسط)
كلما اقتربت الآلة من الإنسان... ازدادت الحاجة إلى الإنسان (الشرق الأوسط)
TT

«أرواح صاعدة» لهادي سي... منحوتات تبحث عن الإنسان في عصر الذكاء الاصطناعي

كلما اقتربت الآلة من الإنسان... ازدادت الحاجة إلى الإنسان (الشرق الأوسط)
كلما اقتربت الآلة من الإنسان... ازدادت الحاجة إلى الإنسان (الشرق الأوسط)

يفتح هادي سي في معرضه «أرواح صاعدة» فضاءً يلتقي فيه الإنسان مع التكنولوجيا من دون مواجهة مباشرة أو انحياز مُسبَق. في «غاليري صالح بركات» ببيروت، يعرض الفنان السنغالي الفرنسي مجموعة من المنحوتات المصنوعة من الحديد الصدئ والفولاذ اللامع، مستنداً إلى فكرة تقوم على التعايُش بين الذكاء الإنساني والذكاء الاصطناعي، وعلى ضرورة بقاء الإنسان في صُلب أي تقدُّم تقني.

الذكاء يصنع الاحتمالات... والإنسان يمنحها معناها (هادي سي)

تنطلق الأعمال من لغة بصرية تستبدل بالصورة المباشرة للآلة خطوطاً وتفرّعات وتكوينات عضوية. تصبح قطع الحديد بين يديه أشبه بالجذور والأغصان والبذور والخلايا، وتظهر الأرقام داخل التكوينات مثل عناصر بناء تندمج في النسيج العام للعمل. هذا الانتقال من النظام الرقمي إلى الأشكال العضوية يُشكّل الخيط الناظم للمعرض ويمنحه تماسكه العام.

ينظر هادي سي إلى الذكاء الاصطناعي من خلال أثره المتوقَّع في الإنسان، قبل التوقُّف عند إنجازاته التقنية. تتمحور رؤيته حول الروح البشرية وتربط التقدُّم التقني بالذاكرة والعاطفة والخيال والتعاطف. ومن هذا التصوّر تنبثق المنحوتات، مُحاولةً الحفاظ على هذه القيم داخل عالم تتسارع تحوّلاته.

حين تتسارع الآلة تصبح الذاكرة أكثر قيمة (الشرق الأوسط)

ينعكس هذا المعنى في اختيار المواد. يحمل الحديد الصدئ أثر الزمن وتقلّباته، بينما يعكس الفولاذ المصقول الضوء والوجوه والمكان. ومن تباين السطحين تتشكَّل علاقة تستحضر الماضي والحاضر، وما يشيخ وما يبدو حديثاً. يترك الفنان هذه العلاقة مفتوحة على أكثر من قراءة. فتستدعي بعض الأعمال أشكالاً عضوية، فيما توحي أخرى ببُنى عمرانية أو شبكات مترابطة أو هياكل صناعية.

كل تقدّم... امتحان جديد لِما يجعلنا بشراً (الشرق الأوسط)

يُعامل هادي سي الحديد بطريقة تُخفِّف من ثقله. يُحوله في عدد من القطع إلى خطّ مرسوم في الفراغ أو إلى شريط يلتفُّ ويصعد ويعود إلى نفسه. تتدخَّل المساحات الخالية داخل المنحوتة في تشكيلها، ويصبح الفراغ عنصراً أساسياً في بنيتها. تساعد هذه المعالجة على إضفاء حركة بصرية انسيابية، خصوصاً في الأعمال التي تتفرَّع فيها العناصر وتتداخل من دون أن تفقد اتجاهها.

تتفاوت المنحوتات مع ذلك في قدرتها على حَمْل الفكرة. تملك الأعمال الأكثر تركيباً حضوراً أقوى، لأنها تجمع بين شكل متماسك وبنية تتيح للعين أن تكتشف تفاصيل جديدة كلَّما تغيَّرت زاوية النظر. ينجح الفنان فيها في جَعْل الحديد أقرب إلى كائن ينمو، ويصبح التكرار وسيلة لصنع الإيقاع والمعنى. قطع أخرى تُعيد تقديم عناصر سبق أن ظهرت في غير أعمال.

كلّ خطوة نحو الذكاء... تستحقّ خطوة نحو الذات (الشرق الأوسط)

يظهر هذا التفاوت أيضاً في العلاقة بين الفكرة والنتيجة البصرية. تنجح بعض الأعمال في تحويل الحديث عن الإنسان والآلة إلى تجربة ملموسة، لأنّ المادة نفسها تبدو واقفة بين النظام والعفوية. في أعمال أخرى، يحتاج المتلقّي إلى الاستناد أكثر إلى نصّ المعرض لفَهْم الصلة بالذكاء الاصطناعي. لا تفقد هذه القطع قيمتها داخل المجموعة، لكنها لا تترك الأثر نفسه ولا تفتح المساحة ذاتها للتأمُّل.

يحافظ المعرض رغم ذلك على انسجام أعماله. تتكرَّر الدوائر والخطوط والأشكال المُستَخرجة من الصفر والواحد، وتظهر كأنها أبجدية خاصة بالفنان. هذا التكرار يمنح المشروع هوية، لكنه يكشف أيضاً عن حدودها حين تعود بعض الصيغ من دون تحوُّل كبير. تبدو قوة التجربة أكبر عندما يُوسِّع هادي سي مفرداته ويضعها داخل تكوينات تحمل مفاجأة بصرية، وأقلّ عندما يكتفي بالاشتغال على العناصر نفسها.

ليس كلّ ما يتطوّر يقترب من الحياة (الشرق الأوسط)

هذا المسار امتداد لخلفية هادي سي، المولود في بيروت عام 1964 لأم لبنانية وأب سنغالي، والذي تنقَّل بين التصوير والتصميم والفنون البصرية قبل أن يستقرَّ في النحت. انشغلت تجربته عبر السنوات بالإنسان داخل الأنظمة التي تُحيط به، من المال والحدود إلى الذاكرة والأرقام. في معرضه الجديد، ينقل هذا الاهتمام إلى زمن الذكاء الاصطناعي، مع احتفاظه بالإنسان نقطة انطلاق ومَرْجعاً أخلاقياً.

يُحقّق «أرواح صاعدة» أفضل لحظاته حين تتراجع الفكرة المكتوبة إلى الخلف وتتكلّم المادة بنفسها. عندها لا يعود الحديد رمزاً للصناعة وحدها، ويظهر على هيئة جذر أو جسد أو أثر حياة. وفي الأعمال الأقل كثافة، يبدو التنفيذ حاضراً بقدر الفكرة، لكن المسافة بينهما لا تُردَم تماماً.

الذاكرة... آخر ما لا يمكن برمجته (الشرق الأوسط)

يخرج المعرض في مجمله وفيّاً لرؤيته، متفاوتاً في درجات التعبير عنها. في أفضل أعماله، لا يطلب هادي سي من الحديد أن يُمثّل الإنسان، وإنما أن يكتسب شيئاً من صفاته. أن ينمو ويتشعَّب ويحتفظ بذاكرة داخله. هناك يفقد المعدن برودته، وتصبح المنحوتة كائناً يقف في الحدّ الفاصل بين ما صنعته اليد وما يمكن أن تمنحه الحياة.