كي هوي كوان... سيرةٌ ولا في الأفلام

الطفل النجم الذي سقط في النسيان وعاد متوّجاً بأوسكار

الممثل الأميركي الفيتنامي الأصل كي هوي كوان
الممثل الأميركي الفيتنامي الأصل كي هوي كوان
TT

كي هوي كوان... سيرةٌ ولا في الأفلام

الممثل الأميركي الفيتنامي الأصل كي هوي كوان
الممثل الأميركي الفيتنامي الأصل كي هوي كوان

في عائلة كوان، كان الجميع منشغلاً بتسديد الديون المتراكمة، وبتأمين القوت اليومي لأسرة مؤلفة من 11 فرداً، فلم يتّسع الوقت للعواطف ولا للتعبير عنها. خلال حفل الأوسكار الـ95، كانت 3 دقائق كافية لنجم العائلة الممثل كي هوي كوان، ليختصر فيها كل ما خبّأ من مشاعر وللتعويض عن كل ما كبتَه أهلُه من حب.
ليس كوان أول ممثل يفوز بجائزة أوسكار، لكنه من القلائل الذين لا تختلف حياتهم كثيراً عن حكايات الأفلام. حتى في الكلمة المبللة بالدمع التي ألقاها بعد تسلّمه الجائزة العالمية عن دوره في فيلم «Everything Everywhere All At Once»، قال: «يقولون إن حكايات كهذه تحصل حصراً في الأفلام. لا أصدّق أنها تحصل معي».

«البضاعة النازلة من السفينة»
كأنّ الممثل الأميركي الفيتنامي المتحدّر من جذور صينية، عاش حيواتٍ عدة في حياة واحدة. سنواته الست الأولى مرّت هانئة في مسقط رأسه «سايغون»، إلى أن اشتعلت الحرب بين شمالٍ وجنوب في بلاده، مما اضطر العائلة إلى مغادرة البيت والوطن سنة 1978. تفرّق أفرادها فذهبت الأم إلى ماليزيا برفقة 3 من الأبناء، أما كوان فاتّجه مع والده وإخوته الخمسة إلى هونغ كونغ على متن باخرة مكتظة بـ3 آلاف مهاجر. كان حينها في الـ7 من عمره، وهو يذكر أنهم أمضوا شهراً داخل السفينة قبل أن يُسمَح لهم بالنزول إلى أحد مخيّمات اللجوء في هونغ كونغ.


"أمي، لقد فزت للتوّ بأوسكار"، هكذا افتتح كوان خطاب الفوز (إنستغرام)
على مسرح «دولبي» في لوس أنجليس منذ أيام، وقف كوان حاملاً جائزته ومستذكراً: «رحلتي بدأت على سفينة. أمضيت عاماً في مخيم للاجئين. وبطريقة ما وصلت إلى هنا، على أكبر مسارح هوليوود». حفرت تجربة اللجوء عميقاً في نفسه، وهو لا ينسى الغرف الضيّقة المسيّجة من كل صوب، والحرّاس الذين كانوا يمنعونهم من الخروج.
حتى عندما اجتمع شمل العائلة من جديد بعد عام في لوس أنجليس الأميركية، ظلّت وصمة اللجوء تلاحق كوان وأهله. يقول في مقابلة مع صحيفة الـ«غارديان» البريطانية: «كنا لاجئين. لم يرغب فينا أحد. كانوا يطلقون علينا (البضاعة النازلة من السفينة) ويسخرون منا في المدرسة. لطالما شعرت بأنني دخيل خلال طفولتي ومراهقتي. كانت لدي أزمة هوية كبيرة». لكن ما هي إلا 4 سنوات حتى تحوّل الطفل الذي كان يتعرّض للتنمّر من رفاق صفّه، إلى نجمٍ ينظرون إليه بإعجاب، وربما غيرة.


كوان بعد فوزه بأوسكار عن فئة ممثل في دور مساند (رويترز)
منقذ العائلة
عندما وصلت العائلة إلى الولايات المتحدة بعد رحلة الهجرة والنزوح، كانت ترزح تحت ثقل الديون. اضطرّ أفرادها أن يقتصدوا، لذلك فإن الذهاب إلى السينما مثلاً كان حلماً بعيد المنال. اكتفى كوان وإخوته الصغار بالتحلّق حول التلفاز الصغير في البيت لمشاهدة الأفلام الآسيوية، وتحديداً تلك التي كانت من بطولة جاكي شان.
كان كوان في الـ12 من عمره، يوم رافق شقيقه الأصغر إلى تجربة أداء كان قد دعا إليها المخرج ستيفن سبيلبرغ. جلس في غرفة الانتظار يدرّب أخاه، فلفت الأنظار وطُلب إليه أن يجرّب بدوره. وما هي إلا 3 أسابيع حتى استقلّ الطائرة مع والدته، متّجهاً إلى سريلانكا لتصوير دوره الأول في فيلم «إنديانا جونز ومعبد الهلاك» إلى جانب الممثل هاريسون فورد.

قبل تلك المغامرة السينمائية التي جعلت منه طفلاً نجماً بين عشية وضُحاها، لم يكن كوان قد شاهد أي فيلم أميركي في حياته. لم يدرك عظمة الفريق الذي احتضنه، إلا بعد أن صدر الفيلم وصار البطل الصغير «شورت راوند» حديث الناس. يقول للـ«غارديان» إن أداءه دوراً أوّل في أحد أكبر أفلام عام 1984، منحه وعائلتَه الأمل والجرأة والكثير من الحرية.
بفضل أجره الأول، استطاع كوان أن يشتري منزلاً للأسرة وأن يسدّد جزءاً من ديونها. حتى اليوم، هو ممتنّ لمكتشفيه ولم ينسَ أن يشكرهم ليلة الأوسكار معانقاً هاريسون فورد بحرارة، ومتوجهاً إلى ستيفن سبيلبرغ بأجمل الكلام. آمنَ سبيلبرغ بموهبة كوان الصغير فكرر التجربة معه، مانحاً إياه دوراً أساسياً في فيلم «The Goonies” عام 1985.
بعد ذلك، راكمَ كي هوي كوان الأدوار الصغيرة لكنه عجزَ عن اصطياد دور بأهمية اللذَين لعبهما مع سبيلبرغ. في مرحلة من المراحل اعتمد اسماً مستعاراً هو «جوناثان» بديلاً عن اسمه الصعب، ظناً منه بأن ذلك قد يفتح الدرب أمامه. وبعد انتظار طويل دام حتى سنة 1996. استسلم كوان ورضخ لواقع السينما الهوليوودية آنذاك، التي كانت تهمّش الممثلين الآسيويين. يقول في حوار مع وكالة «أسوشييتد برس»: «في عمر العشرين، عندما كان من شبه المستحيل العثور على دور، لم أُلقِ باللوم على أحد. ظننت أنني لم أكن جيداً. لكن في الواقع، كان مؤلّفو هوليوود يمتنعون عن كتابة أدوار لممثلين آسيويين. لم أعلم بذلك فلُمتُ نفسي».


كوان متوسطاً ستيفن سبيلبرغ (يمين) وكايت كابشو وجورج لوكاس عام 1984 (أ ب)
ولادة جديدة بعد صمت 20 سنة
عشية عامه الـ30، وبعد أن فقد الأمل بتلقّي اتّصال يدعوه إلى أداء دور مهم، رمى كوان الحلم وراء ظهره. قرر الانتقال من أمام الكاميرا إلى خلفها كمصمم لمشاهد العراك وكمساعد مخرج أحياناً، بالتزامن مع تخصصه في السينما. دفن الممثل شغفَه في مكان عميق من القلب، الذي ظلّ يخفق بسرعة كلّما لمح كوان بطلاً كان يمكن أن يكونه.
انقضى 20 عاماً تقريباً والحلم صامت، إلى أن بدأ يهمس من جديد في أذن كوان بعد أن شهد على نجاح زملائه الآسيويين في فيلم «Crazy Rich Asians» عام 2018. وعشية خمسينه، عاد كوان إلى شغفه الأول فانضمّ إلى فريق «Everything Everywhere All At Once». في حديثه مع «أسوشييتد برس» يقول: «لوقتٍ طويل جداً لم أكن أريد سوى فرصة للتمثيل ولإظهار قدراتي للناس. لقد منحني هذا العمل أكثر مما تمنيت».

في الفيلم الفائز بـ7 جوائز أوسكار، يلعب الممثل دور وايموند وانغ، وهو يجمع شخصيات كثيرة في شخصية واحدة، تماماً مثل حيوات كوان التي اجتمعت في حياة واحدة.
في أحد مشاهده يتوجه إلى شريكته الممثلة ميشيل يوه قائلاً: «كل رفض وكل خيبة في حياتك، أوصلتك إلى هذه اللحظة. لا تدَعي شيئاً يلهيك عنها». لعلّها العبارة التي أعادَها كوان في رأسه عندما وقف أمام نجوم هوليوود رافعاً الأوسكار، ومعلناً ولادة جديدة لنجمٍ عائد من النسيان.


مقالات ذات صلة

9 أفلام عربية في سباق «الأوسكار» وسط منافسة دولية شرسة

يوميات الشرق الفيلم السعودي «مسألة حياة أو موت» في منافسات «الأوسكار» (الشرق الأوسط)

9 أفلام عربية في سباق «الأوسكار» وسط منافسة دولية شرسة

من المقرّر إعلان القائمة القصيرة، التي تضمّ 15 فيلماً، في 15 ديسمبر (كانون الأول) المقبل.

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق فيلم «مسألة حياة أو موت» يُقدِّم حكاية تمزج الرومانسية بالكوميديا السوداء (هيئة الأفلام السعودية)

«مسألة حياة أو موت» يُمثِّل السعودية في سباق «الأوسكار»

اختارت السعودية الفيلم الروائي «مسألة حياة أو موت» لتمثيلها رسمياً في جوائز الأوسكار لفئة أفضل فيلم دولي خلال الدورة 99 في خطوة تعزز حضور سينما المملكة دولياً.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص الممثل الأردني محمد نزار بشخصية «باسل» في فيلم «غرق» للمخرجة زين دريعي (صور الممثل)

خاص من أقصى الشراسة إلى أقصى الإنسانيّة... محمد نزار يذهب في «غرَق» إلى أعماق التمثيل

الأردن يختار فيلم «غرَق» لتمثيله رسمياً في دورة الأوسكار المقبلة، والممثل محمد نزار يتحدّث عن رحلة سينمائية وإنسانية استثنائية خرج منها شخصاً آخر.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق ملصق فيلم «المواطن أسامة» (وزارة الثقافة الفلسطينية-فيسبوك)

«الثقافة» الفلسطينية ترشح «المواطن أسامة» للأوسكار

قالت وزارة الثقافة الفلسطينية إنها رشحت فيلم «المواطن أسامة» للمخرج أحمد حسونة للمنافسة على جائزة أوسكار أفضل فيلم دولي في الدورة التاسعة والتسعين.

«الشرق الأوسط» (رام الله)
يوميات الشرق تمثال أوسكار معروض في متحف الأكاديمية في لوس أنجليس (د.ب.أ)

الأكاديمية الأميركية تمنع ترشّح الممثلين المُولَّدين بالذكاء الاصطناعي لجوائز الأوسكار

أعلنت أكاديمية الفنون والعلوم السينمائية الأميركية، أمس الجمعة، أن الممثلين الذين يتم توليدهم بواسطة الذكاء الاصطناعي مستبعدون من الترشح لجائزة الأوسكار.

«الشرق الأوسط» (لوس أنجليس (الولايات المتحدة))

تركي آل الشيخ يطلق دليل «موسم الرياض» السابع

«موسم الرياض» يقدم مجموعة واسعة من الأحداث والتجارب المحلية والعالمية في مجالات الترفيه والرياضة والفنون (هيئة الترفيه)
«موسم الرياض» يقدم مجموعة واسعة من الأحداث والتجارب المحلية والعالمية في مجالات الترفيه والرياضة والفنون (هيئة الترفيه)
TT

تركي آل الشيخ يطلق دليل «موسم الرياض» السابع

«موسم الرياض» يقدم مجموعة واسعة من الأحداث والتجارب المحلية والعالمية في مجالات الترفيه والرياضة والفنون (هيئة الترفيه)
«موسم الرياض» يقدم مجموعة واسعة من الأحداث والتجارب المحلية والعالمية في مجالات الترفيه والرياضة والفنون (هيئة الترفيه)

أطلق المستشار تركي آل الشيخ، رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للترفيه السعودية (GEA)، دليل «موسم الرياض» في نسخته السابعة التي تنطلق يوم الأربعاء المقبل، ليقدم للجمهور مرجعاً متكاملاً لمناطقه وفعالياته.

ويستعرض الدليل أبرز الأحداث المنتظرة خلال الموسم، وفي مقدمتها «WWE Crown Jewel»، وبطولة «Six Kings Slam» للتنس، ونزال «المكسيك ضد العالم» الذي يجمع كانيلو ألفاريز وكريستيان مبيلي، إلى جانب «Zuffa Boxing 1» و«Zuffa Boxing 2»، وبطولة UFC، ومهرجان الإثنوسبورت الثقافي.

كما يعرض محتوى الموسم مقسماً بحسب مناطقه، وفي مقدمتها «بوليفارد وورلد» بما تضمه من ثقافات وتجارب عالمية متنوعة، و«بوليفارد سيتي» التي تجمع الفعاليات والعروض والتجارب الترفيهية، إلى جانب «وندر جاردن» بتجاربها وألعابها وأجوائها العائلية، و«فيا رياض» بما تقدمه من تجارب فاخرة في المطاعم والتسوق والترفيه، و«ذا جروفز» التي تجمع تجارب الضيافة والمطاعم والأجواء الترفيهية في مساحة واحدة.

ويتناول الدليل «حديقة السويدي» بما تقدمه من تجارب ثقافية وترفيهية متنوعة، و«حديقة الحيوانات» بما تضمه من تجارب مرتبطة بالحياة البرية والحيوانات، وشتاء الديرة بأجوائها المستوحاة من الطابع المحلي والتراثي، إضافة إلى «سوق المزارعين» الذي يقدم تجربة تجمع المنتجات المحلية والأطعمة والأنشطة المصاحبة.

ويشمل الدليل أيضاً برنامج الحفلات الغنائية والعروض المسرحية والكوميدية، والمعارض والمهرجانات، إلى جانب التجارب الترفيهية والعائلية، بما يتيح للجمهور التعرف على أبرز ما ينتظرهم خلال النسخة السابعة والتخطيط لتجاربهم في مختلف مناطق الموسم.

ويأتي إطلاق الدليل ضمن الاستعدادات لانطلاق «موسم الرياض» بفعاليات تجمع مجموعة واسعة من الأحداث والتجارب المحلية والعالمية في مجالات الترفيه والرياضة والفنون.


رشيد مشهراوي: «حرب غزة» غيّرت أولوياتي في صناعة السينما

رشيد مشهراوي في مهرجان الجونة السينمائي (الشرق الأوسط)
رشيد مشهراوي في مهرجان الجونة السينمائي (الشرق الأوسط)
TT

رشيد مشهراوي: «حرب غزة» غيّرت أولوياتي في صناعة السينما

رشيد مشهراوي في مهرجان الجونة السينمائي (الشرق الأوسط)
رشيد مشهراوي في مهرجان الجونة السينمائي (الشرق الأوسط)

قال المخرج الفلسطيني رشيد مشهراوي إن الحرب الإسرائيلية على بلاده غيّرت أولوياته بصفته سينمائياً، فأرجأ جميع مشروعاته، لكنه على الطرف الآخر قاد مبادرات سينمائية عدة، على غرار مشروع «أفلام من المسافة صفر» الذي عُرضت أعماله بنحو 350 مكاناً بالعالم.

وأضاف مشهراوي، في حواره مع «الشرق الأوسط»، أن «فلسطين كسبت الحرب الإعلامية على إسرائيل، بفضل السينما ووسائط إعلامية، بعدما نقلت الأفلام كثيراً من حكايات الحرب في غزة»، مؤكداً أن «صورة الاحتلال الصهيوني باتت سيئة بمختلف دول العالم، وأن الحرب حَتّمت عليهم بصفتهم فلسطينيين طرح صورة وصوت غزة في جميع دول العالم».

ويشارك مشهراوي منتجاً لفيلم «المواطن أسامة» الذي ينافس في المسابقة الطويلة للأفلام الوثائقية بالدورة التاسعة لمهرجان الجونة السينمائي المنعقدة حالياً، ويكشف عن حماسه للفيلم قائلاً: «أردنا أن نحكي من خلاله قصة أكثر من 250 صحافياً غزياً استشهدوا جراء استهداف متعمّد خلال الحرب على غزة، ورأينا أن نتخذ من المواطن أسامة نموذجاً لنحكي قصة هؤلاء الصحافيين الذين يتعامل معهم الإعلام بوصفهم أرقاماً، وأنا لست منتجاً وصاحب شركة، بل سينمائي بالأساس وأشارك بالفكرة وتطويرها، ورأينا أن نطرح من خلال بطله حياته بوصفه إنساناً لديه أسرة، وعليه أن يفي باحتياجاتها في ظل الحرب، وأن يؤدي عمله لينقل الحقيقة، وكنت مع الفيلم خلال عرضه الأول بمهرجان فينيسيا، وقد لاقى ردود فعل داعمة».

ويلفت إلى أن مخرج الفيلم أحمد حسونة صنع معه فيلماً قصيراً وجميلاً بعنوان «عذراً أيتها السينما» ضمن «أفلام المسافة صفر»، وقبل ذلك كان قد أخرج فيلمه الروائي الطويل «استروبيا» ثم «المواطن أسامة»، لكنه، مثل كل مخرجي غزة، لا يستطيع الخروج من القطاع، مشيراً إلى مشاركة الفيلم في مهرجانات أخرى، ومن بينها «شيكاغو» و«لوس أنجليس» و«سان فرانسيسكو» في الولايات المتحدة، كما يخوض منافسات «الأوسكار» لعام 2027 ممثلاً لفلسطين عن فئتَي «أفضل فيلم دولي» و«أفضل وثائقي».

يُعد رشيد مشهراوي صاحب مبادرات عديدة للدفع بأجيال جديدة من السينمائيين في غزة، ومن بينها «أفلام من المسافة صفر» التي أطلقها مع بدء الحرب في 2023، وأسفرت عن أفلام عديدة. كما أطلق بعدها «أفلام المسافة صفر وأقرب»، وأنشأ مدرسة «مشهراوي للسينما» في غزة التي يقوم بالتدريس بها سينمائيون من مختلف دول العالم، ويقول إن «الدفعة الأولى منها شاركت في ورشة تحت عنوان (صباح الخير يا غزة) أنتجت 11 فيلماً لشباب غزي، كما أُقيم مهرجان سينمائي للأطفال ليكون بمثابة دعم نفسي لهم».

فيلم «المواطن أسامة» يُعرض في الجونة (الشرق الأوسط)

ويضيف: «الحرب امتدت كثيراً والأخبار تتكرر، والناس تعتاد، ولذا يهمنا أن يظل المشروع الفلسطيني مطروحاً في أفلامنا، وأنا أحكي سينمائياً، يظل المشروع الفلسطيني معروضاً، أرغب وأرغب في تطوير السينما والسينمائيين في غزة، وأشارك في حكاياتها عبر السينما مع العالم».

وحول مدى تأثير الحرب إيجابياً على السينما الفلسطينية، يقول مشهراوي: «لو أنني في حالة اختيار فسأقول ليت ما كانت الحرب ولا فقدنا كل هؤلاء الضحايا ولا البلد ولا عشنا هذا الدمار والصدمات النفسية، لكن الحرب غيّرتنا بصفتنا سينمائيين، وجعلتنا نعمل على أن تصل غزة صوتاً وصورة للعالم، فقد عُرضت أفلام (من المسافة صفر) في أكثر من 350 مهرجاناً ومنظمة دولية على غرار (اليونيسكو) و(هيئة الأمم المتحدة) وجامعات عالمية، وبخلاف الحرب التي تصير على الأرض، فقد كسبنا الحرب الإعلامية بيننا وبين الاحتلال خارج فلسطين، وبات وضع الاحتلال الصهيوني سيئاً في كل العالم، بفضل السينما والوسائط الإعلامية».

ويُبدي مشهراوي سعادته بدعم أفلام النازحين واللاجئين عبر مبادرة «الملاذ الآمن» التي انضم إليها مهرجان «الجونة السينمائي»، مؤكداً أنها نافذة مهمة للغاية، لأن السينمائيين الذين يعيشون اللجوء والنزوح ليس لديهم وطن يستندون إليه مثل صناع الأفلام المستقرين في بلادهم، من هنا تأتي أهمية هذه المبادرة التي تُسهم في إظهار أعمالهم للنور.

وكشف المخرج الفلسطيني عن أنه يتطلع إلى أن يستعيد نشاطه مخرجاً من خلال مسلسل عن غزة مكون من 10 حلقات بعنوان «ولاد البلد»، يجري الإعداد له حالياً في مرحلة الكتابة، «وهو إنتاج مشترك مع مصر، ويضم ممثلين من مختلف الدول العربية»، حسبما يؤكد.

وتظل غزة حاضرة في حديثه الذي يختتمه بقوله: «وُلدت بها وأنتمي إليها، وكل ذكرياتي فيها، وبيتي الذي تعرض للقصف بها خلال العام الماضي، سأجعله مقراً لمدرسة السينما، لأن الاحتلال يريد إغلاق أفواهنا، لكننا سنفتح عبر أفلامنا ملايين الأفواه».


غسان سلامة لـ«الشرق الأوسط»: ترميم تراثنا المتضرّر قد يستغرق جيلاً كاملاً

أُطلقت المنصة من المكتبة الوطنية في بيروت (وزارة الثقافة)
أُطلقت المنصة من المكتبة الوطنية في بيروت (وزارة الثقافة)
TT

غسان سلامة لـ«الشرق الأوسط»: ترميم تراثنا المتضرّر قد يستغرق جيلاً كاملاً

أُطلقت المنصة من المكتبة الوطنية في بيروت (وزارة الثقافة)
أُطلقت المنصة من المكتبة الوطنية في بيروت (وزارة الثقافة)

صور العائلة ومنازلها، ومقاطع الفيديو، والرسائل المكتوبة، إلى جانب المقابلات والحوارات والأغنيات القديمة، باتت تجد مساحة جديدة للحفظ عبر منصة رقمية أطلقتها وزارة الثقافة اللبنانية مؤخراً تحت عنوان «أرشفة تراث لبنان»، لتجمع ذكريات الأفراد والعائلات وتصونها بوصفها جزءاً من الذاكرة الجماعية للبلاد.

أُطلقت المنصة من المكتبة الوطنية، وتهدف إلى إنشاء أرشيف عالمي رقمي للتراث اللبناني، يُعنى بحفظ التراث المادي وغير المادي، والطبيعي والشخصي، ونقله إلى الأجيال المقبلة.

ويأتي المشروع ثمرة تعاون بين وزارة الثقافة والمعهد الدولي للتراث وجهات دولية أخرى. وهو عبارة عن أرشيف رقمي مفتوح أمام مساهمات اللبنانيين المقيمين والمغتربين، وكذلك أمام كل من يمتلك شهادات عن تاريخ البلاد، في مبادرة تهدف إلى تكريم الذاكرة الجماعية وحمايتها من الاندثار. وقد عُرض المشروع بحضور الوزير غسان سلامة، والسفير الإيطالي في لبنان فابريزيو مارسيلي، ورئيس هيئة التراث العالمي سيرجيو إيوفينو، والمدير العام للآثار في لبنان سركيس خوري.

كنوز لبنان مخبأة في المنازل

وفي حديث لـ«الشرق الأوسط»، يؤكد الوزير سلامة أن الحرب الأخيرة ألحقت أضراراً بالتراث المادي وغير المادي، وطالت مواقع أثرية وتراثية وأسواقاً تاريخية. ويضيف: «لا يمكنني حصر هذه الخسائر برقم معيَّن، إذ إنها تتجاوز بالتأكيد ملايين الدولارات، وقد يستغرق ترميمها جيلاً كاملاً».

ويرى سلامة أن آثار الحرب طالت جميع اللبنانيين، بصورة أو بأخرى. ويصف ذلك بأنه «سرقة للتاريخ الحميم، وهو تاريخ لا يُقدّر بثمن».

وزير الثقافة غسان سلامة يلقي كلمة بالمناسبة (وزارة الثقافة)

وعن ضرورة مواصلة المسيرة بما تبقّى من التراث، يوضح سلامة أن المسألة لا تُطرح من هذا المنطلق، بل من باب الحفاظ على ما نملكه من تراث، باستخدام تقنيات جديدة من شأنها إطالة عمر الصورة أو الوثيقة.

كما يلفت سلامة إلى أن ما يمتلكه الأفراد من عناصر ووثائق تراثية قد يفوق، من حيث الأهمية، ما تحتفظ به بعض الجهات الرسمية. ويوضح: «خلال تحضيراتنا لإقامة معرض (بين سطور الدستور)، بمناسبة المئوية الأولى للدستور اللبناني، اكتشفنا وثائق مهمة يحتفظ بها أفراد. وقد احتفظوا بها بحكم وظيفة أو عمل كان يمارسه الجد أو العم أو الأب. فهي بمثابة كنوز مخبّأة في البيوت ولدى العائلات. ولذلك يجب تقدير حجمها لأنه يفوق ما نملكه من تراث ملموس».

وعن آلية تسلّم المواد وحفظها وضمان حقوق أصحابها، يوضح سلامة: «نأخذ نسخة من الوثيقة أو الصورة أو أي مادة تراثية أخرى، لا أصلها. وإذا رغب المتبرّع في تقديم الأصل، يُسلَّم إلى المكتبة الوطنية لحفظه بأمان. كذلك، نوقّع تعهداً خطياً يصون حقوقه في الملكية الفكرية، فتبقى محفوظة له وحده، مع حقه في سحب المادة من المنصة متى شاء».

المتبرّع يختار مستوى السرية وإتاحة المواد

يتمتع المتبرِّع بحرية اختيار مستوى السرية ومدى إتاحة المواد التي يقدّمها. ويشير رئيس هيئة التراث العالمي سيرجيو إيوفينو إلى أن إطلاق هذه المبادرة يعني تسليم مفاتيح بناء حصن رقمي حقيقي، ليس لملايين اللبنانيين في الاغتراب فحسب، بل أيضاً لجميع أصدقاء لبنان ومواطنيه في أنحاء العالم. ويتابع: «سيكون الأرشيف متاحاً لكل من يرغب في مشاركة مواده. ويحتفظ المتبرّعون بالملكية الكاملة لذكرياتهم، كما يمكنهم اختيار مستوى السرية الذي يناسبهم، بدءاً من حفظها في أرشيف محمي وخاص تماماً، وصولاً إلى منح الإذن بنشرها».

ذكرياتنا تسهم في إنقاذ ما تبقّى

من ناحيته، يرى المدير العام للآثار في لبنان المهندس سركيس خوري أن ما نفقده من تراث بسبب الحروب لا ينبغي أن يحبطنا. ويقول في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «قصتنا لا تتوقف عند هذا الفقدان أو عند الأضرار التي تلحق بتراثنا المادي أو غير المادي. فنحن من نصنع تراثنا، وهذا ما فعلناه عبر التاريخ. وذكرياتنا هي التي تسهم في إنقاذ ما تبقّى».

إيطاليا تواصل دعم ترميم المعالم التراثية في لبنان

الوزير سلامة مع السفير الإيطالي فابريزيو مارسيلي في حفل إطلاق المنصة (وزارة الثقافة)

وفي كلمة ألقاها بالمناسبة، أكد السفير الإيطالي في لبنان فابريزيو مارسيلي أن إيطاليا التزمت، في أكثر من مناسبة، دعم التراث اللبناني والمساهمة في ترميمه. واستشهد بمشاركتها في ترميم متحف بيروت ومتاحف أخرى تضرَّرت جراء انفجار المرفأ، مشيراً إلى مشاركتها مؤخراً في ترميم محطة القطار التاريخية في مار مخايل، بالتعاون مع منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) والمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. وأضاف مارسيلي: «هذه مشروعات مختلفة تماماً، لكنها تشترك في هدف واحد، هو الحفاظ على الشهادات التاريخية وإتاحتها للجمهور. أما المبادرة الحالية، فتنقلنا إلى عالم مختلف، إذ تنتقل بنا من تاريخ المعالم والمؤسسات إلى تاريخ الأفراد والعائلات والمجتمعات».

ويتابع أن التاريخ المُصغَّر يحتل بدوره أهمية كبيرة، لأنه لا يُركِّز حصرياً على التطورات السياسية الكبرى، أو الحروب، أو المؤسسات، أو الشخصيات البارزة، بل يدرس تجارب الأفراد والمجتمعات التي ينتمون إليها.

ويختم مارسيلي قائلاً: «تقوم الفكرة الأساسية على أن دراسة حدث يبدو هامشياً، أو شخص عادي، أو مجتمع صغير، يمكن أن تكشف أموراً مهمة عن كيفية عمل مجتمع بأكمله».