رحلة «نتفليكس»... الشبكة التي اصطادت العيون

من مكتب صغير لتأجير الأفلام إلى أكبر منصة ترفيهية

رحلة «نتفليكس»... الشبكة التي اصطادت العيون
TT

رحلة «نتفليكس»... الشبكة التي اصطادت العيون

رحلة «نتفليكس»... الشبكة التي اصطادت العيون

ليست المسلسلات ظاهرة طارئة على المشهديّة الترفيهية. أول مسلسل بثّه تلفزيون «بي بي سي» سنة 1946 وتَحلّق حوله المشاهدون، تألّف من 10 حلقات وكان يُدعى «بنرايتس بروغرس Pinwright’s Progress»، لتكرّ بعده المسلسلات بالأسود والأبيض ثم بالألوان، والتي كان ينتظرها مُشاهد الأمس كما يفعل مُشاهد اليوم. الفارق بين الأمس واليوم كبير، إنما غير وحيد؛ وهو أن المتفرّج في الماضيين البعيد والقريب، لم يكن قادراً على اختيار توقيت المُشاهدة، بل كان يُفرَض التوقيت عليه.


مشهد من Pinwright’s Progress ، أول مسلسل عرضته BBC عام 1946
كم مرة حاول الناس ماضياً أن يختصروا دوامهم في العمل، أو أن يعتذروا عن دعوة إلى العشاء؛ حتى لا يفوّتوا حلقة جديدة من مسلسلهم المفضّل؟ كم مرّة سجّلوا الحلقة على آلة الفيديو كي يستطيعوا مشاهدتها في وقتٍ لاحق؟ وكم مرة تذمّروا لأنّهم فوّتوا حلقة من «دالاس»، أو «داينستي»، أو حتى «فريندز»؟
إلى أن جاء الخلاص من داخل مكتبٍ صغير في كاليفورنيا، انطلق عام 1997 لبيع وتأجير الأقراص المدمجة DVD عبر البريد الإلكتروني، ليتحوّل بعد 10 سنوات إلى أهمّ خدمة بث رقمي للمسلسلات والأفلام. في عام 2007، وُلد ما يُعرف بالفيديو حسب الطلب أو Video on Demand VOD. إنها «نتفليكس»، أو أقوى الثورات الترفيهية في الألفيّة الثالثة.
كان على العالم العربي أن ينتظر 9 أعوام حتى تَصلَه تلك الثورة. فمع بداية 2016، دخلت المنصة العالمية رسمياً وشرعياً إلى البيوت العربية. سرعان ما تحوّلت إلى رفيقة الكل، كباراً وصغاراً، مجموعاتٍ وفرادى. تؤنس وحدتهم، ترفّه عنهم، تجمعهم، وتتيح لهم مشاهدة ما يريدون، بمزاجهم، وفي التوقيت الذي يحددون والأهم، من دون إعلاناتٍ تزعجهم.


شعار منصة نتفليكس (رويترز)
«بيت من ورق»... صلبٌ ومتين
استلزمت التحوّلات الجذريّة في مسيرة المنصة سنوات من التفكير والدراسات. صحيح أن البث بدأ سنة 2007، إلا أن الإنتاجات الخاصة المعروفة بـNetflix Originals لم تظهر سوى في عام 2013.
كانت الانطلاقة الحقيقية لإنتاجات «نتفليكس» مع «بيت من ورق House of Cards» في فبراير (شباط) 2013. افتتح ذاك المسلسل حقبة جديدة في تاريخ منصات البث الرقمي، وأحدثَ ضجة هائلة، ليس لكونه باكورة الإنتاجات الخاصة فحسب، بل لمحتواه المثير للجدل. معه، ثَبُت أن الاهتمام كبير بكواليس عالم السياسة. إذ يروي المسلسل حكاية صعودِ فرانك أندروود (يؤدي الدور كيفن سبايسي) إلى سدّة الرئاسة الأميركية، معتمداً بالتعاون مع زوجته كلير (روبن رايت)، كل الأساليب الملتوية واللاأخلاقية من أجل الوصول.


حظي المسلسل بحملة تسويقية ضخمة. حتى الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما ذكره في مقابلات وتغريدات عدّة. وقد نتج من تلك الفَورة، ارتفاع لافت في أسهُم «نتفليكس» في البورصة. ومنذ الموسم الأول لـ«هاوس أوف كاردز»، تحوّلت الشركة إلى إنتاج المسلسلات والأفلام، ولم تعد تكتفي ببث ما ينتجه سواها. كما أنها كسرت حينها محظوراتٍ كثيرة، فتجرأت على بث موسمٍ كامل دفعة واحدة، مكرّسة بذلك ظاهرة الـbinge - watch أو مشاهدة الحلقات كلها في جلسة واحدة، كاسراً محظوراً آخر، دخل المسلسل سباق الـ«إيمي» Emmy Awards والـ«غولدن غلوب» حاصداً جوائز عدة، ما شكّل اعترافاً رسمياً وسط المحافل الفنية العالمية، بإنتاجات «نتفليكس» الخاصة.
مع مرور المواسم بدأت أوراق المسلسل تتهاوى، وسط انتقاداتٍ متمحورة حول التكرار والنصوص المملّة والمشاهد غير المنطقيّة. وقد عزّز ذلك خروج الممثل سبايسي بعد الموسم الخامس، لاتهامه بفضائح جنسية. فكان الموسم السادس الورقة الأخيرة في بيتٍ انطلقَ متيناً ثم تهاوى، لكنه بقي علامة فارقة ونقطة تحوّل في تاريخ منصات البث.

* «هاوس أوف كاردز» بالأرقام
- عدد المواسم 6 (2013 - 2018)
- الميزانية التقديرية 5 ملايين دولار بالحلقة
- سهم «نتفليكس» بعد الموسم الأول من 174 إلى 216$
- عدد المشتركين الجدد بعد الموسم الأول 3 ملايين
- عدد مشاهدي الموسم الثاني بعد 48 ساعة من بثه 670000
- أهم الجوائز: 7 «إيمي» و2 «غولدن غلوب»

البحث عن هوية عربية
فتح «هاوس أوف كاردز» شهية «نتفليكس» على النجاحات والإنتاجات، فتوالت المسلسلات التي شكّلت ظواهر وانتشرت على نحوٍ واسع. النجاح التالي الذي كان بانتظار المنصة العالمية، أتى مع «البرتقالي هو الأسود الجديد Orange is the New Black». بين الدراما والكوميديا تَأرجح المسلسل الاجتماعي، وسط ترحيب الجمهور الذي واظب على متابعته لـ7 مواسم متتالية.
في صيف 2015، أهدت «نتفليكس» مشاهديها مسلسلاً سرق وقتهم والقلوب. إلى البيوت دخل ملك التهريب بابلو إسكوبار من خلال «ناركوس»، الذي صُوّر في كولومبيا وامتدّ 3 مواسم. جذب عالم المافيا وأسطورة بارون كارتل المخدرات الأشهر على الإطلاق، المشاهدين الذين صنّفوه من أقوى مسلسلات «نتفليكس».

لم تكد تمرّ أشهر على انطلاقة «ناركوس»، حتى أصدرت المنصة الأميركية سلسلة أعمال لاقت انتشاراً واسعاً، لعل أبرزها «أشياء غريبة Stranger Things» الذي ما زال حتى الساعة، يشعل أرقام المشاهَدات. وفي عام 2016 كذلك، تحلّق الجمهور حول مسلسلاتٍ كـ«لوسيفير Lucifer»، و«التاج The Crown».
مع توسّع «نتفليكس» خارج الحدود الأميركية ودخولها إلى أكثر من 190 بلداً، صار لا بدّ من إنتاج مسلسلات من الشرق والغرب وناطقة بكل اللغات، لتحاكي الجماهير الجديدة. وبعد ظاهرة «لا كاسا دي بابيل La Casa de Papel» الإسبانية سنة 2017، حان دور العالم العربي الذي قررت «نتفليكس» دخوله من بوابة الأردن وتحديداً من زاوية الخيال والأساطير والجان.
أبصر أول مسلسل عربي من إنتاج المنصة العالمية النور في يونيو (حزيران) 2019، إلا أن «جن» لم يحصد النجاح الجماهيري ولا الأصداء التي حصدها العمل الأردني الثاني «مدرسة الروابي للبنات» (2021).


لم يمرّ المسلسل من دون إثارة جدليّة واسعة، وانقسامٍ في الآراء حول محتواه الجريء إنّما الواقعيّ. ورغم الأصوات المعترضة، فقد حقق العمل انتشاراً واسعاً على امتداد العالم العربي؛ نظراً لمواضيعه الطالعة من صلب المجتمع، كالتنمّر، والتحرّش الجنسي، وجريمة الشرف، وغيرها. وتأكيداً لنجاح الموسم الأول، قررت «نتفليكس» إنتاج موسمٍ ثانٍ من «مدرسة الروابي» من المتوقّع أن يُعرض قريباً.
وفيما يبدو خطّة توسّعية لـ«نتفليكس» مستمرة منذ أكثر من 4 أعوام على امتداد منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، استثمرت المنصة وما زالت، الجهود ورأس المال في إنتاج أعمال عربية أخرى. ومن مسلسلات «نتفليكس» العربية الأصلية: «دولار» (2019)، «ما وراء الطبيعة» (2020)، «أبلة فاهيتا: دراما كوين» (2021)، و«البحث عن عُلا» (2022)، و«الصفقة» (2023).

 


مقالات ذات صلة

«نتفليكس» تبث مقابلة للممثل الأميركي إريك داين يخاطب فيها ابنتيه قبل وفاته

يوميات الشرق الممثل إريك داين (يسار) وبراد فالتشوك في إحدى حلقات سلسلة «الكلمات الأخيرة الشهيرة» (أ.ب)

«نتفليكس» تبث مقابلة للممثل الأميركي إريك داين يخاطب فيها ابنتيه قبل وفاته

خاطب الممثل الأميركي إريك داين ابنتيه بكلمات مؤثرة في مقابلة ضمن سلسلة وثائقية على منصة «نتفليكس» للترفيه، والبث المباشر، وذلك قبل وفاته بأشهر قليلة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق قصة حب كمال وفوسون المأثورة إلى الشاشة بإشراف الكاتب أورهان باموق (نتفليكس)

«متحف البراءة» نسخة «نتفليكس»... أَنصفَت رواية باموق ولم تتفوّق على سِحرها

تحفة أورهان باموق الأدبية «متحف البراءة» إلى الشاشة، والكاتب التركي أشرفَ على المسلسل، ومثّل فيه.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق في هذا الموسم من بريدجرتون تتّجه الأنظار إلى قصة حب بينيديكت وصوفي (نتفليكس)

«بريدجرتون» الرابع يتحول إلى «سندريلا» بقفّاز فضّي

مسلسل «بريدجرتون» في موسمه الرابع يخوض من جديد قصص الحب غير المألوفة. هذه المرة، بينيديكت بريدجرتون يقع في غرام خادمة.

كريستين حبيب (بيروت)
الاقتصاد لقطة جوية التقطتها طائرة مُسيّرة لشعار شركة «نتفليكس» على أحد مبانيها في حي هوليوود بمدينة لوس أنجليس (رويترز)

عرض نقدي ضخم من «نتفليكس» يعقّد مساعي «باراماونت» للاستحواذ على «وارنر بروس»

حوّلت «نتفليكس» عرضها للاستحواذ على أصول الاستوديوهات وخدمات البث المباشر التابعة لشركة «وارنر بروس ديسكفري» إلى عرض نقدي بالكامل.

«الشرق الأوسط» (لوس أنجليس )
يوميات الشرق رواية «لغز المنبّهات السبعة» لأغاثا كريستي تتحول إلى مسلسل (نتفليكس)

«المنبّهات السبعة» على «نتفليكس»... أغاثا كريستي تستحق أفضل من ذلك

رائدة رواية الجريمة أغاثا كريستي للمرة الأولى في إنتاج أصلي لـ«نتفليكس»، لكن «المنبّهات السبعة» لا يشفي غليل محبّي اللغز، والإثارة.

كريستين حبيب (بيروت)

مسجد الطابية بأسوان بحلة جديدة في رمضان

مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)
مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)
TT

مسجد الطابية بأسوان بحلة جديدة في رمضان

مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)
مسجد الطابية يطل على نيل أسوان (محافظة أسوان)

يكتسي مسجد الطابية بمحافظة أسوان (جنوب مصر) بحلة جديدة، بعد سلسلة من أعمال التطوير التي تنفذها شبكة الأغاخان للخدمات الثقافية، وأعلن محافظ أسوان، عمرو لاشين، عن تطوير شامل للمسجد وإعادة المشهد البصرى للمحيط العمراني بالإضاءة المبهرة ليلاً، بفكر احترافي يجمع بين الدقة الهندسية والحس الجمالي.

ويعدّ المسجد الذي يتوسط حديقة خضراء في منطقة الطابية، مصدر جذب سياحي لطبيعته التاريخية المميزة، وهو ما تسعى الشركة المنفذة لمشروع التطوير للحفاظ عليه، لتجعله في صدارة المشهد الحضاري للمدينة السياحية، في إطار رؤية متكاملة تقدر القيمة التاريخية للموقع، وتعيد تقديمه بروح معاصرة تليق بمكانته المتميزة التي تتعانق فيها الطبيعة الخلابة مع التاريخ العريق.

وأكد محافظ أسوان أن «أعمال التطوير تشمل تنفيذ منظومة إضاءة خارجية متكاملة تستهدف إبراز العناصر المعمارية الفريدة للمسجد، بالإضافة إلى إعادة صياغة المشهد البصري للمحيط العمراني من خلال الإضاءة المبهرة للمسجد ليلاً، بما يجعله علامة حضرية مضيئة يمكن رؤيتها من مسافات بعيدة، ويعزز حضوره في الذاكرة البصرية لمدينة أسوان التاريخية»، وفق بيان للمحافظة، الثلاثاء.

ويعود موقع الطابية في قلب أسوان إلى عهد محمد علي باشا، تحديداً عام 1811، حين قرر بناء حصن وتأسيس مدرسة حربية بأسوان، لتأمين الحدود الجنوبية، وتهدم الحصن والمدرسة، وأنشئ المسجد على أطلال الحصن في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، وتم افتتاحه في عصر السادات، وهو مبني على الطراز المملوكي ومزين بالزخارف الكوفية، ويلعب المسجد دوراً في استطلاع هلال رمضان بفضل موقعه المرتفع، كما يستقطب الزوار من داخل مصر وخارجها بعروض الصوت والضوء. وفق موقع وزارة الأوقاف المصرية.

مسجد الطابية في أسوان (وزارة الأوقاف)

وأشار محافظ أسوان إلى أن جهود تطوير المسجد امتدت لتشمل محيطه وحديقته، حيث يجرى تنفيذ شبكة ري حديثة تعتمد على زراعة مدروسة للزهور والنباتات، وتحقق توازناً بصرياً وبيئياً، وتعيد للحديقة دورها بوصفها مساحة جمالية مفتوحة تخدم المصلين والزائرين على حد سواء، مع مراعاة اختيار عناصر نباتية تتوافق مع طبيعة أسوان ومناخها، مؤكداً أن أعمال الصيانة والترميم بالمسجد مستمرة ضمن رؤية متكاملة تستهدف الارتقاء بالموقع العام للحديقة والمسجد إلى مستوى احترافي، وبفكر يجمع بين الدقة الهندسية والحس الجمالي والاحترام الكامل للتراث، ليكون نموذجاً لإعادة إحياء المواقع التاريخية بلمسات حضرية وجمالية جديدة، تحافظ على هويتها الأصيلة، وتعكس التزام الدولة بالحفاظ على التراث.

مسجد الطابية يجتذب السائحين في أسوان (محافظة أسوان)

ووفق الخبير الآثاري، الدكتور عبد الرحيم ريحان، عضو لجنة التاريخ والآثار بالمجلس الأعلى للثقافة، فإن مسجد الطابية استمد اسمه من موقعه المشيد عليه، ويرجع تاريخ الطابية إلى بداية القرن الـ19، حيث كان مقاماً عليها طابية حربية لتكون مقراً لأول كلية حربية في مصر، وهي واحدة من طابيتين حربيتين في أسوان تم إنشاؤهما في عهد محمد علي باشا.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «المسجد ارتبط وجدانياً بشعب أسوان، حيث يقبل عليه الكثير من المواطنين في المناسبات الدينية والاحتفالات والأعياد؛ علاوة على أنه أصبح مزاراً سياحياً لأهميته التاريخية وارتفاعه، حيث يمكن رؤية المدينة بأكملها من فوق سطح المسجد، كما يتم استخدامه لاستطلاع هلال شهر رمضان، وفي المساء يقام به عرض الصوت والضوء».

ويؤكد ريحان أن «تطوير بانوراما المسجد يسهم في تحسين الرؤية البصرية لمدينة أسوان عامة، وزيادة المسطحات الخضراء لتتناغم مع تراثها العظيم وجمال كورنيش النيل، وحدائقها المتعددة لتصبح واحة للجمال قديماً وحديثاً».


ياسر جلال يسامح أحمد ماهر في واقعة «التصريح المسيء»

الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)
الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)
TT

ياسر جلال يسامح أحمد ماهر في واقعة «التصريح المسيء»

الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)
الفنان أحمد ماهر (يوتيوب)

أعلن الفنان ياسر جلال قبوله اعتذار الفنان أحمد ماهر بعد انتشار فيديو يحمل لفظاً مسيئاً للمخرج الراحل جلال توفيق، مما أثار جدلاً طويلاً على مواقع التواصل الاجتماعي، وتدخلت نقابة المهن التمثيلية بمصر في الأزمة وقررت إحالة الفنان أحمد ماهر للتحقيق، عقب انتشار فيديو مسيء منسوب له على عدد من المواقع «السوشيالية»، تضمن لفظاً مسيئاً، وجهه الفنان المصري لأسرة المخرج الراحل جلال توفيق، والد ياسر ورامز جلال.

وتقدمت نقابة الممثلين في بيان أصدرته، الثلاثاء، باعتذار رسمي لأسرة المخرج الراحل، بينما أعلن المكتب القانوني للفنانين ياسر ورامز جلال في بيان صحافي متابعة إجراءات التحقيق التي تجريها النقابة بشأن ما صدر عن الفنان أحمد ماهر من إساءة للمخرج الراحل جلال توفيق، وانتظار النتائج.

وأوضح الوكيل القانوني لياسر ورامز جلال، أن المكتب يتابع ما تسفر عنه تحقيقات النقابة، برئاسة الدكتور أشرف زكي، تمهيداً لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيال ما بدر من إساءة وسب بحق أسرة المخرج الراحل، وكذلك ضد كل من قام بتصوير مقطع الفيديو المتداول، أو نشره أو إعادة نشره عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

وتصدر اسم الفنان أحمد ماهر «الترند»، على موقع «غوغل»، الثلاثاء، عقب إصدار نقابة المهن التمثيلية بيانها وإحالته للتحقيق، وعن رأيه القانوني في الواقعة، أكد المستشار صبرة القاسمي، أن أحمد ماهر وقع ضحية «فخ الخصوصية»، وأن الناشر هو الجاني الحقيقي.

وأضاف القاسمي لـ«الشرق الأوسط» أن «واقعة الفيديو المتداول للفنان أحمد ماهر، الذي ظهر فيه وهو يوجه عبارات حادة للفنان رامز جلال خلال مكالمة هاتفية، بدت عبارات عفوية وأبوية وليست إهانة مقصودة».

الفنان ياسر جلال (حسابه على موقع فيسبوك)

وأشار المحامي المصري إلى أن «الفيديو المسرب يفتقر إلى أهم أركان جريمة (السب والقذف)، وهو القصد الجنائي العلني»، موضحاً أن «من يشاهد المقطع بتمعن يدرك أن الفنان أحمد ماهر كان يتحدث في مكالمة هاتفية خاصة، وبنبرة يغلب عليها (العشم والأبوة)، ولم يكن يعلم مطلقاً أن هناك من يتربص به ويسجل له خلسة، بدليل استنكار إحدى المرافقات له وتسجيلها اعتراضاً بقولها للمصور، (إنت بتصور إيه؟)».

وشدد صبرة القاسمي على أن «الجرم الأكبر يقع على عاتق (الناشر والمصور)، فهما الأجدر بالملاحقة القضائية»، استناداً إلى القواعد القانونية التي تحمي حرمة الحياة الخاصة، وانتهاك الخصوصية وفقاً للمادة 309 مكرر من قانون العقوبات، فإن تسجيل مكالمة أو حديث خاص دون إذن صاحبه هو جريمة «استراق سمع» واعتداء على حرمة الحياة الخاصة.

ونوه القاسمي، بأنه «وفق قانون تقنية المعلومات، فإن الناشر ارتكب جريمة مركبة بنشره محتوى خاصاً بهدف الإساءة والتشهير، وهي من الجرائم التي يعاقب عليها القانون بالحبس مدة لا تقل عن 6 أشهر وغرامة مالية تصل إلى 100 ألف جنيه».

واختتم صبرة القاسمي حديثه قائلاً: «القانون لم يوضع لمعاقبة الناس على أحاديثهم العفوية في هواتفهم، بل وضع لردع من يستغلون التقنية لاختراق خصوصيات البشر»، مشيراً إلى «أن أحمد ماهر في هذه الواقعة هو (مجني عليه)، والعبء القانوني يقع على من خطط وسجل، ونشر هذا المحتوى المسيء».

الفنان رامز جلال (حسابه على موقع فيسبوك)

فيما قال الناقد الفني المصري طارق الشناوي إن «أحمد ماهر من حقه الانتقاد، ولكن دون تجاوز بكلمات لا تليق، بعكس ما جرى في الفيديو، حيث سب الأب بكلمة تتجاوز أي قدرة على الاحتمال».

وأضاف طارق الشناوي لـ«الشرق الأوسط»: «من حق أسرة المخرج الراحل التحرك والغضب، ومن واجب النقابة اتخاذ ما يلزم»، موضحاً أن «الكلام الذي قاله أحمد ماهر يسيء إليه أيضاً، وأن هذه الواقعة لم تكن الأولى التي لم يستطع فيها ضبط رد فعله، فهناك بوصلة لإدراك الخط الفاصل بين الخاص والعام، وما يجوز وما لا يجوز».

ويطمح الشناوي، أن ينتهي الأمر باعتذار أحمد ماهر.

وفي تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط» أكد الفنان أحمد ماهر تقديره لموقف النقابة وموقف نجلي المخرج الراحل جلال توفيق، ياسر ورامز جلال تجاهه، لافتاً إلى أن «ما أثير حول الواقعة أمر طبيعي وسلوك قانوني متبع ومحترم».

وأضاف أحمد ماهر: «تصوير الواقعة تم وأنا في حالة نفسية سيئة، وتحديداً وقت خروجي من تقديم واجب عزاء، وحينها تكالبت علي الكاميرات وتم توقيف سيارتي قسراً للحصول على تصريحات، بينما اندس مصور الفيديو وسألني عن برنامج رامز، حيث جاء ردي بشكل عفوي للخروج من الموقف، ولم أقصد الإساءة مطلقاً لهذه الأسرة الكريمة».

وأوضح أحمد ماهر أنه سيذكر جميع ملابسات الواقعة خلال تحقيق النقابة، مشيراً إلى أنه كانت تربطه علاقة قوية وصلة وطيدة بالمخرج الراحل جلال توفيق وعملاً معاً في أعمال فنية عدة، ومن المستحيل أن يذكره بسوء.

إلى ذلك، أعلن الفنان المصري ياسر جلال، قبوله اعتذار الفنان أحمد ماهر ومسامحته، بعد تصريح «مثير» من الأخير، وصف بأنه مسيء وغير مقبول؛ وفق بيان لنقابة المهن التمثيلية بمصر.

ونشر الفنان ياسر جلال مقطع فيديو على صفحته في «فيسبوك»، قال إنه موجه للفنان الكبير أحمد ماهر، وإنه علم باعتذار عن اللفظ المسيء، ويعلم تماماً أنه لم يقصد، مؤكداً أنه قَبِل اعتذاره، ويعرف قدر محبة أحمد ماهر لأبيهما المخرج الراحل. وبصوت مؤثر قال ياسر جلال: «هل تتذكر حين هاتفتك وأخبرتك بأنني أشعر بالحنين لأبي، وأنني أحدثك لأنك تذكرني به، أنت بالفعل أب لنا وأخ كبير، وحصل خير، كلنا بنحبك وبنحترمك».


«حديقة آدم السرية»... الهروب من الحروب على أجنحة الورود

التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
TT

«حديقة آدم السرية»... الهروب من الحروب على أجنحة الورود

التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)
التجهيز الفني الذي يمثّل «حديقة آدم السرية» (الشرق الأوسط)

دفع الشعور بعدم الانتماء إلى هذا العالم الفنان التشكيلي السوري سبهان آدم إلى ابتكار الكائنات الممسوخة التي اشتهر بها، وترتبط ارتباطاً مباشراً بشخصه وأوجاعه وآلامه المولودة من أفعال البشر. صحيح أنه يحب الناس والطبيعة، لكنه وجد في هذه المخلوقات ملاذاً له، وهو يردد: «عندما يكون ذلك الكمّ الكبير من الألم داخلك وحولك، يصبح من المستحيل رسم عصافير وأزهار».

ولكن في معرضه «حديقة آدم السرية» يقلب سبهان الصفحة تماماً، متجهاً نحو تجربة تشكيلية جديدة ترسو على أسس مختلفة. فاختار الورود لتشكّل نماذج بشرية تسقط ثم تنتصب، تتألم وتضحك ثم تذبل.

يصوّر سبهان آدم الورود كأشخاص يحزنون ويفرحون (الشرق الأوسط)

في غاليري «ميشن آرت» في شارع مار مخايل، تصطف لوحات سبهان المنفذة بالأكريليك و«الميكسد ميديا». وقد شيّد لكل مجموعة منها عالمها الخاص، مستخدماً ألواناً فاقعة يهرب عبرها من واقع الحروب. وفي رحلة يحلّق فيها على بتلات الزهور، يعبّر عن مشاعر الناس وأحاسيسهم. وعلى خلفيات بيضاء وخضراء وحمراء، يرشد زائر المعرض إلى عالم جديد يخلقه بعيداً عن كائناته البشرية الممسوخة التي طبعت مسيرته.

ويرى مدير أعماله غيث المشنوق أن هذا المعرض يشكّل نقلة نوعية في تجربة سبهان آدم. فمن خلاله يرسم بخياله عالماً آخر يهرب معه من قسوة الحروب. وقد اختار الورود ليحلِّق على أجنحتها في فضاء البشر، ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «الأزهار التي يرسمها تشبهنا، فهي تنكسر ثم تعيش، تتحاور في جدالات طويلة ثم تلوذ بالصمت. إنها نماذج إنسانية لا ترضى بحدود اللوحة، فتبحث عن وطن خارجها».

لا يضع سبهان آدم أسماء أو عناوين للوحات، فيترك لأشكالها وألوانها حرية التأويل. ولئلا تغيب كائناته البشرية التي وسمت مسيرته، يقدّمها هذه المرة في منحوتات تتوزع ضمن تجهيز فني صاغه كحديقة غنّاء، يستحضر فيه جمال الحديقة التي خلق فيها الإنسان الأول.

بألوان جريئة وفاقعة تتميّز لوحات سبهان آدم (الشرق الأوسط)

في لوحاته، تشعر بأن لا وردة راضية بواقعها. يضعها في إناء أحمر فتتدلّى بأعناقها الطويلة، زهرية تارةً، وحمراء وزرقاء، خانعة ومنتصبة، على خلفية خضراء، تارة أخرى. وفي مجموعة غيرها بخلفية بيضاء، تخاطبك الزهور برؤوسها البرتقالية والبنفسجية والصفراء الخارجة من إناء أخضر. بعضها يزهو مبتسماً بأكسجين الحياة، وأخرى تختنق مطأطئة الرأس.

يشرح المشنوق: «أن سبهان من الفنانين غزيري الإنتاج. لذلك نرى عشرات اللوحات تتجاور ضمن مجموعات متلاحقة. جرأته في استخدام الألوان الزاهية والمنعشة تعبير عن تمرّد، وكأنها ترفض الواقع الأسود، فتسبح في فضاء الأمل، لأن الألم لا يدوم».

وعن سبب هذه الغزارة، يقول: «تنطلق من شغفه بالرسم، وتعكس في الوقت نفسه أحاسيس جياشة تجتاحه أينما كان. ما إن يمسك الفرشاة حتى تتوالد الأفكار بلا نهاية»، ويضيف: «حين أسأله عن ذلك، يجيب بأن هناك ملايين لم يشاهدوا لوحاته بعد. وهو يتوق إلى إيصالها للعالم كي تجول على كوكب الأرض بأسره».

يهرب الفنان السوري من الحروب عبر أجنحة الورود (الشرق الأوسط)

بدأ سهبان آدم رحلته الفنية بالعمل الدؤوب والتعلّم الذاتي. أحلامه الطفولية كانت تتمحور حول مهن كثيرة إلا الرسم. راحت موهبته الفنية تتبلور منذ بلوغه الخامسة عشرة، حتى وصلت أعماله إلى أعرق دور العرض والمتاحف الحديثة. فجابت باريس، وديجون، وأفينيون، وستراسبورغ، وجنيف، وبيروت، ومدريد. صدر كتاب عنه بتقديم الشاعر أدونيس. وتندرج طريقته ضمن المدرسة التعبيرية التي عُرفت بتشويه الجسد البشري.

ويشير المشنوق، ممثلاً سبهان المقيم حالياً في سوريا، إلى أن «حديقة آدم السرية» يعد أول معرض ملوّن له: «غالباً ما يعبّر في أعماله عن عالم سوداوي، لكنه ينتقل هنا إلى فضاء يحمل رسائل حب، وعنف، وحنين وهجرة. خرج من ذاته ليقدّم المختلف. فهو لا يخزّن المشاهد كما تراها العين، بل يرتكز على اللحظة ومشاعرها ليخلق لوحاته بخياله».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended