شوقي أبي شقرا يعيد نشر ترجماته في مجلة «شعر»

رامبو ولوتريامون وريفردي كما في الخمسينات

شوقي أبي شقرا يعيد نشر ترجماته في مجلة «شعر»
TT

شوقي أبي شقرا يعيد نشر ترجماته في مجلة «شعر»

شوقي أبي شقرا يعيد نشر ترجماته في مجلة «شعر»

كتب الكثير عن دور مجلة «شعر» في التمرد على الأوزان والقوافي، وعن شعرائها الذين خاضوا معارك الدفاع عن حداثتهم واختلافهم، وما نشره أدونيس وأنسي الحاج ويوسف الخال، وغيرهم، لكن كتب أقل عما ترجمه هؤلاء الشعراء أنفسهم لكبار شعراء الحداثة الذين وجدوا فيهم نموذجاً يبنون عليه وينقدونه أحياناً.
وفي محاولة لإلقاء الضوء على طبيعة هذه الترجمات، وإعادة التعريف بها، قامت «دار نلسون» في بيروت بالتعاون مع «مؤسسة أنور سلمان الثقافية» بإصدار كتاب يجمع ترجمات أحد شعراء مجلة «شعر» البارين، شوقي أبي شقرا، كما صدرت حينها، مصورة ومجتمعة مع دراسات كتبها في حينه، إضافة إلى مقدمة جديدة كتبها أبي شقرا لتأطير تلك المرحلة، وشرح رؤيته إليها من وجهة نظره اليوم...
يبدأ كتاب «حبر ترجمات كالخمر يعتق» الذي يصدر بعد أيام، وهو مختارات معربة من شعر رامبو ولوتريامون وريفردي بعبارة «إن الفضاء يلائم الزرافة» ليتحدث أبي شقرا في مقدمته عن الصعود والتحليق في الفضاء الشعري، في نهاية خمسينات القرن الماضي. ويقول إن «تلك الأيام في بيروت وفي مجلة (شعر)، هي ما نحاول أن نكون معها هناك. في تلك المجرة أو المحراب أو الصدفة القوية».
يصف تلك الفترة، بكثير من الحنين والشاعرية، يقول بأنها كانت «ريانة»، «جديدة» و«مقدامة». وعمّا كان يقوم به جماعة مجلة «شعر» يقول: «نحن الرعاة ونحن العصا، لنقود الشعر ونرسل النثر إلى العالم حوالينا. وفي أي مكان. وفي سواء السبيل». وفي مكان آخر نقرأ «ها نحن مرة ثانية وثالثة أمام الدهشة من كوننا القطار الذي يحمل ما حمل من الثمار ومن التكاوين في مدار الوجود». ويسمي أبي شقرا نصوصه بالعربية لهؤلاء الشعراء بأنها «ترجمة مجتهدة»، وهو لا يزال «طرّ الشاربين، طرّ القريحة».
مقدمة المترجم هي تمهيد لترجمات من مختارات الشعراء الثلاث، مقرونة بدراسة عن كل منهم، تجمع بين النقد والشاعرية.
بعد أربع عشرة قصيدة لرامبو يقدم أبي شقرا دراسة عن الشاعر الذي يعتبر أشعاره «مفاجئة، مقتضبة، غنية بالالتفافات، بالأدغال والمواضيع غير المكتشفة». فهذا الطفل الذي ولد عام 1854 في شارلفيل، عندما بلغ الخامسة عشرة، كتب أشعاراً وأرسلها إلى فارلين. أعجب بها هذا الأخير واستدعاه إلى باريس. لا تتحدث الدراسة بوضوح عن العلاقة التي ربطت الشاعرين، وانتهت بإطلاق فارلين النار على معصم رامبو وإصابته، وسجنه بسبب فعلته سنتين، في حين توقف رامبو عن الكتابة الشعرية. يكتب أبي شقرا تعليقاً على القصة التي يلمّح إليها ولا يصرّح: «حكاية رامبو، في التحليل الأخير، حكاية خلقية، ولكن حزينة ومؤسفة جداً. ما نحبه في رامبو الثائر أكثر من الفنان، رجل التحديات جميعها، والاحتقارات كلها. والفكرة أن هذا الرجل الخيّر اضطر أن يخفض رأسه، وأن هذه العبقرية الأرستقراطية استجدت عبثاً الهناءات المتواضعة، وأن هذا الكافر أنكر كل أحلامه. هذه الفكرة لا تريح».
وفي نهاية الدراسة الشيقة يتساءل الكاتب، ماذا لو لم يوجد رامبو، رغم عمره الأدبي القصير حيث توقف عن الكتابة ولم يتجاوز العشرين سنة. كان سيترك فراغاً، لأنه «ساحر كبير، أضاء قنديلاً ضخماً على باب الأدب الحديث بكامله، قبل أن يموت عام 1891».
نقرأ تعريب أبي شقرا لرامبو، فنلحظ كم أن هذا النقل يحمل شخصية المترجم، وأسلوبه واشتقاقاته واختياراته السوريالية للألفاظ: تجد مثلاً في قصيدة تحمل عنوان «المركب السكران»:
أزباد من أزهار هزهزت ترجعاتي ورياح لا توصف جنّحتني في هنيهات
ونقرأ أيضاً:
باركت العاصفة يقظاتي البحرية
ورقصت أخفّ من فليّنة على الأمواج
وفي قصيدة رامبو «المستحيل» نقرأ:
أرسلت إلى الشيطان سعف الشهداء، أضواء الفن، كبرياء المخترعين، حماسة السالبين. عدت إلى الشرق وإلى الحكمة الأولى الخالدة – يظهر أن هذا حلم الكسل الثقيل!
الجزء الثاني من الكتاب مخصص لترجمة مختارت من قصائد لوتريامون (1846 - 1870) النثرية. أما الدراسة هذه المرة فهي لهاني أبي صالح، وليس لصاحب الترجمات. تصف الدراسة الكونت لوتريامون واسمه الحقيقي إيزيدور دوكاس بأنه «كان ذا أصالة فذة، حانقة وغير منتظرة. كان عبقرية مريضة، بل بصراحة مجنونة. ففي جنون الأحمق، ينفلق هذا الأخير أكثر، وأما في جنون العبقري فيمس شكل الذكاء، وليس الذكاء نفسه».
ولد لوتريامون في الأورغواي لوالدين فرنسيين هاجرا إلى أميركا الجنوبية، وعاش طفولة قاسية ويتم مبكر، ومعاناة من الحروب القاسية التي دارت رحاها بين الأرجنتين والأورغواي منتصف القرن التاسع عشر. عاد إلى فرنسا التي لم تكن أكثر إنصافاً، حيث لم يتمكن من نشر مخطوطة كتابه «أناشيد مالدورو». مات ميتة غامضة ولم يعرف كتابه وينشر إلا بعد موته بسنوات، ويعتبر لوتريامون أول من كتب قصيدة النثر.
ثمة رابط بين الشاعرين الفرنسيين اللذين يحتفي بهما الكتاب رامبو ولوتريامون، وهو أنهما أظهرا عبقرية مبكرة، وحققا شهرة عبرت السنين، وماتا في عمر الورد، واعتبر كل منهما، بالنسبة للنقاد، مفصلاً في تاريخ الشعر الحديث.
وقد عكف أبي شقرا على ترجمة أشعار لوتريامون الذي عاش 24 عاماً فقط، وتوفي سنة 1870، بكثير من الأريحية، وكأنه كاتبها. ربما أن النثرية المستفيضة للوتريامون أراحت أبي شقرا وأمدته بالزخم.
أما الشاعر الثالث فهو بيار ريفردي، الذي يعتبر أبي شقرا شعره «موجة» ويرى أنه «حافل بالتفاصيل الملونة والمعقدة» التي نجدها في الموجة البحرية أو النهرية. ويلفت إلى حالة الاسترخاء التي تبثها كلمات هذا الشاعر، وصوره التي تمنح كلماته طعماً خاصاً، وشفافيته التي تنشر ظلالاً خافقة. «تلك الجمل في القصيدة هي بمثابة الضربة الحمراء في لوحة سوداء وبمثابة الضوء الكبير المشع على الساحة بين أضواء صغيرة».
يقول عنه، «لم يشترك ريفردي في فوضى عصره الإجبارية، بل قام وفعل كل شيء ضمن الشعر. ظل نقياً ناصعاً. ولكنه التقى عصره وجيله معاً في مغامرته الشعرية، سابقاً إياهما أحياناً. والشعراء اللبنانيون، من فترة القبل، لم يتأثروا به لأنهم لم يحزروه. بل لم يحزره وطنه، ما عدا الأفذاذ والنقد. وباختصار هو قليلاً كجملته هذه: سيرك ينفجر ضحكاً وآلاماً، سيرك يعزم الجميع إليه». وهنا قصيدة من ترجمة أبي شقرا لريفردي، من ديوان «ينابيع الريح» 1928.
الصوت البعيد
الجناح يتداعى
والأيدي تتعانق حول السلسلة
الألحان البحرية
طول الجدار
والريح التي تجذبني
الضوء يذهب بعيداً
لا ينتهي
إنها حكاية في القطار
سيوقفنا عند الكيلومترات الأولى
لهذا الطريق
في زاوية أخرى
طبيعة السماء
ومرساة الأرض
في الحركة التي تسندها
إشارة المساء الماضي تعود
أمام المقهى
في البعيد تحدث الخيبة
ومن حول السماء تنطفئ النجوم
ينتهي الهواء عند الأشعة الأخيرة
بين يدي الممتلئتين بكثرة
هو ذا النهار الذي ينتظر
يجب أن نعود
إلى فصل
أو إلى حزن آخر.
هي عودة إلى مجلة «شعر» التي رغم عمرها القصير، وتفرق روادها، لا تزال نبعاً للاكتشاف والدرس.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

ما أكثر السمات المكروهة في المدير؟

يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)
يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)
TT

ما أكثر السمات المكروهة في المدير؟

يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)
يمكن لتدخل الإدارة أن يفسد بيئة العمل (رويترز)

بينما كان فيكتور ليبمان، المؤلف الحاصل على ماجستير في إدارة الأعمال، يتحدث مع سيدة عملت لسنوات عديدة في عدة مؤسسات مرموقة، وكانت خلال الحديث تسترجع مسيرتها المهنية، ذكّرت ليبمان بحقيقة إدارية جوهرية.

وكانت السيدة تستمتع بعملها في معظمه، وفق حديثها، ولم يمرّ عليها سوى مرة واحدة لم تُعجبها، وهي تتذكرها جيداً. وكانت السيدة تعمل عادةً باستقلالية تامة، لكنّ أحد المديرين قرر، حينها، التدخّل بشكل مفرط في تفاصيل مهامها اليومية، وأصبح متسلطاً بشكل مُفاجئ.

ووفق ما ذكره موقع «سيكولوجي توداي» المعني بالصحة النفسية والعقلية، فقد كان التأثير فورياً. ازداد إحباط السيدة من العمل، وتراجع استمتاعها به. وكان هذا مثالاً نموذجياً على أن تدخّل الإدارة بشكل مفرط في التفاصيل (الإدارة التفصيلية) يجعل الموظفين لا يستجيبون بشكل جيد.

التدخل المفرط

يكمن الفرق الرئيسي بين الإدارة الدقيقة (المعقولة) والإدارة التفصيلية (المفرطة) في الحاجة إليها. ومن الطبيعي أن يمرّ الموظف بأوقات لا يؤدي فيها عمله على النحو المطلوب، لذا يحتاج المدير، وقتها، إلى متابعة دقيقة لكيفية إنجاز المهام اليومية. وهذا من أساسيات الإدارة الجيدة.

ويختلف هذا تماماً عن الإدارة التفصيلية، حيث يتدخل المدير بشكل مفرط في أدق تفاصيل عمل الموظف، حتى وإن كان هذا الموظف كفؤاً في وظيفته.

وتُعدّ الإدارة التفصيلية المفرطة شائعة جداً. فعلى مرّ السنين، أُجريت العديد من الدراسات الاستقصائية حول هذا الموضوع، وتشير نتائجها عادةً إلى أن نسبة الموظفين الذين يشعرون بأنهم تعرّضوا للإدارة التفصيلية المفرطة في مرحلة ما من مسيرتهم تتراوح بين 60 و70 في المائة.

السيطرة في العلاقات

ويكره الناس الإدارة التفصيلية، لأنها تتعلق بمفاهيم الاستقلالية والتحكم. وسواء رغبنا في ذلك أم لا، فإن المديرين والموظفين تربطهم علاقة، فهم يلتقون باستمرار، وحتى في ظل العمل عن بُعد، يتواصلون بانتظام. وقليلون هم من يرضون بالخضوع للسيطرة في العلاقات، أو بالتدخل في تفاصيل حياتهم اليومية؛ فهذا يُؤدي إلى الإحباط والسخط. وليس من المستغرب أن تنطبق هذه الديناميكيات نفسها داخل بيئة العمل وخارجها.

ومن المعروف أن الإدارة التفصيلية تُؤدي إلى نتائج سلبية عديدة في العمل. وتشمل هذه النتائج عادة مشكلات؛ مثل: انخفاض الروح المعنوية، ونقص الابتكار والإبداع، وانخفاض الإنتاجية.


فنانون من مصر والسعودية والكويت يرسمون «صندوق الدنيا»

لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
TT

فنانون من مصر والسعودية والكويت يرسمون «صندوق الدنيا»

لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)
لوحات مستوحاة من «صندوق الدنيا» والحكايات الشعبية (الشرق الأوسط)

استعاد فنانون من عدة دول عربية بينها مصر والسعودية والكويت والبحرين، فكرة «صندوق الدنيا» الذي يضم الحكايات الغرائبية والقصص القديمة والتراثية، عبر لوحاتهم التي جسدت مشاهد طبيعية من البيئات العربية التي يتداخل فيها الواقع مع الأسطورة مع التراث بطريقة جمالية وفنية مميزة.

المعرض الذي نظمه ملتقى عيون الدولي للفنون رقم 27 استضافه قصر الإبداع بمدينة السادس من أكتوبر (غرب القاهرة) التابع لوزارة الثقافة المصرية، ليوم واحد فقط، السبت، وضم نحو 60 عملاً لفنانين من أجيال مختلفة، يمثلون تجارب ومدارس فنية متنوعة.

ويشير منسق المعرض، الفنان مصطفى السكري، إلى الزخم الذي شهده المعرض بمشاركة أعمال لفنانين من عدة دول عربية، يعبّرون بأعمالهم عن رؤاهم الفنية وتراثهم والخصائص المميزة لبيئتهم سواء من السعودية أو الكويت أو البحرين أو الإمارات.

لوحة للفنانة السعودية عائدة التركستاني (الشرق الأوسط)

ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «المعرض السابع والعشرين للملتقى انطلق من فكرة التنوع والمفاجأة والسحر الكامن وراء فكرة صندوق الدنيا الذي كان إحدى تقنيات التسلية القديمة، وقد تجسد في أكثر من عمل بالمعرض عبر التصوير والنحت والغرافيك وأشغال فنية بالحرق على الخشب».

وأضاف أن «فكرة صندوق الدنيا تقوم على أن كل صندوق للدنيا به حدوتة، وكل فنان أخذ الحدوتة التي رآها وقرر التعبير عنها بأسلوبه وتقنياته سواء بالرسم أو النحت أو بالخيوط أو غيرها من التقنيات، لمنح كل فنان مساحة كافية ليتخيل الحكاية التي يقدمها للمشاهد من صندوق الدنيا».

ويضم المعرض العديد من العمال التي تحتفي بالمرأة سواء في مشاهد شعبية أو تراثية أو حديثة، كما ارتكزت بعض الأعمال على أفكار مرتبطة بالبيئة الشعبية والحياة في الريف والحقول والحيوانات، بينما عبَّرت بعض الأعمال عن الحضارة المصرية القديمة عبر رموز وتفاصيل مختلفة.

لوحات عن المرأة في المعرض (الشرق الأوسط)

وجاءت الأعمال العربية معبِّرة عن حس فني مميز يستخدم الكتل والألوان بطريقة مميزة للتعبير عن حالة نفسية أو اجتماعية أو تراثية مرتبطة بالتراث والتاريخ الخاص بصاحب العمل.

ويبدو التنوع في المدارس الفنية واضحاً في الأعمال التي يميل بعضها إلى الأسلوب الكلاسيكي أو التعبيري أو التأثيري، فيما تجنح أعمال أخرى إلى التجريد والسريالية، ووفق منسق المعرض، «فقد اهتم الملتقى بالتنوع بين الأجيال والفئات المشاركة بالمعرض من فنانين كبار وطلبة وكذلك مواهب من ذوي الاحتياجات الخاصة، جاءت أعمالهم معبرة عن موضوع المعرض وعن القضايا التي تشغلهم والحكايات التي أرادوا أن يرووها بالريشة والألوان»، على حد تعبيره.


«البوستة»... طابع البريد يغادر الخطابات إلى فاترينة التذكارات

الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
TT

«البوستة»... طابع البريد يغادر الخطابات إلى فاترينة التذكارات

الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)
الطوابع سجلت العديد من الأحداث وكرمت شخصيات تاريخية (هيئة البريد المصري)

يظل مشهد الفنانة شويكار وهي تتخلى عن زوجها الطيب الذي قام بدوره فؤاد المهندس، معللة غيابها بأنها «ذاهبة لإحضار طابع بوستة» في فيلم «الراجل ده هيجنني»، دالاً ومعبراً عن قيمة هذا الطابع ورمزيته وحضوره في الحياة اليومية للمصريين، خصوصاً في فترة الستينات من القرن الماضي، ولكن «طابع البريد» هذا لم يعد حاضراً بالقوة نفسها في الحياة اليومية، وربما انحصر حضوره في المخاطبات الرسمية.

حين توجه هاني محمد (48 سنة)، متخصص في البرمجيات، إلى مكتب البريد المجاور لمنزله في القاهرة وطلب طوابع بريد من موظفة المكتب، لاحظ نظرة مندهشة على ملامحها ألحقتها بحماس شديد مقدمة له أنواعاً مختلفة من الطوابع، وفهم منها أنه من النادر أن يطلب أحد طوابع بريد إلا من أجل المصالح الحكومية أو المعاملات الرسمية، وحين أخبرها أن الطوابع التي يريدها سيعطيها لأطفاله (7 سنوات - و10 سنوات) ليضعوها على خطابات يرسلونها لأصدقائهما، قدمت له طوابع تذكارية عن المتحف المصري وحديقة الحيوان ومعالم أخرى شهيرة بمصر.

يقول هاني لـ«الشرق الأوسط»: «كانت تجربة غريبة، فمنذ التسعينات تقريباً لم أحاول شراء طوابع بريد، لكنني وجدت أن الطوابع ما زال يتم تداولها، ولكن بشكل رمزي وتذكاري، فيما عدا المعاملات الرسمية والحكومية والبنكية التي تتطلب إلصاق الطوابع عليها كما فهمت من موظفي البريد».

عدد من طوابع البريد المصرية الحديثة (الشرق الأوسط)

وأكد مطلعون بهيئة البريد أن الطوابع موجود منها الكثير وما زالت تطبع بشكل تذكاري، عليها صور شخصيات أو أماكن أو أحداث أو مناسبات، وما زالت تقوم بدورها كوسيلة للتواصل والتوثيق والمقاصة المالية، وإن كان حضورها في المراسلات الشخصية بين الأفراد تراجع، ولكن دورها في الخطابات الرسمية والطرود والعديد من الأغراض الأخرى ما زال حيوياً.

ويعود إنشاء «البوستة» أو البريد المصري إلى عام 1865 في عهد الخديو إسماعيل، الذي اشترى حق امتياز البوستة الأوروبية، وظلت الطوابع تحمل الطابع التاريخي والتوثيقي في العهد الملكي وحتى الجمهوري وإلى فترة التسعينات والألفينات.

وهو ما رصده معرض استضافه المتحف القومي للحضارة المصرية تحت عنوان «أثر في طابع»، شاركت فيه جهات مختلفة، من بينها هيئة البريد، ونادي الرواد المصري لهواة جمع الطوابع، كما نظمت الجمعية المصرية لهواة طوابع البريد أكثر من معرض عن طوابع البريد وسماتها التاريخية والتوثيقية والنادر منها.

يعاود هاني محمد الحديث عما حصل عليه من طوابع بقيمة زهيدة نسبياً بعضها لا يتجاوز جنيهَين (الدولار يساوي نحو 47 جنيهاً مصرياً)، وبعضها يصل إلى 10 أو 20 جنيهاً، ويقول: «وجدت طوابع تحمل معالم شهيرة مثل المتحف المصري الكبير أو الأهرامات أو توت عنخ آمون، وأيضاً أخذت بعض الطوابع التي تحمل مشاهد وصوراً من حديقة الحيوان وأعطيتها لأبنائي الذين تحمسوا لفكرة إرسال خطابات لزملاء لهم».

أحد مكاتب البريد المصرية (الشرق الأوسط)

في حين يرى الخبير في الإعلام الرقمي و«السوشيال ميديا»، محمد فتحي، أن «توقّف الناس عن استخدام البريد الورقي لم يكن قراراً مفاجئاً، بل نتيجة طبيعية لتغيّرات كبيرة في أسلوب الحياة ووسائل التواصل، وأهم الأسباب السرعة والتكلفة والسهولة والراحة وتعدد البدائل الكثيرة من تطبيقات وبرامج كثيرة ومتاحة طوال الوقت»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الهاتف الذكي متاح دائماً، لا حاجة للذهاب إلى مكتب بريد أو انتظار مواعيد».

ولفت إلى أنه بخلاف الاستخدام الشخصي اتجه أيضاً عدد من الجهات والمؤسسات للتحول الرقمي واعتمدت على المراسلات الإلكترونية، مشدداً على أن «البريد الورقي لم يتوقف لأنه سيئ؛ بل لأن الزمن تغيّر وتحوّل من وسيلة تواصل أساسية إلى قيمة رمزية وحنين ثقافي».

من فعالية أقامها متحف الحضارة المصرية عن الطوابع (متحف الحضارة المصرية)

وفي أبريل (نيسان) 2025 نظمت الهيئة القومية للبريد احتفالية بمناسبة مرور 100 عام على إصدار أول طابع بريد تذكاري مصري، وهي المناسبة التي عدّها وزير الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، الدكتور عمرو طلعت، «تعكس تفرد تاريخ مصر وعمق حضارتها»، مشيراً إلى أن «طوابع البريد المصري هي مرآة لحضارة مصر وتاريخها السياسي والاجتماعي والثقافي والفني على مدار أكثر من قرن ونصف قرن».

ولفت، في بيان للهيئة، إلى أنه منذ 2021 تم إدخال الرموز التفاعلية (QR Codes) على الطوابع البريدية لتوفير معلومات كاملة عن الطابع، بما يمثل خطوة تعكس توجه البريد نحو الرقمنة والاعتماد على التكنولوجيا الحديثة.

فيما أشارت أستاذة علم الاجتماع بجامعة عين شمس، الدكتورة سامية خضر صالح، إلى أن «التغيرات والتطورات المتسارعة في وسائل التواصل المجتمعي أدت لاختفاء المخاطبات الورقية وغياب طابع البريد بوظيفته التقليدية في حياتنا اليومية»، وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «قديماً كان الخطاب له دلالة مهمة على روابط اجتماعية ملؤها الدفء والحميمية، حتى كتبت من أجله الأغاني والأفلام وتغنى به الكثيرون، وكان من له قريب في الخارج يهرع كل يوم صباحاً إلى صندوق البريد ينتظر خطاباً من قريبه، لكن الآن التواصل يتم عبر الأجهزة الذكية وهي طبيعة العصر الذي نعيشه».