«مهرجان أبوظبي» في دورته العشرين: احتفاء الفن بقيم إنسان العالم

عازف التشيللو الصيني جيان وانغ لـ«الشرق الأوسط»: التكنولوجيا مُخرِّبة

من العرض الراقص «ابنة صياد اللؤلؤ»
من العرض الراقص «ابنة صياد اللؤلؤ»
TT

«مهرجان أبوظبي» في دورته العشرين: احتفاء الفن بقيم إنسان العالم

من العرض الراقص «ابنة صياد اللؤلؤ»
من العرض الراقص «ابنة صياد اللؤلؤ»

تسدل الدورة العشرون لـ«مهرجان أبوظبي» الستارة على وَقْع تصفيق يشتعل بعد العروض. ما تابعناه فناً يحترم الذائقة ويؤثر في الأفكار. دورة شعارها «إرادة التطوّر توقٌ للريادة»، تحتفي بأنامل تعزف وحناجر تمتدّ على مساحات. وتمايلت الأجساد الراقصة في عرض «ابنة صياد اللؤلؤ»، مُنشغلة بإظهار تراث الإمارات. ليلة «شغف بوذا»، تأليف قائد الأوركسترا الصيني الحائز على «أوسكار» تان دون، بديعة لملامستها طبقة أعمق داخل العقل.
* «بيتهوفن» من الصين
حضرت «الشرق الأوسط» ليالي شاهدة على فن يأبى التلاطم بالرخاوة. هاوشين زانغ، عازف بيانو صيني، التقط الأنفاس بعزف منفرد لساعتين في «مركز الفنون بجامعة نيويورك أبوظبي». عمَّ صمتٌ إلا للأنامل البارعة، وهي تستعيد «سوناتا البيانو رقم 29 - هامركلافير» للودفيغ فان بيتهوفن. تصاعدَ النغم من الرقّة إلى التحريض على «الصفع»، وراح خدَّا الشاب الآتي من شرق آسيا يرتجّان، كدليل على الانجراف بتأثير موسيقى تدفع الرأس إلى التحرّك يميناً ويساراً، معلناً عدم الاكتفاء بانطلاق الأنامل. الجسد والروح في تلاقٍ مهيب.
أمام هاوشين زانغ طريق طويلة، وقدمه واثقة. حماسته الفوّارة تغلب حكمة الخبرة. يعدّل كرسيّه الأسود بلون البيانو، ليسلّمه للسحر. النغمات تمسك بالصخب وتفلته.
الشاب الذي قدّم عروضاً مع أوركسترا نيويورك الفيلهارمونية وأوركسترا مهرجان لوسيرن، وأوركسترا إذاعة فرنسا الفيلهارمونية يصبح كله للموسيقى، حتى الأجزاء الثابتة بحُكم الجلوس. يُبحر ثم يعود، بما يحتويه الإبحار من خفقان وضَخّ وتفجُّر. يرفع يده في نهاية المقطوعة الثالثة «سوناتا البيانو رقم 32» ويعلو برأسه وروحه، كأنه يقدّم العزف للفضاء ويسلّم النغم للكون.

العازف الصيني الشاب هاوشن زانغ استعاد موسيقى بيتهوفن
*«من الغرب إلى الشرق أوديسة كلاسيكية»
تدخل «أوركسترا مسرح كوميونال دي مودينا بافاروتي فريني» لتتخذ مقاعدها. قائدها هو تان دون، نجم المهرجان. يقدّم وابن بلاده عازف التشيللو جيان وانغ مجموعة أيقونية من كلاسيكيات العباقرة: موتسارت وموسورسكي وتشايكوفسكي. أمام حضور رسمي ودبلوماسي في «قصر الإمارات»، وبإشراف مؤسِّسة «مجموعة أبوظبي للثقافة والفنون»، المؤسِّسة والمديرة الفنية لـ«مهرجان أبوظبي» هدى الخميس كانو، الحاضرة في جميع السهرات، أدّى العازفون «أوديسة الغرب والشرق»، وللمرة الأولى في الإمارات مقطوعة «كونشيرتو بيبا».
عزفٌ يضفي معنى لقيم التلاقي الثقافي، متجلياً بالأداء المتفوق لاثنين من أشهر عازفي الموسيقى الكلاسيكية المعاصرة؛ تان دون وجيان وانغ. الأخير يُخبر «الشرق الأوسط»، بين البروفات، أنّ زيارته الإماراتية تحاكي ولعه بالتاريخ والثقافات. «موسيقاي هي اللغة المؤدّية إلى اكتمال الحوار. لغة بسيطة وشاملة، تمنحني زخماً من المشاعر»، يقول فنان التشيللو. تعنيه «العواطف الموحّدة»، وهو يشدّد على القواسم المشتركة بين البشر: «كل شيء آخر يخبرنا أننا مختلفون. الموسيقى والفنون استثناء. اهتمامنا بهما يتيح الإحساس بسعادة جامعة. أمامهما نتساوى».
الفنون بالنسبة إليه احتفاء كوني بهذه المشاعر العابرة للصغائر وانعكاس للجوانب الجميلة من أرواحنا. يتكلم عن خليط فني مثير يتيحه «مهرجان أبوظبي» المُشارك في فعالياته للمرة الأولى. مقابل ما يجمع، تستوقفه «التجربة المُخرِّبة» التي تكثّفها التكنولوجيا. فهي رغم تقريبها بشراً تُبعدهم المسافة، باتصال الفيديوهات؛ فإنّ ضريبتها تضاؤل التواصل الإنساني: «الناس لا يهرعون إلى التشاجر حين يكونون معاً. من خلف الشاشات، يحتدم الخناق. إحدى أكبر كوارث زمننا هي التكنولوجيا المؤدّية إلى تمادي البشاعة. وسائل التواصل تشهد».
عازف التشيللو الصيني جيان وانغ يؤمن بالتلاقي الثقافي
* «شغف بوذا»: بديع التجلّي الفلسفي
«شغف بوذا»، عرض مدهش صفّق له الحضور بحرارة لربع ساعة. التأليف الموسيقي والأوبرالي لتان دون المُكرَّم من المهرجان بعد ليلتين سلّمها للجمال. ستة فصول أوركسترالية تشكل عودة غنائية - موسيقية إلى آثار مدينة دونهوانغ وكهوفها القديمة في الصين. يُنشئ قائد الأوركسترا المُحلِّق بيد تمسك بعصا الإيقاعات وأخرى حرّة تضبط مسار الانسجام؛ عالماً ينسج الترانيم والقصص، محتفياً من خلال تجليات الفلسفة البوذية بالمفاهيم والقيم العظمى، أجملها التسامح والتضحية والحب والخلاص.
ستة فصول هي مسار عذابات بوذا وتصاعده الروحي نحو الـ«نيرفانا». من لوحة جدارية تسرد حكاية أمير صغير يتعلم أنّ جميع الأرواح متساوية، مقابل رجل خائن تطاله دورة الحياة (الكارما) بعد خذلانه «الغزلان ذات الألوان التسعة»، تبدأ الحكاية. بصوت حزين يشبه النايات، تغنّي السوبرانو لي تشو آلام «الأميرة مياوشان» رمز التضحية والفداء، ليشهد الفصل الثالث على جدلية المعنى السامي لمبدأ العطاء. وعلى طريق الحرير، ينجذب راهب إلى مصير امرأة تُحتضر، متلألئاً بالنعمة الأسطورية، ليجسّد رسالة بوذا الداعية إلى العطف.
يلخّص الملحمة كتيّب ينتظر الجالسين على مقاعدهم. ما تراه العين ويشهده العقل، مقام آخر لا يبلغه إلا الشهود على تلك الأمسية. تان دون يكتب للمداواة ويؤلف للخشوع والصلاة. في عرضه، يتساوى أحياء العالم، من الأصغر كالنمل إلى الأكبر كالديناصورات. الحب شغف ومُرشد. والموسيقى صحوة تُجدّد الإنسان الخلّاق أمام النور.
أسطورة الغزال والطمع البشري، اختزال للمرء المثير للشفقة. يتيقّن الغزال من خيانة الإنسان ومع ذلك ينقذه. الرمزية في نهايات مأساوية يلقاها الخائنون، وأسوأ «الكارما» في انتظار الملوَّثين بالأنانية. يموت «الغزال ذو الألوان التسعة» بطعنات السيف، ليحل العقاب العادل مهما يطول الزمن.
في المعزوفة مطر يبلل التلال الساكنة على الصخور، فنلمح انسياب الجدول. العذابات تتحرك كما الظلال، والعقل يستوطن الأبعد لكنه يعلو في الريح. الشجرة تتوق للراحة، وهذه الريح تواصل الهبوب. يعيش الإنسان بلا أعين وأذرع، لكنه يموت بلا قلب. لساعتين، والأوركسترا المذهلة تشقّ درباً نحو تحرّر العقول فتوقظ الحكمة في الطريق إلى الضفة الأخرى من رحلة الحياة.

قائد الأوركسترا الصيني تان دون يُبدع في عرض "شغف بوذا"
* «ابنة صياد اللؤلؤ»
عرض راقص تتعاون فيه الكاتبة الإماراتية ميثاء الخياط والمؤلفة الإماراتية إيمان الهاشمي مع شركة الرقص الأميركية «كومباني إي». تسرد الفنانة اللبنانية - الأميركية ميسا قرعة شغف صيادين إماراتيين بالبحث عن اللؤلؤ في مياه الخليج، فيما الأجساد ترسم مشهدية الغوص وعجائب البحر وحكايات الأُسر والتقاليد والمخاطرة. تمتزج ثلاثية الرقص والموسيقى والغناء، مع تقنيات التكنولوجيا، لتشهد على سرد مشوّق بطلته لآلئ الخليج وأمواجه وقصص البحارة. وقوع العرض في رتابة التمايُل، وخروج بعض الحركة الراقصة عن سكة المعنى، أرخيا إحساساً بالهفوة. عوّضت الموسيقى والكوريغرافيا ومتعة اكتشاف الإرث الإماراتي.


مقالات ذات صلة

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

يوميات الشرق رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

رحيل إيلي شويري عاشق لبنان و«أبو الأناشيد الوطنية»

إنه «فضلو» في «بياع الخواتم»، و«أبو الأناشيد الوطنية» في مشواره الفني، وأحد عباقرة لبنان الموسيقيين، الذي رحل أول من أمس (الأربعاء) عن عمر ناهز 84 عاماً. فبعد تعرضه لأزمة صحية نقل على إثرها إلى المستشفى، ودّع الموسيقي إيلي شويري الحياة. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط» أكدت ابنته كارول أنها تفاجأت بانتشار الخبر عبر وسائل التواصل الاجتماعي قبل أن تعلم به عائلته. وتتابع: «كنت في المستشفى معه عندما وافاه الأجل. وتوجهت إلى منزلي في ساعة متأخرة لأبدأ بالتدابير اللازمة ومراسم وداعه.

يوميات الشرق ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

ستيف بركات لـ«الشرق الأوسط»: أصولي اللبنانية تتردّد أبداً في صدى موسيقاي

ستيف بركات عازف بيانو كندي من أصل لبناني، ينتج ويغنّي ويلحّن. لفحه حنين للجذور جرّه إلى إصدار مقطوعة «أرض الأجداد» (Motherland) أخيراً. فهو اكتشف لبنان في وقت لاحق من حياته، وينسب حبّه له إلى «خيارات مدروسة وواعية» متجذرة في رحلته.

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق هشام خرما لـ«الشرق الأوسط»: أستلهمُ مؤلفاتي الموسيقية من التفاصيل

هشام خرما لـ«الشرق الأوسط»: أستلهمُ مؤلفاتي الموسيقية من التفاصيل

يعتمد الموسيقار المصري هشام خرما طريقة موحّدة لتأليف موسيقاه، تقتضي البحث في تفاصيل الموضوعات للخروج بـ«ثيمات» موسيقية مميزة. وهو يعتزّ بكونه أول موسيقار عربي يضع موسيقى خاصة لبطولة العالم للجمباز، حيث عُزفت مقطوعاته في حفل الافتتاح في القاهرة أخيراً.

محمود الرفاعي (القاهرة)
يوميات الشرق معرض «أحلام الطبيعة» في ألمانيا

معرض «أحلام الطبيعة» في ألمانيا

زائرون يشاهدون عرضاً في معرض «أحلام الطبيعة - المناظر الطبيعية التوليدية»، بمتحف «كونستبلاست للفنون»، في دوسلدورف، بألمانيا. وكان الفنان التركي رفيق أنادول قد استخدم إطار التعلم الآلي للسماح للذكاء الصناعي باستخدام 1.3 مليون صورة للحدائق والعجائب الطبيعية لإنشاء مناظر طبيعية جديدة. (أ ب)

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق «نلتقي في أغسطس»... آخر رواية لغارسيا ماركيز ترى النور العام المقبل

«نلتقي في أغسطس»... آخر رواية لغارسيا ماركيز ترى النور العام المقبل

ستُطرح رواية غير منشورة للكاتب غابرييل غارسيا ماركيز في الأسواق عام 2024 لمناسبة الذكرى العاشرة لوفاة الروائي الكولومبي الحائز جائزة نوبل للآداب عام 1982، على ما أعلنت دار النشر «راندوم هاوس» أمس (الجمعة). وأشارت الدار في بيان، إلى أنّ الكتاب الجديد لمؤلف «مائة عام من العزلة» و«الحب في زمن الكوليرا» سيكون مُتاحاً «عام 2024 في أسواق مختلف البلدان الناطقة بالإسبانية باستثناء المكسيك» و«سيشكل نشره بالتأكيد الحدث الأدبي الأهم لسنة 2024».

«الشرق الأوسط» (بوغوتا)

10 سنوات أمام الكاميرا... طفلة سورية تبحث عن مكانها بين وطنين

اليوم تبلغ إسراء الثانية والعشرين وقد تزوجت وأنجبت طفلين (إنستغرام - موقع الفيلم)
اليوم تبلغ إسراء الثانية والعشرين وقد تزوجت وأنجبت طفلين (إنستغرام - موقع الفيلم)
TT

10 سنوات أمام الكاميرا... طفلة سورية تبحث عن مكانها بين وطنين

اليوم تبلغ إسراء الثانية والعشرين وقد تزوجت وأنجبت طفلين (إنستغرام - موقع الفيلم)
اليوم تبلغ إسراء الثانية والعشرين وقد تزوجت وأنجبت طفلين (إنستغرام - موقع الفيلم)

من رحلة الهروب من الحرب إلى أسئلة الهوية، والحرية، والعائلة، يتتبع الفيلم الوثائقي «واحدة من مليون» حياة فتاة سورية على مدى عقد، كاشفاً كيف يمكن للنجاة أن تكون بداية رحلة أخرى أكثر تعقيداً.

لم تكن إسراء تعرف، وهي في الحادية عشرة من عمرها، أن الرحلة التي بدأت هرباً من الحرب ستضعها بعد سنوات أمام أسئلة لم تكن مستعدة لها. كان المطلوب آنذاك بسيطاً: أن تنجو وأسرتها، وأن تجد مكاناً تنام فيه من دون خوف من القصف. لكن الوصول إلى الأمان لم يكن نهاية الحكاية. فثمة حياة جديدة تنتظرها في ألمانيا، بثقافة مختلفة، وقواعد جديدة، وثمة خلافات ستكبر معها، حتى داخل البيت الذي كان يفترض أن يكون ملاذها الآمن.

على مدى عقد كامل عاد المخرجان إلى الأسرة لتصوير تفاصيل حياتها وتطور علاقاتها (إنستغرام - موقع الفيلم)

في عام 2015، التقط المخرجان إيتاب عزام وجاك ماكينيس خيط هذه الحكاية في مدينة إزمير التركية. هناك، وسط حشود اللاجئين الذين يستعدون لعبور البحر نحو أوروبا، لفتت انتباههما طفلة تساعد والدها في بيع السجائر. لم يكن في وسعهما أن يتوقعا أن تتحول تلك المصادفة إلى علاقة تمتد عشر سنوات، أو أن تصبح إسراء، بابتسامتها وفضولها، محور فيلم يرصد ما يحدث للاجئين بعد أن تنتهي رحلة العبور، وتبدأ الحياة اليومية.

بوستر الفيلم (إنستغرام - موقع الفيلم)

في فيلم «واحدة من مليون» (One in a Million) لا تنتهي الرحلة عند الوصول إلى ألمانيا. فبعد مغادرة سوريا، والمرور بتركيا، والعبور إلى اليونان، تواصل الأسرة طريقها بالحافلات، والقطارات، وعلى الأقدام، إلى أن تستقر في مدينة كولونيا. هناك تبدأ إسراء تعلم اللغة الألمانية، وتدخل المدرسة، وتتعرف إلى أصدقاء جدد، وتكتشف عالماً يتيح لها خيارات لم تكن مألوفة في حياتها السابقة.

لكن ما يبدو في البداية فرصة لبداية جديدة يتحول تدريجياً إلى مصدر توتر داخل الأسرة. فإسراء التي تكبر في المجتمع الألماني تريد أن تختار ملابسها، وأصدقاءها، وأن تعيش وفق قناعاتها. أما والدها طارق، فإنه يجد صعوبة في التكيف مع التغييرات التي تحدث أمام عينيه. إنه يريد حماية ابنته، لكنه يخشى أيضاً أن يفقد سلطته عليها، وأن تتراجع القيم التي حرص على نقلها معه من سوريا.

إسراء في سن الثانية عشرة في فيلم واحدة من مليون (إنستغرام - موقع الفيلم)

في البداية كان طارق سعيداً بوصول أسرته إلى بلد بدا له مرحباً باللاجئين. ويستعيد الفيلم مشهداً يصادف فيه متظاهرين يحتجون على حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف، فيسألهم عن موقفهم من اللاجئين. وعندما يتأكد من أنهم يدافعون عنهم، يبدي إعجابه بموقفهم، بل يبدو مستعداً لتقبل بعض عادات المجتمع الجديد.

غير أن التعايش مع مجتمع مختلف لا يعني بالضرورة تقبل جميع التغييرات التي يحملها معه. ومع مرور الوقت، تصبح الموسيقى وثقافة أبناء جيل إسراء جزءاً من عالمها الخاص، فيما يزداد الخلاف بينها وبين والدها حول الحجاب، والاستقلالية، والحق في اتخاذ القرارات الشخصية. وهنا يبتعد الفيلم عن الصورة التقليدية للاجئ الذي تنتهي مشكلاته بمجرد حصوله على الأمان، فالحياة الجديدة لا تلغي صراعات الماضي، بل قد تكشفها بصورة أكثر وضوحاً.

حصل الفيلم على جائزة الجمهور في مهرجان «صندانس» السينمائي (إنستغرام - موقع الفيلم)

واللافت أن التغيير لا يقتصر على إسراء ووالدها. فالأم نسرين، التي تبدو في البداية شخصية هامشية في الحكاية، تبدأ تدريجياً في التعبير عن آرائها، ورغباتها، وتبحث بدورها عن مساحة أوسع لاتخاذ قراراتها. ومع اتساع حضورها، يتضح أن المسألة ليست خلافاً بين أب وابنته فحسب، بل تجربة تعيشها الأسرة كلها، ويحاول كل فرد فيها أن يجد لنفسه مكاناً في الحياة الجديدة.

على مدى عقد كامل، عاد المخرجان إلى الأسرة لتصوير تفاصيل حياتها، وتطور علاقاتها. وقد أتاحت السنوات الطويلة التي أمضياها معها التقاط لحظات يصعب الوصول إليها في الأفلام الوثائقية التي تكتفي بزيارة قصيرة، أو مقابلة عابرة. فالكاميرا هنا لا تسجل ما يقوله أبطال الحكاية عن أنفسهم فقط، بل تتيح للمشاهد أن يرى التغيير وهو يحدث، وأن يلاحظ كيف يمكن لخلاف صغير أن يتسع، أو لموقف متشدد أن يتراجع أمام تجربة جديدة.

ولا يقدم الفيلم طارق في صورة الأب القاسي وحده. فقد تعرض للعنف في طفولته، واعتقله نظام بشار الأسد خمس مرات. لا تبرر هذه التجارب مواقفه من زوجته، وابنته، لكنها تضيف بعداً إنسانياً إلى شخصيته، وتفتح باباً للتأمل في أثر الماضي على الحاضر. فهل يستطيع الإنسان أن يتخلص من أنماط تربى عليها، حتى عندما ينتقل إلى مجتمع يتبنى قيماً مختلفة؟ وهل يمكن للخوف الذي دفعه إلى حماية أسرته أن يتحول، من دون أن يدرك، إلى قيد عليها؟

حصل الفيلم على جائزة الجمهور في مهرجان «صندانس» السينمائي، مستفيداً من قدرته على تحويل قصة أسرة واحدة إلى حكاية أوسع عن اللجوء، والاندماج، وتبدل العلاقات بين الأجيال.

اليوم تبلغ إسراء الثانية والعشرين، وقد تزوجت، وأنجبت طفلين، وتعيش بالقرب من كولونيا، حيث تسعى إلى تحسين لغتها الألمانية، أملاً في العمل داخل المكاتب الحكومية. وبعد سقوط نظام الأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024، عادت إلى حلب لزيارة وطنها. لكنها لم تعد الطفلة التي غادرت سوريا قبل سنوات، فقد تغيرت هي، وتغيرت نظرتها إلى العالم، وأصبحت العودة نفسها تجربة تثير أسئلة جديدة عن البيت، والانتماء.

وهنا تكمن قوة الحكاية. فالوطن ليس مكاناً يغادره الإنسان ثم يعود إليه كما كان، والاندماج ليس عملية يتخلى فيها المرء عن ماضيه مقابل قبول المجتمع الجديد له. بين هذين العالمين تحاول إسراء أن تبني حياة تخصها، من دون أن تنكر جذورها، أو تسمح لها بأن تحدد مستقبلها بالكامل.

بعد عشر سنوات أمام الكاميرا، لا يمنح الفيلم إجابة نهائية عن معنى الوطن، ولا يقدم نهاية مثالية لقصة اللجوء. لكنه يذكرنا بأن النجاة من الحرب قد تكون الخطوة الأولى فقط في رحلة طويلة، وأن أصعب المعارك أحياناً لا تدور على الحدود، بل داخل البيوت، حين يحاول الآباء التمسك بما يعرفونه، بينما يصر الأبناء على حقهم في أن يصبحوا أشخاصاً مختلفين.


«أليكسو» تضم 3 مبانٍ مصرية عتيقة لسجل التراث العمراني

مبنى جمعية المهندسين بالقاهرة (وزارة الثقافة المصرية)
مبنى جمعية المهندسين بالقاهرة (وزارة الثقافة المصرية)
TT

«أليكسو» تضم 3 مبانٍ مصرية عتيقة لسجل التراث العمراني

مبنى جمعية المهندسين بالقاهرة (وزارة الثقافة المصرية)
مبنى جمعية المهندسين بالقاهرة (وزارة الثقافة المصرية)

وافقت منظمة التربية والثقافة والعلوم (أليكسو) على تسجيل 3 مبانٍ ذات طابع معماري متميز بمصر ضمن سجل التراث المعماري والعمراني بالدول العربية.

وكانت وزارة الثقافة المصرية قد رشحت 3 مبانٍ للتسجيل ضمن سجل التراث المعماري والعمراني بالبلدان العربية، وهي مقر بنك مصر بالإسكندرية، ومبنى جمعية المهندسين المصرية بالقاهرة، ومبنى شركة مصر الجديدة للإسكان والاستثمار العقاري، بالقاهرة، وبعد مناقشة ودراسة ملفات الترشيح وافقت المنظمة العربية على تسجيل تلك المباني ضمن سجل التراث المعماري والعمراني بالمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم لما لها من قيمة معمارية، وذلك خلال الاجتماع الحادي عشر للمرصد الحضاري للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم «الأليكسو» المنعقد بمقر جامعة الدول العربية، الثلاثاء.

ووفق بيان من وزارة الثقافة المصرية، فإن «مبنى بنك مصر بالإسكندرية والمسجل ضمن المباني التراثية بالإسكندرية، ويوجد بمنطقة وسط البلد أنشئ عام 1929، وصممه المعماري جياكومو لوريال على الطراز الإسلامي المستحدث، واستخدم هذا الطراز كطابع للتعبير عن هوية البنك الوطنية، في ظل انتشار العمارة الغربية في ذلك الوقت، والمبنى مكون من 5 أدوار تميز الدور الأرضي بصالة المعاملات للجمهور التي صُممت بمفردات إسلامية، وتميزت الواجهة باستخدام عناصر مستلهمة من العمارة الإسلامية مثل المقرنصات والشرفات والعقود المدببة مع مزجها بعناصر أخرى كالطوب الظاهر والفسيفساء كما تم استخدام العناصر الزخرفية في الأسقف والأرضيات، والمبنى يعد أحد المباني المميزة في محيطه العمراني».

مبنى بمصر الجديدة تم تسجيله تراثاً عمرانياً (وزارة الثقافة المصرية)

كما يعد مبنى جمعية المهندسين المصرية والذي يقع على مشارف القاهرة الخديوية بوسط مدينة القاهرة، والمبنى مسجل ضمن سجل المباني التراثية بالقاهرة، وتعد جمعية المهندسين المصرية أول تجمع مهني للمهندسين المصريين، فقد عقدت أولى جلساتها في 1920م، والمبنى تم تشييده على الطراز الإسلامي المستحدث، تصميم المهندس مصطفى بك فهمي الذي يعد أحد المعماريين المصريين الرواد، وافتُتح عام 1932 بحضور الملك فؤاد الأول. والمبنى مكون من 3 أدوار تميز باستخدام مفردات من العمارة الإسلامية خارجياً وداخلياً بصورة مبسطة.

أما مبنى شركة مصر الجديدة للإسكان والاستثمار العقاري، الذي استخدم مقراً إدارياً لشركة مصر الجديدة، حيث أسس البارون إمبان مصر الجديدة كضاحية عمرانية جديدة عام 1908م، والمبنى صممه المعماري إرنست غاسبار على الطراز الإسلامي المستحدث، وهو الطراز الذي تبناه البارون إمبان كطابع مميز لضاحية مصر الجديدة، وأُنشئت المباني الأولى بمصر الجديدة بهذا الطابع، والمبنى مسجل ضمن سجل المباني التراثية، بالقاهرة، وقد صمم المبنى بصورة متوافقة مع المباني المحيطة التي أخذت الطراز نفسه، وإن تميز المبنى بشرفاته المستمرة والمقسمة بمفردات مستلهمة من العمارة الإسلامية، وكذلك استخدم الأطر الملونة «الأبلق» بالواجهة وهو تبادل للألوان في صفوف، كما تميز التصميم الداخلي لصالة معاملات الجمهور بالمفردات والأعمدة المستمدة من العمارة الإسلامية، ويعد المبنى من المباني الإدارية المميزة كونه مخصصاً للإدارة العقارية للضاحية في حينه.

و«تعد هذه المباني مباني تراثية ذات قيمة متميزة معمارياً ووظيفياً، وتعد من المباني الهامة التي اتخذت من طرز العمارة الإسلامية والعربية المستحدثة طابعاً لها، كما تعد تلك المباني أحد النماذج للعمارة المصرية بالعصر الحديث، واحتفظت تلك المباني بمعمارها وطابعها، وكذلك ما زالت تؤدي الوظائف التي أنشئت من أجلها.

جانب من تفصيلات مبنى شركة مصر الجديدة (وزارة الثقافة)

وترى المتخصصة في التراث والعمارة الدكتورة فاتن صلاح سليمان أن المباني الثلاثة التي ضمتهم منظمة (أليكسو) للتراث العمراني والمعماري العربي يعود لتصميم هذه المباني المميزة واعتمادها على الطراز الإسلامي المستحدث.

وتضيف لـ«الشرق الأوسط» أن هناك اجتماعات حالية للمنظمة قررت خلالها إدراج المباني ذات الطابع المعماري المميز ضمن التراث العمراني والمعماري العربي، ويمثل مصر في هذه الاجتماعات المهندس محمد أبو سعدة رئيس الجهاز القومي للتنسيق الحضاري.

ولفتت إلى أن المباني المختارة تجمع بين الأصالة والمعاصرة، فبالإضافة لعناصر العمارة الإسلامية هناك أيضاً لمسات عصرية ميزت هذه المباني للربط بين الأصالة والمعاصرة.


بريطانية تكسب 170 ألف دولار مقابل رعاية والدتها في المنزل

امرأة تساعد سيدة مسنّة بالمنزل في صورة تعبيرية عن الرعاية الأسرية (بيكسلز)
امرأة تساعد سيدة مسنّة بالمنزل في صورة تعبيرية عن الرعاية الأسرية (بيكسلز)
TT

بريطانية تكسب 170 ألف دولار مقابل رعاية والدتها في المنزل

امرأة تساعد سيدة مسنّة بالمنزل في صورة تعبيرية عن الرعاية الأسرية (بيكسلز)
امرأة تساعد سيدة مسنّة بالمنزل في صورة تعبيرية عن الرعاية الأسرية (بيكسلز)

كسبت امرأة بريطانية دعوى قضائية تمنحها 127 ألفاً و500 جنيه إسترليني (نحو 170 ألف دولار) من تركة والدتها، مقابل رعايتها في سنواتها الأخيرة، بعد نزاع عائلي قاد إلى محاكمتها بتهمتَي السرقة والاحتيال قبل تبرئتها.

وبحسب هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي)، تولّت بيرن روجرز، من مدينة بريستول، رعاية والدتها شيلا المصابة بالخرف لنحو عامين ونصف العام، بعدما انتقلت للعيش معها في سبتمبر (أيلول) 2017.

وقالت روجرز إنها اتفقت مع والدتها على تقاضي مقابل للرعاية المتواصلة، بعدما فضّلت الأم البقاء مع ابنتها على الاستعانة بمقدّمي رعاية محترفين أو الانتقال إلى دار للمسنين.

من المحاكمة إلى التعويض

بعد وفاة شيلا في أبريل (نيسان) 2020، حوّلت روجرز 100 ألف جنيه من حساب والدتها إلى حسابها، فأُبلغت الشرطة وصودرت الأموال ووُجّهت إليها اتهامات. لكن هيئة محلفين برّأتها عام 2022، فلجأت لاحقاً إلى القضاء المدني.

وفي 2025، قضت المحكمة العليا بوجود عقد غير رسمي بينها وبين والدتها يقضي بدفع مبلغ معقول مقابل الرعاية، وألزمت التركة بتغطية تكاليفها القانونية. وفي أغسطس (آب) الماضي، حدّد حكم ثانٍ مستحقاتها بمبلغ 127 ألفاً و500 جنيه عن 850 يوماً من الرعاية.

ووصفت روجرز شعورها بالارتياح بأنه «هائل»، في حين قال زوجها إنهما علّقا حياتهما لأكثر من عامين، وإنها كانت تنام على أرض غرفة والدتها خلال أسابيعها الأخيرة للاطمئنان عليها.

احتمال دعاوى مماثلة

ويرى خبراء قانونيون أن الحكمين قد يشجّعان مطالبات مماثلة، لإظهارهما استعداد المحاكم لتطبيق مبادئ العقود على الاتفاقات العائلية، حتى دون تحديد المقابل مسبقاً.

في المقابل، أعلن أندرو ويلز، شقيق روجرز والمسؤول عن تنفيذ وصية والدتهما، اعتزام الطعن في قيمة المبلغ المحكوم به. وقال إن الاتفاق الوحيد الذي عرفه الأشقاء كان يقضي بدفع 50 جنيهاً أسبوعياً لشقيقتهم مقابل إقامة الأم ومعيشتها، وضمان تغطية نفقاتها. وأضاف أن التركة كانت مستعدة لتغطية النفقات الفعلية ودفع مكافأة تقديراً لجهود روجرز في رعاية والدتها، لكنها رفضت العروض ولجأت إلى القضاء.

أما الحكم المثبت لحق روجرز في تقاضي مقابل، فلا يمكن الطعن فيه، وفق التقرير.