«مهرجان أبوظبي» في دورته العشرين: احتفاء الفن بقيم إنسان العالم

عازف التشيللو الصيني جيان وانغ لـ«الشرق الأوسط»: التكنولوجيا مُخرِّبة

من العرض الراقص «ابنة صياد اللؤلؤ»
من العرض الراقص «ابنة صياد اللؤلؤ»
TT

«مهرجان أبوظبي» في دورته العشرين: احتفاء الفن بقيم إنسان العالم

من العرض الراقص «ابنة صياد اللؤلؤ»
من العرض الراقص «ابنة صياد اللؤلؤ»

تسدل الدورة العشرون لـ«مهرجان أبوظبي» الستارة على وَقْع تصفيق يشتعل بعد العروض. ما تابعناه فناً يحترم الذائقة ويؤثر في الأفكار. دورة شعارها «إرادة التطوّر توقٌ للريادة»، تحتفي بأنامل تعزف وحناجر تمتدّ على مساحات. وتمايلت الأجساد الراقصة في عرض «ابنة صياد اللؤلؤ»، مُنشغلة بإظهار تراث الإمارات. ليلة «شغف بوذا»، تأليف قائد الأوركسترا الصيني الحائز على «أوسكار» تان دون، بديعة لملامستها طبقة أعمق داخل العقل.
* «بيتهوفن» من الصين
حضرت «الشرق الأوسط» ليالي شاهدة على فن يأبى التلاطم بالرخاوة. هاوشين زانغ، عازف بيانو صيني، التقط الأنفاس بعزف منفرد لساعتين في «مركز الفنون بجامعة نيويورك أبوظبي». عمَّ صمتٌ إلا للأنامل البارعة، وهي تستعيد «سوناتا البيانو رقم 29 - هامركلافير» للودفيغ فان بيتهوفن. تصاعدَ النغم من الرقّة إلى التحريض على «الصفع»، وراح خدَّا الشاب الآتي من شرق آسيا يرتجّان، كدليل على الانجراف بتأثير موسيقى تدفع الرأس إلى التحرّك يميناً ويساراً، معلناً عدم الاكتفاء بانطلاق الأنامل. الجسد والروح في تلاقٍ مهيب.
أمام هاوشين زانغ طريق طويلة، وقدمه واثقة. حماسته الفوّارة تغلب حكمة الخبرة. يعدّل كرسيّه الأسود بلون البيانو، ليسلّمه للسحر. النغمات تمسك بالصخب وتفلته.
الشاب الذي قدّم عروضاً مع أوركسترا نيويورك الفيلهارمونية وأوركسترا مهرجان لوسيرن، وأوركسترا إذاعة فرنسا الفيلهارمونية يصبح كله للموسيقى، حتى الأجزاء الثابتة بحُكم الجلوس. يُبحر ثم يعود، بما يحتويه الإبحار من خفقان وضَخّ وتفجُّر. يرفع يده في نهاية المقطوعة الثالثة «سوناتا البيانو رقم 32» ويعلو برأسه وروحه، كأنه يقدّم العزف للفضاء ويسلّم النغم للكون.

العازف الصيني الشاب هاوشن زانغ استعاد موسيقى بيتهوفن
*«من الغرب إلى الشرق أوديسة كلاسيكية»
تدخل «أوركسترا مسرح كوميونال دي مودينا بافاروتي فريني» لتتخذ مقاعدها. قائدها هو تان دون، نجم المهرجان. يقدّم وابن بلاده عازف التشيللو جيان وانغ مجموعة أيقونية من كلاسيكيات العباقرة: موتسارت وموسورسكي وتشايكوفسكي. أمام حضور رسمي ودبلوماسي في «قصر الإمارات»، وبإشراف مؤسِّسة «مجموعة أبوظبي للثقافة والفنون»، المؤسِّسة والمديرة الفنية لـ«مهرجان أبوظبي» هدى الخميس كانو، الحاضرة في جميع السهرات، أدّى العازفون «أوديسة الغرب والشرق»، وللمرة الأولى في الإمارات مقطوعة «كونشيرتو بيبا».
عزفٌ يضفي معنى لقيم التلاقي الثقافي، متجلياً بالأداء المتفوق لاثنين من أشهر عازفي الموسيقى الكلاسيكية المعاصرة؛ تان دون وجيان وانغ. الأخير يُخبر «الشرق الأوسط»، بين البروفات، أنّ زيارته الإماراتية تحاكي ولعه بالتاريخ والثقافات. «موسيقاي هي اللغة المؤدّية إلى اكتمال الحوار. لغة بسيطة وشاملة، تمنحني زخماً من المشاعر»، يقول فنان التشيللو. تعنيه «العواطف الموحّدة»، وهو يشدّد على القواسم المشتركة بين البشر: «كل شيء آخر يخبرنا أننا مختلفون. الموسيقى والفنون استثناء. اهتمامنا بهما يتيح الإحساس بسعادة جامعة. أمامهما نتساوى».
الفنون بالنسبة إليه احتفاء كوني بهذه المشاعر العابرة للصغائر وانعكاس للجوانب الجميلة من أرواحنا. يتكلم عن خليط فني مثير يتيحه «مهرجان أبوظبي» المُشارك في فعالياته للمرة الأولى. مقابل ما يجمع، تستوقفه «التجربة المُخرِّبة» التي تكثّفها التكنولوجيا. فهي رغم تقريبها بشراً تُبعدهم المسافة، باتصال الفيديوهات؛ فإنّ ضريبتها تضاؤل التواصل الإنساني: «الناس لا يهرعون إلى التشاجر حين يكونون معاً. من خلف الشاشات، يحتدم الخناق. إحدى أكبر كوارث زمننا هي التكنولوجيا المؤدّية إلى تمادي البشاعة. وسائل التواصل تشهد».
عازف التشيللو الصيني جيان وانغ يؤمن بالتلاقي الثقافي
* «شغف بوذا»: بديع التجلّي الفلسفي
«شغف بوذا»، عرض مدهش صفّق له الحضور بحرارة لربع ساعة. التأليف الموسيقي والأوبرالي لتان دون المُكرَّم من المهرجان بعد ليلتين سلّمها للجمال. ستة فصول أوركسترالية تشكل عودة غنائية - موسيقية إلى آثار مدينة دونهوانغ وكهوفها القديمة في الصين. يُنشئ قائد الأوركسترا المُحلِّق بيد تمسك بعصا الإيقاعات وأخرى حرّة تضبط مسار الانسجام؛ عالماً ينسج الترانيم والقصص، محتفياً من خلال تجليات الفلسفة البوذية بالمفاهيم والقيم العظمى، أجملها التسامح والتضحية والحب والخلاص.
ستة فصول هي مسار عذابات بوذا وتصاعده الروحي نحو الـ«نيرفانا». من لوحة جدارية تسرد حكاية أمير صغير يتعلم أنّ جميع الأرواح متساوية، مقابل رجل خائن تطاله دورة الحياة (الكارما) بعد خذلانه «الغزلان ذات الألوان التسعة»، تبدأ الحكاية. بصوت حزين يشبه النايات، تغنّي السوبرانو لي تشو آلام «الأميرة مياوشان» رمز التضحية والفداء، ليشهد الفصل الثالث على جدلية المعنى السامي لمبدأ العطاء. وعلى طريق الحرير، ينجذب راهب إلى مصير امرأة تُحتضر، متلألئاً بالنعمة الأسطورية، ليجسّد رسالة بوذا الداعية إلى العطف.
يلخّص الملحمة كتيّب ينتظر الجالسين على مقاعدهم. ما تراه العين ويشهده العقل، مقام آخر لا يبلغه إلا الشهود على تلك الأمسية. تان دون يكتب للمداواة ويؤلف للخشوع والصلاة. في عرضه، يتساوى أحياء العالم، من الأصغر كالنمل إلى الأكبر كالديناصورات. الحب شغف ومُرشد. والموسيقى صحوة تُجدّد الإنسان الخلّاق أمام النور.
أسطورة الغزال والطمع البشري، اختزال للمرء المثير للشفقة. يتيقّن الغزال من خيانة الإنسان ومع ذلك ينقذه. الرمزية في نهايات مأساوية يلقاها الخائنون، وأسوأ «الكارما» في انتظار الملوَّثين بالأنانية. يموت «الغزال ذو الألوان التسعة» بطعنات السيف، ليحل العقاب العادل مهما يطول الزمن.
في المعزوفة مطر يبلل التلال الساكنة على الصخور، فنلمح انسياب الجدول. العذابات تتحرك كما الظلال، والعقل يستوطن الأبعد لكنه يعلو في الريح. الشجرة تتوق للراحة، وهذه الريح تواصل الهبوب. يعيش الإنسان بلا أعين وأذرع، لكنه يموت بلا قلب. لساعتين، والأوركسترا المذهلة تشقّ درباً نحو تحرّر العقول فتوقظ الحكمة في الطريق إلى الضفة الأخرى من رحلة الحياة.

قائد الأوركسترا الصيني تان دون يُبدع في عرض "شغف بوذا"
* «ابنة صياد اللؤلؤ»
عرض راقص تتعاون فيه الكاتبة الإماراتية ميثاء الخياط والمؤلفة الإماراتية إيمان الهاشمي مع شركة الرقص الأميركية «كومباني إي». تسرد الفنانة اللبنانية - الأميركية ميسا قرعة شغف صيادين إماراتيين بالبحث عن اللؤلؤ في مياه الخليج، فيما الأجساد ترسم مشهدية الغوص وعجائب البحر وحكايات الأُسر والتقاليد والمخاطرة. تمتزج ثلاثية الرقص والموسيقى والغناء، مع تقنيات التكنولوجيا، لتشهد على سرد مشوّق بطلته لآلئ الخليج وأمواجه وقصص البحارة. وقوع العرض في رتابة التمايُل، وخروج بعض الحركة الراقصة عن سكة المعنى، أرخيا إحساساً بالهفوة. عوّضت الموسيقى والكوريغرافيا ومتعة اكتشاف الإرث الإماراتي.


مقالات ذات صلة

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

يوميات الشرق رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً. فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه.

يوميات الشرق ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق هشام خرما لـ«الشرق الأوسط»: أستلهمُ مؤلفاتي الموسيقية من التفاصيل

هشام خرما لـ«الشرق الأوسط»: أستلهمُ مؤلفاتي الموسيقية من التفاصيل

يعتمد الموسيقار المصري هشام خرما طريقة موحّدة لتأليف موسيقاه، تقتضي البحث في تفاصيل الموضوعات للخروج بـ«ثيمات» موسيقية مميزة. وهو يعتزّ بكونه أول موسيقار عربي يضع موسيقى خاصة لبطولة العالم للجمباز، حيث عُزفت مقطوعاته في حفل الافتتاح في القاهرة أخيراً.

محمود الرفاعي (القاهرة)
يوميات الشرق معرض «أحلام الطبيعة» في ألمانيا

معرض «أحلام الطبيعة» في ألمانيا

زائرون يشاهدون عرضاً في معرض «أحلام الطبيعة - المناظر الطبيعية التوليدية»، بمتحف «كونستبلاست للفنون»، في دوسلدورف، بألمانيا. وكان الفنان التركي رفيق أنادول قد استخدم إطار التعلم الآلي للسماح للذكاء الصناعي باستخدام 1.3 مليون صورة للحدائق والعجائب الطبيعية لإنشاء مناظر طبيعية جديدة. (أ ب)

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق «نلتقي في أغسطس»... آخر رواية لغارسيا ماركيز ترى النور العام المقبل

«نلتقي في أغسطس»... آخر رواية لغارسيا ماركيز ترى النور العام المقبل

ستُطرح رواية غير منشورة للكاتب غابرييل غارسيا ماركيز في الأسواق عام 2024 لمناسبة الذكرى العاشرة لوفاة الروائي الكولومبي الحائز جائزة نوبل للآداب عام 1982، على ما أعلنت دار النشر «راندوم هاوس» أمس (الجمعة). وأشارت الدار في بيان، إلى أنّ الكتاب الجديد لمؤلف «مائة عام من العزلة» و«الحب في زمن الكوليرا» سيكون مُتاحاً «عام 2024 في أسواق مختلف البلدان الناطقة بالإسبانية باستثناء المكسيك» و«سيشكل نشره بالتأكيد الحدث الأدبي الأهم لسنة 2024».

«الشرق الأوسط» (بوغوتا)

ناموا ليفوزوا... مسابقة يابانية تُكافئ أفضل النائمين

منافسة يكون الاستسلام فيها مهارة (أ.ف.ب)
منافسة يكون الاستسلام فيها مهارة (أ.ف.ب)
TT

ناموا ليفوزوا... مسابقة يابانية تُكافئ أفضل النائمين

منافسة يكون الاستسلام فيها مهارة (أ.ف.ب)
منافسة يكون الاستسلام فيها مهارة (أ.ف.ب)

في اليابان، حيث تتّسم حياة الناس بالمثابرة والجهد، تنافست مجموعة ممن يُسمّون أنفسهم «محترفي النوم التنافسي» في مسابقة على النوم سريعاً وعميقاً، نظّمتها إحدى شركات صناعة المراتب.

وشهدت المنافسة، التي أقيمت في طوكيو تحت اسم «سباق المرتبة»، عشرات المشاركين الذين زُوّدوا بأجهزة لتتبّع النوم، واستلقوا على مراتب مريحة ليغفوا لمدة تصل إلى 90 دقيقة، الاثنين، متنافسين على جائزة أولى تتجاوز مليوني ين ياباني (نحو 14 ألف دولار).

سباق لا يحتاج إلا إلى أن تُغمض عينيك (أ.ف.ب)

وقال المدير الإبداعي لدى الشركة المنظّمة «كوالا سليب جابان»، ريتشيرو ناكاما: «كثيراً ما توصف اليابان بأنها بلد يعاني الحرمان من النوم، وأهلها بطبعهم مجتهدون ومثابرون».

وفي قاعة شبه معتمة، نام المشاركون وأجهزة المراقبة مثبّتة على رؤوسهم، في حين كان بعضهم يحتضن دمى محشوة في أسرّتهم.

ناموا... وَدَعُوا الجائزة تبحث عنكم (أ.ف.ب)

وأضاف ناكاما: «بتحويل الأمر إلى حدث مثل هذا، أعتقد أننا نستطيع أن نجعل الناس ينامون معاً ونزيد الاهتمام بمسألة النوم».

وكشفت بيانات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية الصادرة عام 2021 عن أن اليابانيين ينامون في المتوسّط 7 ساعات و24 دقيقة يومياً، وهو أدنى معدل بين دول المنظمة، ويُعزى ذلك، وفق الخبراء، إلى طول ساعات العمل والتنقّل وازدهار الحياة الليلية.

كلّ الطرق إلى الفوز تمرّ من الوسادة (أ.ف.ب)

وقالت المشاركة تشيساتو هوندا (32 عاماً) لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «انتهى الأمر في لمح البصر، وكدت أتمنى لو أمكنني النوم لفترة أطول قليلاً». وأضافت: «كانت منافسة ممتعة».

واختير الفائز بناءً على مدى سرعة النوم وعمقه.

وقالت «سويميي»، الفائزة بالمسابقة التي اكتفت بذكر لقبها: «أريد أن أعيش باستقلالية، لذا أعتقد أنني سأستخدم المبلغ في تغطية تكاليف الانتقال».

وأضافت: «أريد أيضاً سريراً يليق بالأميرات، لذا أعتزم شراء ذلك السرير».


هل الكاريزما موهبة فطرية أم مهارة يمكن تعلمها؟

وصف عالم الاجتماع ماكس فيبر الكاريزما بأنها صفة «خارقة للطبيعة» لا يتمتع بها سوى قلة محظوظة (أرشيفية - بيكسباي)
وصف عالم الاجتماع ماكس فيبر الكاريزما بأنها صفة «خارقة للطبيعة» لا يتمتع بها سوى قلة محظوظة (أرشيفية - بيكسباي)
TT

هل الكاريزما موهبة فطرية أم مهارة يمكن تعلمها؟

وصف عالم الاجتماع ماكس فيبر الكاريزما بأنها صفة «خارقة للطبيعة» لا يتمتع بها سوى قلة محظوظة (أرشيفية - بيكسباي)
وصف عالم الاجتماع ماكس فيبر الكاريزما بأنها صفة «خارقة للطبيعة» لا يتمتع بها سوى قلة محظوظة (أرشيفية - بيكسباي)

تخيّل شخصاً ما، سياسياً مشهوراً أو صديقاً من أيام الطفولة، يتمتع بشخصية آسرة؛ شخصاً يُنير المكان والقلوب بمجرد حضوره. ما سر جاذبيته؟ هل يكمن في مظهره، أم طريقة حركته وكلامه، أم شخصيته وسلوكه، أم إنجازاته؟

الكاريزما، التي تعني في اليونانية «هبة إلهية»، لطالما أحاط بها الغموض. قبل قرن من الزمان، وصف عالم الاجتماع ماكس فيبر الكاريزما بأنها صفة «خارقة للطبيعة» لا يتمتع بها سوى قلة محظوظة. ورغم غموضها وصعوبة تحديدها، فإننا ندرك سحرها بسهولة، سواء على شاشاتنا أو في حياتنا اليومية.

يُجري جون أنطوناكيس، من جامعة لوزان، أبحاثاً حول الكاريزما منذ أكثر من عقد، ويسعى إلى تبسيط مفهومها وجعله في متناول الجميع. وقد يبدو تحليل ما يُعد غامضاً وتحويله إلى عناصر بسيطة أشبه بإضاءة الأنوار في عرض سحري، لكن أنطوناكيس توصل إلى استنتاج لافت: الكاريزما مهارة يمكن اكتسابها.

أهمية الرابطة العاطفية

فبدلاً من كونها هبة مقدسة حكراً على «أشخاص مميزين»، يستطيع معظمنا تعزيز جاذبيته الشخصية من خلال بعض الأساليب البسيطة. والأهم أن هذه الأساليب، المعروفة بأساليب القيادة الكاريزمية، أثبتت فاعليتها في المختبرات البحثية كما في الواقع العملي، سواء في قاعات الدراسة أو مجالس الإدارة أو الحملات الانتخابية الرئاسية.

ويبحث أنطوناكيس، بالتعاون مع زملائه، في كيفية تأثير طريقة كلامنا ومضمونه على الكاريزما، وفق موقع «سيكولوجي توداي»، والفرضية بسيطة: إذا أراد شخص ما، لنسمّه «س»، أن يشعل شرارة الكاريزما، فهو يحتاج إلى مستمع، لنسمّه «ص». ولكسب انتباه «ص» وثقته واحترامه، يتعيّن على «س» إيصال أفكاره بطريقة تساعد المستمع على فهم الرسالة والتفاعل معها وتذكرها.

بعبارة أخرى، يجب على المتحدث أن يُنشئ رابطاً عاطفياً مع مستمعه. وهنا تبرز أهمية أساليب التواصل. فمن خلال إثراء الكلام بالاستعارات والقصص والصور، وإلقائه بالصوت والإيماءات المناسبة، يستطيع المتحدثون تعزيز جاذبيتهم وإظهار سحر طبيعي في نظر جمهورهم.

أسرار مجهولة عن الكاريزما

ورغم أن العلم قطع شوطاً طويلاً في استكشاف سحر الكاريزما، لا يزال الكثير من أسرارها مجهولاً. فمن المذهل أن نكتسب رؤى حول سيكولوجية الإلهام، وأن نرى كيف تستمر فلسفة أرسطو القائمة على الأخلاق والعاطفة والمنطق في لعب دور في جذب انتباه الجمهور، وأن نتعلم أساليب للتواصل والتأثير وإثارة المشاعر وغرس الأحلام وتغيير حياة الناس بالكلمات.

ومع ذلك، لا يسع المرء إلا أن يتمنى لو أن بعض الأمور المتعلقة بإنسانيتنا وجاذبيتنا والسحر الذي يمكن أن نلقيه بعضنا على بعض تظل غامضة؛ تماماً مثل ساحر وأسراره، أو مثل «خاريس»، إلهة السحر في الأساطير اليونانية وجمالها.

ما الذي يجعل شخصاً ما يتمتع بالكاريزما؟

تتعدد مصادر الكاريزما، ومنها المظهر والسلوك والكلام. فالممثلات، مثل مارلين مونرو، قد يتمتعن بالكاريزما في المقام الأول بفضل مظهرهن. وقد يبدو الرياضيون جذابين بفضل قدراتهم الاستثنائية في الملعب.

حتى معرفة أداء شخص ما في الماضي، سواء إنجازاته أو إبداعه، قد تجعله يبدو أكثر جاذبية، كما في حالة ستيف جوبز. ويعتمد الأمر إلى حد كبير على مقدار ما تعرفه عن الشخص.

فإذا لم تكن لديك معلومات كافية عنه، يلعب المظهر وإشارات الأداء دوراً كبيراً. أما إذا كنت تعرف عنه معلومات كافية، كما هو الحال مع المرشحين خلال الانتخابات، يصبح الكلام أكثر أهمية، وقد يتفوق حتى على المظهر.

هل الكاريزما سمة شخصية أم مهارة أم موهبة؟

إنها مزيج من الطبيعة والتنشئة. فبينما قد يمتلك بعض الأشخاص قدرة فطرية على أن يكونوا أكثر جاذبية، ينظر أنطوناكيس إلى الكاريزما باعتبارها «إشارة قيادية عاطفية ورمزية وقائمة على القيم».

فعندما نلتقي الآخرين للمرة الأولى، نعتمد على هذه الإشارات للتعبير عن كفاءتنا وثقتنا، ولتقريب وجهات النظر بيننا. وهذه الآليات الإشارية قابلة للتدريب.

فقد يتعلم بعض الأشخاص أساليب متنوعة من خلال التجارب والقدوة، ويستخدمونها دون أن يدركوا ذلك، في حين يحتاج آخرون إلى مزيد من التدريب والممارسة.

ورغم أن الذكاء والانفتاح على الآخرين من العوامل المساعدة، ترتبط الكاريزما ارتباطاً وثيقاً بالتحدث بطريقة تجذب انتباه الآخرين.

أما بشأن ما إذا كانت الكاريزما «موهبة»، فيرى أنطوناكيس أنها موهبة قابلة للتعلم وليست هبة إلهية، إذ أصبح الباحثون قادرين على دراستها وقياسها وتطويرها، كما باتت برامج الحاسوب قادرة على تحديد مدى براعة الأفراد في استخدام مهارات الخطابة ولغة الجسد.

هل يمكن اكتساب الكاريزما؟

لا يقتصر صقل الكاريزما على القادة، إذ يمكن الاستفادة من هذه المهارات في مختلف المجالات والمهن التي تعتمد على بناء روابط عاطفية مع الآخرين.

وفي برنامجه التدريبي، يطلب أنطوناكيس من المشاركين إلقاء خطاب حول موضوع محدد. وبعد ذلك، وبعد شرح نظرية الكاريزما وتوضيحها بالتفصيل، يُعاد صياغة الخطابات لتشمل أساليب التواصل العاطفي. ثم يتدرب المشاركون على إلقائها مرة أخرى، هذه المرة بالاستعانة بأساليب التواصل غير اللفظية.

كيف تُقاس الكاريزما؟

لقياس الكاريزما، يحلل باحثون مثل أنطوناكيس الطريقة التي يتحدث بها الأشخاص. ويدرسون، جملةً جملة، مدى استخدامهم أساليب الكاريزما التسعة، كما ينظرون إلى طريقة الكلام نفسها، بما في ذلك الصوت والإيماءات وتعبيرات الوجه.

ووجد أنطوناكيس أن قوة الكلمات تتفوق على السلوكيات غير اللفظية عندما يتعلق الأمر بالكاريزما. ويقول: «يمكنني أن ألوّح بيدي بعنف، لكن إذا كنت أتحدث بكلام فارغ، فلن أبدو شخصاً كاريزماتياً».

ويشير إلى قادة مثل المهاتما غاندي ومارغريت ثاتشر ونيلسون مانديلا وكوفي عنان، الذين يُنظر إليهم على نطاق واسع باعتبارهم شخصيات كاريزمية، رغم محدودية استخدامهم للسلوكيات غير اللفظية في خطاباتهم.

ويوضح أنطوناكيس: «كان عنان يتحدث بصوت رتيب، وكان من الصعب سماع غاندي وهو يتحدث، ولم يكن مانديلا أفضل المتحدثين من حيث النطق، في حين كانت ثاتشر هادئة ومتزنة ولم تكن تستخدم الإيماءات كثيراً. ومع ذلك، عندما كانوا يتحدثون، كانوا يتركون جمهورهم مفتوناً».

كيف تعرف ما إذا كنت تتمتع بالكاريزما؟

يقترح أنطوناكيس النظر إلى مقدار تأثيرك في الآخرين. لكنه يشير إلى أن عنصراً أساسياً في تأثير الكاريزما يتمثل في وجود توافق في القيم.

فحتى إذا كنت تتمتع بقدر كبير من الكاريزما، لن يكون من السهل بالضرورة إقناع الآخرين إذا كانوا يختلفون معك في القيم. ويمكن للقادة الكاريزماتيين أن يكونوا محبوبين من جانب الأشخاص الذين يشاركونهم قيمهم، ومكروهين من جانب من لا يشاركونهم تلك القيم.


فلورنس بيو تضيء «شرق عدن» رغم سواد شخصية «كاثي»

الممثلة البريطانية فلورنس بيو بطلة مسلسل East of Eden (نتفليكس)
الممثلة البريطانية فلورنس بيو بطلة مسلسل East of Eden (نتفليكس)
TT

فلورنس بيو تضيء «شرق عدن» رغم سواد شخصية «كاثي»

الممثلة البريطانية فلورنس بيو بطلة مسلسل East of Eden (نتفليكس)
الممثلة البريطانية فلورنس بيو بطلة مسلسل East of Eden (نتفليكس)

هواة المسلسلات المقتبسة عن أعمالٍ أدبيّة من العيار الثقيل، سيستمتعون من دون أدنى شكّ بـ«شرق عدن» East of Eden على «نتفليكس». يُعيد العمل الدراميّ بحلقاته الـ7 رواية الكاتب الأميركي الحائز على جائزة نوبل جون ستاينبيك (1902- 1968) إلى الشاشة، متعاملاً معها بوفاءٍ وسخاء. فنحن أمام مسلسلٍ ما عاد يُصنَع الكثير من طرازه الهوليووديّ الرفيع؛ بدءاً بالنص المقتبس بأناقةٍ عن الكتاب، وبالحقبة التاريخية المنقولة بحذافيرها (1862 - 1918)، إلى الصورة المحترفة تقنياً وجماليّةً، مروراً بالمواقع والأزياء والموسيقى، وليس انتهاءً بأداء الممثلين الذي يُثري الشاشة بعيداً عن أي مبالغةٍ أو استفاضة.

من بين هؤلاء، تلمع فلورنس بيو كشهبٍ لاهبٍ يمتدّ من أول المسلسل إلى آخره، صانعةً من كل ما لا يمتُّ للبطولة بصِلة بطولةً بحدّ ذاتها. ففي شخصيتها، تحمل «كاثي» جميع مقوّمات البطلة المضادّة أو ما يُعرَف بـanti hero، غير أنّ الممثلة البريطانية تجعلها مضيئةً رغم سوادها، ومُبهرةً رغم وحشيّتها، وبرّاقةً رغم تشوّهاتها الكثيرة، ومحبوبةً رغم كل أسباب الكُره التي تجتمع فيها.

كاثي هي أوّل صوتٍ يُسمَع في المسلسل. تقول: «أعتقد أن هناك وحوشاً تُولَد في هذا العالم لأبوين بشريَين. قد يولد الطفل سليماً تماماً، لكنه يفتقر إلى الطيبة أو الضمير». لن نستنتج سوى لاحقاً أنها كانت تتحدّث عن نفسها، وهي مرميّة كجثّة مضرّجة بالدماء عند عتبة عائلة «تراسك».

في البيت المعتم في ولاية كونيتيكت، والذي أضنته سنواتٌ من الصراع الصامت حيناً والصارخ أحياناً بين الأخوَين «آدم» و«تشارلز» الشبيهَين بنسخةٍ مستحدثة عن قاييل وهابيل، تستعيد كاثي عافيتها تدريجياً. بعنايته ورقّته وحبّه النقيّ، يُعيدها الأخ البكر آدم تراسك إلى الحياة، بينما يحذّره أخوه غير الشقيق تشارلز من الاسترسال في حبّها لأنه يبصر ما هو مخبّأ خلف ملامحها الملائكيّة البريئة.

على شفير الموت وغارقةً في دمها تصل كاثي إلى منزل آل تراسك (نتفليكس)

يجب الانتظار بضع حلقات لاكتشاف ما الذي حلّ بكاثي فوصلت غارقةً في دمها إلى منزل آل تراسك. كما ترفع الحلقات التالية تدريجياً الغطاء عن ماضيها، منذ الطفولة التي تحمل آثار صدمةٍ لا يُشار إليها سوى تلميحاً، مروراً بعلاقتها بأستاذها في المدرسة والذي انتحر بسببها، وصولاً إلى حَرقها بيت والدَيها والقضاء عليهما عن سابق تصوّر وتصميم، قبل أن تهرب إلى مكانٍ مجهول.

هذه كاثي في الـ14 من عمرها. ارتكبت كل ذلك وهي بعدُ طفلةً بوجهِ ملاك. أما عندما تحلّ ضيفةً على بيت الشقيقَين، فهي شابّة في سن الـ19، تحمل كل أسرار الكون في عينيها المتقلّبتَين بين أقصى الخير وأقصى الشرّ. وفلورنس بيو بارعةٌ في أداء تلك التقلّبات، كما لو كانت شيطاناً وملاكاً في آن، تفصل بينهما بلمحةِ بصر. تسكن كاثي في رأس الممثلة، تتلبّس روحَها، وكأنّ بيو تستمتع بكلِ كلمةٍ تنطقها بلسان الشخصية، وبكل حركة من جسمها، وبكل لفتة عين، وحتى بكلّ دقيقة صمت.

هي العروس في بيت تراسك، المحبوبة التي تتسبّب بمزيدٍ من الشرخ بين أخوَين أمضيا طفولتهما وشبابهما في منافسةٍ على إرضاء والدَيهما. وعندما رحلَ الأب الديكتاتور، دخل البيتَ من هو أكثر منه توحُّشاً: كاثي، زوجة آدم.

كاثي في صورة الزفاف التي تجمعها بعريسها آدم وشقيقه تشارلز (نتفليكس)

بين كاثي والشرّ عقدٌ مفتوح، لا تنتهي مدّة صلاحيّته. في كاليفورنيا التي يقصدُها الثنائيّ بحثاً عن بدايةٍ جديدة، تفتتح الرحلة بمحاولة إجهاض نفسها. ثم تغرق في اكتئابٍ حادّ بعد فشل المحاولة. تدّعي الإصابة بمرضٍ متوارث عندما يسألها الطبيب عن سبب فعلتها، وفي اليوم الذي تضع توأمها لا تلتفتُ حتى إليهما. ترفض إرضاعهما ورعايتهما قاطعةً أي صلةٍ بينها وبين الأمومة. وما إن تجدَ الظرف مواتياً، حتى توضّب حقيبتها وتغادر البيت هاجرةً طفليها وزوجها المصاب برصاصة أطلقتها هي.

مع كل فصلٍ جديد من فصول كاثي، يظنّ المُشاهد أنها بلغت أقصى الوحشيّة وأنّ طريق التوبة لا بدّ سيبدأ. غير أنها تغرق في المزيد، كأن تختار بملء إرادتها العودة إلى عالمٍ لطالما انتمت إليه، وهو عالم بائعات الهوى. تدخل بيتاً للدعارة مع مخطّطٍ للتخلّص من مالكتِه واحتلال مكانها. لا شرّ يستعصي على كاثي، فكلّ ما يسهّل الوصول مبرَّرٌ بالنسبة إليها.

تهجر كاثي زوجها وطفلَيها للعمل في بيت دعارة (نتفليكس)

في حواراتها الداخلية، تقدّم كاثي تبريراتٍ لكلّ أفعالها، وأغرب ما في الأمر أنّ المُشاهد سيَجد نفسَه متورّطاً معها إلى درجة التصديق والتعاطف. أداء فلورنس بيو المغناطيسيّ يوثّق تلك العلاقة بين الجمهور وكاثي، كما أنّ ماضيها الأشبَه بلُغز وطفولتها المجروحة يغطّيان «خطاياها» جزئياً. يُضاف إلى ذلك كَمٌّ هائلٌ من الصدق والصراحة، فكاثي لا تُنكر أمام الآخرين ولا أمام نفسها أنها امرأةٌ بلا قلب. هي متصالحة مع الشرّ الذي يسكنها والذي أوصلها في أحد الأيام إلى الاقتراح على زوجها أن يرمي طفليهما في البئر.

لا توفّر سُمّاً ولا تزويراً ولا سلاحاً للوصول إلى هدفها: تريد أن تصبح امرأةً مستقلّة مادياً، لا تستندُ إلى أي رجلٍ كي تعيش.

في عالم كاثي... الغاية تبرّر الوسيلة حتى لو كانت الوسيلة سُمّاً تقتل به ضحاياها (نتفليكس)

إذا كان معظم شخصيات الحكاية قد ورثَ وحشيّته عن الآباء والأجداد، فإنّ المفارقة شاءت أن ترث كاتبة العمل ومخرجتُه زوي كازان هي الأخرى مهمة إحياء القصة عن جدّها المخرج المخضرم إيليا كازان.

عام 1955، قدّم كازان الجدّ رواية ستاينبيك على هيئة فيلم سينمائي من بطولة جيمس دين. وبعد أكثر من 70 سنة، أعادت الحفيدة الحكاية إلى الشاشة مع تعديلاتٍ ليس أوّلها وضع شخصية كاثي في الصدارة، بعد أن كانت مهمّشة في الفيلم. فقد تعمّدت زوي كازان عصرنة السرديّة بما يتماشى مع الزمن الحاليّ. رغم حفاظها على الإطار التاريخي ووفائها لتفاصيل الكتاب، فقد ألقت الضوء على زوايا جديدة آخذةً في الاعتبار النسويّة التي يجسّدها تَحَرُّر كاثي، وإن بشكلٍ مشبوه. كما منحت المخرجة بُعداً إنسانياً حتى للشخصيات الأكثر شراً، وذلك من خلال إثارة التعاطف معها على قاعدة أنّ كل شرّيرٍ هو في الأساس ضحيّة لشرٍ أكبر منه.

الصراع الأبدي بين الخير والشرّ في قلب الحكاية (نتفليكس)

حاز مسلسل East of Eden على ثناء النقّاد وإعجاب المُشاهدين، بدليل أنه تَصدّر فوراً قوائم «نتفليكس» للأعمال الأكثر مشاهدةً. إنها دراما ناجحة شكلاً ومضموناً، لكن فلورنس بيو منحتها مزيداً من البريق. يكفي أن تغيب كاثي عن مشهد حتى يبهت، مهما كانت أحداثه مثيرة.