خريطة النفوذ السياسي والعسكري في ليبيا

تحالفات متباينة وواقع ميداني مُعقد

مناورة بالذخيرة الحية للجيش الليبي التابع لحكومة الوحدة الوطنية الليبية المعترف بها دوليا في مدينة ترهونة غرب البلاد (أ.ف.ب)
مناورة بالذخيرة الحية للجيش الليبي التابع لحكومة الوحدة الوطنية الليبية المعترف بها دوليا في مدينة ترهونة غرب البلاد (أ.ف.ب)
TT

خريطة النفوذ السياسي والعسكري في ليبيا

مناورة بالذخيرة الحية للجيش الليبي التابع لحكومة الوحدة الوطنية الليبية المعترف بها دوليا في مدينة ترهونة غرب البلاد (أ.ف.ب)
مناورة بالذخيرة الحية للجيش الليبي التابع لحكومة الوحدة الوطنية الليبية المعترف بها دوليا في مدينة ترهونة غرب البلاد (أ.ف.ب)

مع إطلاق المبعوث الأممي إلى ليبيا، عبد الله باتيلي، قبل أيام، مبادرة تستهدف إجراء انتخابات عامة في البلاد، هذا العام، يتابع الليبيون الدبلوماسي السنغالي، وهو يتحدث عن أزمة وطنهم، بينما يتحسسون، من حولهم، خريطة النفوذ السياسي والعسكري لـ«مراكز قوى»، تُمسك بمفاتيح كل شيء تقريباً.
ولأسباب عدة، تبدو هذه الخريطة، اليوم، بالغة التعقيد، بعدما خرجت من رحم حروب أهلية طاحنة، تتابعت منذ مقتل الرئيس الليبي الراحل، معمر القذافي، في أكتوبر (تشرين الأول) من العام 2011.
أول ما يعوق قراءة حقائق النفوذ السياسي في ليبيا، هو تلك التغييرات المستمرة، لواقع التشكيلات المسلحة والتكتلات السياسية، المتنازعة على السلطة. وفي ظل تحالفات متباينة، يقف الشعب الليبي أمام حكومتين: الأولى تحظى باعتراف دولي، وتملك أدوات مالية وسياسية، وهي حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة، التي تبسط سلطاتها على طرابلس العاصمة، وتستعين بقوات تركية، وعناصر من «المرتزقة السوريين»، أما الأخرى، فهي
حكومة فتحي باشاغا، الموازية، التي تتخذ من مدينتي سرت وبنغازي مقرّاً لها، والتي حازت ثقة البرلمان الليبي بـ(شرق البلاد) لخلافة حكومة الدبيبة، لكن دون أن تتمكن من ذلك.

من الغرب إلى الجنوب
يرى المحلل السياسي الليبي، إبراهيم بلقاسم، أنه في ظل الوضع السياسي الراهن المرتبط بوجود حكومتين، يصعب تحديد خريطة واضحة لمواطن النفوذ، من ناحية «السيطرة الفعلية على السلطة، والتأثير السياسي المطلق»، لكن هناك من يرى أن الواقع على الأرض يشير إلى سيطرة حكومة الدبيبة، على مقاليد الأمور في مدن الغرب، وبعض مناطق بجنوب البلاد، في حين يبسط «الجيش الوطني» برئاسة المشير خليفة حفتر، سيطرته على غالبيتها، وصولاً إلى الحدود الجنوبية مع تشاد والنيجر والسودان.
ويجري «الجيش الوطني» من وقت إلى آخر عمليات تمشيط واسعة في الدروب الصحراوية بالجنوب الليبي لتتبع فلول تنظيم «داعش». وسبق لقوات الجيش خلال العام الماضي، مداهمة أوكار لعناصر التنظيم في «جبل عصيدة» بالجنوب الغربي بالقرب من مدينة القطرون (جنوباً)، كما قتلت عنصريين في عملية ثانية، في المنطقة ذاتها.

ولاءات الميليشيات
لا يختلف واقع التشكيلات المسلحة، عن الحالة السياسية في التعقيد؛ فالفصائل المسلحة التي تسيطر على العاصمة طرابلس، راهناً، والموالية لحكومة الدبيبة، سبق لها التمركز في مناطق عدة، قبل أن يعاد تشكيلها بعد اشتباكات أغسطس (آب) 2022.
ووفق بلقاسم، فإن تلك الفصائل، أطاحت القوة العسكرية الموالية لحكومة باشاغا، في طرابلس بالكامل، بما فيها المجموعات التي كانت تتعاطف معه.
فالمشهد في العاصمة بات قاصراً على القوات الموالية لحكومة الدبيبة. وقد نمت هذه القوات «بشكل متزايد وسريع» حتى أصبحت ألوية عسكرية متكاملة، من حيث القوة، والقدرة، والتأهيل، والتدريب المناسب، في وقت قياسي، بتعبير بلقاسم الذي يشير إلى أن هذه الأجنحة العسكرية الموالية للدبيبة باتت تدخل في تفاهمات مع الشرق الليبي ضمن مفاوضات سابقة تعلقت بدمج حكومتي الدبيبة، وباشاغا.
وتحظى حكومة الدبيبة في طرابلس بدعم عديد الميليشيات المسلحة، من أهمها «قوات الردع» و«العمليات المشتركة» و«جهاز دعم الاستقرار»، بالإضافة إلى كتيبة «فرسان جنزور» التي تتمركز غرب العاصمة، بجانب كتائب أقل عدداً وعتاداً، منها «رحبة الدروع» بمنطقة تاجوراء (شرق طرابلس).
وتقف بعض الميليشيات المسلحة في صف الحكومة الموازية برئاسة فتحي باشاغا، التي تحظى بدعم ميليشيا «لواء المحجوب» المتمركزة بمصراتة، وكتيبة «777».
وعقب التنازع على السلطة بين الدبيبة وباشاغا، ارتأت بعض الميليشيات المسلحة عدم الدخول على خط الأزمة بينها، وقالت إنها التزمت الحياد، من بينها ميليشيا «لواء الصمود» التي يقودها المطلوب دولياً صلاح بادي.
وتستهدف «الخريطة الأممية» التي أعلن عنها باتيلي، المسارعة في إجراء الانتخابات العامة بالبلاد، للحد من تغول هذه التشكيلات، ويرى بلقاسم، أن المبادرة لا تهدد «مصالح القوة الفاعلة على الأرض؛ بل تمنحها فرصة حقيقية للانخراط بشكل أكبر سياسياً، من خلال الممثلين السياسيين الذين يدعمونها في إطار دعمهم لجهود الحوار السياسي الليبي».

نفوذ «النواب» و«الدولة»
وضمن خريطة النفوذ نفسها، تتمتع حكومة الدبيبة، بموقف دولي داعم وجودها حتى إجراء الانتخابات العامة المنتظرة، رغم أن هذا الاستحقاق مهدد بالمضي في مسار معقد، وبخاصة مع صعوبة اتفاق مجلسي النواب والدولة على إصدار القوانين المنظمة لتلك الانتخابات. ورغم ذلك «لا يمكن لعبد الله باتيلي تجاوز تلك المؤسسات»، بحسب بلقاسم.
ومع ما أوجدته هذه الاصطفافات من تصنيفات متقابلة، على امتداد خريطة النزاع، بين شرق وغرب، إلى جانب صراعات آيديولوجية بين السلطات المختلفة، يُحصي المحلل الليبي حسين مفتاح، مجلسي النواب والدولة كسلطتين تشريعيتين لا يمكن تجاوزهما من جانب المبعوث الأممي، اعتماداً على المجلس الرئاسي، بقيادة محمد المنفي، وحكومة الوحدة الوطنية برئاسة الدبيبة.
ويرى في ذلك «تكراراً لتجربة فاشلة»، مشيراً إلى أنه رغم محاولات الدبلوماسي السنغالي لكسر الجمود السياسي، فإنه لم يتمكن من إحداث أي تغيير إيجابي في خريطة السياسة الليبية المحكومة بالأطراف المتصدرة للمشهد الراهن.

من بنغازي إلى سرت
منذ انتهاء حرب «الجيش الوطني» على طرابلس بانسحاب قواته، وهو يسيطر على مدينة سرت الساحلية (وسط ليبيا) وما حولها، بعد أن كانت تحت سيطرة حكومة طرابلس السابق بقيادة فائز السراج، وتمنح هذا المنطقة حفتر، مكسباً استراتيجياً لقربها من قاعدة «القرضابية» التي تخضع لسيطرة قواته، بجانب أن المدينة إلى الغرب مباشرة من «الهلال النفطي» الليبي، الذي يخضع لسيطرة الجيش منذ عام 2016 بعد أن استرده من تنظيم «داعش».
وبذلك يبسط «الجيش الوطني»، الذي يستعين بعناصر من شركة «فاغنر» الروسية، بحسب خبراء عسكريين، تحدثوا إلى «الشرق الأوسط»، سيطرته على كامل مدن شرق ليبيا، وبعض مناطق الجنوب، مروراً بمناطق وسط البلاد.
ولا يغيب الوجود الأجنبي في الشرق والغرب، عن خرائط النفوذ العسكري في البلاد، بالإضافة إلى القوات الأجنبية «المرتزقة» سواء في جنوب أو وسط البلاد. في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، يرى الباحث بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، أحمد عليبة، أن ملف إجلاء المرتزقة بين الشرق والغرب الليبي «تحول ورقة مساومة تركية - روسية».
ورغم ما شهده مؤتمر باريس 2021، حول الأزمة الليبية، من اتفاق على السحب المتبادل، والمتكافئ، وبشكل متزامن، لهذه العناصر في الشرق والغرب، «فإن الأمر تحول، في نهاية المطاف، ورقةً للمساومة بين موسكو وأنقرة، وأصبح كل طرف منهما يتذرع بالآخر في عدم الوفاء بوعود سحب عناصره»، دون نية جادة للتنفيذ، وفق عليبة، الذي يوضح أن السؤال حول مصير هؤلاء، عند ترحيلهم من ليبيا، يظل معلقاً بلا إجابة.

هل أسرف باتيلي في الأمل؟
من واقع كل تلك المعطيات، قد يبدو أن المبعوث الأممي، عبد الله باتيلي، «أسرف في الأمل» حين طرح مبادرة تقفز فوق كل هذه الحواجز، نحو الانتخابات، وهو ما يرجّحه الباحث أحمد عليبة، قائلاً: إن باتيلي أسرف، بمبادرته الأخيرة، في تصوره حجم دور البعثة الأممية، من الوساطة إلى الوصاية، عبر تشكيل لجنة تتجاوز كل الأطراف «في بيئة داخلية معقدة يزيدها التعاطي الأخير، من المبعوث الأممي، تعقيداً».
وفي حين ينتقد إشارة الدبلوماسي السنغالي إلى المؤسسات الليبية بأنها «فاقدة للشرعية»، يقول عليبة: إنه في الواقع الليبي، اليوم، وفي خريطة النفوذ القائمة، لا يتعامل المتداخلون مع الملف الليبي، مع تلك المؤسسات باعتبارها شرعية أم لا، وإنما لكونها مؤسسات فرضها «الأمر الواقع». ويسري هذا الوصف على جميع تلك المؤسسات، بما فيها حكومة عبد الحميد الدبيبة، والمجلس الرئاسي، وكذلك مجلسا النواب والدولة.
لكل ذلك، تحولت الخريطة السياسية في ليبيا إلى «خريطة لمراكز القوى»، بتعبير «عليبة» الذي يطالب المبعوث الأممي بمراعاة التوازنات بين هذه القوى، وأن يلعب دور الوسيط بينها «بحيث يوجههم صوب عملية سياسية واضحة الملامح، ومنضبطة، تعكس توجهاتهم»، واصفاً المبادرة الأخيرة بأنها تقدم مساراً جديداً، وخريطة طريق جديدة «لا تتناسب مع السقف الزمني المحدد لها».


مقالات ذات صلة

«ملفات خلافية» تتصدر زيارة ليبيين إلى تونس

شمال افريقيا «ملفات خلافية» تتصدر زيارة ليبيين إلى تونس

«ملفات خلافية» تتصدر زيارة ليبيين إلى تونس

حلت نجلاء المنقوش، وزيرة الشؤون الخارجية الليبية، أمس بتونس في إطار زيارة عمل تقوم بها على رأس وفد كبير، يضم وزير المواصلات محمد سالم الشهوبي، وذلك بدعوة من نبيل عمار وزير الشؤون الخارجية والهجرة والتونسيين بالخارج. وشدد الرئيس التونسي أمس على موقف بلاده الداعي إلى حل الأزمة في ليبيا، وفق مقاربة قائمة على وحدتها ورفض التدخلات الخارجية في شؤونها الداخلية. وأكد في بيان نشرته رئاسة الجمهورية بعد استقباله نجلاء المنقوش ومحمد الشهوبي، وزير المواصلات في حكومة الوحدة الوطنية الليبية، على ضرورة «التنسيق بين البلدين في كل المجالات، لا سيما قطاعات الاقتصاد والاستثمار والطاقة والأمن».

المنجي السعيداني (تونس)
شمال افريقيا محادثات سعودية ـ أممية تتناول جهود الحل الليبي

محادثات سعودية ـ أممية تتناول جهود الحل الليبي

أكدت السعودية أمس، دعمها لحل ليبي - ليبي برعاية الأمم المتحدة، وشددت على ضرورة وقف التدخلات الخارجية في الشؤون الليبية، حسبما جاء خلال لقاء جمع الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية السعودي، مع عبد الله باتيلي الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة لدى ليبيا ورئيس البعثة الأممية فيها. وتناول الأمير فيصل في مقر الخارجية السعودية بالرياض مع باتيلي سُبل دفع العملية السياسية في ليبيا، والجهود الأممية المبذولة لحل الأزمة. إلى ذلك، أعلن «المجلس الرئاسي» الليبي دعمه للحراك الشبابي في مدينة الزاوية في مواجهة «حاملي السلاح»، وضبط الخارجين عن القانون، فيما شهدت طرابلس توتراً أمنياً مفاجئاً.

شمال افريقيا ليبيا: 12 عاماً من المعاناة في تفكيك «قنابل الموت»

ليبيا: 12 عاماً من المعاناة في تفكيك «قنابل الموت»

فتحت الانشقاقات العسكرية والأمنية التي عايشتها ليبيا، منذ رحيل نظام العقيد معمر القذافي، «بوابة الموت»، وجعلت من مواطنيها خلال الـ12 عاماً الماضية «صيداً» لمخلَّفات الحروب المتنوعة من الألغام و«القنابل الموقوتة» المزروعة بالطرقات والمنازل، مما أوقع عشرات القتلى والجرحى. وباستثناء الجهود الأممية وبعض المساعدات الدولية التي خُصصت على مدار السنوات الماضية لمساعدة ليبيا في هذا الملف، لا تزال «قنابل الموت» تؤرق الليبيين، وهو ما يتطلب -حسب الدبلوماسي الليبي مروان أبو سريويل- من المنظمات غير الحكومية الدولية العاملة في هذا المجال، مساعدة ليبيا، لخطورته. ورصدت بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا، في تقر

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا حل الأزمة الليبية في مباحثات سعودية ـ أممية

حل الأزمة الليبية في مباحثات سعودية ـ أممية

أكدت السعودية دعمها للحل الليبي - الليبي تحت رعاية الأمم المتحدة، وضرورة وقف التدخلات الخارجية في الشؤون الليبية، وجاءت هذه التأكيدات خلال اللقاء الذي جمع الأمير فيصل بن فرحان بن عبد الله وزير الخارجية السعودي مع عبد الله باتيلي الممثل الخاص للأمين العام للأمم المتحدة لدى ليبيا رئيس بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا. واستقبل الأمير فيصل بن فرحان في مقر وزارة الخارجية السعودية بالرياض أمس عبد الله باتيلي وجرى خلال اللقاء بحث سُبل دفع العملية السياسية في ليبيا، إضافة إلى استعراض الجهود الأممية المبذولة لحل هذه الأزمة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
شمال افريقيا «الرئاسي» الليبي يدعم «حراك الزاوية» ضد «حاملي السلاح»

«الرئاسي» الليبي يدعم «حراك الزاوية» ضد «حاملي السلاح»

أعلن «المجلس الرئاسي» الليبي، عن دعمه للحراك الشبابي في مدينة الزاوية (غرب البلاد) في مواجهة «حاملي السلاح»، وضبط الخارجين عن القانون، وذلك في ظل توتر أمني مفاجئ بالعاصمة الليبية. وشهدت طرابلس حالة من الاستنفار الأمني مساء السبت في مناطق عدّة، بعد اعتقال «جهاز الردع» بقيادة عبد الرؤوف كارة، أحد المقربين من عبد الغني الككلي رئيس «جهاز دعم الاستقرار»، بالقرب من قصور الضيافة وسط طرابلس. ورصد شهود عيان مداهمة رتل من 40 آلية، تابع لـ«جهاز الردع»، المنطقة، ما أدى إلى «حالة طوارئ» في بعض مناطق طرابلس. ولم تعلق حكومة عبد الحميد الدبيبة على هذه التطورات التي يخشى مراقبون من اندلاع مواجهات جديدة بسببها،

خالد محمود (القاهرة)

24 قتيلاً بهجوم لـ«الدعم السريع»

الحرب أجبرت الآلاف على الفرار من ولاية الجزيرة إلى ولايات مجاورة (أرشيفية - أ.ف.ب)
الحرب أجبرت الآلاف على الفرار من ولاية الجزيرة إلى ولايات مجاورة (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

24 قتيلاً بهجوم لـ«الدعم السريع»

الحرب أجبرت الآلاف على الفرار من ولاية الجزيرة إلى ولايات مجاورة (أرشيفية - أ.ف.ب)
الحرب أجبرت الآلاف على الفرار من ولاية الجزيرة إلى ولايات مجاورة (أرشيفية - أ.ف.ب)

قُتل 24 شخصاً، بينهم 8 أطفال وعدد من النساء، جراء استهداف «قوات الدعم السريع» عربة نقل كانت تُقلّ نازحين من منطقة دبيكر إلى مدينة الرهد بولاية شمال كردفان، وفق ما أفادت به «شبكة أطباء السودان».

جاء الهجوم على حافلة النازحين في سياق هجمات مختلفة لـ«الدعم السريع» طالت أيضاً مستشفى الكويك العسكري وقافلة إغاثية تابعة لبرنامج الغذاء العالمي في شمال وجنوب إقليم كردفان. وأعربت السعودية عن إدانتها واستنكارها الشديدين لهجمات «قوات الدعم السريع»، وأكدت، في بيان لوزارة خارجيتها، أمس، أن هذه الأعمال لا يمكن تبريرها بأي حال من الأحوال.

وجددت السعودية تأكيد موقفها الداعي إلى وحدة السودان وأمنه واستقراره، ورفضها التدخلات الخارجية واستمرار بعض الأطراف في إدخال السلاح غير الشرعي والمرتزقة والمقاتلين الأجانب، موضحةً أن هذا التدخل يُطيل أمد الحرب.


ليبيا: «الأعلى للقضاء» يرفع تصعيده ضد قرارات «الدستورية»

اختتام مسار الحوكمة في «الحوار المُهيكل» بليبيا الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة (البعثة)
اختتام مسار الحوكمة في «الحوار المُهيكل» بليبيا الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة (البعثة)
TT

ليبيا: «الأعلى للقضاء» يرفع تصعيده ضد قرارات «الدستورية»

اختتام مسار الحوكمة في «الحوار المُهيكل» بليبيا الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة (البعثة)
اختتام مسار الحوكمة في «الحوار المُهيكل» بليبيا الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة (البعثة)

رفع «المجلس الأعلى للقضاء» في ليبيا سقف التصعيد ضد قرارات الدائرة الدستورية في «المحكمة العليا» في طرابلس، بتحذير صارم من «محاولات تسييس الجهاز القضائي»، و«العبث به في هذه المرحلة حساسة»، في بلد يعاني انقساماً سياسياً وعسكرياً مزمناً يكاد يقترب من ساحة القضاء.

جاء موقف «المجلس الأعلى للقضاء» على خلفية قرار الدائرة الدستورية إبطال قانونين أصدرهما مجلس النواب، وتضمنا تعديلات على قانون نظام القضاء، ما يعني سقوط الأساس الدستوري، الذي قام عليه تشكيل المجلس الأعلى للقضاء الحالي، وفقدانه صفته المستمدة من هذا القانون، بما يوجب إعادة تشكيله وفق النصوص السابقة.

ودون حديث مباشر عن «الدائرة الدستورية»، أعرب المجلس، في بيان، مساء الجمعة، عن أسفه لما يحدث على الساحة القضائية، وبخاصة «محاولات البعض للنيل من وحدة واستقلال السلطة القضائية، عبر استخدام أدوات تحسب نفسها على الشأن الدستوري للحلول محل المجلس بمجلس ضرار»، عادّاً أن هدفها «تحقيق غايات لا يمكن القول إلا أنها سياسية وشخصية ضيقة، على نحو يصادر كل ما عداها من سلطات».

وأضاف المجلس موضحاً أنه «حفاظاً على وحدة السلطة القضائية، والتحلي بالمسؤولية ولمصلحة الوطن الكبرى، مارس المجلس أعلى درجات الانضباط فترة من الزمن أمام تعنت مستمر ممن حملوا هذه الغايات لفرض أمر واقع لا نتيجة له»، مشيراً إلى محاولات «العبث بالجهاز في مرحلة حساسة وخطيرة من تاريخ الوطن، في الوقت الذي هو أحوج فيه ما يكون للوحدة دون غيرها».

من جلسة سابقة لمجلس النواب الليبي (المجلس)

وينظر إلى هذا التصعيد على أنه حلقة من صراع قانوني وسياسي بين مجلسي النواب والدولة، انتقل من أروقة السياسة إلى قلب السلطة القضائية، وبينما سعى مجلس النواب عبر حزمة تعديلات قانونية إلى إعادة تشكيل المجلس الأعلى للقضاء، بما يضمن له نفوذاً أكبر على الهيئة القضائية، اعتبر مجلس الدولة أن هذه الخطوة «تسييس» للقضاء.

وأكد «المجلس الأعلى للقضاء» أنه «سيظل الممثل الشرعي الوحيد للهيئات القضائية، ولن يتخلى عن التزامه بوحدة الجهاز وأعضائه تحت أي ضغوط، مع الالتفات عن أي قرارات تصدر عن غيره، وعدم الانصياع لمن عقدوا العزم على التفريط في وحدته بقرارات معدومة».

على صعيد آخر، اختتم مسار الحوكمة في الحوار المُهيكل، الذي ترعاه بعثة الأمم المتحدة، بمناقشة سبل استكمال مجلس المفوضية الوطنية العليا للانتخابات، وتجاوز الجمود المتعلق بالإطار الانتخاب.

وبحث أعضاء المسار في ثاني جولة مداولات مباشرة، على مدى الخمسة أيام، القضايا المتعلقة بتأزم الطريق نحو الانتخابات، بما في ذلك استكمال مجلس المفوضية العليا للانتخابات، والجمود المتعلق بالإطار الانتخابي، مع تقديم توصيات عملية للعمل مع مجلسي النواب والدولة، أو خارجهما لضمان المضي قدماً في العملية السياسية.

وشهدت الجولة تأكيداً من الممثلة الخاصة للأمين العام، هانا تيتيه، على أن هذا الحوار يمثل عملية «ليبية - ليبية»، تهدف لوضع حلول عملية صاغها الليبيون بأنفسهم لمستقبل بلادهم، بعيداً عن كونه هيئة لاختيار حكومة جديدة. كما استندت المداولات بشأن الإطار الانتخابي إلى قوانين لجنة «6+6»، وتوصيات اللجنة الاستشارية، مع التركيز على فهم الضمانات، والمخاوف السياسية الكامنة وراء الخلافات الحالية.

من جانبهم، أشار الأعضاء المشاركون إلى أن الجولة انتقلت من المبادئ العامة إلى التفاصيل الإجرائية، مؤكدين أن حل أزمة الشواغر في مجلس إدارة المفوضية يعد ركيزة أساسية لتعزيز الثقة في أي انتخابات مستقبلية، ومنع تعرضها للطعن أو التعطيل.

من حملة الانتخابات البلدية السابقة (المفوضية)

وفي ختام الجولة، عرض الأعضاء توصياتهم الرئيسية على سفراء وممثلي مجموعة العمل السياسية لعملية برلين، الذين أكدوا دعمهم لخريطة الطريق التي تيسرها البعثة الأممية، على أن يستأنف المسار أعماله في مارس (آذار) المقبل، لمواصلة بناء التوافق حول رؤية وطنية تحقق الاستقرار طويل الأمد.

وجددت البعثة الأممية التأكيد على أن الحوار المُهيكل ليس هيئةً لاتخاذ القرار بشأن اختيار حكومة جديدة، مشيرة إلى أنه يُعنى فقط ببحث توصيات عملية لخلق بيئة مواتية للانتخابات، ومعالجة التحديات الأكثر إلحاحاً في مجالات الحوكمة والاقتصاد والأمن، بهدف تعزيز مؤسسات الدولة. وذلك من خلال دراسة وتطوير مقترحات السياسات والتشريعات لمعالجة محركات الصراع طويلة الأمد، كما أشارت إلى أن عمل الحوار المُهيكل سيهدف إلى بناء توافق في الآراء حول رؤية وطنية، من شأنها أن تعبد الطريق نحو الاستقرار.

وتزامن هذا التطور مع انطلاق عملية الاقتراع، السبت، لانتخابات المجالس البلدية في بلديات تاجوراء، صياد، والحشان، إضافة إلى مركز اقتراع في طبرق، وسط أجواء منظمة وهادئة. وقالت غرفة العمليات الرئيسية بالمفوضية إن عملية الاقتراع تسير وفق الخطة المعتمدة، ودون تسجيل أي عراقيل تُذكر، وفي أجواء تتسم بالانضباط والتنظيم.

وأكدت المفوضية فتح جميع المراكز، وعددها 43 مركزاً تضم 93 مكتب اقتراع، وتميزت هذه الجولة باستخدام تقنية التحقق الإلكتروني (البصمة) في بلدية تاجوراء، في خطوة تستهدف تعزيز الشفافية، ومنع أي محاولات للتزوير.

خوري خلال تفقدها مركزاً للاقتراع في الانتخابات البلدية السبت (البعثة الأممية)

ودعت بعثة الأمم المتحدة جميع الناخبين المسجلين للإدلاء بأصواتهم بهدف المساهمة في بناء حوكمة محلية مسؤولة، فيما زارت نائبة رئيسة البعثة، ستيفاني خوري، مراكز الاقتراع في تاجوراء للاطلاع على عملية التصويت، واستخدام نظام التحقق الإلكتروني من الناخبين.

وتستكمل هذه الانتخابات خطة المفوضية لانتخاب المجالس البلدية على مستوى البلاد، بعد تجاوز بعض العوائق الفنية والقانونية، التي أخرت الاقتراع فيها، كامتداد لنجاح المراحل السابقة، التي نُفذت خلال العامين الماضيين، وأسفرت عن اعتماد نتائج نهائية وتشكيل مجالس منتخبة.


مصر تؤكد أهمية «مفاوضات عُمان» بين إيران وأميركا لاستقرار المنطقة

عبد العاطي خلال مشاركته في حلقة نقاشية بـ«منتدى بليد الاستراتيجي» بالعاصمة السلوفينية ليوبليانا (الخارجية المصرية)
عبد العاطي خلال مشاركته في حلقة نقاشية بـ«منتدى بليد الاستراتيجي» بالعاصمة السلوفينية ليوبليانا (الخارجية المصرية)
TT

مصر تؤكد أهمية «مفاوضات عُمان» بين إيران وأميركا لاستقرار المنطقة

عبد العاطي خلال مشاركته في حلقة نقاشية بـ«منتدى بليد الاستراتيجي» بالعاصمة السلوفينية ليوبليانا (الخارجية المصرية)
عبد العاطي خلال مشاركته في حلقة نقاشية بـ«منتدى بليد الاستراتيجي» بالعاصمة السلوفينية ليوبليانا (الخارجية المصرية)

أعربت مصر عن تقديرها للدور المهم والبنّاء الذي تضطلع به سلطنة عُمان، واستضافتها المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، مشددة على أنها «سوف تواصل بذل جهودها الحثيثة لخفض التصعيد، ودعم التوصل إلى تسويات تعزّز منظومة الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي».

جاءت التأكيدات المصرية خلال اتصالَين هاتفيين لوزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، السبت، مع كل من وزير خارجية سلطنة عُمان بدر البوسعيدي، والمدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وانتهت جولة المحادثات النووية غير المباشرة بين الولايات المتحدة وإيران في العاصمة العُمانية مسقط، وقال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، إن المحادثات «شهدت أجواء إيجابية للغاية»، مضيفاً أن الجانبين «اتفقا على مواصلة المفاوضات».

وأطلع وزير الخارجية العماني، نظيره المصري، السبت، على مجريات المفاوضات التي تمت في عمان بين الولايات المتحدة وإيران، مثمناً الجهود المصرية الدؤوبة والاتصالات المكثفة التي أجرتها مصر بين الأطراف المعنية على مدار الأسابيع الأخيرة، والتي أسهمت في تقريب وجهات النظر والتمهيد للمفاوضات، مشيداً بـ«التحركات الدبلوماسية المصرية الرامية إلى نزع فتيل الأزمات في المنطقة».

وقال عبد العاطي، خلال الاتصال مع البوسعيدي، إن مصر «ستواصل دعمها الجهود كافّة الرامية إلى خفض التصعيد، والتوصل إلى تسوية توافقية للملف النووي الإيراني تراعي شواغل جميع الأطراف»، مشدداً على «أهمية البناء على ما تحقق في هذه المفاوضات، بغية تحقيق الأمن والاستقرار الإقليميين، وتجنّب المنطقة مخاطر الانزلاق إلى موجات جديدة من عدم الاستقرار».

وزيرا خارجية مصر وإيران خلال لقاء غروسي بالقاهرة في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)

وأكدت مصر، الجمعة، دعمها الكامل لاستئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران، «بوساطة الأشقاء في سلطنة عمان». وشددت على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، والسبيل الوحيد للتعامل معه يتمثّل في الحوار والتفاوض، بما يراعي مصالح الأطراف المعنية كافّة».

كما ثمّنت الجهود البنّاءة التي بذلتها كل من المملكة العربية السعودية، وقطر، وتركيا، وسلطنة عمان، وباكستان في هذا الإطار، معربة عن أملها في أن «تُفضي هذه المساعي الصادقة إلى تحقيق اختراق إيجابي، يُسهم في تعزيز فرص الاستقرار والسلام في المنطقة».

كما أشار وزير الخارجية المصري، خلال اتصاله الهاتفي مع غروسي، السبت، إلى استمرار الجهود المصرية الرامية إلى خفض التصعيد في المنطقة، مشدداً على «أهمية مواصلة بذل الجهود الإقليمية والدولية، لخفض حدة التوتر والتصعيد بالمنطقة، والدفع بالحلول الدبلوماسية».

وقادت مصر العام الماضي وساطة بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية، انتهت بتوقيع وزير الخارجية الإيراني، ومدير عام الوكالة الدولية، على اتفاق بالقاهرة في التاسع من سبتمبر (أيلول) الماضي، يقضي بـ«استئناف التعاون بين الجانبَين، بما يشمل إعادة إطلاق عمليات التفتيش على المنشآت النووية الإيرانية»، قبل أن تعلن طهران تجميد الاتفاق في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.

وكان عبد العاطي قد أكد، خلال حلقة نقاشية بـ«منتدى بليد الاستراتيجي» في العاصمة السلوفينية ليوبليانا، مساء الجمعة، «أهمية خفض التصعيد في الإقليم، وتجنّب توسيع دائرة الصراع، وضرورة تغليب الحلول الدبلوماسية والحوار لمعالجة الملفات الخلافية، بما يُسهم في الحفاظ على أمن المنطقة واستقرارها، ومنع انزلاقها إلى مواجهات أوسع».