مفارقات الأخوّة في سرديات الجزيرة العربية

الدور السلطوي للأخ الأكبر في 4 روايات

مفارقات الأخوّة في سرديات الجزيرة العربية
TT

مفارقات الأخوّة في سرديات الجزيرة العربية

مفارقات الأخوّة في سرديات الجزيرة العربية

دعتني دورية أكاديمية بارزة هي مجلة «ألف» التي تصدرها الجامعة الأميركية بالقاهرة إلى الإسهام بورقة حول ما سمّته «العلاقات الأخوية - الأختية في الآداب والفنون»، وكان ذلك محوراً أسهم فيه عدد من الباحثين ووجدته غريباً إلى أن تبين أنه مطروح بقوة في عدد من الحقول من أبرزها الدراسات النسوية. وحين أمعنت النظر في الموضوع وجدتني أنساق تلقائياً نحو أدب المنطقة التي أنتمي إليها بصورة مباشرة؛ وهي منطقة الجزيرة العربية، فبدأت بعض الأعمال السردية تتوارد إلى الذهن وتستدعي استكشافاً من تلك الزاوية التي لم تخطر ببالي من قبل. تذكرت روايات تتمحور حول علاقات الأخوة والأخوات، وبصفة خاصة دور الأخ في المجتمع. ومع تلك العلاقات بدأت خيوط السياقات العامة تتضح ضمن أطر مألوفة، أطر تيمية أو موضوعاتية أحسبها في طليعة الهموم التي هيمنت على الأدب في الجزيرة العربية وربما في مناطق عربية أخرى لعدة عقود، وهي وإن لم تغِبْ فإن صورتها أخذت تتغير وربما تتوارى معالمها إلى حد ما.
في طليعة تلك السياقات الموضوعاتية جاءت الحرية الاجتماعية والتشدد الديني ووضع الأقليات. وهذه موضوعات متداخلة على بعض المستويات ومنفصلة على مستويات أُخَر. تذكرت روايات تمحورت حول سلطة الأخ في فترة السبعينات والثمانينات من القرن الماضي، وكيف مثّل الأخ سلطة المجتمع من زاوية دينية متشددة، وكذلك تمثيله المجتمع من زاوية عرقية أو عنصرية أحياناً. كانت العلاقات الأخوية، بتعبير آخر، مرآة لقضايا مركزية في كثير من المجتمعات، وإذا كنا نتحدث عن المجتمعات العربية، فإن المجتمعات غير العربية وجدت أيضاً في تلك العلاقات ما يمثلها على مستوى الأعمال السردية. يكفي أن نتذكر أعمالاً سردية كبرى مثل «الأخوة كارامازوف» لدوستويفسكي، و«الصوت والغضب» لفوكنر، حيث تحمل العلاقات الأخوية اشتباكات العلاقات الاجتماعية بقدر ما تعبر عن قضايا رئيسية مطروحة على المستويات الفكرية والثقافية العامة. ولا ننسى إلى جانب هذه الأعمال توظيف الأخوة بوصفها مجازاً للهيمنة عند جورج أورويل في روايته الشهيرة «1984».
في 4 من الروايات العربية التي تبادرت إلى ذهني، وهي روايات من الجزيرة العربية كما أشرت، يتضح الدور السلطوي للأخ الأكبر. يتضح عند كاتبين كويتيين؛ هما الراحل إسماعيل فهد إسماعيل في رواية «في حضرة العنقاء والخل الوفي»، وطالب الرفاعي في روايته الصادرة حديثاً «خطف الحبيب». كما يتضح عند كاتبتين سعوديتين؛ هما ليلى الجهني في رواية «جاهلية»، وبدرية البشر في «غراميات شارع الأعشى». هذه الروايات تلتقي عند تصوير الأخ ودوره في العلاقات الأسرية أو صلته بالتطورات الاجتماعية والثقافية، أو بالأحرى الآيديولوجية، التي اجتاحت المنطقة، لكنها تختلف في تصوير ذلك الدور اختلافاً ليس جذرياً، لكنه مهم.
في رواية إسماعيل، يمثل الأخ في سياق الاحتلال العراقي للكويت بتسعينات القرن الماضي ممثلاً للسلطوية التي تمارس دورها أسرياً واجتماعياً تجاه ما يُعد آخراً في التراتبية الاجتماعية الكويتية. بطل الرواية وراويها من الفئة المعروفة بـ«البدون»، واسمه «منسي»، يتزوج أخت الكويتي سعود، ويبدأ التوتر بعد انتهاء الاحتلال حين يرفض سعود زواج أخته من أحد أفراد الفئة المشار إليها، أي أولئك الذين لا يحملون الجنسية الكويتية، فيمارس سلطته بالسعي لتطليق أخته وإبعاد منسي باتهامه بالخيانة أثناء الاحتلال وسجنه من ثم. ويتضح هنا أن سعود أنموذج قبيح للتسلط الذي لا يقتصر على زوج أخته، وإنما يتعداه إلى عمه حين يستولي على ثروة العم ويودعه داراً للمسنين. فالسلطوية تؤثر على القريب والبعيد على حد سواء. وهذا النموذج مختلف عما نجد في رواية «جاهلية» للسعودية الجهني. فمع أن الأخ هنا سيئ أيضاً فإنه في رواية «جاهلية» يتبنى موقفاً عنصرياً - عرقياً تجاه شاب سعودي آخر لكنه أسود حين يتقدم الشاب الأسود لخطبة أخته التي تريد ذلك الشاب. ويتضح من الأحداث أن الأخ لا يسيء إلى أسرته، كما يفعل سعود الكويتي، وإنما يمارس هيمنة ذكورية هي امتداد لسلطة بطريركية نجدها في رواية إسماعيل وغيرها. الأخ السعودي يظهر في صورة أكثر دموية حين يعتدي بالضرب على الشاب الأسود فيكاد يقتله.
لكن الأخوين في رواية إسماعيل والجهني، إذ يقترب بعضهما من بعض، فإنهما يختلفان عن الأخوة في الروايتين الأخريين؛ رواية البشر والرفاعي. يتراجع العنف الأسري هنا، ولكنه يصعد بدرجة حادة حين ينتقل إلى عنف سياسي يتمثل في انضمام الأخ في كلتا الروايتين إلى الجماعات الجهادية؛ الأول مع جهيمان في حادثة الحرم أواخر السبعينات، والثاني مع «داعش» في أواسط الألفية الثانية. فهذان الأخوان الأخيران يتشابهان في تبني العنف الآيديولوجي، ولكن حضورهما الأسري واضح ومؤثر أيضاً.
من هذا كله نستطيع أن نتبين سطوة ذكورية تتمثل ليس في الدور التقليدي للأب، وإنما في دور جيل شاب من الذكور يتوقع منه أن يكون أكثر مرونة وتفهماً للمتغيرات الاجتماعية، لكنه يخيب الآمال. ففي الخطاب النسوي التقليدي تتمثل السلطة فيما يعرف بالأبوية أو البطركية، أي السلطة الذكورية المتمثلة بالأب بوصفه حاملاً لقيم تقليدية تصطدم مع متغيرات اجتماعية لا يقبلها فيفرض سطوته للحيلولة دون حدوث التغيير. لكن من الواضح أن الكتاب رأوا أوضاعاً اجتماعية مغايرة للمتوقع. فدور الأب يتراجع ليحل محله دور أخوي شاب وعنيف، دور أملته متغيرات سياسية وآيديولوجية خيبت أمل المؤمنين بالتقدم الاجتماعي الناتج عن تغير العصر والانفتاح على المؤثرات المقبلة من الثقافات الأخرى. في رواية ليلى البشر نجد شابين، كل منهما أخ في أسرة مختلفة. سعد الذي ينضم إلى جماعة جهيمان التي احتلت الحرم المكي، والذي سبق أن بدأ يتعرف على الخلايا الجهادية في الرياض، نراه مقتولاً ضمن من قتل في تلك العملية المعروفة أواخر السبعينات. أما الآخر فأخ في أسرة أخرى هي أسرة عزيزة راوية القصة، أو بالأحرى راوية مجملها. هذا الأخير كان يدرس في مصر وحين عاد بدت عليه علامات المحافظة: «هبطت ذات مساء فوجدته في فناء المنزل يشعل ناراً في برميل من حديد ويرمي بداخله كتباً في يده، سألته: ماذا تفعل؟ فقال لي إنها كتب لم يعد الوقت يسمح ببقائها في المنزل ...»، والأخ إبراهيم ترك صديقته المصرية رافضاً الزواج منها. «حدثني إبراهيم بكلام كثير عن التقاليد التي تنشأ سابقة على الفرد وتقيده وتجعله أسيرها... فهي أقوى منه لأن الجماعة تحرسها».
وواضح أننا ما نرى هنا دوراً ذكورياً أكثر خفوتاً وأقل ميلاً إلى العنف، لكنه يحمل في طياته وعوداً بسلطة مقبلة ستدفع الأخوات ثمنها، الأخوات اللاتي يعشن في شارع الأعشى (الذي يرمز إلى حي قديم في مدينة الرياض سبق أن عاش فيه الشاعر المعروف) حياة خالية من التشدد ومشغولة بمتع الغناء والموضات والتطلع إلى علاقات غرامية تعلن عنها الرواية منذ العنوان. وإذا كان التشدد الديني طارئاً حتى على مجتمع محافظ كان في ستينات وسبعينات القرن الماضي يتلمس طريقه نحو مزيد من الانفتاح ونبذ العنف، فإن آثار التعليم نفسه ليست بالصورة المبشرة التي كانت متوقعة منها. في إبراهيم نجد أنه حتى الابتعاث لدولة عربية مثل مصر لم يؤدِّ إلا إلى الانغلاق، فكيف بالتعليم الداخلي الذي بدأ يرزح تحت تأثير القيود المتزايدة. تلك القيود قد تكون مسؤولة وإن جزئياً عن سلوك الأخ في رواية «جاهلية»، حيث أثبتت قيم العنصرية قدرتها على الاستمرار. ذلك ما يحدث أيضاً في الرواية الكويتية الأخرى، «خطف الحبيب».
في رواية طالب الرفاعي يتضح التأثير على الشاب ابن الأسرة الغنية في علاقته بمعلمين من دول عربية مجاورة، كما من المسجد الذي يؤدي دوراً تربوياً يزرع التشدد في عقول الشبان لينقلبوا إلى واعظين عنيفين في بيوتهم، ثم جهاديين في ميادين المعارك خارج بلدانهم. إنهم الأحبة المخطوفون الذين لا تجدي فديتهم شيئاً حين يتضح أنهم فرصة للابتزاز ثم عرضة للموت. والطريف في هذا السياق أن الآباء في كل هذه الروايات إما رجال مسالمون طيبون، كما في روايات إسماعيل والجهني والبشر، أو جانحون إلى اللهو والحياة الغارقة في الثراء والملذات، كما في رواية الرفاعي.
تتراجع الأبوية لتسلم القيادة إلى الأخوية.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

رحيل سليمان منصور... ريشة الصمود الفلسطيني بوجه محو الذاكرة

الفنان الفلسطيني سليمان منصور وأكثر لوحاته انتشاراً «جمل المحامل» (إنستغرام الفنان)
الفنان الفلسطيني سليمان منصور وأكثر لوحاته انتشاراً «جمل المحامل» (إنستغرام الفنان)
TT

رحيل سليمان منصور... ريشة الصمود الفلسطيني بوجه محو الذاكرة

الفنان الفلسطيني سليمان منصور وأكثر لوحاته انتشاراً «جمل المحامل» (إنستغرام الفنان)
الفنان الفلسطيني سليمان منصور وأكثر لوحاته انتشاراً «جمل المحامل» (إنستغرام الفنان)

رحل سليمان منصور عن 79 عاماً من حبِّ فلسطين وسَردِ حكايتها ألواناً وخطوطاً ووجوهاً. وُلدَ والنكبة بفارق سنة، هو يكبرها ببضعة أشهر. وكأنَّه أتى إلى الدنيا في تلك اللحظة تحديداً، كي يوثّق أحمال البلاد وجراحَها الكثيرة وذاكرتَها المعرّضة للتشويه والطمس.

قبل شهرٍ من موعد الرحيل، كان الرسام والفنان التشكيليّ يحتفل بعيد ميلاده. قال لمتابعيه الكثيرين على وسائل التواصل الاجتماعي، إنه كلّما أطفأَ شمعةً شعر بأنه صغُرَ سنة. كان يحاول ممازحة المرض وتأجيل الموت؛ لأنه ومن قلب تعبِه كان يشدُّ على الريشة ويعزّ عليه أن تفلتَ منه.

خلال أيامه الأخيرة، كان لا يزال ينشر لوحاتٍ من أرشيفه على «إنستغرام». ثم تدهورت حالته الصحية ما دفع بابنه إلى التمنّي على مُحبّيه أن يذكروه في صلواتهم، قبل أن يعلن خبر الوفاة ناعياً والده بالقول إنه «ترك خلفه حياةً ملؤها الجمال، وإرثاً محفوراً في ذاكرة كل من عرف فنَّه».

أمضى سليمان منصور العمر وهو يرسم فلسطين حتى النفس الأخير (إنستغرام الفنان)

وُلد سليمان منصور في بيرزيت - فلسطين صيف 1947. أمضى جزءاً من طفولته وشبابه في الريف الفلسطيني مع أمّه التي تولّت الاعتناء به وبإخوته، بعد وفاة والده وهو في الرابعة من عمره. تأثّر بألوان الأرض، وبأيادي الفلّاحين. لعب بين أشجار الزيتون وتنشّق زهر الليمون. وبعد أن اكتنزت حواسُّه بطبيعة فلسطين، بدأ يسكبها على الورق.

في حوارٍ مع «الشرق الأوسط» سبق رحيله بسنتَين، استذكرَ كيف أن الأهل والجيران ظنّوا بدايةً أنه مجرّد طفلٍ يلهو بالأقلام والأوراق، إلى أن فاز بمسابقة رسم نظَّمتها الأمم المتحدة وهو في الـ13 من العمر.

بعثت ألوان سليمان منصور مزيداً من الحياة في صور أرض فلسطين (إنستغرام الفنان)

كَبُر سليمان منصور ليفهم أن حكاية فلسطين لا تُختصَر بأشجار الزيتون والليمون، وبمَشاهد حصاد القمح، وبالفساتين المطرّزة بخيطان الفرح. أيقنَ الشاب أنه آتٍ من أرضٍ مثقلة بالدم والظلم، أرضٍ كلّما زُرعت فيها غرسةُ حياة جاءت آلة القتل الإسرائيلية لتقتلعها.

من دون أن يتوقّف عن توثيق جمال الأرض، بدأ سليمان منصور يروي فصلاً جديداً من تاريخ فلسطين؛ فصل الثورة والكرامة والتمسّك بالجذور. ورغم قسوةِ الفصول التي توالت على البلاد، لم يغرق الفنان يوماً في السواد، ولم يبدّل الرقّة بالقسوة. «أردتُ رسمَ فلسطين بأسلوب رومانسي، ومن دون شوائب»، هكذا شرح خياره الفني لـ«الشرق الأوسط». صار منصور أحد روّاد الرمزيّة الواقعيّة بلوحاته التي تعكس مفهوم الصمود الفلسطيني.

رغم ظروف فلسطين الحالكة لطالما لمع الأمل من لوحات سليمان منصور (إنستغرام الفنان)

من بين اللوحات، جاءت واحدةٌ لتشكِّل علامة فارقة ونقطة تحوّل في مسيرته. كان سليمان منصور في الـ26 يومَ رسم «جمل المحامل». مع تلك اللوحة التي تجسّد مسنّاً يحمل القدس والمسجد الأقصى على ظهره، دخل منصور كل بيتٍ فلسطينيّ حول العالم. كرّسه ذلك العمل أحد أبرز سفراء الفن الفلسطيني.

كان يعزّ على منصور أن العمر انقضى والفلسطينيّ ما زال يحمل مآسيه على كتفَيه ويجوب بها العالم. هو الذي واكبَ كل حقبةٍ من المأساة، لم يتصوَّر أن تبلغ الوحشيّة ذروتها وأن تمرّ من دون عقاب في زمن الإعلام العصريّ والتواصل الحديث. «كل فلسطيني يعرف أن الحركة الصهيونية ستسعى إلى طرده من أرضه عندما تحين الفرصة، لكني لم أتصوَّر أن تكون عملية الطرد بهذه الوحشيَّة. ظننتُ أن عصر النكبة قد ولَّى، وأن وسائل التواصل ستحمينا ولو قليلاً، لكني كنت على خطأ»، هكذا علَّق على حرب غزّة والمجازر التي ارتكبتها إسرائيل بحق الغزيين.

أعاد تاريخ الحقد الإسرائيلي نفسه في لوحات سليمان منصور من النكبة إلى مجازر غزة (إنستغرام الفنان)

جال سليمان منصور بفنِّه قارات العالم. فتحت له كبرى العواصم أبواب معارضها. حاضرَ في الرسم والتشكيل ولم يبخل بخبرته وموهبته على الأجيال الصاعدة. لكنه لم يرسم يوماً سوى فلسطين. هو ريشة فلسطين التي جمعت بين الرقّة والثورة، وصنعت معجزة الفرح رغم الأحزان المتكدِّسة عبر الأجيال. كانت للرسّام الفلسطيني اليدُ الطولى في الحفاظ على هوية بلاده وتعريف الشعوب بها.

لوحة سليمان منصور هي ابنةُ أرضها. تستعين بعناصرها الطبيعية وبرموزها بوصفها موادَّ أولية ومصادرَ وحي، فتأتي النتيجة محاكاةً للإرث الفلسطيني تاريخاً وجغرافيا.

لوحة «قطاف الزيتون» من عام 1990 بريشة سليمان منصور (إنستغرام الفنان)

عام 1980، وتعبيراً عن الصمود والاكتفاء بخيرات الأرض، رسمَ سليمان منصور لوحة «إفطار فلسطيني»، وهي مائدة عليها خبز الطابون والطماطم والبصل والزيتون.

ومع بداية الانتفاضة الأولى عام 1987، وكموقفٍ سياسيّ يترجم الاكتفاء الذاتي تزامناً مع مقاطعة البضائع الإسرائيلية، راح منصور يبحث عن مواد من الطبيعة لاستعمالها في الفن. صار يخلط الطين بمكوّنات الطعام مثل السمّاق، والكمّون، والقهوة، والحنّاء. «كانت أعمالي في تلك الفترة تجريدية، ولاحقاً ركزت على الطين ودلالاته الإنسانية والسياسية ليعود فنّي إلى الواقعية».

تعدّدت المواد والتقنيات وبقيَت الرموز الفلسطينية ثابتة في لوحات سليمان منصور، كالزيِّ التقليدي المطرز، والكوفية، وطيور الحمام، وشجر الزيتون، وسنابل القمح، وقبة الأقصى، والعائلة المقدسة.

تعبِّر لوحة «إفطار فلسطيني» عن مفهوم الصمود والاكتفاء الذاتي (إنستغرام الفنان)

من أبرز الرموز التي اكتنزت لوحات سليمان منصور، المرأة الفلسطينية بزيِّها التقليدي المطرّز والمنديل الطويل الذي يغطّي شعرها. المرأة في لوحاته هي الأرض والأمومة والخصوبة والثمر. كان في طليعة أهدافه «تقديم الإنسان الفلسطيني بأجمل صورة، خصوصاً من خلال المرأة التي هي رمز الوطن. لا أراها سوى جميلة بعنقها الممشوق الذي يرمز إلى شموخها. كما يجب أن تكون يداها قويّتَين تجسيداً لارتباطها بالأرض والعمل، ثم يأتي الثوب التقليدي ليكمِّل هويتها الفلسطينية».

المرأة الفلسطينية بزيِّها التقليدي المطرَّز من أبرز رموز لوحات سليمان منصور (إنستغرام الفنان)

أدرك سليمان منصور مبكراً أن أحد تكتيكات الحرب الإسرائيلية هي محاولة شيطنة الفلسطيني وتشويه صورته، فوقف بريشتِه بالمرصاد. من بين أساليب المواجهة التي اعتمدها، التذكير بأن العائلة المقدسة هي فلسطينية فألبسَ السيّد المسيح الكوفية. «تجسيد العائلة المقدّسة كعائلةٍ فلسطينية، هو جزء من جهد إعادة الإنسانية إلى الفلسطينيين، وهو تذكير بأن المسيح كان فلسطينياً بثقافتَيه المادية والمعنوية، بغضِّ النظر عن هوية إيمانه».

سليمان منصور هو الرسام الذي ألبسَ المسيح الكوفية الفلسطينية (إنستغرام الفنان)

في حواره الأخير مع «الشرق الأوسط»، والذي سُجِّل بعد أشهرٍ على اندلاع حرب غزة، سألتُ سليمان منصور عن اللوحة الحلم التي لم يرسمها بعد. أجاب: «أنا أحلم برسم فلسطين محرّرة وجميلة من دون عمليات تجميل».

أخذَ الحلم معه ورحل من دون أن يعرف ربما أنه تجاوزَ بريشته الواقع الأليم والتاريخ الدامي، فرسمَ فلسطين عروساً لا ينضب جمالُها، وأرضاً من الزهر والطيب لا تقدرُ عليها آلةُ التشويه المتوحشة.


السعودية تنشئ مركزاً ثقافياً في باريس

من مراسم توقيع اتفاقية سعودية - فرنسية خلال زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى باريس (واس)
من مراسم توقيع اتفاقية سعودية - فرنسية خلال زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى باريس (واس)
TT

السعودية تنشئ مركزاً ثقافياً في باريس

من مراسم توقيع اتفاقية سعودية - فرنسية خلال زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى باريس (واس)
من مراسم توقيع اتفاقية سعودية - فرنسية خلال زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى باريس (واس)

أعلنت السعودية، الاثنين، إنشاء مركز ثقافي في باريس، وذلك على هامش زيارة الأمير محمد بن سلمان ولي العهد رئيس مجلس الوزراء إلى فرنسا.

وذكرت وزارة الثقافة السعودية أن المركز سيشكّل منصة للتعريف بالثقافة السعودية، وإبراز عمقها التاريخي وتنوعها الإبداعي، من خلال تنظيم البرامج الثقافية النوعية، وإشراك الممارسين والمؤسسات والجمهور الفرنسي في مبادراته.

وسيعمل المركز على دعم حضور الممارسين الثقافيين السعوديين دولياً، وتعزيز التواصل بين المثقفين والمبدعين في البلدين، وبناء شراكات استراتيجية بين المؤسسات الثقافية السعودية والفرنسية، بما يتيح تبادل الخبرات، وتنفيذ المبادرات المشتركة.

ويجسّد إنشاء المركز ما تشهده علاقات البلدين من تطور مستمر، ويؤكّد حرص السعودية على تعزيز حضورها الثقافي الدولي، وتقديم صورة ثقافية أصيلة تعرّف العالم بإرثها الحضاري، وإنتاجها الإبداعي المعاصر.


اجتماع سعودي - فرنسي يناقش مسارات التعاون المستقبلية بشأن العلا

المشاركون في اجتماع اللجنة الوزارية السعودية الفرنسية بشأن العلا (واس)
المشاركون في اجتماع اللجنة الوزارية السعودية الفرنسية بشأن العلا (واس)
TT

اجتماع سعودي - فرنسي يناقش مسارات التعاون المستقبلية بشأن العلا

المشاركون في اجتماع اللجنة الوزارية السعودية الفرنسية بشأن العلا (واس)
المشاركون في اجتماع اللجنة الوزارية السعودية الفرنسية بشأن العلا (واس)

ناقشت «اللجنة الوزارية السعودية - الفرنسية المشتركة بشأن العلا»، الاثنين، مسارات التعاون المستقبلية، بما يعكس متانة العلاقات بين البلدين، ويؤكد مكانة العلا بصفتها ملتقى حضارات ووجهة عالمية للثقافة والإبداع والتنمية المستدامة.

واستعرضت اللجنة منجزات الشراكة بين البلدين، خلال اجتماعها في باريس، برئاسة الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة محافظ الهيئة الملكية لمحافظة العلا، ووزير أوروبا والشؤون الخارجية الفرنسي جان نويل بارو.

الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة السعودي لدى ترؤسه اجتماع اللجنة في باريس (واس)

ورحَّب الجانبان في بداية الاجتماع بتوقيع اتفاقية تمديد وتعديل الاتفاق المبرم بين حكومتي البلدين حول التنمية الثقافية والبيئية والسياحية والبشرية والاقتصادية والتراثية لمحافظة العلا، خلال زيارة الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد رئيس مجلس الوزراء السعودي، لفرنسا.

وأكد البلدان التزامهما بالمضي قدماً في تعميق الشراكة التي أصبحت نموذجاً عالمياً للتعاون الدولي القائم على تبادل المنافع والمعرفة، بما يحقق مستهدفات التنمية الشاملة المستدامة، كما شهد الاجتماع استعراض حجم الاستثمارات المشتركة، ومجالات التعاون القائمة في قطاعات الآثار والفنون والثقافة والرياضة والضيافة وتنمية القدرات البشرية.

مراسم توقيع اتفاقية حول التنمية الثقافية والبيئية والسياحية والبشرية والاقتصادية والتراثية للعلا (واس)

وتعكس الشراكة التزاماً مشتركاً بالتنمية المستدامة من خلال مشروعات استراتيجية مثل «ترام العلا»، ومنتجع «شرعان» من تصميم جان نوفيل، إلى جانب استثمارات في مجالات الطاقة المتجددة والمياه والتنقل، بما يدعم تحقيق مستهدفات «رؤية السعودية 2030» في استقطاب مليون زائر، وجذب الاستثمارات العالمية، مع الحفاظ على تراثها الثقافي والطبيعي.