يَختان في البصرة شاهدان على «بذخ» نظام صدّام

أحدهما مفتوح أمام الزوار... والآخر يطفو صدئاً وسط «شط العرب»

يخت المنصور يطفو صدئاً وسط شط العرب (أ.ف.ب)
يخت المنصور يطفو صدئاً وسط شط العرب (أ.ف.ب)
TT

يَختان في البصرة شاهدان على «بذخ» نظام صدّام

يخت المنصور يطفو صدئاً وسط شط العرب (أ.ف.ب)
يخت المنصور يطفو صدئاً وسط شط العرب (أ.ف.ب)

في جنوب العراق، لا يزال يختا صدّام حسين بعد عشرين عاماً على سقوطه جراء الغزو الأميركي، الشاهد الأمثل على جنون العظمة لدى الرئيس العراقي الأسبق، فيطفو أحدهما صدئاً وسط النهر، بينما بات الثاني مفتوحاً أمام الزوار. في مدينة البصرة في أقصى جنوب العراق، تفصل مسافة نحو 500 متر فقط بين «المنصور»، يخت صدّام الذي أصابته غارات شنتها طائرات أميركية في عام 2003، ويخت «نسيم البصرة» الذي وُضع بتصرّف مركز دراسات بحرية. يرسو «نسيم البصرة» الذي لم يتسنَّ لصدّام الإبحار به أبداً، على أحد أرصفة «شط العرب»، ملتقى نهري دجلة والفرات. وبات هذا اليخت مفتوحاً أمام الزوار منذ يناير (كانون الثاني)، 3 أيام في الأسبوع.
يقول سجاد كاظم، الأستاذ في مركز علوم البحار في جامعة البصرة لوكالة الصحافة الفرنسية: «كل من زار اليخت الرئاسي ذُهل من مدى بذخ النظام السابق». توقّف الزمن على متن هذا المركب. في غرفة صغيرة، أجهزة هواتف قديمة لا تزال ماثلة على طاولة مكتب كبيرة. في الجناح الرئاسي، سرير ضخم مظلَّل ومصابيح أنيقة تحاذي السرير وكنبات قديمة الطراز ومنضدة كبيرة للزينة. أما الحمامات، فمزوّدة بمغاسل من ذهب. وهذا الأمر غير مفاجئ، فصدّام حسين الذي حكم العراق بين عامي 1979 و2003، كان معروفاً بالبذخ الفاحش. يتّسع اليخت البالغ طوله 82 متراً، الذي صُنع في الدنمارك وسُلّم إلى صدّام في عام 1981 لنحو 30 راكباً ولطاقم من 35 شخصاً. يضمّ اليخت 13 غرفة، و3 قاعات للاجتماعات، ومهبطاً للمروحيات. فيه كذلك ممرّ سرّي يقود نحو غواصة، يسمح بالفرار في حال وقوع خطر، كما دُوّن على لوحة معلومات.
يضيف كاظم، البالغ من العمر 48 عاماً: «في الوقت الذي كان فيه الشعب العراقي يعيش ويلات الحروب بسبب صدّام والحصار الاقتصادي الخانق، كان صدّام يمتلك يختاً مثل هذا». في عام 2008، أصبح المركب الذي كان راسياً في نيس، في قلب معركة قضائية، إذ طالبت السلطات العراقية بملكيته بعد عرضه للبيع مقابل 35 مليون دولار من شركة مركزها في جزر كايمان. يقول الأستاذ الجامعي عباس المالكي الذي جاء ليزور اليخت: «ما أعجبني هي الأشياء القديمة، مثل الفاكس والهواتف القديمة، أرجعتني بالذاكرة إلى الوراء، إلى ما قبل الإنترنت». ويضيف: «كنت أتمنى لو أن النظام السابق اهتمّ بهذه الأمور من أجل خدمة الشعب وليس من أجل خدمة مصالحه الشخصية».
أما يخت «المنصور»، فلا يزال نصف غارق مع هيكله الصدئ في نهر شط العرب في وسط البصرة. صُنع اليخت البالغ طوله 120 متراً بينما يفوق وزنه 7 آلاف طن، في فنلندا، وسلّم للعراق في عام 1983. كما يَرِد على موقع مصممه الدنماركي كنود إي هانسن. وهو يتسع لـ32 راكباً ولطاقم من 65 شخصاً. كان اليخت راسياً في مياه الخليج، وقبل الغزو الأميركي، نقل صدّام اليخت إلى مياه شط العرب «لكي يقوم بحمايته من ضربات الطائرات الأميركية» لكنّ الخطة «فشلت»، كما يشرح المهندس البحري علي محمد، الذي يعمل في يخت «نسيم البصرة». وفي مارس (آذار) 2003، قصفت طائرات التحالف الدولي يخت «المنصور». يشرح مدير مفتشية آثار وتراث محافظة البصرة قحطان العبيد، أن اليخت «قُصف أكثر من مرة على مدى أكثر من يوم واحد... تعرض لغارات عدة. أعتقدُ قُصف ثلاث مرات في أوقات مختلفة، لكنه لم يغرق». ويقول العبيد إن اليخت بدأ بالانقلاب «بسبب سرقة المضخات الموجودة في غرف المحركات. أصبحت هناك فتحات تدخل منها المياه. تسربت المياه إلى غرف المحركات مما أدى إلى انقلابه». في بلد مزّقته الحروب لسنين، أطلقت السلطات في السنوات الأخيرة حملة لانتشال حطام القوارب الصغيرة الغارقة في «شطّ العرب». لكنّ التخلص من يخت «المنصور» يشكل تحدّياً كبيراً. يشرح العبيد أن «انتشاله مكلف وصعب جداً، اليخت كبير ويحتاج إلى أن يُقطَّع إلى أجزاء ثمّ يُرفع».


مقالات ذات صلة

قيس الخزعلي: تحليل الحمض النووي لصدام حسين أثبت أنه هندي

العالم العربي قيس الخزعلي: تحليل الحمض النووي لصدام حسين أثبت أنه هندي

قيس الخزعلي: تحليل الحمض النووي لصدام حسين أثبت أنه هندي

دون مقدمات أو صلة بالحدث السياسي في العراق، قال أمين حركة «عصائب أهل الحق» قيس الخزعلي، إن تحليلاً للحمض النووي «دي إن إيه» لرئيس النظام العراقي السابق صدام حسين، أثبت أنه من الهند. وكان الخزعلي يتحدث في خطبة بمناسبة عيد الفطر، السبت، في بغداد، وشن هجوماً لاذعاً على من وصفهم بـ«أشباه المثقفين» الذين ينخرطون في «مؤامرات ومشاريع لزعزعة الاستقرار». وقال الخزعلي، إن «صدام حسين كان ينشر أقواله عن أن الشعب العراقي أصله من الهند، وقد تبين بعد تحليل (دي إن إيه) أنه هو من الهند».

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي العقل السياسي العراقي لا يزال ينبش «ذاكرة نيسان»

العقل السياسي العراقي لا يزال ينبش «ذاكرة نيسان»

مع أن العراقيين الذين ولدوا يوم 9 أبريل (نيسان) عام 2003 أصبحت أعمارهم الآن 20 سنة، ودخل قسم كبير منهم في سوق العمل، وانخرط معظمهم في مظاهرات أكتوبر (تشرين الأول) عام 2019 باحثين عن وطن، فإن أياً منهم ربما لم يشهد عصر صدام حسين إلا سويعات، هي المدة اللازمة بين ولادتهم في المستشفى وإسقاط دبابة الأبرامز الأميركية تمثاله في ساحة الفردوس في قلب بغداد. أما البعثيون ممن كانوا جزءاً من آلية النظام، بمن فيهم من تسلم مواقع قيادية كبيرة في الحزب والدولة، فإن أعمار غالبيتهم العظمى تجاوزت الثمانين عاماً.

حمزة مصطفى (بغداد)
شاهد يروي لـ«الشرق الأوسط» وقائع اجتماعين مع صدام في ظل الاحتلال

شاهد يروي لـ«الشرق الأوسط» وقائع اجتماعين مع صدام في ظل الاحتلال

روى متقاعدٌ عراقي لـ«الشرق الأوسط»، مجريات لقاءين جمعاه بالرئيس صدام حسين، بعد سقوط بغداد الذي تصادف ذكراه اليوم. وقال المتحدث، الذي تعذَّر ذكر اسمِه لأسباب أمنية، إنَّ اللقاء الأول عُقد على أطراف الفلوجة في 11 أبريل (نيسان) 2003، أي بعد يومين من سقوط بغداد، في حين عُقد اللقاء الثاني في 19 يوليو (تموز)، في بغداد التي احتلتها القوات الأميركية.

غسان شربل (لندن)
العالم العربي صدام: إذا سقط العراق سيمتد نفوذ إيران حتى المغرب

صدام: إذا سقط العراق سيمتد نفوذ إيران حتى المغرب

عشية ذكرى سقوط بغداد التي تصادف اليوم، كشف متقاعد عراقي ربطته بالرئيس صدام حسين «علاقة عمل ومودة»، أنه التقى الأخير مرتين بعد سقوط العاصمة العراقية. وقال لـ«الشرق الأوسط»، إن اللقاء الأول كان في الفلوجة في 11 أبريل (نيسان)، أي بعد يومين من احتلال بغداد، في حين كان اللقاء الثاني في العاصمة العراقية نفسها في 19 يوليو (تموز)، أي بعد أربعة أشهر من سقوط المدينة، مؤكداً أن صدام كان يجول لتعزيز عمليات المقاومة ضد الاحتلال الأميركي. قال المتقاعد، الذي طلب بإلحاح عدم ذكر اسمه «لأسباب أمنية»، إن صدام كان قريباً من ساحة الفردوس في بغداد يوم أسقطت مدرعة أميركية تمثاله.

غسان شربل (لندن)
المشرق العربي «لا تثق أبداً في رجل له لحية مثل هذه»... صدام حسين يصف بن لادن

«لا تثق أبداً في رجل له لحية مثل هذه»... صدام حسين يصف بن لادن

ذكرت صحيفة «التايمز» البريطانية في تقرير لها، أنه عندما استجوب مكتب التحقيقات الفيدرالي (إف بي آي) الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين بعد أسره في العراق في ديسمبر (كانون الأول) 2003، كان للوكالة هدفان رئيسيان: كشف الحقيقة بشأن أسلحة الدمار الشامل التي يمتلكها الرئيس العراقي، وتحديد علاقته بتنظيم «القاعدة».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

العليمي: حصر السلاح بيد الدولة للتركيز على مواجهة الحوثيين

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
TT

العليمي: حصر السلاح بيد الدولة للتركيز على مواجهة الحوثيين

العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)
العليمي مستقبِلاً في الرياض السفيرة البريطانية عبده شريف (سبأ)

قال رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، الأحد، إن بلاده دخلت مرحلة حاسمة في استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلابات المسلحة، مؤكداً أن عملية تسلم المعسكرات في حضرموت والمهرة خطوة تأسيسية لإعادة حصر السلاح بيد الدولة وتمهيد عودة المؤسسات للعمل من الداخل.

وأضاف العليمي خلال لقائه، في الرياض، السفيرة البريطانية عبده شريف، أن تشكيل اللجنة العسكرية العليا سيعيد توحيد كافة القوات والتشكيلات العسكرية والأمنية تحت مظلة وزارتَي الدفاع والداخلية، في خطوة تهدف إلى حماية الجبهة الداخلية والحفاظ على تركيز الدولة على مواجهة انقلاب الحوثي المدعوم من إيران، سلماً أو حرباً.

وبحسب الإعلام الرسمي، جرى في اللقاء بحث العلاقات الثنائية مع لندن، إضافة إلى المستجدات المحلية، وجهود تطبيع الأوضاع، واستعادة التعافي بالمحافظات المحررة، فضلاً عن إجراءات تعزيز قدرة المؤسسات الشرعية على فرض الأمن والاستقرار وبناء السلام، والدور المعوّل على المجتمع الدولي في مواصلة دعم هذا المسار، ضمن مرحلة جديدة من الشراكة الواعدة في اليمن.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام رسمي)

ونقلت وكالة «سبأ» أن العليمي جدد الإشادة بالدور الإيجابي الذي اضطلعت به المملكة المتحدة لدعم وحدة اليمن، وشرعيته الدستورية، وجهود السلام، وتدخلاتها الإنسانية الحيوية للتخفيف من معاناة الشعب اليمني.

وأكد العليمي أهمية الشراكة مع لندن في دعم جهود استعادة مؤسسات الدولة اليمنية، ومكافحة الإرهاب، والاستقرار الإقليمي، وأمن الملاحة الدولية، متطرقاً إلى الإجراءات الرئاسية المتخذة لتطبيع الأوضاع بالتنسيق مع قيادة «تحالف دعم الشرعية»، بما في ذلك القرارات السيادية الأخيرة، لحماية المدنيين والمركز القانوني للدولة، وفقاً لإعلان نقل السلطة، والقواعد المنظمة لأعمال مجلس القيادة الرئاسي.

تسلّم المعسكرات

وأورد الإعلام الرسمي أن العليمي أكد للسفيرة البريطانية نجاح عملية تسلم المعسكرات في محافظتَي حضرموت والمهرة، واستمرار تطبيع الأوضاع في العاصمة المؤقتة عدن وباقي المحافظات المحررة، وقال إن هذه العملية «ستعيد حصر السلاح بيد الدولة، والتمهيد لعودة كافة المؤسسات للعمل بصورة طبيعية من الداخل».

وأضاف أن «هذا النجاح سيسهم في تحسين الوضع الإنساني، وتسهيل تدفق المساعدات، وتعزيز الثقة مع المجتمع الدولي»، مؤكداً أن نجاح تسلم المعسكرات مثّل خطوة تأسيسية لإعادة توحيد القرار العسكري والأمني على أسس مؤسسية واضحة.

جنود في عدن يتجمعون خارج مقر المجلس الانتقالي الجنوبي المنحلّ (رويترز)

وتطرق رئيس مجلس القيادة الرئاسي إلى إعلان تشكيل اللجنة العسكرية العليا، كإطار مهني جامع يتولى توحيد كافة القوات والتشكيلات العسكرية والأمنية، وإعادة تنظيمها تحت مظلة وزارتَي الدفاع والداخلية.

كما أكد أن تشكيل هذه اللجنة يبعث برسالة واضحة بأن الدولة اليمنية لم تنحرف عن أولوياتها الوطنية، وأن عملية تسلم المعسكرات كانت إجراء تصحيحياً مهماً لحماية الجبهة الداخلية، وإبقاء الجهد مركزاً على معركة استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء انقلاب الحوثي المدعوم من النظام الإيراني، سلماً أو حرباً.

قرار مسؤول

وأشار خلال اللقاء مع السفيرة البريطانية إلى إعلان حل المجلس الانتقالي الجنوبي نفسه، وقال: «كان قراراً شجاعاً ومسؤولاً في لحظة مفصلية، عكس إدراكاً لحساسية المرحلة وخطورة الانزلاق إلى صراعات داخلية من شأنها إضعاف الجبهة الداخلية في مواجهة التهديد الحقيقي».

وشدد رئيس مجلس القيادة اليمني على «التعامل المسؤول مع مترتبات هذا القرار، بعقل الدولة لا بمنطق التشفي، ومنع تكرار أخطاء الماضي التي أفضت إلى الإقصاء والتهميش، أو توظيف القضايا العادلة لعسكرة الحياة السياسية».

وأكد أن المرحلة المقبلة تتطلب الاستفادة من كافة الطاقات الوطنية، المدنية والعسكرية، ضمن إطار الدولة ومؤسساتها الشرعية، وسيادة القانون.

العليمي أكد استعادة المعسكرات التي سيطر عليها المجلس الانتقالي الجنوبي المنحلّ (رويترز)

وجدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني الإشادة بالدور المحوري السعودي في خفض التصعيد، ورعاية الحوار الجنوبي، كامتداد لدعم اقتصادي سخي، وتدخلات إنسانية وإنمائية في مختلف المجالات.

كما تطرق لأولويات المرحلة المقبلة، وفي المقدمة عودة الحكومة ومؤسسات الدولة للعمل من الداخل، وتحسين الخدمات الأساسية، وتعزيز استقلال القضاء وسيادة القانون، وتهيئة بيئة آمنة للاستثمار، وإعادة الإعمار.

وشدد العليمي على مضي الدولة في مسار الاستقرار، وتعزيز قدرة المؤسسات الشرعية على فرض الأمن وبناء السلام، داعياً المملكة المتحدة والمجتمع الدولي إلى مواصلة دعم هذا المسار، بما في ذلك ردع أي محاولة لعرقلة العملية السياسية في البلاد.


اليمن يُعيد هندسة شرعيته... قوات موحدة يقودها «التحالف» ومسار سياسي آمن للجنوب

جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
TT

اليمن يُعيد هندسة شرعيته... قوات موحدة يقودها «التحالف» ومسار سياسي آمن للجنوب

جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)
جنود حكوميون على ظهر مركبة عسكرية في مدينة المكلا الساحلية كبرى مدن حضرموت شرق اليمن (رويترز)

مثّلت كلمة رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، مساء السبت، نقطة انعطاف حاسمة في مسار الأزمة اليمنية، ليس فقط من حيث مضمونها السياسي والعسكري، بل من حيث الرسائل الإقليمية والدولية التي حملتها، والإطار الجديد الذي دشّنته لإدارة الصراع وضبط الأمن ومعالجة القضايا المؤجلة، وفي مقدمتها «القضية الجنوبية».

خطاب العليمي، الذي بثّه التلفزيون الرسمي، لم يكن بيان تهدئة بل إعلان انتقال من مرحلة إدارة الأزمات إلى مرحلة إعادة هندسة الشرعية اليمنية القائمة أمنياً وسياسياً، تحت مظلة شراكة إقليمية يقودها «تحالف دعم الشرعية في اليمن» الذي تتزعمه السعودية.

اللافت في الخطاب أنه جاء بعد «أيام مفصلية وقرارات صعبة»، على حد تعبير العليمي، ما يعكس إدراكاً رئاسياً بأن البلاد كانت على حافة انفجار يُهدد الداخل اليمني والجوار الإقليمي، وأن الحسم في المحافظات الجنوبية لم يكن خياراً سياسياً فحسب، بل ضرورة سيادية لحماية الدولة، ومنع تفككها وضبط أمن الجوار.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

ومن هنا، كان تسلم المعسكرات في عدن وحضرموت والمهرة وبقية المحافظات الجنوبية المحررة جزءاً من عملية أوسع لإعادة الاعتبار للمركز القانوني للدولة، وسدّ الفراغات التي لطالما استثمرتها الجماعات المسلحة والفوضى السياسية، وآخرها كان في تصعيد عيدروس الزبيدي رئيس ما كان يُسمى «المجلس الانتقالي الجنوبي»، ومحاولته إخضاع حضرموت والمهرة بقوة السلاح.

مرحلة جديدة

خطاب العليمي ركّز بوضوح على أن ما جرى يُمثل بداية مرحلة جديدة، قوامها وحدة الصف وتغليب الحكمة، بعيداً عن منطق السلاح وإدارة الخلافات بالقوة، وفي حين يبدو أن هذه الرسالة موجّهة بالدرجة الأولى إلى الداخل اليمني، لكنها في الوقت ذاته تطمين للخارج بأن الشرعية اليمنية باتت أكثر تماسكاً، وقادرة على ضبط مناطق نفوذها، وحماية الممرات المائية، ومكافحة الإرهاب، ومنع تهريب السلاح.

الأهم أن العليمي وضع الأمن والاستقرار في صدارة الأولويات غير القابلة للتأجيل أو المساومة، بوصفهما شرطاً لازماً لاستمرار الخدمات، وتحسين الأوضاع المعيشية، وصون كرامة المواطنين. وهو ما يعكس تحولاً في خطاب الشرعية من التركيز على الشعارات السياسية إلى خطاب الدولة المسؤولة، التي تُقاس قدرتها بمدى توفيرها الأمن والخدمات، لا بعدد بياناتها.

وفي أحد أكثر مقاطع الخطاب أهمية، أعاد العليمي تأكيد أن القضية الجنوبية «عادلة»، وتقع في صدارة أولويات مجلس القيادة الرئاسي، نافياً أي تشكيك سابق أو إنكار لحقوق الجنوبيين. غير أن الجديد هنا لا يكمن في الاعتراف، بل في الإطار الذي طُرح لمعالجة القضية، وهو الحوار الجنوبي-الجنوبي المرتقب في الرياض.

وفي هذا الصدد يعكس إعلان عقد مؤتمر للحوار الجنوبي الشامل برعاية وإدارة السعودية، وبمشاركة الشخصيات والقيادات الجنوبية، وليس «المكونات»، توجهاً لإخراج القضية من أسر التمثيلات الفصائلية الضيقة، ووضعها في سياق سياسي جامع، بضمانات إقليمية ودولية.

ويبدو أن هذا التحول لا يقل أهمية عن البُعد العسكري، لأنه يسحب فتيل الصراع من الداخل الجنوبي، ويُعيد تعريف القضية بوصفها مسألة سياسية قابلة للحل، وليست ورقة للابتزاز الأمني والتوظيف الخارجي المزعزع لأمن اليمن والمنطقة.

من ناحية ثانية، يشير إعلان العليمي عن دعم الدولة لمخرجات هذا المؤتمر، «بكل مسؤولية وإخلاص»، إلى استعداد رسمي للالتزام بما يجري التوافق عليه، ضمن مرجعيات المرحلة الانتقالية، وهو ما يمنح العملية السياسية الجنوبية ثقلاً غير مسبوق منذ سنوات.

الاستعداد للحسم

الرسالة الأكثر وضوحاً، وربما الأكثر حسماً، في الخطاب تمثلت في إعلان تشكيل اللجنة العسكرية العليا تحت قيادة قوات «تحالف دعم الشرعية»، وهو ما يعني عملياً إعادة توحيد القرار العسكري، ووضع جميع التشكيلات والقوات اليمنية تحت مظلة قيادة واحدة، تتولى الإعداد والتجهيز والقيادة، والاستعداد للمرحلة المقبلة في حال رفض الحوثيون الحلول السلمية.

وتتجاوز دلالات هذا الإعلان من قبل العليمي البُعد التنظيمي؛ إذ ينظر إليها بوصفها رسالة ردع مباشرة للجماعة الحوثية المدعومة من إيران، ورسالة طمأنة للمجتمع الدولي بأن الشرعية باتت تمتلك إطاراً عسكرياً منضبطاً قادراً على ضبط السلاح، وتأمين الممرات المائية، ومواجهة التهديدات العابرة للحدود.

ومن المرتقب أن يؤدي تولي «تحالف دعم الشرعية» بقيادة السعودية مسؤولية دعم هذه القوات وقيادتها، إلى مستوى فاعل من الشراكة الاستراتيجية، مع تأكيد أن المرحلة المقبلة ستُدار بأدوات «حازمة جداً» وشفافة ومنضبطة بعيداً عن منطق توازنات الفصائل المتنافسة على الأرض أو الأطراف التي تُريد استغلال الواقع لتحقيق مصالح شخصية أو حزبية دون التركيز على مصير اليمنيين.

ولا تفوت الإشارة في هذا السياق إلى أن العليمي وضع الحوثيين أمام خيارين فقط، وهما إما الانخراط الجاد في مسار سياسي سلمي، وإما مواجهة مرحلة جديدة من الاستعداد العسكري المنظم، إذ شدد الخطاب على استعادة الدولة «سلماً أو حرباً».


واشنطن تدعم الحوار الجنوبي الشامل في اليمن برعاية السعودية

واشنطن تدعم الحوار الجنوبي الشامل في اليمن برعاية السعودية
TT

واشنطن تدعم الحوار الجنوبي الشامل في اليمن برعاية السعودية

واشنطن تدعم الحوار الجنوبي الشامل في اليمن برعاية السعودية

أكد سفير الولايات المتحدة الأميركية لدى اليمن ستيفن فاغن دعم بلاده لإجراء حوار جنوبي سياسي شامل تستضيفه السعودية.

جاء ذلك خلال اجتماع عقده مع نائب رئيس مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرمي.

وقالت السفارة الأميركية أمس في منشور على منصة «إكس» إن فاغن شدّد خلال الاجتماع على أهمية الحفاظ على الأمن والاستقرار في اليمن، وذلك بعد اضطرابات أشعلتها تحركات المجلس الانتقالي الجنوبي في شرق اليمن وجنوبه في الأسابيع القليلة الماضية.

وكان الإعلام الرسمي اليمني أفاد بأن عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي التقى في العاصمة السعودية الرياض، السفير فاغن لبحث العلاقات الثنائية، ومستجدات الأوضاع على الساحتين الوطنية والإقليمية.

​وتطرّق اللقاء إلى الشراكة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، والدور البارز الذي تلعبه في دعم أمن واستقرار اليمن.

ونقلت المصادر الرسمية عن المحرمي تأكيده أن دور واشنطن يمثل عنصراً حاسماً في تعزيز تماسك الدولة اليمنية، وقدرتها على تجاوز التحديات الراهنة، لا سيما في ملفي مكافحة المنظمات الإرهابية، والحد من عمليات التهريب، وهما مما يهدد الأمن سواء القومي أو الإقليمي.

تأمين عدن

​واستعرض اللقاء - وفق المصادر الرسمية - التطورات المحلية الأخيرة، والإجراءات المتخذة لتأمين العاصمة المؤقتة عدن، وحماية المقار السيادية للدولة من أي عبث، بما يسهم في تثبيت الوضع الأمني، والحفاظ على السكينة العامة وحماية مصالح المواطنين والمؤسسات الحكومية.

​وشدّد المحرّمي على أهمية تكثيف التعاون الدولي لتجفيف منابع تمويل الحوثيين والجماعات الإرهابية، ورفع كفاءة قوات خفر السواحل والأجهزة الأمنية لتشديد الرقابة على المنافذ ومنع تهريب الأسلحة والمواد الممنوعة التي تستخدمها الميليشيا لزعزعة الاستقرار في المنطقة.

​كما ناقش الجانبان - وفق المصادر نفسها - الاستعدادات الجارية لانعقاد مؤتمر الحوار الجنوبي - الجنوبي في العاصمة السعودية الرياض، حيث أكد المحرّمي أن هذا الحوار يمثل محطة تاريخية لتوحيد الجبهة الداخلية، وصياغة رؤية سياسية جامعة تلبي تطلعات اليمنيين في الجنوب.

وأشار المحرّمي إلى أن نجاح هذا الاستحقاق، برعاية السعودية، سيسهم بشكل مباشر في تعزيز التوافق الوطني ودعم الجهود الرامية لاستعادة مؤسسات الدولة، وتحقيق الاستقرار الشامل.