كُتَّابٌ بدون رصيد مكتوب

البحث عن الأثر ما بين التأليف والمحاضرة

أمين الخولي - محمد جسوس - شارل مالك
أمين الخولي - محمد جسوس - شارل مالك
TT

كُتَّابٌ بدون رصيد مكتوب

أمين الخولي - محمد جسوس - شارل مالك
أمين الخولي - محمد جسوس - شارل مالك

ليست الكتابة، بما هي تدوين للأفكار والمعاني، يسعى للتداول والانتشار، هي المنتج الفكري الأمثل والوحيد للباحث والناقد والمؤرخ والمشتغل في حقول المعارف الإنسانية المختلفة، إنها لا تعدو أن تكون صيغة من صيغ الاجتهاد والعمل الذهني الذي يفترض سبلاً متعددة الوجوه والمقاصد، إذ يمكن الفصل بين الإنجاز الثقافي العميق والمؤثر وإصدار المؤلفات المتلاحقة، ما دامت شواهد عدة في تاريخ الفكر والأدب تثبت دور الشفاهي، من التدريس إلى المناظرات، إلى الحوارات الممتدة في الزمن بين أجيال متباينة، وهو افتراض يؤكد أن الولع بمراكمة المنشورات من كتب ومصنفات جماعية ومقالات، ليس بالضرورة منتجاً للأثر، سواء في مجتمع المعرفة أو في المشهد الثقافي، ولا يمكن من ثم أن يتحول إلى هاجس رئيسي وحيد لكل مشتغل بالمعارف.
الكتابة نقيض المحاضرة والإملاء، امتحان مرعب ومحفوف بالشكوك، بينما إلقاء الحديث على مدونين فيه احتفال متنقل، استطراد وخطابة، وتقليب للمعاني والكلمات. لهذا كان الكاتب دوماً شخصاً مهووساً بعدم التكرار؛ لأن الكلمات تتحول في لحظتها إلى جمل، وتراكيب وفقرات، تتوسل أسلوباً ونسقاً، لا ينتظم بيسر. بينما المملي شخص مرتاح يترك محنة الكتابة للمريدين، والتلامذة، وبعدهم للشراح وكتاب الحواشي.
لا جرم إذن أن تملأ «الأمالي» الفصول والأقسام والمجلدات الطوال، نستحضر هنا رحلة ابن بطوطة التي كان إملاؤها في فاس بأمر من السلطان أبي عنان المريني، وقام بتدوينها الفقيه ابن جزي الكلبي. بل إن بعض أصناف هذه المدونات احتفظت بلفظ «الأمالي» عنواناً للتأليف، تنبيهاً لمصدر المكتوب، كتلك التي لأبي علي القالي الأندلسي، الذي اختار ألا يبذل جهداً في وصف ما أملاه، وحين أعجزته الوسيلة في وسم كتابه الذي أعقب «أماليه»، سماه: «ذيل الأمالي».
ويحضر إلى الذهن، في سياق هيمنة نزعة المحاضرة والمناظرة بقصد الإقناع الذهني المبني على الخطاب الشفاهي، النموذج المثير للفيلسوف النمساوي لودفيغ فيتغنشتاين، الذي درس لسنوات في جامعة كمبردج قضايا المنطق وفلسفة اللغة والرياضيات، وكان مؤسساً لقواعد تفكير مستجدة للعلاقات المنطقية بين القضايا الذهنية والعالم، والذي على مكانته الكبيرة في تاريخ الفلسفة الحديثة والمعاصرة لم يخلف قبل وفاته إلا مؤلفاً وحيداً صغير الحجم (بعنوان لاتيني) هو: «تراكتاتوس لوجيكو فيلوسوفيكوس» (صدر سنة 1921)، وكل ما صدر له بعد وفاته من نتاج فلسفي هو تجميع من قبل تلاميذه لمحاضراته وأبحاثه غير المكتملة.
وفي أواسط الثمانينات من القرن الماضي قام الباحثان المغربيان كمال عبد اللطيف والطاهر وعزيز من شعبة الفلسفة بجامعة محمد الخامس بالرباط، بجمع محاضرات أستاذ تاريخ الفلسفة المصري نجيب بلدي، الذي أقام لمدة طويلة بالمغرب، ونشراها بعنوان «دروس في تاريخ الفلسفة»، (صدرت عن «دار توبقال» بالدار البيضاء، سنة 1987). لم يكن نجيب بلدي يحظى بشهرة كبيرة في الوسط الأكاديمي رغم نهوضه بدور مؤسس في تكوين أجيال من الطلاب والباحثين ممن صنعوا مجد الدراسات الفلسفية بالمغرب، في حين لم يُصدر إلا مؤلف يتيم عن ديكارت في ستينات القرن الماضي.
وقبل إصدار محاضرات نجيب بلدي، قام بعض أساتذة قسم اللغة العربية بالقاهرة بجمع محاضرات الشيخ أمين الخولي ونشرها، وهو الذي لم يكن محتاجاً لمطبوعات لتأكيد دوره الريادي في الدراسات البلاغية والنقدية بالجامعة المصرية، وبعد أمين الخولي ونجيب بلدي جمعت أعمال عديد من المفكرين والأساتذة الرواد في مشرق العالم العربي ومغربه... بيد أنه باستحضار هذين النموذجين، فقط، نقف على ظاهرة ثقافية جديرة بالانتباه في الذاكرة الجماعية والثقافية العامة، وهي انخراط مجموعة من الباحثين في بناء حقول معرفية مختلفة عبر التدريس والتعريف بمناهج جديدة ونحت مفاهيم وترجمة أخرى وتكوين نخب يمتد تأثيرها لعقود طويلة، دون التفات للأثر المكتوب، حيث التحمت لديهم المعرفة بوقعها في المجتمع والوجدان العام. بالطبع لم يكن شاغل من قام بجمع محاضرات هؤلاء المعلمين الرواد هو إخراج كتب تخلد ذكرهم، ولا حتى إتاحة ما قدموه من محاضرات لعموم القراء فحسب، فهذا المأرب على نبله لا يمثل صلب القصد من تحويل تراث شفوي إلى كتاب جامع، وإنما الغاية الأساس، فيما أظن، هي مواجهة منطق اختزال الأثر في التأليف.
غير أنه في حالات أخرى تلتبس النزعة الإملائية بالتأجيل المسترسل للكتابة، ففي بعض مقاطع سيرته البديعة «صور الماضي» تحدث هشام شرابي، عن النزعة الشفاهية لأستاذه شارل مالك التي أخذته إلى الإغراق في مظاهر المحاضرة والسجال، مع ما يتصل بهما من ذوبان في الشأن الثقافي العام، وهي النزعة التي زاغت بصاحبها عن الإنجاز المعرفي «المحفوظ» والمتواتر عبر الزمن، وأبقته أسير التأجيل المطرد لمشاريع التأليف والكتابة، التي كان مؤهلاً لها خلال عمله بالجامعة، قبل أن ينصرف كلية إلى العملين السياسي والدبلوماسي، وتبتلعه طاحونة الخطابة... وفي مقطع دال من سيرة هشام شرابي نقرأ ما يلي: «من كان يستطيع السماع إلى شارل مالك يتحدث عن الفلسفة الإغريقية، عن سقراط وأفلاطون وأرسطو دون أن يقع في حب الإغريق والفلسفة الإغريقية؟... كان الطلبة يصغون إليه كما كانوا لا يصغون إلى أي أستاذ آخر... وكان أصدقاء شارل مالك وتلامذته ينتظرون اليوم الذي سيبدأ فيه بالكتابة والتأليف، إلا أنه، عدا عن مجموعة من الخطب والمقالات باللغة الإنجليزية (التي يجب اعتبارها سياسية إعلامية) لم يكتب إلا كتاباً واحداً في الفلسفة وهو: (المقدمة: القسم الأول)».
ولقد سيطرت سمة التأجيل وما يتصل بها من خضوع لا واعٍ لسطوة المحاضرة، على عدد كبير من المفكرين العرب، ممن حولوا الكتابة إلى صفة مجازية تدل على النيات، أكثر مما تتصل بالرصيد المتحقق، حيث استثمر عدد منهم في العملية التعليمة، وانصرف بعضهم إلى تكوين الطلائع الحزبية، بينما انشغل آخرون بالمهام السياسية مع ما يصاحبها من انصراف للخطابة.
والظاهر أن حسن الظن بالزمن، والنظر إلى المستقبل، بما هو امتداد متدفق دون حد، كان سمة مرحلة ما بعد استقلال الدول العربية، وبداية تكون نظم التعليم وتأسيس أغلب الجامعات الحديثة، ومن ثم كان الاضطلاع بدور نضالي للنهوض بالمجتمع، لدى نخبة واسعة من الجامعيين أهم من التأليف في حقل الاختصاص، تلك كانت سمة السوسيولوجي المغربي محمد جسوس، وهو شخص لا يعرفه القراء والباحثون العرب جيداً، لسبب بسيط هو أن الكتاب الوحيد الذي صدر له كان من إعداد طلبته. لم يكتب مداخلاته السياسية، ولا محاضراته في علم الاجتماع التي ألقاها على امتداد عقود في قسم الفلسفة وعلم الاجتماع وعلم النفس بكلية الآداب بالرباط، كان عمله مختصراً في المحاضرات التي تنطلق عند عتبة الجامعة وعتبة الحزب اليساري الذي كان عضواً فيه. ولهذا كان دوماً هو المبعوث المفضل للمكتب السياسي لحزبه لتأطير الشباب والإشراف على مؤتمراتهم، حيث كان باستطاعته دوماً أن يسل الشوكة من عجين التطاحن السياسي، والوقوف أمام فورة الحماس وجعلها دافعة نحو المستقبل. مع قيمة أساسية في شخصه هو الأكاديمي خريج جامعة برينستون الأميركية، أنه لم يؤمن يوماً بأن الأكاديمية حاجز معرفي مع الآخرين، لقد كان من أوائل المغاربة المختصين في علم الاجتماع، ممن جعلوا المعرفة الفلسفية والاجتماعية غير مقرونة بالجامعة، وإنما بالجدوى المجتمعية والسياسية؛ لذا قد يكون مجموع تلامذته في المجتمع المغربي أكثر بكثير ممن حضر دروسه، وحتى من شبيبة وأعضاء حزبه، كانوا في النهاية جمهور يسار منفتح، اعتقد دوماً أن السياسة عقيدة الحالمين الأبرياء، وأن العمل العام شأن نبيل، وأخلاق لا تخضع للضرورات والمغانم، وإنما للتضحيات التي تستبدل بالسلطة القدرة على توجيه المجتمع والرقي بطبقاته.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

مصر: تطوير تشريعات لحماية الأطفال من مخاطر الإنترنت والألعاب الإلكترونية

اجتماع لجنة الاتصالات في مجلس النواب المصري (رئاسة مجلس الوزراء)
اجتماع لجنة الاتصالات في مجلس النواب المصري (رئاسة مجلس الوزراء)
TT

مصر: تطوير تشريعات لحماية الأطفال من مخاطر الإنترنت والألعاب الإلكترونية

اجتماع لجنة الاتصالات في مجلس النواب المصري (رئاسة مجلس الوزراء)
اجتماع لجنة الاتصالات في مجلس النواب المصري (رئاسة مجلس الوزراء)

بدأت لجنة الاتصالات في مجلس النواب (البرلمان المصري) جلسات استماع لتطوير تشريعات تهدف إلى حماية الأطفال والنشء من مخاطر الإنترنت والألعاب الرقمية، بحضور وزراء الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، والتربية والتعليم والتعليم الفني، والتضامن الاجتماعي.

وكان النائب أحمد بدوي، رئيس لجنة الاتصالات في مجلس النواب، قد أعلن عقد أولى جلسات الاستماع بشأن هذه التشريعات، بحضور عدد من الوزراء، وممثلي المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، والمجلس القومي للأمومة والطفولة، والأزهر الشريف، والكنيسة المصرية، إضافة إلى الفنان أحمد زاهر، بطل مسلسل «لعبة وقلبت بجد»، وممثلين عن المنصات الدولية.

وفي بداية الاجتماع، ثمَّنت اللجنة مقترح الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، بشأن التنسيق بين الحكومة والبرلمان لإعداد هذا التشريع المهم لحماية النشء من سلبيات مواقع التواصل الاجتماعي.

وأكدت الدكتورة سحر السنباطي، رئيسة المجلس القومي للطفولة والأمومة، أن المجلس يعمل وفق نهج يجمع بين التوعية المجتمعية، والدعم النفسي، والتعاون المؤسسي، والتدخل التشريعي، بما يضمن حماية الطفل في البيئة الرقمية المتطورة.

واستعرضت الجهود التي يبذلها المجلس لدعم حماية الأطفال وأسرهم، والتي تشمل رفع الوعي المجتمعي عبر حملات ومبادرات توعوية لحماية الأطفال من العنف والتنمر الإلكتروني، والتوعية بمخاطر الألعاب الإلكترونية غير الآمنة.

وأوضحت أن المجلس، في إطار تعزيز التعاون المؤسسي، تعاون مع وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات و«اليونيسف» لإعداد أدلة تدريبية متكاملة حول دور الأسرة والمؤسسات التعليمية في حماية الأطفال من مخاطر سوء استخدام الإنترنت والألعاب الإلكترونية.

وأكدت أن المجلس أعدّ رؤية استراتيجية لحظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي للأطفال دون سن 16 عاماً، بهدف حمايتهم من مخاطر الابتزاز والتنمر والتحرش الإلكتروني، ومخاطر بعض الألعاب الإلكترونية. وأشارت إلى أن هذه الرؤية استندت إلى نماذج تشريعية دولية؛ من بينها التجربة الأسترالية، وقد قُدِّمت إلى وزارة العدل لدراسة إمكانية اعتمادها إطاراً تشريعياً وطنياً.

وكان الرئيس المصري قد طالب، في خطاب قبل أيام، بإصدار تشريعات تحدّ من استخدام الهواتف الجوالة حتى سنّ معينة، مستشهداً بتجارب دولية سابقة.

وأكدت رئيسة المجلس القومي للطفولة والأمومة ضرورة نقل عبء الحماية من المستخدم إلى مقدّم الخدمة، من خلال الالتزام بمبدأ الحد الأدنى من البيانات، وعدم جمع معلومات الأطفال إلا للضرورة، وتوفير إعدادات خصوصية وأمان افتراضية عالية للفئة العمرية (16 - 18 عاماً)، وإلزام المنصات بإنشاء فرق عمل محلية لمراقبة المحتوى باللغة العربية واللهجة المصرية، واستخدام خوارزميات ذكاء اصطناعي مخصّصة لاكتشاف التنمر والتحرش باللهجات المحلية.

وقبل أيام، أعلن المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام حجب لعبة «روبليكس» الإلكترونية، بالتنسيق مع الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات، عقب مناقشات مجتمعية وإعلامية حول خطورة التطبيق على الشباب.

ويتيح التطبيق بيئة افتراضية تفاعلية تجمع ملايين المستخدمين، مع وجود أقسام مخصّصة للبالغين تتضمن مشاهد عنف وقتل، وقد صُنِّف في دول عدّة تطبيقاً غير آمن.

كما أعلن رئيس لجنة الاتصالات في مجلس النواب، في تصريحات متلفزة، حجب تطبيق مراهنات وصفه بـ«الخطير» يُدعى «إكس بيت»، مؤكداً أن الحجب سيمتد ليشمل مواقع المراهنات المخالفة التي تمارس ما وصفه بـ«القمار الإلكتروني».

ويرى خبير وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام الرقمي، محمد فتحي، أن الجهود التشريعية لحماية الأطفال من مخاطر بعض الألعاب والتطبيقات الرقمية، على الرغم من أهميتها، لن تكون كافية وحدها لحل المشكلة. وأضاف لـ«الشرق الأوسط»، أنه لا بدَّ من تنفيذ برامج تثقيف رقمي في المدارس، وتدريب أولياء الأمور على التعامل مع الأجهزة والتطبيقات، إلى جانب إطلاق حملات إعلامية عبر منصات التواصل لجذب انتباه الشباب والأسر إلى مخاطر الاستخدام غير الآمن.

وأشار إلى ضرورة تغليظ العقوبات على من ينشر صوراً أو مقاطع فيديو للأطفال دون موافقة، وحجب الحسابات أو الخدمات الرقمية التي تروّج لسلوكيات مسيئة أو تستهدف القُصَّر، بما يسهم في توفير بيئة رقمية آمنة، وتمكين الأسر من أدوات حماية تقنية وقانونية، مع إلزام الشركات التكنولوجية بتطبيق معايير خاصة لحماية المستخدمين من الأطفال.

وأوضح أن التحديات الرقمية الحالية ليست مجرد مشكلة تقنية؛ بل قضية اجتماعية تتطلب تنفيذاً فعالاً وتوعية مستمرة، إلى جانب تشريعات قوية، بهدف تمكين الأجيال القادمة من استخدام الإنترنت بأمان وثقة، لا عزلها عن التكنولوجيا.


مصر: «الأعلى لتنظيم الإعلام» يبحث شكوى نقيب «المهن التمثيلية» ضد «تيك توكر»

الدكتور أشرف زكي نقيب المهن التمثيلية (المركز الإعلامي للنقابة)
الدكتور أشرف زكي نقيب المهن التمثيلية (المركز الإعلامي للنقابة)
TT

مصر: «الأعلى لتنظيم الإعلام» يبحث شكوى نقيب «المهن التمثيلية» ضد «تيك توكر»

الدكتور أشرف زكي نقيب المهن التمثيلية (المركز الإعلامي للنقابة)
الدكتور أشرف زكي نقيب المهن التمثيلية (المركز الإعلامي للنقابة)

أعلن «المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام» في مصر، عن تلقيه شكوى من الدكتور أشرف زكي، نقيب الممثلين، ضد «تيك توكر»، تدعى «أم جاسر»، لنشرها فيديو تهكَّمت خلاله على نقيب المهن التمثيلية بطريقة غير لائقة، مدعية قدرتها على العمل في التمثيل من دون الحاجة إلى العضوية، أو الحصول على التصاريح اللازمة لممارستها.

وقرر رئيس المجلس، في بيان، الاثنين، إحالة الشكوى إلى لجنة الشكاوى، برئاسة الإعلامي عصام الأمير، وكيل المجلس، لبحثها ودراسة ما ورد بها، واتخاذ الإجراءات القانونية، وفقاً لما تقضي به القوانين واللوائح المنظمة.

وظهرت «أم جاسر»، في الفيديو المشار إليه في البيان، عقب إصدار «نقابة الممثلين» بياناً صحافياً، أكدت خلاله إيقاف مسلسل «روح OFF»، للمنتج بلال صبري، ومنعه من العرض خلال موسم رمضان 2026، لمخالفته الصريحة لتعليمات النقابة وقراراتها.

وأكدت النقابة في بيانها أن قرار إيقاف المسلسل جاء بعد توجيه أكثر من تنبيه وتحذير للمنتج بلال صبري بضرورة الالتزام بلوائح النقابة والقوانين المنظمة للعمل الفني، لكنه استمر في تجاهل تلك التعليمات ومخالفتها، على خلفية إعلان إحدى الجهات مشاركة «أم جاسر» في المسلسل.

فريق مسلسل «روح OFF» (الشركة المنتجة)

تعليقاً على قرار إيقافها عن العمل، تحدثت «أم جاسر» في مقطع فيديو على وسائل التواصل الاجتماعي بسخرية، قائلة: «في الوقت الذي كنتُ أصوّر فيه إعلانات ستُعرض على الشاشة خلال موسم رمضان، فوجئتُ بـ(النقابة) ووسائل الإعلام تعلنان منعي من الظهور في مسلسلات هذا العام، رغم أنني لم أشارك من الأساس، وكنت أنتظر التقديم في العام المقبل، حيث يجري تقييمي سلباً أو إيجاباً»، مؤكدة أنها ستشارك في التمثيل خلال العام المقبل بالفعل.

وعَدَّ الناقد الفني المصري محمد عبد الرحمن أن «ما حدث لا يمكن أن نطلق عليه تصعيداً، بل هو تنظيم لمسألة استباحة الشخصيات العامة والكيانات النقابية والتعامل معها بسخرية، وهو ما يستوجب رداً»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الأمر معروض حالياً أمام المجلس، وسيتخذ ما يلزم حياله. ومن حق نقابة المهن التمثيلية تنظيم المهنة، كما أن من حق المتضرر التوضيح والرد بشكل مناسب، وليس بهذه الطريقة».

وشددت النقابة في بيان سابق، على أنها لن تتهاون مع أي تجاوزات أو محاولات للتحايل على القوانين، مؤكدة أن حماية المهنة وصون حقوق أعضائها يأتيان على رأس أولوياتها، وأن أي عمل فني لا يلتزم بالضوابط ستتخذ ضده إجراءات حاسمة، مؤكدة ترحيبها بالتعاون مع شركات الإنتاج الملتزمة بالقواعد والقوانين المنظمة للعمل الفني.

في السياق، أعلن عدد من صناع «روح OFF»، على حساباتهم في مواقع التواصل الاجتماعي، حل أزمة المنع، واستكمال التصوير، وعرض العمل في موسم رمضان، بعد التأكيد على عدم وجود مشاركات تمثيلية مخالفة لقواعد النقابة.


مهرجان «الثقافة والفنون» ينعش الموسم السياحي في أسوان

فرق الفنون الشعبية قدمت عروضاً متنوعة (وزارة الثقافة المصرية)
فرق الفنون الشعبية قدمت عروضاً متنوعة (وزارة الثقافة المصرية)
TT

مهرجان «الثقافة والفنون» ينعش الموسم السياحي في أسوان

فرق الفنون الشعبية قدمت عروضاً متنوعة (وزارة الثقافة المصرية)
فرق الفنون الشعبية قدمت عروضاً متنوعة (وزارة الثقافة المصرية)

يُعدّ مهرجان «أسوان الدولي للثقافة والفنون» في دورته الـ13 محطة بارزة على أجندة الفعاليات الثقافية في جنوب مصر، ورافداً مهماً لدعم الحركة السياحية، وتعزيز الحضور الفني للمدينة التي تُعرف بـ«عروس المشاتي». ويأتي المهرجان العام الحالي ليؤكد دور الفنون الشعبية في تنشيط السياحة، وتوسيع جسور التبادل الثقافي بين الشعوب، عبر برنامج حافل بالعروض، والأنشطة التراثية.

انطلقت فعاليات المهرجان قبل أيام، وتُختتم اليوم الاثنين، بمشاركة 14 فرقة للفنون الشعبية من مصر، ومن دول عربية، وأجنبية عدّة. نظمته وزارة الثقافة ممثلة في الهيئة العامة لقصور الثقافة بالتعاون مع محافظة أسوان، وشهد حضور وفود الدول المشاركة، إلى جانب جمهور من أهالي أسوان، والسائحين زائري المدينة.

وأكد وزير الثقافة المصري، الدكتور أحمد فؤاد هنو، أن مهرجان «أسوان الدولي للثقافة والفنون» يمثل «منصة مهمة للاحتفاء بالتنوع الثقافي، وتبادل الخبرات الفنية، وترسيخ قيم التفاهم والسلام من خلال الفنون»، مشيراً إلى أن اختيار أسوان لاستضافة هذا الحدث الدولي يعكس مكانتها التاريخية، والحضارية، ودورها بوصفها بوابة مصر إلى أفريقيا، وملتقى للثقافات عبر العصور، وذلك وفق بيان للوزارة.

عروض فولكلورية متنوعة في المهرجان (وزارة الثقافة المصرية)

من جانبه، وصف محافظ أسوان، اللواء إسماعيل كمال، المهرجان بأنه إضافة مهمة إلى الخريطة السياحية، والثقافية، والفنية للمحافظة، وفرصة لإبراز ما تتمتع به أسوان من مقومات طبيعية، وتراثية فريدة، مؤكداً استمرار دورها جسراً للتواصل مع أفريقيا. وأوضح أن المحافظة تمتلك إمكانات اقتصادية، وسياحية، وعلمية متنوعة، إلى جانب مخزون كبير من الإبداع، والموروث الثقافي الذي يعكس عراقة التاريخ، وروح الأصالة.

وأشار إلى حصول أسوان على جوائز دولية سياحية، وثقافية، وفنية عدّة، من بينها إعلان فوزها بجائزة «مدينة العام السياحية» لعام 2026 التي تنظمها منظمة الدول الثماني النامية للتعاون الاقتصادي.

وتُعد أسوان من أبرز المقاصد السياحية الشتوية في مصر، حيث تبلغ الحركة السياحية ذروتها خلال هذا الموسم، وتضم عدداً من المعالم الأثرية البارزة، مثل معبد فيلة، ومعبدي أبو سمبل، وقبة الهوا، وجزيرة النباتات، فضلاً عن إطلالتها المميزة على نهر النيل.

فرق أجنبية شاركت في المهرجان (وزارة الثقافة المصرية)

وشهدت عروض المهرجان مشاركة فرق للفنون الشعبية من محافظات مصرية مختلفة، عكست تنوع الفولكلور المحلي بين النوبي، والصعيدي، والبدوي، والفلاحي، والساحلي. كما شاركت فرق عربية وأجنبية من السودان، وفلسطين، والجبل الأسود، ولاتفيا، والهند، واليونان، وكازاخستان، وتونس، وقدمت عروضاً فولكلورية متنوعة.

وأقيمت الفعاليات في مواقع ثقافية وسياحية عدّة بمختلف مدن ومراكز المحافظة، في إطار الربط بين الأنشطة الثقافية والحركة السياحية.

وتستضيف أسوان على مدار العام مهرجانات، وفعاليات ثقافية وفنية عدّة، من أبرزها احتفالية تعامد الشمس على قدس الأقداس في معبد أبو سمبل، والتي تتكرر مرتين سنوياً في فبراير (شباط)، وأكتوبر (تشرين الأول).

وتراهن مصر على تنويع أنماطها السياحية، بما يشمل السياحة الثقافية، وسياحة المؤتمرات، والمهرجانات، والسفاري، والسياحة الشاطئية، والعلاجية، وغيرها، وقد سجلت خلال العام الماضي رقماً قياسياً في عدد السائحين بلغ نحو 19 مليون زائر.