المصالح المشتركة بين الولايات المتحدة والمكسيك... ما زالت أكبر من الخلافات

بعد قرنين من العلاقات بين الجارين الأميركيين الكبيرين

توقيفات وصخب على الحدود الأميركية - المكسيكية  (أ.ف.ب)
توقيفات وصخب على الحدود الأميركية - المكسيكية (أ.ف.ب)
TT

المصالح المشتركة بين الولايات المتحدة والمكسيك... ما زالت أكبر من الخلافات

توقيفات وصخب على الحدود الأميركية - المكسيكية  (أ.ف.ب)
توقيفات وصخب على الحدود الأميركية - المكسيكية (أ.ف.ب)

يفيد التقرير السنوي الأخير، الذي صدر عن المنظمة العالمية للهجرة، بأن المكسيك بدأت منذ العام الماضي تنافس الهند على صدارة قائمة البلدان المصدّرة للهجرة في العالم. وأنها غدت دولة «مصدر» و«عبور» و«مقصد» لما يزيد عن 16 مليون مهاجر سنوياً، يسعون إلى اجتياز حدودها مع الولايات المتحدة التي تمتد على مسافة 3200 كلم، معظمها على ضفاف نهر الريّو برافو (أو «الريّو غراندي» كما يعرف في الولايات المتحدة). وتفيد بيانات المكتب الفيدرالي المكسيكي للهجرة بأن العدد الإجمالي للمهاجرين المكسيكيين في العام الماضي بلغ 11.9 مليون، منهم 97 في المائة في الولايات المتحدة، حيث يقيم حالياً أكثر من 24 مليون مكسيكي يحمل ثلاثة أرباعهم الجنسية الأميركية. ولعل هذه الأرقام وحدها تكفي لوضع العلاقات الأميركية - المكسيكية، السياسية والاقتصادية، تحت مظلّة الهجرة التي منذ عقود تحدّد مسار هذه العلاقات وتملي معظم شروطها. وللعلم، فهي، محكومة دائماً بتعايش إلزامي وضروري يفرضه الجوار بقدر ما تقتضيه المصالح التجارية والاقتصادية المشتركة.
أواخر العام الماضي احتفلت الولايات المتحدة والمكسيك بالذكرى المئوية الثانية لإنشاء العلاقات الدبلوماسية بين البلدين. وفي هذه المناسبة تبادل الرئيس الأميركي جو بايدن ونظيره المكسيكي مانويل لوبيز أوبرادور، رسائل تذكارية حافلة بعبارات المجاملة التقليدية والنيات الحسنة، ومستحضرة شواهد عديدة على مراحل التضامن والتحالف بينهما. غير أن رسالة أوبرادور، المعروف بنزعة قومية جارفة غير مسبوقة عند أسلافه من الرؤساء المكسيكيين، حملت إشارة تاريخية تذكّر بالتدخلات العسكرية الأميركية المتكررة التي تسببت في خسارة المكسيك نصف أراضيها تقريباً لصالح «جارتها العملاقة» بموجب اتفاقات وقعتها مُجبرة تحت وطأة الهزائم الحربية والابتزازات السياسية.
تلك المرحلة من التاريخ الدامي بين البلدين محفورة في عمق الذاكرة القومية المكسيكية، وتتردد أصداؤها باستمرار مع نشوب كل أزمة بين البلدين. والحال، أن هذه المرحلة الدامية امتدت لسنوات أواسط القرن التاسع عشر وانتهت بالمفاوضات التي وضعت حداً لسلسلة من المواجهات العسكرية. وكانت آخر المواجهات الحرب التي منيت فيها المكسيك بهزيمة نكراء، أدت إلى اضطرارها لـ«بيع» الولايات المتحدة الأراضي التي تقوم عليها راهناً ولايات كاليفورنيا ونيو مكسيكو وآريزونا وتكساس ونيفادا ويوتاه، مع بعض أجزاء ولايتي وايومينغ وكولورادو. وبالتالي، بموجب المعاهدة التي وُقّعت عام 1848 جرى ترسيم الحد الفاصل بين البلدين عند نهر الريّو برافو... أي «النهر الهادر».

اعتراف... ثم حرب
في عام 1822، كانت الولايات المتحدة أول دولة تعترف بالمكسيك، وتقيم معها علاقات دبلوماسية، بعدما نالت الأخيرة استقلالها عن إسبانيا في أعقاب حرب تحرير طويلة دامت أكثر من عشرين سنة. ولكن سرعان ما ظهرت الخلافات السياسية بين البلدين الجارين. وازدادت حدتها مع بروز المطامع التوسعية الأميركية التي حاولت الاستفادة من الصراعات الداخلية المكسيكية، ما أدى إلى قطع العلاقات بين البلدين غير مرة. وبعدها نشبت بين الجانبين حرب مفتوحة كان تفوّق الجانب الأميركي فيها واضحاً منذ بدايتها. والحقيقة أنه كانت هناك نيّة لدى بعض النافذين بين الساسة الأميركيين - يومذاك - في احتلال المكسيك بكاملها وتوسيع الأراضي المخصصة للعبيد، إلا أن الزعماء الجنوبيين رفضوا الفكرة في حينه بسبب التباين الاجتماعي والسياسي العميق بين الشعبين والمخاوف من حدوث اضطرابات لاحقة.
وثائق وزارة الخارجية المكسيكية تفيد بأن المكسيك كانت قرّرت عام 1830 منع هجرة الأميركيين إلى تكساس - التي كانت يومذاك تابعة لها - وذلك لوقف تدفّق «المستعمرين» الناطقين باللغة الإنجليزية الذين كانوا يتوافدون إليها بأعداد كبيرة. إلا أن ذلك لم يحُل دون إعلان تكساس استقلالها عن المكسيك عام 1836، ثم اعتراف الولايات المتحدة بها في العام التالي، وهو ما أطلق شرارة الحرب بين البلدين.
في أعقاب الهزيمة الكارثية التي لحقت بالجيوش المكسيكية في الحرب مع الولايات المتحدة، وفقدان المكسيك نصف أراضيها تقريباً، نشبت صراعات داخلية شديدة بين القوى السياسية المكسيكية دفعت بالمحافظين إلى الاستنجاد بالإمبراطور الفرنسي نابوليون الثالث لمساعدتهم على إسقاط الجمهورية الليبرالية التي كان يرأسها بينيتو خواريز. من جهة ثانية، إضافة إلى تجاوب فرنسا مع طلب المساعدة، فإنها دعمت الانفصاليين الجنوبيين الأميركيين الذين أعلنوا «استقلال الولايات الكونفدرالية» الأميركية... ولكن من دون أن تعترف بهم دبلوماسياً، مع أنها كانت تتوقع انتصارهم في الحرب ما سيسهل عليها أن تسيطر اقتصادياً على المكسيك. ولكن عندما تبيّن أن الولايات المتحدة ليست مستعدة للتدخل في الصراع المكسيكي الداخلي، قامت باجتياح المكسيك وعيّنت الأمير النمساوي ماكسميليانو الأول إمبراطوراً على المكسيك عام 1864.
بعدها، ما أن انتهت الحرب الأهلية الأميركية بهزيمة «الكونفيدراليين الجنوبيين» في العام التالي، حتى أعلن الرئيس الأميركي «المنتصر» أبراهام لنكولن - الذي كانت تربطه علاقة شخصية وسياسية وطيدة بالرئيس المكسيكي بينيتو خواريز - وقوفه بجانب «الشرعية» المكسيكية، وهدّد نابوليون بالتدخل العسكري المباشر لدعمها. عندها أذعنت فرنسا وقررت سحب جيوشها التي كانت قد أخذت تتعرض للهزائم على جبهات مكسيكية عدة.

حقبة العلاقات المتينة
تلك التطورات مهّدت لحقبة طويلة من العلاقات المتينة بين الولايات المتحدة - التي لم تكن بعد قد بلغت صدارة القوى العسكرية والاقتصادية العالمية – و«جارتها» اللاتينية التي كانت تمدّها باليد العاملة لتشغيل محركات التنمية الأميركية التي انطلقت بعد الحرب الأهلية للعمل بكل طاقاتها. وحقاً، كان العمال المكسيكيون يشكلون 60 في المائة من اليد العاملة التي بنت شبكة السكك الحديدية الأميركية مطالع القرن الماضي. وإبان الحرب العالمية الثانية توطّدت هذه العلاقة عندما وقفت المكسيك بجانب قوات الحلفاء ضد ألمانيا واليابان، وكانت من البلدان القليلة في أميركا اللاتينية التي لم تلجأ إليها القيادات النازية بعد هزيمة ألمانيا عام 1945.
وحتى بداية العقد الأخير من القرن الماضي، بقيت العلاقات الأميركية - المكسيكية محكومة بشروط التعايش ضمن إطار من «البراغماتية» التي تفرضها الاحتياجات الاقتصادية والأمنية المتبادلة، وإن كانت تعكّرها من حين لآخر أزمات حول مكافحة تجارة المخدرات، أو تشديد واشنطن تدابيرها لمواجهة الهجرة، أو تباين في المواقف حيال بعض الأوضاع الإقليمية.
غير أنه مع تنامي تدفقات الهجرة من بلدان أميركا الوسطى باتجاه الولايات المتحدة عبر الحدود مع المكسيك، التي بلغت ذروتها مع تدهور الأوضاع الاقتصادية والمعيشية والسياسية في تلك البلدان، تحوّلت المكسيك إلى منصة الانتظار والعبور الإقليمية لمئات الآلاف من المهاجرين الساعين إلى سوق العمل الأميركية، مع كل ما يترتب على تلك التدفقات من مشكلات أمنية وإنسانية. إلى جانب ذلك، كان ملف الهجرة يرقى إلى العناوين الرئيسة في جميع الحملات الانتخابية الأميركية، بعدما أصبح عاملاً مرجحاً في نتائجها، تارة لاستقطاب أصوات اليمين المحافظ الذي يطالب بتشديد شروط الدخول إلى الأراضي الأميركية وطرد المهاجرين غبر الشرعيين... وطوراً لاجتذاب الناخبين المتحدرين من أصول لاتينية الذين صاروا قوة ناخبة يعتدّ بها في معظم الولايات الكبرى، سواء في الانتخابات التشريعية أو الرئاسية.

تفاهم على تنظيم الهجرة
في مطلع القرن الحالي، اتفقت واشنطن ومكسيكو سيتي على إرساء قواعد اتفاق واسع ينظّم حركة الهجرة وشروطها بما يتناسب مع المصالح المشتركة للطرفين، ويحدد إطاراً لإدارتها وضبطها في الأمد الطويل. غير أنه لم يكن قد مضى سوى بضعة أشهر على ذلك الاتفاق الذي أعلنه عن الجانب الأميركي الرئيس الأسبق جورج بوش الابن، وعن الجانب المكسيكي الرئيس الأسبق فيسنتي فوكس، حتى وقعت هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001، إذ تحولت بعدها الولايات المتحدة إلى «حصن منيع» حال دون معالجة أوضاع ملايين المهاجرين على طرفي الحدود بين البلدين وتسويتها، كما كان قد نص الاتفاق الموقع قبل أشهر. ثم كان الموقف المكسيكي الرافض للانضمام إلى التحالف الدولي الذي قادته واشنطن في «غزو العراق» عام 2003 ليقضي على آخر آمال التقارب بين الطرفين. وهكذا فُتحت مرحلة جديدة من التوتر لم تسلم منها علاقات واشنطن مع الأنظمة الأميركية اللاتينية القريبة من المكسيك.
من جهة ثانية، وراء المواقف والتصريحات العلنية التي كانت تشتدّ حدتها وتخفّ حسب مقتضيات الأوضاع الداخلية على طرفي الحدود، كان هناك دائماً واقع لا يشير أحد إليه في البيانات الرسمية. وهو أن احتياجات سوق العمل الأميركية هي التي تحدد، أكثر من أي عامل آخر، سياسات الهجرة الفعلية، وتستوعب - بصورة شرعية أو غير شرعية - المهاجرين الساعين وراء لقمة العيش في أكبر اقتصاد عالمي... يدرك جيداً أنه لا يستطيع النمو من دونهم.
وهكذا، درجت الولايات المتحدة والمكسيك منذ أواخر القرن الفائت على التكيّف مع وضع العلاقات المشتركة ضمن إطار مزدوج يفصل بين الخطاب السياسي والانتخابي، الذي نادراً ما يخلو من الانتقاد أو الملامة أو التهديد، والواقع الذي يتميّز باستقرار متواصل على الصعيدين الاقتصادي والاجتماعي.
وتكفي لتأكيد هذه المعادلة التي استقرّت عليها العلاقات الثنائية في السنوات الأخيرة، العودة إلى حالتين: الأولى، تميّز المواقف المعلنة لإدارة الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما من الهجرة باعتدال غير مسبوق، لكنها كانت - في الوقت ذاته - تحطم الأرقام القياسية بعدد المهاجرين الذين أعادتهم إلى بلدانهم. والثانية، التصريحات النارية التي صدرت عن الرئيس السابق دونالد ترمب ضد المكسيك وتهديداته بإجبارها على تمويل بناء «الجدار الفاصل» على الحدود ومعاقبة الشركات الأميركية التي تستثمر في المكسيك، بدلاً عن الولايات المتحدة، ومع ذلك لم ينقطع تعاقد المؤسسات والشركات الأميركية مع المهاجرين المكسيكيين غير الشرعيين، ولم تفرض واشنطن أي عقوبات اقتصادية على «جارتها»، ولم تخرج العلاقات الثنائية عن إطار الجفاء والفتور في أسوأ المراحل.
وحالياً، مع وصول لوبيز أوبرادور إلى رئاسة المكسيك وجو بايدن إلى البيت الأبيض، دخلت العلاقات الأميركية - المكسيكية مرحلة من الانفراج كانت مراكز النفوذ الاقتصادي في البلدين تطالب بها في السر والعلن. وازدادت المطالبة بعد توقيع الاتفاق الأخير للتجارة الحرة بين الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، وتنامي مخاوف واشنطن من اختراق صيني واسع للسوق المكسيكية على غرار التمدد الحاصل في العديد من بلدان أميركا اللاتينية. ومعلوم أن التمدد الصيني هذا جاء غالباً على حساب الشركات الأميركية التي كانت الأسواق المجاورة حكراً لها طوال عقود. كذلك بات واضحاً بعد صعود القوى اليسارية إلى الحكم في معظم دول أميركا اللاتينية، من الأرجنتين إلى البرازيل، ومن كولومبيا إلى تشيلي وبوليفيا، أن العلاقات مع المكسيك هي أيضاً مفتاح لتوطيد العلاقات مع هذه الدول التي تنفتح أسواقها باطراد على الاقتصاد الصيني. ولقد تبيّن ذلك بوضوح عندما فشلت قمة البلدان الأميركية الأخيرة التي استضافتها الولايات المتحدة في لوس أنجليس العام الماضي في تحقيق أي نتائج ملموسة، بعدما قاطعتها المكسيك احتجاجاً على الامتناع عن دعوة فنزويلا وكوبا ونيكاراغوا.

من لقاء الرئيسين بايدن ولوبيز أوبرادور في العاصمة المكسيكية خلال فبراير الفائت (أ.ف.ب)

علاقات ثنائية متينة... رغم متاعب قضيتي الهجرة والمخدرات
> كانت الولايات المتحدة والمكسيك قد تعهدتا خلال «القمة الثلاثية» مع كندا، مطلع هذا العام، بمعالجة مشكلة الهجرة انطلاقاً من جذورها في البلدان المجاورة مثل السلفادور وهندوراس وغواتيمالا وبليز. وأعربت المكسيك عن استعدادها لمضاعفة جهود ضبط التدفقات من هذه البلدان وحصرها بالذين يطلبون فيها حق اللجوء إلى الولايات المتحدة، ولكن مقابل تعهد واشنطن بزيادة المساعدات إلى المكسيك لاستضافة طالبي اللجوء على أراضيها ريثما تبتّ طلباتهم. ومن جهتها، أعلنت إدارة بايدن عن استعدادها لاستقبال 30 ألف مهاجر شهرياً من فنزويلا وكوبا ونيكاراغوا وهاييتي... شريطة أن يكون لهم مَن يستقبلهم ويرعاهم في الولايات المتحدة.
ومن المؤشرات الأخرى الواضحة على متانة الانفراج الذي دخلت فيه العلاقات بين واشنطن ومكسيكو سيتي، وصمودها في وجه الأحداث الصادمة، تسليم كبير تجار المخدرات المكسيكيين إلى السلطات الأميركية، ثم محاكمة خينارو غارسيا لونا في نيويورك بعدما كان المسؤول الأول عن أجهزة الأمن المكسيكية المكلفة مكافحة تجارة المخدرات وملاحقة المنظمات الإجرامية، وهذا، بينما كانت السلطات الأميركية تعلن أنها اعتقلت ما يزيد عن مليون شخص العام الماضي على الحدود مع المكسيك، أي ما يزيد بنسبة 11 في المائة عن العام الماضي.
هذا الانفراج الظاهر في العلاقات الثنائية، يرجح أن يصبّ في مصلحة الديمقراطيين على أبواب الانتخابات الرئاسية الأميركية العام المقبل. بيد أن الجمهوريين - وبالذات، الجناح اليميني المتشدد المؤيد للرئيس السابق دونالد ترمب - يجازفون الآن بتعكير هذه العلاقات بدفعهم في الكونغرس إلى إعلان «كارتيلات» المخدرات المكسيكية «منظمات إرهابية». وهذا من منطلق اتهامها بـ«إغراق السوق الأميركية بالمخدرات الصناعية»، التي تتسبب بوقوع أعداد كبيرة من الضحايا في الولايات المتحدة. وهنا تجدر الإشارة إلى أن أزمة «الأفيونيات» التي صنّفتها وزارة الصحة الأميركية بمثابة وباء وحالة طوارئ صحية، أوقعت العام الماضي 107 قتلى، حسب الأرقام الرسمية.
أما على الضفة المكسيكية، فقد استدعى هذا التحرك الذي يقوم به الجناح المتشدد في الحزب الجمهوري الأميركي «تعبئة دبلوماسية» مكسيكية غير مسبوقة. إذ هدّد الرئيس المكسيكي لوبيز أوبرادور، بدعوة المكسيكيين في الخارج إلى الإحجام عن تأييد الحزب الجمهوري في الانتخابات المقبلة ما لم يغيّر الجمهوريون موقفهم. واليوم تخشى السلطات المكسيكية أن يكون إعلان «كارتيلات» المخدرات «منظمات إرهابية» مبرراً لعمليات عسكرية أميركية لملاحقتها وضربها داخل الأراضي المكسيكية.
وبالفعل، باشرت المكسيك مطلع هذا الأسبوع حملة دبلوماسية واسعة لتفنيد الانتقادات التي تعرّضت لها من الجمهوريين المتشددين في الكونغرس الأميركي ضد سياستها الأمنية، مستغلّة محاكمة غارسيّا لونا لجعلها محاكمة للنظام الأمني المكسيكي بكامله. وقالت الخارجية المكسيكية، إنها جاهزة لتعبئة أكثر من 500 قنصلية تابعة لها في الولايات المتحدة - تشكل أكبر شبكة قنصلية في العالم - لتحفيز الأميركيين المتحدرين من أصول مكسيكية على التصويت ضد الحزب الجمهوري. كذلك، أعلن وزير الخارجية المكسيكي مارسيلو إيبرارد، وهو المرشح الأوفر حظاً لخلافة لوبيز أوبرادور، أنه لن يسمح بالاعتداء على المكسيك. مع أنه حرص على التأكيد على أن العلاقات مع واشنطن في أحسن حالاتها، وأن بلاده هي الحليف الأول للولايات المتحدة في الحرب على المخدرات.
وفي هذا السياق، تفيد آخر البيانات الأميركية بأن المكسيك استعادت العام الماضي موقعها كأول شريك تجاري للولايات المتحدة، قبل الصين وكندا. إذ تجاوز حجم المبادلات التجارية 640 مليار دولار أميركي لأول مرة في تاريخ العلاقات بين البلدين. وأيضاً أفادت البيانات المكسيكية بأن عائدات السياحة الأميركية إلى المكسيك بلغت 12 مليار دولار في عام 2022، وتوقعت ارتفاعاً قياسياً هذه السنة في الاستثمارات الأميركية بالقطاع الصناعي المكسيكي.


مقالات ذات صلة

الكونغرس الأميركي يُحقّق في «أخلاقيات» المحكمة العليا

الولايات المتحدة​ الكونغرس الأميركي يُحقّق في «أخلاقيات» المحكمة العليا

الكونغرس الأميركي يُحقّق في «أخلاقيات» المحكمة العليا

تواجه المحكمة العليا للولايات المتحدة، التي كانت تعدّ واحدة من أكثر المؤسّسات احتراماً في البلاد، جدلاً كبيراً يرتبط بشكل خاص بأخلاقيات قضاتها التي سينظر فيها مجلس الشيوخ اليوم الثلاثاء. وتدور جلسة الاستماع، في الوقت الذي وصلت فيه شعبية المحكمة العليا، ذات الغالبية المحافظة، إلى أدنى مستوياتها، إذ يرى 58 في المائة من الأميركيين أنّها تؤدي وظيفتها بشكل سيئ. ونظّمت اللجنة القضائية في مجلس الشيوخ، التي يسيطر عليها الديمقراطيون، جلسة الاستماع هذه، بعد جدل طال قاضيين محافظَين، قبِل أحدهما وهو كلارنس توماس هبة من رجل أعمال. ورفض رئيس المحكمة العليا جون روبرتس، المحافظ أيضاً، الإدلاء بشهادته أمام الك

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الجمود السياسي بين البيت الأبيض والكونغرس يثير ذعر الأسواق المالية

الجمود السياسي بين البيت الأبيض والكونغرس يثير ذعر الأسواق المالية

أعلن رئيس مجلس النواب الأميركي كيفين مكارثي قبول دعوة الرئيس جو بايدن للاجتماع (الثلاثاء) المقبل، لمناقشة سقف الدين الأميركي قبل وقوع كارثة اقتصادية وعجز الحكومة الأميركية عن سداد ديونها بحلول بداية يونيو (حزيران) المقبل. وسيكون اللقاء بين بايدن ومكارثي في التاسع من مايو (أيار) الجاري هو الأول منذ اجتماع فبراير (شباط) الماضي الذي بحث فيه الرجلان سقف الدين دون التوصل إلى توافق. ودعا بايدن إلى لقاء الأسبوع المقبل مع كل من زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ تشاك شومر (ديمقراطي من نيويورك)، وزعيم الأقلية في مجلس النواب ميتش ماكونيل (جمهوري من كنتاكي)، وزعيم الأقلية في مجلس النواب حكيم جيفريز (ديمقراطي م

هبة القدسي (واشنطن)
الولايات المتحدة​ شاهد.... مراهق أميركي ينقذ حافلة مدرسية بعد فقدان سائقها الوعي

شاهد.... مراهق أميركي ينقذ حافلة مدرسية بعد فقدان سائقها الوعي

تمكّن تلميذ أميركي يبلغ 13 سنة من إيقاف حافلة مدرسية تقل عشرات التلاميذ بعدما فقد سائقها وعيه. وحصلت الواقعة الأربعاء في ولاية ميشيغان الشمالية، عندما نهض مراهق يدعى ديلون ريفز من مقعده وسيطر على مقود الحافلة بعدما لاحظ أنّ السائق قد أغمي عليه. وتمكّن التلميذ من إيقاف السيارة في منتصف الطريق باستخدامه فرامل اليد، على ما أفاد المسؤول عن المدارس الرسمية في المنطقة روبرت ليفرنوا. وكانت الحافلة تقل نحو 70 تلميذاً من مدرسة «لويس أي كارتر ميدل سكول» في بلدة وارين عندما فقد السائق وعيه، على ما ظهر في مقطع فيديو نشرته السلطات.

يوميات الشرق أول علاج بنبضات الكهرباء لمرضى السكري

أول علاج بنبضات الكهرباء لمرضى السكري

كشفت دراسة أجريت على البشر، ستعرض خلال أسبوع أمراض الجهاز الهضمي بأميركا، خلال الفترة من 6 إلى 9 مايو (أيار) المقبل، عن إمكانية السيطرة على مرض السكري من النوع الثاني، من خلال علاج يعتمد على النبضات الكهربائية سيعلن عنه للمرة الأولى. وتستخدم هذه الطريقة العلاجية، التي نفذها المركز الطبي بجامعة أمستردام بهولندا، المنظار لإرسال نبضات كهربائية مضبوطة، بهدف إحداث تغييرات في بطانة الجزء الأول من الأمعاء الدقيقة لمرضى السكري من النوع الثاني، وهو ما يساعد على التوقف عن تناول الإنسولين، والاستمرار في التحكم بنسبة السكر في الدم. وتقول سيلين بوش، الباحثة الرئيسية بالدراسة، في تقرير نشره الجمعة الموقع ال

حازم بدر (القاهرة)
آسيا شويغو: روسيا تعزز قواعدها في آسيا الوسطى لمواجهة أميركا

شويغو: روسيا تعزز قواعدها في آسيا الوسطى لمواجهة أميركا

نقلت وكالة الإعلام الروسية الحكومية عن وزير الدفاع الروسي سيرغي شويغو قوله، اليوم (الجمعة)، إن موسكو تعزز الجاهزية القتالية في قواعدها العسكرية بآسيا الوسطى لمواجهة ما قال إنها جهود أميركية لتعزيز حضورها في المنطقة. وحسب وكالة «رويترز» للأنباء، تملك موسكو قواعد عسكرية في قرغيزستان وطاجيكستان، لكن الوكالة نقلت عن شويغو قوله إن الولايات المتحدة وحلفاءها يحاولون إرساء بنية تحتية عسكرية في أنحاء المنطقة، وذلك خلال حديثه في اجتماع لوزراء دفاع «منظمة شنغهاي للتعاون» المقام في الهند. وقال شويغو: «تحاول الولايات المتحدة وحلفاؤها، بذريعة المساعدة في مكافحة الإرهاب، استعادة حضورها العسكري في آسيا الوسطى

«الشرق الأوسط» (موسكو)

«خطوة غير مألوفة»... ترمب يستعين بعسكريين في الجهود الدبلوماسية بشأن إيران وأوكرانيا

الرئيس ‌الأميركي ‌دونالد ‌ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس ‌الأميركي ‌دونالد ‌ترمب (أ.ف.ب)
TT

«خطوة غير مألوفة»... ترمب يستعين بعسكريين في الجهود الدبلوماسية بشأن إيران وأوكرانيا

الرئيس ‌الأميركي ‌دونالد ‌ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس ‌الأميركي ‌دونالد ‌ترمب (أ.ف.ب)

استعان الرئيس الأميركي دونالد ترمب بقادة عسكريين في جهود دبلوماسية رفيعة المستوى، حيث أوفد القائد الأعلى للقوات الأميركية في الشرق الأوسط إلى المحادثات بشأن البرنامج النووي الإيراني، وجعل وزير الجيش مفاوضاً رئيسياً لإنهاء الحرب الروسية الأوكرانية.

وعدت شبكة «إيه بي سي نيوز» الأميركية قرار ترمب بمشاركة العسكريين في الجهود الدبلوماسية «خطوة غير مألوفة»، وقالت إن الأدميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية الأميركية، انضم لأول مرة إلى المحادثات الأميركية الإيرانية غير المباشرة، يوم الجمعة، في سلطنة عُمان، وظهر بزيّه العسكري الرسمي في إشارة إلى تعزيز الولايات المتحدة لقدراتها العسكرية في المنطقة.

قائد «سنتكوم» الأميرال براد كوبر خلال زيارة إلى إسرائيل بدعوة من رئيس الأركان إيال زامير لتعزيز التنسيق العسكري والشراكة الدفاعية بين الجانبين الأحد (الجيش الإسرائيلي - إكس)

وبينما استأنف وزير الجيش دان دريسكول دوره في المحادثات الروسية الأوكرانية، هذا الأسبوع، عمل على استمرار الحوار مع المسؤولين الأوكرانيين خلال فترات الراحة بين الجلسات.

وقالت إن تولي المبعوث الخاص ستيف ويتكوف وصهر ترمب، جاريد كوشنر، زمام المفاوضات الشائكة، واختيار إشراك قادة عسكريين - سواء لخبرتهم أو علاقاتهم أو للإشارة إلى خيارات أكثر صرامة - يعكس كيف قلبت الإدارة الجمهورية السياسة الخارجية والدبلوماسية الأميركية التقليدية رأساً على عقب.

وقالت إليسا إيورز، التي شغلت مناصب في الأمن القومي في إدارتي جورج دبليو بوش وأوباما، إن وضع قادة عسكريين في الخدمة الفعلية، مثل كوبر، في مناصب دبلوماسية يُظهر كيف قللت إدارة ترمب من شأن الدبلوماسيين المهرة وأدوات الدبلوماسية لصالح الاعتماد المفرط على الجيش في محاولة حل تحديات السياسة الخارجية.

وأضافت إيورز، الباحثة في شؤون الشرق الأوسط في مركز الأمن الأميركي الجديد: «غالباً ما يتطلب الأمر وقتاً وجهداً واستثماراً هائلين للوصول إلى مرحلة يمكن فيها القول إن الدبلوماسية قد نجحت».

وفي المقابل، أشارإليوت كوهين، الذي شغل منصب مستشار وزارة الخارجية في إدارة جورج دبليو بوش، إلى مشاركة جنرالات أميركيين في محادثات الحد من التسلح مع الاتحاد السوفياتي خلال الحرب الباردة.

وقال كوهين إن خطوة ترمب بإرسال دريسكول، القائد المدني الأعلى للجيش، كانت غير معتادة، لكنه أضاف: «الرؤساء يفعلون هذا النوع من الأمور».

وأوضح كوهين: «هناك تقليد عريق للرؤساء الأميركيين في استخدام شخصيات غير تقليدية كمبعوثين إذا كانوا يثقون بهم، ويعتقدون أنهم قادرون على إيصال الرسالة».

وهدفت المحادثات في سلطنة عُمان إلى تهدئة التوترات المتصاعدة بين إيران والولايات المتحدة، والتي تُبقي المنطقة على حافة الهاوية.

ووصف ترمب المحادثات بأنها «جيدة للغاية»، وأنه من المقرر عقد المزيد منها مطلع الأسبوع المقبل. لكنه حذر من أنه إذا لم تتوصل إيران إلى اتفاق بشأن برنامجها النووي، «فستكون العواقب وخيمة للغاية».

وقد هدد ترمب مراراً باستخدام القوة لإجبار إيران على التوصل إلى اتفاق، وأرسل حاملة الطائرات أبراهام لينكولن وسفناً حربية أخرى إلى المنطقة خلال حملة طهران الدموية لقمع الاحتجاجات في جميع أنحاء البلاد.

وقال مايكل أوهانلون، محلل الشؤون الدفاعية والسياسة الخارجية في معهد بروكينغز، إن حضور كوبر يهدف إلى «إظهار العزم والترهيب»، وكتب أوهانلون في رسالة بريد إلكتروني: «إن إشراك قائد القيادة المركزية الأميركية أمر غير معتاد، ويبدو أنه يهدف إلى توجيه رسالة أكثر من تعزيز قوة فريق التفاوض في المحادثات نفسها».

وأضاف أوهانلون: «لكن العلاقات متوترة وسيئة للغاية لدرجة أنني أشك في أن ذلك سيحدث فرقاً كبيراً، ما لم يجرِ الإيرانيون مراجعة جذرية لبرنامجهم النووي».

وقال مايكل سينغ، الذي شغل منصب مدير أول لشؤون الشرق الأوسط في مجلس الأمن القومي بالبيت الأبيض في عهد إدارة جورج دبليو بوش، إنه يرى أن حضور كوبر مرتبط أكثر بخبرته.

وأوضح سينغ أن ويتكوف وكوشنر ليسا خبيرين في الشأن الإيراني، بل هما شخصيتان عامتان تشاركان في محادثات دبلوماسية حول العالم، بينما يمتلك كوبر معرفة بالمنطقة وإمكانية الوصول إلى خبراء عسكريين قادرين على تقييم أي تنازلات مقترحة لبرنامج إيران النووي.

وتحدث كوبر بإسهاب عن القدرات النووية والعسكرية الإيرانية خلال جلسة استماع ترشيحه في يونيو (حزيران)، بعد وقت قصير من شن الولايات المتحدة ضربات على مواقع نووية رئيسية إيرانية.

وقال سينغ، المدير الإداري لمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى: «هذه قضايا فنية للغاية نتعامل معها. إنها ليست قضايا يمكن التعامل معها بشكل غريزي. سيتمكن الأدميرال كوبر من الوصول إلى هذه الخبرة بطريقة قد لا يمتلكها ويتكوف وكوشنر أو قد لا يختاران الوصول إليها».

و قال كوهين: «يجلب كوبر المعرفة والتهديد الضمني باستخدام القوة، وهو جزء من المفاوضات».

وفي نوفمبر(تشرين الثاني)، تم اختيار دريسكول فجأة للمفاوضات في محاولة لإنهاء الحرب الروسية المستمرة منذ ما يقرب من 4 سنوات في أوكرانيا، وكانت المحادثات آنذاك قد تعثرت، واستغل دريسكول رحلةً إلى أوكرانيا للقاء الرئيس فولوديمير زيلينسكي ومسؤولين حكوميين وعسكريين رفيعي المستوى ومنذ ذلك الحين، شارك دريسكول في عدة جولات تفاوضية أخرى، بما في ذلك جولة أبوظبي هذا الأسبوع.

وقال مصدر مُطّلع على المفاوضات إن دور دريسكول تمحور حول التنسيق بين الأوكرانيين ومسؤولي إدارة ترمب، مثل ويتكوف وكوشنر.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (يسار) يصافح وزير الجيش الأميركي دان دريسكول (أ.ف.ب)

وأوضح المصدر أن العلاقة مع الأوكرانيين كانت ثمرة قدرة دريسكول على استمرار الحوار بين جولات التفاوض، فضلاً عن خبرته العسكرية كقائد وضابط سابق في الجيش.

وخدم دريسكول كضابط مدرعات لأكثر من 3 سنوات، وحصل على رتبة ملازم أول. خدم في العراق من أكتوبر (تشرين الأول) 2009 إلى يوليو (تموز) 2010.

في أبوظبي، انضم إليه الجنرال الأميركي أليكسوس غرينكويتش، قائد القوات الأميركية وقوات حلف شمال الأطلسي في أوروبا، والذي أسهم في التفاوض على إعادة إطلاق حوار عسكري رفيع المستوى بين الولايات المتحدة وروسيا لأول مرة منذ 4 سنوات وجاء في بيان عسكري أميركي أن هذا الحوار «سيوفر اتصالاً عسكرياً مستمراً بين الطرفين في إطار مساعيهما لتحقيق سلام دائم».


لماذا تبدو عتبة النووي العالمي أخطر مما كانت عليه؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي دميتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي دميتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

لماذا تبدو عتبة النووي العالمي أخطر مما كانت عليه؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي دميتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي دميتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

لم يكن حديث الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن إعادة النظر في «التزامات» أميركا النووية مجرَّد سجال داخلي حول تكلفة الردع أو «لياقة» التعهدات. الجديد هذه المرة أن مسؤولين أميركيين انتقلوا من لغة التحذير إلى لغة الإجراء: اتهامٌ مباشر للصين بإجراء تفجير نووي سري عام 2020، وتأكيدٌ على أن واشنطن تستعد لاستئناف أنشطة/ اختبارات نووية «أسوة بالآخرين»، في لحظة يتفكك فيها آخر قيدٍ تعاقدي كبير على أكبر ترسانتين نوويتين في العالم، بعد انتهاء «نيو ستارت» في 5 فبراير (شباط) 2026.

هذه التطورات لا تعني تلقائياً أن العالم يتجه غداً إلى سلسلة تفجيرات نووية فوق الأرض على غرار الخمسينيات. ولكنها تعني، وبشكل ملموس، أن «القواعد غير المكتوبة» التي خفَّضت أخطار سوء التقدير خلال نصف قرن تتآكل بسرعة، وأن فكرة «العودة إلى التجربة» تُستخدم الآن كأداة ضغط تفاوضي وكإشارة ردعية في آن واحد. وهو خليط شديد الحساسية في بيئة استراتيجية مزدحمة بالشكوك والحروب بالوكالة، وتنافس القوى الكبرى.

اتهامات واشنطن

في مؤتمر نزع السلاح بجنيف، قال توماس دي نانو، إن الحكومة الأميركية «تدرك» أن الصين نفَّذت «اختباراً نووياً تفجيرياً» بعائدٍ مُنتِج في 22 يونيو (حزيران) 2020. واتهم بكين أيضاً بالتحضير لاختبارات بعوائد «في حدود مئات الأطنان»، وبالتلاعب ببيئة الرصد الزلزالي لإخفاء آثارها، مبرراً ذلك بالحاجة إلى «خطوات موازية» مع روسيا والصين، مع تآكل وقف التجارب غير الرسمي.

في المقابل، ردَّت منظمة معاهدة الحظر الشامل للتجارب النووية، بأن منظومة الرصد الدولية التابعة لها لم تسجل حدثاً يطابق خصائص تفجير نووي في التاريخ الذي حددته واشنطن، وأن التحليلات اللاحقة لم تغيِّر تلك الخلاصة.

من مناورات صينية قرب تايوان في 25 ديسمبر 2025 (رويترز)

حسب محللين، هذا التباين مهم؛ لأنه يكشف جوهر المعضلة: حتى لو وُجد نشاط منخفض العائد أو «مناطق رمادية» تقنية، فقد لا يكون قابلاً للحسم علناً بالأدلة المتاحة للجمهور، ما يفتح الباب أمام توظيف الاتهامات في السياسة والردع، ويقلص مساحة الثقة الضرورية لأي ضبط تسلح. ويؤكد هؤلاء على أن الخطاب الدائر يخلط أحياناً بين ثلاثة مستويات:

التفجير النووي الكامل: يولِّد تفاعلاً متسلسلاً ذاتي الاستدامة، وعائداً تفجيرياً واضحاً. هذا هو جوهر ما تحظره معاهدة الحظر الشامل للتجارب إذا دخلت حيز النفاذ، وهو أيضاً ما تحاول الأعراف الدولية منعه منذ التسعينيات.

أرشيفية لصاروخ باليستي عابر للقارات روسي من طراز «توبول إم» يعبر الساحة الحمراء خلال عرض عسكري في موسكو (أ.ف.ب)

اختبارات منخفضة العائد/ شديدة الانخفاض: وقد تكون أصعب كشفاً، ويمكن -حسب خبراء- التحايل على رصدها عبر ظروف جيولوجية، أو غرف معدنية، أو تقنيات «فك الارتباط» التي تخفف الإشارة الزلزالية. هذا ما يجعل الاتهام الأميركي للصين شديد الحساسية، حتى لو لم تُعلن واشنطن أدلة تفصيلية.

شي في الذكرى الثمانين لانتصار الصين (روسترز)

اختبارات «دون حرجة»: تُجرى دون الوصول إلى تفاعل متسلسل ذاتي الاستدامة، وتعدُّها بعض الدول ضمن «المنطقة الرمادية»؛ لأنها لا تنتج عائداً تفجيرياً نووياً قابلاً للرصد بالمعايير نفسها. هنا تكمن مساحة التلاعب السياسي؛ حيث يمكن لحكومة ما أن تقول إنها «عادت للاختبار» بينما تقصد توسيع نشاطات دون حرجة، ويمكن لخصومها أن يقرأوا ذلك ككسرٍ للمحظور وتوطئة لتفجيرات حقيقية.

لذلك، عندما يقول مسؤولون إن واشنطن «ستبدأ أنشطة الاختبارات النووية»، يبقى السؤال العملي: هل نتحدث عن تفجيرات نووية فعلية لأول مرة منذ 1992؟ أم عن توسيع أنشطة تحت العتبة؟ الغموض قد يكون مقصوداً؛ لأنه يمنح الردع مرونة، ولكنه يرفع أيضاً أخطار سوء الفهم.

شي وبوتين في الذكرى الثمانين لانتصار الصين على اليابان (إ.ب.أ)

فراغ ما بعد «نيو ستارت»

انقضاء «نيو ستارت» يعني فقدان سقفٍ مُتحقق على الرؤوس الحربية الاستراتيجية المنشورة، وفقدان ما تبقى من قابلية التنبؤ المتبادل بين واشنطن وموسكو. والأهم: أنه يخلق «فراغاً تعاقدياً» تتسابق داخله ثلاث قوى (الولايات المتحدة، وروسيا، والصين) على تحديث الترسانات وقدرات الإيصال والأنظمة الجديدة التي لم تُصمم لها معاهدات العقدين الماضيين.

في هذا السياق، يدفع فريق إدارة ترمب نحو «اتفاق أوسع» يشمل الصين، بينما ترفض بكين الانضمام، بحجة أن ترسانتها أصغر بكثير من ترسانتَي واشنطن وموسكو، رغم نموها السريع.

الأرقام تُظهر لماذا يعتقد كل طرف أنه محق: تقديرات معهد استوكهولم الدولي لبحوث السلام تشير إلى أن الولايات المتحدة وروسيا تمتلكان معاً نحو 90 في المائة من الرؤوس النووية العالمية، بينما تملك الصين ما لا يقل عن 600 رأس، وتُعد الأسرع نمواً.

أرشيفية من القوات الجوية الأميركية لصاروخ «مينيوتمان 3» الباليستي العابر للقارات خلال إطلاقه من قاعدة «فاندنبرغ» في كاليفورنيا (أ.ف.ب)

التداعيات على «التوازن» والسلام العالمي

عودة الحديث عن التجارب النووية لم تعد مسألة تقنية، بقدر ما هي رسالة سياسية بأن قيود الضبط تتآكل، وأن القوى الكبرى تريد مساحة أوسع لتحسين التصاميم، ورفع موثوقية الترسانات، وربما تطوير أنظمة جديدة. في هذا المناخ يصبح الردع أقرب إلى التخمين؛ لأن الغموض حول قدرات الخصم يزداد، فتغدو التجارب أو التلويح بها عامل تصعيد. ومع انحسار قنوات التحقق والمعايير المشتركة ترتفع أخطار سوء التقدير، وسوء تفسير المناورات والحوادث، وهو ما حذَّر منه أنطونيو غوتيريش، أمين عام الأمم المتحدة، مع اقتراب انقضاء «نيو ستارت». كما يضغط ذلك على نظام عدم الانتشار عبر إضعاف «المحرّم» الأخلاقي للاختبار، ويهز ثقة الحلفاء في الردع الموسّع، ما قد يطلق سباق ضمانات وتسليح متعدد المحاور.

الزعيم الكوري الشمالي يشرف على تجارب صاروخية (إ.ب.أ)

المدافعون عن نهج إدارة ترمب يجادلون بأن إدخال الصين في أي إطار جديد ضرورة واقعية، وأن الحديث عن التجارب والقدرات يهدف إلى منع «التحايل السري» وإجبار الخصوم على طاولة تفاوض أكثر شمولاً.

في المقابل، ينتقد آخرون فكرة ترك اتفاق قائم وقابل للتحقق مقابل هدف تفاوضي قد يكون بعيد المنال، ويحذرون من أن الاتهامات غير المدعومة علناً؛ خصوصاً مع نفي منظومة الرصد الدولية، قد تتحول إلى ذريعة لسباق غير مضبوط.


لماذا يصرّ ترمب على إعادة تسمية المعالم؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
TT

لماذا يصرّ ترمب على إعادة تسمية المعالم؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

في آخر جهود الرئيس الأميركي دونالد ترمب لوضع اسمه على بعض المعالم التاريخية، نقلت وسائل إعلام أن ترمب أبلغ زعيم الأقلية في مجلس الشيوخ، السيناتور الديمقراطي تشاك شومر، الشهر الماضي أنه مستعد أخيراً لرفع التجميد عن تمويل فيدرالي ضخم لمشروع نفق القطارات «غايت واي» تحت نهر هدسون، لكن بشرطٍ غير مألوف: أن تُسمّى محطة بنسلفانيا في المدينة ومطار واشنطن دالاس الدولي باسمه.

رُفض الطلب سريعاً، لكن في الأسابيع التي تلت ذلك، استمر ترمب في حجز أكثر من 16 مليار دولار، وتحوّل الملف إلى نزاع قضائي بين ولايتي نيويورك ونيوجيرسي والإدارة الأميركية. وحذرت اللجنة المسؤولة عن النفق من أنها ستضطر قريباً لوقف العمل في المشروع وتسريح نحو ألف عامل إذا لم تُفرج إدارة ترمب عن التمويل اللازم.

يعود تاريخ بناء النفق إلى ما قبل عودة ترمب إلى منصبه، حيث تلتزم الحكومة الفيدرالية بتغطية جزء كبير من التمويل اللازم لإكماله. لكن ترمب تحرك لوقف المشروع أواخر العام الماضي، وهو قرار جادل مسؤولون ديمقراطيون في نيوجيرسي ونيويورك بأنه كان بدوافع سياسية.

الرئيس دونالد ترمب محاطاً بعدد من المشرعين في البيت الأبيض بواشنطن (أ.ف.ب)

لعب السيناتور شومر منذ ذلك الحين دوراً مركزياً في محاولة التفاوض لفك تجميد الأموال. ومع ذلك، وعلى الرغم من تلك الأولوية، لا يوجد الكثير مما يمكن للديمقراطي فعله بمفرده لوضع اسم ترمب على المحطة أو المطار.

وبينما قدم بعض المشرعين المحافظين بالفعل تشريعاً لإعادة تسمية مطار دالاس ليصبح «مطار دونالد جي ترمب الدولي»، فإن المقترح لم يلقَ زخماً كبيراً حتى الآن؛ حيث لم يتقدم التشريع في الكونغرس الذي يسيطر عليه الجمهوريون، وبالتالي لا يزال من غير المرجح تمريره.

ترمب وسياسة «الاسم»

قصة «المحطة والمطار» لا تبدو حادثة يتيمة، بل حلقة ضمن نمط أوسع منذ عودته إلى البيت الأبيض: دفعٌ منهجي لإلصاق اسمه بمؤسسات عامة وبرامج وسياسات، كأن العلامة التجارية امتدادٌ للدولة. فخلال الأشهر الماضية ظهر اسمه على مبادرات حكومية تحمل ختماً تسويقياً واضحاً مثل «ترمب آر إكس»، وهو الموقع الذي تقول الإدارة إنه يسهّل الوصول إلى أسعار أقل للأدوية، وعلى برنامج إقامة/هجرة استثماري تحت مسمى «ترمب غولد كارد»، وبارجة جديدة من «طراز ترمب» تهدف إلى ترسيخ حقبة سياسته الخارجية القائمة على «السلام من خلال القوة» لسنوات قادمة.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب متحدثاً خلال إطلاق موقع طبي يحمل اسمه (إ.ب.أ)

وفي الأشهر الأخيرة، وضع ترمب عينيه على أهداف أكبر، متجهاً إلى «جوائز» رمزية: إضافة اسمه إلى المعهد الأميركي للسلام عبر إعادة تسميته رسمياً بقرار/إعلان من الإدارة، في خطوة أثارت جدلاً حول الصلاحيات والمعنى السياسي للتسمية. كما اندلع جدل مشابه بعد إضافة اسمه إلى مركز كينيدي الشهير في واشنطن، وسط اعتراضات ديمقراطية وتساؤلات قانونية حول حاجة أي تغيير رسمي لتشريع من الكونغرس.

لماذا يصرّ على تغيير الأسماء؟

تقليدياً، تُسمّى المطارات والجسور والمراكز الرئاسية بأسماء رؤساء بعد مغادرتهم المنصب، وبعد توافقٍ تشريعي أو مجتمعي. الجديد هنا ليس حبّ الخلود، بل محاولة «تعجيل» الخلود وهو في السلطة، وبأسلوبٍ تبادلي: اسمٌ مقابل قرار أو مال. محاولة ربط اسم الرئيس بتمويل مشروع عام تبدو، في نظر خصومه، إعادة تعريف لفكرة الخدمة العامة بوصفها رافعةً لشخصنة الدولة.

وحين يطلب من خصومه أو حتى من حلفائه مجاراة مطلب غير مألوف، فهو يدفعهم إلى أحد خيارين: إما الرضوخ (فيبدو أنه قادر على «إخضاع النظام»)، وإما الرفض (فتتحول المعركة إلى عرضٍ سياسي يقدمه لجمهوره: «هم يعرقلون، وأنا أبني»). في ملف النفق، يتحول الخلاف على التسمية إلى بندٍ إضافي يشرعن إبقاء الضغط على حكومات الولايات والديمقراطيين في نيويورك ونيوجيرسي.

زعيم الأقلية الديمقراطية في مجلس النواب الأميركي حكيم جيفريز يتحدث خلال مؤتمر صحافي في مبنى الكابيتول الأميركي (أ.ف.ب)

التسمية قضية سريعة الاشتعال، تجرّ الإعلام والمعارضة إلى سجال رمزي (هل يحق؟ هل هو لائق؟)، بينما تبقى الأسئلة الأثقل: التمويل، الأولويات، أثر التجميد على الوظائف... أقل حضوراً في المشهد اليومي. ومع ذلك، هذه الاستراتيجية تحمل مخاطرة: عندما يصبح «الاسم» شرطاً لإطلاق «البنى التحتية»، يسهل على الخصوم تأطير القصة كابتزازٍ سياسي.

أنصاره يرون فيها تحدياً «للنخب»

«سياسة الاسم» ليست تفصيلاً شكلياً. إنها اختبارٌ لطبيعة السلطة: هل تُستخدم أدوات الدولة لبناء ذاكرة وطنية مشتركة، أم لبناء لوحة اسمٍ واحدة تُعلّق فوق الجميع؟

ما يريد إثباته، وفق هذا النمط، هو أن الدولة يمكن أن تُدار بمنطق العلامة التجارية: إنجازاتٌ تُعنون باسمه كي تُقرأ تاريخياً بوصفها «عصر ترمب»، لا مجرد سياسات جمهورية. وما قد «يخفيه» هي هشاشة الإنجاز حين يفتقر للتوافق، الاسم يصبح بديلاً رمزياً عن إجماعٍ مؤسسي، أو غطاءً لمعركة نفوذ مع الكونغرس والولايات والمحاكم.

هذه المعارك قد تعمل على مستوى القاعدة كوقود تعبوي، أنصاره يرون فيها تحدياً «للنخب» واستعادة للهيبة. وعلى مستوى المستقلين والمعتدلين، قد تبدو كفائض نرجسية أو تسييس للخدمات العامة، خصوصاً عندما تُربط التسمية بأموال وبنى تحتية.

الرئيس دونالد ترمب يرقص خلال مناسبة في أيوا (إ.ب.أ)

أما الحزب الجمهوري، فيقف بين إغراء مسايرة زعيمه، وتكلفة الظهور كمن يضع الاسم فوق الوظيفة العامة؛ لذا لا غرابة أن مشاريع مثل إعادة تسمية مطار العاصمة واشنطن، طُرحت تشريعياً لدى بعض الجمهوريين لكنها لا تبدو سالكة بسهولة.

Your Premium trial has ended