مبادرة «عربات طعام» من بنك مصري تثير تبايناً

تتضمن تمويل مشروعات لحديثي التخرج

عامل توصيل يحمل خبزاً بينما يقود دراجة في أحد شوارع القاهرة (أ.ف.ب)
عامل توصيل يحمل خبزاً بينما يقود دراجة في أحد شوارع القاهرة (أ.ف.ب)
TT

مبادرة «عربات طعام» من بنك مصري تثير تبايناً

عامل توصيل يحمل خبزاً بينما يقود دراجة في أحد شوارع القاهرة (أ.ف.ب)
عامل توصيل يحمل خبزاً بينما يقود دراجة في أحد شوارع القاهرة (أ.ف.ب)

أثارت المبادرة التي أطلقها أحد البنوك المصرية بشأن تمويل مشروع لإنشاء «عربات طعام» لحديثي التخرج تبايناً بين الشباب المصري. وبينما عدّ بعض الشباب المبادرة «فرصة لتوفير فرصة عمل»، تخوف آخرون «من شروط المبادرة».
وتتضمن مبادرة البنك الأهلي المصري «تقديم تمويل بحد أقصى 85 في المائة من قيمة العربة بجميع تجهيزاتها، وكذلك تمويل قيمة دورة رأس المال العامل بواقع 10 في المائة من قيمة تمويل العربات، ويكون الحد الأقصى للتمويل 2 مليون جنيه بعائد 5 في المائة فقط».
وحسب مصادر مصرفية، فإن «المستندات المطلوبة من كل شاب لتمويل مشروع عربات الطعام المتنقلة، تتمثل في صورة من بطاقة الرقم القومي السارية، والسجل التجاري والبطاقة الضريبية، فيما يتم استكمال بقية المستندات وفقاً لطبيعة المشروع». وبمجرد إعلان البنك عن المبادرة (الثلاثاء) تصدرت الترند على محرك البحث «غوغل».
وكانت وزارتا الشباب والرياضة والتنمية المحلية قد أعلنتا العام الماضي عن مبادرة تحمل اسم «عربات مصر - إيجي تراك» تستهدف «إنشاء مناطق تجمع لعربات الطعام ذات تصميم حضاري وشكل (لائق) بالشباب، وفي إطار قانوني بعيداً عن العشوائية، تحقيقاً لعدة أهداف منها، دمج الاقتصاد غير الرسمي في الاقتصاد الوطني، والمساهمة في تقليل نسبة البطالة، وتشجيع الشباب على الإقبال على المشروعات الصغيرة».
وكشفت وزارة الشباب والرياضة حينها أن «تنفيذ مبادرة (إيجي تراك) سوف يستغرق 5 سنوات على مستوى محافظات الجمهورية». وحسب إحصائية للجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، «ارتفع معدل البطالة في مصر إلى 7.4 في المائة من قوة العمل الإجمالية في الربع الثالث من عام 2022، ليصل إجمالي عدد المتعطلين إلى 2.25 مليون متعطل من الشباب».
ووفق خبراء اقتصاديين، «تُشكل (عربات الطعام المتنقلة) مشروعاً جاذباً للكثير من الشباب في مصر، نظراً لعدد من المزايا منها، دورة رأس المال السريعة، وإمكانية البدء برأس مال معقول نسبياً، فضلاً عن عدم الحاجة لخبرات متعمقة، كما أن معظم الزبائن هم من الشباب، وبالتالي يصبح إمكان التفاهم أسرع وأسهل».
وينظم القانون رقم 92 الصادر في عام 2018 العمل بـ«عربات الطعام»؛ حيث يشترط حصول أصحابها على شهادة صحية تثبت خلوهم من الأمراض المعدية، فضلاً عن عدم إعاقة حركة المرور، وكذلك الحصول على التراخيص الأخرى الخاصة بالحي أو المدينة.
رشاد عبده، المحلل والخبير الاقتصادي المصري، يرى أن «أي مبادرة لمنح الشباب فرصة عمل من خلال تمويل (منخفض التكلفة) مُرحب بها من حيث المبدأ»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»، «أنه على البنوك المصرية أن تُركز في مبادراتها على المشاريع كثيفة العمالة، سواء كانت صغيرة أو متوسطة، بحيث تحقق قيمة مضافة للاقتصاد الوطني الكلي».


مقالات ذات صلة

هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

شمال افريقيا هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

هل يحد «الحوار الوطني» من «قلق» المصريين بشأن الأوضاع السياسية والاقتصادية؟

حفلت الجلسة الافتتاحية لـ«الحوار الوطني»، الذي دعا إليه الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قبل أكثر من عام، برسائل سياسية حملتها كلمات المتحدثين، ومشاركات أحزاب سياسية وشخصيات معارضة كانت قد توارت عن المشهد السياسي المصري طيلة السنوات الماضية. وأكد مشاركون في «الحوار الوطني» ومراقبون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، أهمية انطلاق جلسات الحوار، في ظل «قلق مجتمعي حول مستقبل الاقتصاد، وبخاصة مع ارتفاع معدلات التضخم وتسببه في أعباء معيشية متصاعدة»، مؤكدين أن توضيح الحقائق بشفافية كاملة، وتعزيز التواصل بين مؤسسات الدولة والمواطنين «يمثل ضرورة لاحتواء قلق الرأي العام، ودفعه لتقبل الإجراءات الحكومية لمعالجة الأز

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا السيسي يبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي المصري

السيسي يبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي المصري

عقد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، اجتماعاً، أمس (الخميس)، مع كبار قادة القوات المسلحة في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية الجديدة، لمتابعة دور الجيش في حماية الحدود، وبحث انعكاسات التطورات الإقليمية على الأمن القومي للبلاد. وقال المستشار أحمد فهمي، المتحدث الرسمي باسم الرئاسة المصرية، في إفادة رسمية، إن «الاجتماع تطرق إلى تطورات الأوضاع على الساحتين الإقليمية والدولية، وانعكاساتها على الأمن القومي في ظل الظروف والتحديات الحالية بالمنطقة». وقُبيل الاجتماع تفقد الرئيس المصري الأكاديمية العسكرية المصرية، وعدداً من المنشآت في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الإدارية. وأوضح المتحدث ب

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن واستقرار الدول

مصر: ظاهرة «المقاتلين الأجانب» تهدد أمن واستقرار الدول

قالت مصر إن «استمرار ظاهرة (المقاتلين الأجانب) يهدد أمن واستقرار الدول». وأكدت أن «نشاط التنظيمات (الإرهابية) في أفريقيا أدى لتهديد السلم المجتمعي».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا حادث تصادم بمصر يجدد الحديث عن مخاطر «السرعة الزائدة»

حادث تصادم بمصر يجدد الحديث عن مخاطر «السرعة الزائدة»

جدد حادث تصادم في مصر الحديث بشأن مخاطر «السرعة الزائدة» التي تتسبب في وقوع حوادث سير، لا سيما على الطرق السريعة في البلاد. وأعلنت وزارة الصحة المصرية، (الخميس)، مصرع 17 شخصاً وإصابة 29 آخرين، جراء حادث سير على طريق الخارجة - أسيوط (جنوب القاهرة).

منى أبو النصر (القاهرة)
شمال افريقيا مصريون يساهمون في إغاثة النازحين من السودان

مصريون يساهمون في إغاثة النازحين من السودان

بعد 3 أيام عصيبة أمضتها المسنة السودانية زينب عمر، في معبر «أشكيت» من دون مياه نظيفة أو وجبات مُشبعة، فوجئت لدى وصولها إلى معبر «قسطل» المصري بوجود متطوعين مصريين يقدمون مياهاً وعصائر ووجبات جافة مكونة من «علب فول وتونة وحلاوة وجبن بجانب أكياس الشيبسي»، قبل الدخول إلى المكاتب المصرية وإنهاء إجراءات الدخول المكونة من عدة مراحل؛ من بينها «التفتيش، والجمارك، والجوازات، والحجر الصحي، والكشف الطبي»، والتي تستغرق عادة نحو 3 ساعات. ويسعى المتطوعون المصريون لتخفيف مُعاناة النازحين من السودان وخصوصاً أبناء الخرطوم الفارين من الحرب والسيدات والأطفال والمسنات، بالتعاون مع جمعيات ومؤسسات أهلية مصرية، على


الرئيس الجزائري يترأس اجتماعاً للمجلس الأعلى للأمن في البلاد

الرئيس عبد المجيد تبون (د.ب.أ)
الرئيس عبد المجيد تبون (د.ب.أ)
TT

الرئيس الجزائري يترأس اجتماعاً للمجلس الأعلى للأمن في البلاد

الرئيس عبد المجيد تبون (د.ب.أ)
الرئيس عبد المجيد تبون (د.ب.أ)

أفادت الرئاسة الجزائرية بأن رئيس الجمهورية عبد المجيد تبون، القائد الأعلى للقوات المسلحة، وزير الدفاع الوطني، ترأس اليوم الثلاثاء اجتماعاً للمجلس الأعلى للأمن.

ولم تذكر الرئاسة الجزائرية فحوى الاجتماع، لكن يرجح أن يكون مرتبطاً بالتطورات الخطيرة، التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط في أعقاب الحرب، التي تشنها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران.

وأظهرت صور ومقطع فيديو، نشرتهما الرئاسة الجزائرية في حسابها الرسمي على «فيسبوك»، مشاركة رئيس أركان الجيش الجزائري، الفريق أول سعيد شنقريحة، الوزير المنتدب لدى وزير الدفاع الوطني، وقادة الأجهزة الأمنية والعسكرية في الاجتماع، إلى جانب الوزير الأول سيفي غريب، ووزراء الخارجية والداخلية والعدل.


التوتر السوداني - الإثيوبي إلى الواجهة وجبهة النيل الأزرق تشتعل

آبي أحمد مجتمعاً مع حميدتي وشقيقه القوني في أديس أبابا ديسمبر 2023 (إكس)
آبي أحمد مجتمعاً مع حميدتي وشقيقه القوني في أديس أبابا ديسمبر 2023 (إكس)
TT

التوتر السوداني - الإثيوبي إلى الواجهة وجبهة النيل الأزرق تشتعل

آبي أحمد مجتمعاً مع حميدتي وشقيقه القوني في أديس أبابا ديسمبر 2023 (إكس)
آبي أحمد مجتمعاً مع حميدتي وشقيقه القوني في أديس أبابا ديسمبر 2023 (إكس)

على امتداد عقود طويلة، ظلّ التوتر السمة الغالبة على العلاقات بين السودان وإثيوبيا، متغذّياً على جملة من الملفات الشائكة والمعقّدة، في مقدمتها النزاع الحدودي التاريخي حول إقليم الفشقة السوداني، وقضايا مياه النيل، والتداعيات السياسية والأمنية المرتبطة بسدّ النهضة الإثيوبي. ولم يتوقف الأمر عند ذلك الحد، بل امتد ليشمل تبادلاً مستمراً للاتهامات بين الجانبين بشأن التدخل في الشؤون الداخلية، ودعم حركات ومعارضات مسلحة.

وخلال الشهر الماضي، بلغ هذا التوتر مستوى غير مسبوق، قبل أن يطفو إلى السطح بشكل علني مع مطلع الشهر الحالي، عقب اتهام وزارة الخارجية السودانية لإثيوبيا، بصورة رسمية، بالسماح باستخدام أراضيها كمنصات لانطلاق طائرات مسيّرة قتالية تابعة لـ«قوات الدعم السريع»، استهدفت مدناً وبلدات داخل الأراضي السودانية.

وترى دوائر نافذة داخل السلطة السودانية في بورتسودان أن تراكمات سياسية وأمنية معقّدة دفعت بإثيوبيا إلى التحول إلى ما يشبه «حلقة» ضمن حلقات الحرب السودانية، وساحة خلفية يُعتقد أنها تُستخدم لانطلاق المسيّرات، وتدريب المقاتلين، إضافة إلى كونها منصة لاحتضان لقاءات وتحركات سياسية وُصفت بالمثيرة للجدل.

صورة بالأقمار الاصطناعية تُظهِر معسكراً به مئات الخيام في إثيوبيا في إطار اتهامات بتدريب عناصر لـ«الدعم السريع» (رويترز)

وفي بيان صدر يوم الاثنين، أكدت وزارة الخارجية السودانية أن إثيوبيا سمحت باستخدام أراضيها لإطلاق طائرات من دون طيار تابعة لـ«قوات الدعم السريع» لاستهداف العمق السوداني، ووجّهت تحذيراً شديد اللهجة، معتبرة أن ذلك يشكّل «عدواناً صريحاً» وانتهاكاً مباشراً لسيادة السودان. ويمثل هذا الاتهام تصعيداً جديداً في مسار التوتر المتصاعد بين البلدين، منذ أحداث منطقة الفشقة الحدودية، والصدام العسكري الذي وقع في يونيو (حزيران) 2022 بين الجيش السوداني وقوات شبه نظامية موالية للجيش الإثيوبي.

خلافات تاريخية

لطالما كانت العلاقات بين السودان وإثيوبيا، وعلى مدى ما يقارب ثلاثة عقود، محكومة بتراكمات أمنية وسياسية شديدة الحساسية، تعود جذورها إلى محطات مفصلية شكّلت أساساً دائماً للشك وانعدام الثقة بين الجانبين. ويُعدّ أبرز هذه المحطات محاولة اغتيال الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك في يونيو (حزيران) 1995، عقب وصوله مباشرة إلى أديس أبابا للمشاركة في قمة أفريقية، وهي الحادثة التي أطلقت مرحلة جديدة من التوترات الإقليمية، وكان السودان وإثيوبيا في قلب تداعياتها السياسية والأمنية.

وفي السياق الراهن، تصاعد غضب السلطة السودانية في بورتسودان عقب استقبال إثيوبيا لقائد «قوات الدعم السريع» في ديسمبر (كانون الأول) 2023، وهي خطوة اعتُبرت حينها تجاوزاً للحياد المفترض، ورسالة سياسية سلبية في ظل الحرب الدائرة داخل السودان. ولم يلبث هذا الغضب أن تضاعف مع استضافة أديس أبابا، في يناير (كانون الثاني) 2024، لاجتماعات ضمّت «قوات الدعم السريع» و«تحالف القوى المدنية الديمقراطية» (تقدم)، وتوقيع رئيس الوزراء السوداني السابق رئيس التحالف عبد الله حمدوك مع قائد «الدعم السريع» محمد حمدان دقلو (حميدتي)، الوثيقة التي عُرفت بـ«إعلان أديس أبابا».

كما زادت حدة التوتر مع احتضان العاصمة الإثيوبية سلسلة من الأنشطة واللقاءات السياسية والمدنية ذات الصلة بالصراع السوداني، وهو ما رأت فيه دوائر رسمية سودانية انحيازاً غير معلن، وتدخلاً مباشراً في مسار الأزمة الداخلية.

البرهان وآبي أحمد خلال لقاء سابق في الخرطوم (مكتب رئيس وزراء إثيوبيا)

وفي هذا السياق المشحون، جاءت إثارة «ملف المسيّرات» في هذا التوقيت لتعيد إلى الواجهة الشكوك القديمة والاتهامات المتجددة لأديس أبابا بالتدخل في الشأن السوداني، ومدّ يد العون لـ«قوات الدعم السريع»، سواء بشكل مباشر أو عبر توفير بيئة لوجيستية وأمنية مساندة. ومنذ وقت مبكر من العام الماضي، تداول نشطاء على منصات التواصل الاجتماعي معلومات غير موثقة المصدر عن وجود معسكرات تدريب لـ«قوات الدعم السريع» داخل الأراضي الإثيوبية، وهي روايات ظلت في إطار التداول غير الرسمي إلى أن اكتسبت بعداً جديداً مع تقارير إعلامية دولية.

وفي هذا الإطار، نشرت وكالة رويترز في 10 فبراير (شباط) الماضي، تحقيقاً أفادت فيه بأن إثيوبيا تستضيف معسكرات لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«قوات الدعم السريع» في مناطق قريبة من الحدود مع السودان. واستند التحقيق إلى مصادر متعددة، شملت تحليلاً لصور أقمار اصطناعية أظهرت بنية تحتية عسكرية واسعة، تضم تجهيزات وخياماً، وتحركات مكثفة للآليات، وعمليات نقل منتظمة لجنود. ورغم خطورة هذه الاتهامات، لم يصدر عن إثيوبيا نفي رسمي مباشر. غير أن رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد ألمح، في تصريحات غير مباشرة، إلى وجود مشروع «تعدين» كبير في المنطقة الحدودية، وهو تفسير رأى فيه بعض المراقبين محاولة لتبرير الحراك الكثيف للآليات والأفراد في المناطق المتاخمة للحدود السودانية، دون أن ينجح ذلك في تبديد الشكوك المتصاعدة لدى الخرطوم.

اشتعال النيل الأزرق

بالتوازي مع التصعيد السياسي والدبلوماسي بين الخرطوم وأديس أبابا، عادت رقعة القتال للاشتعال في ولاية النيل الأزرق، الولاية الحدودية التي تحاذي إثيوبيا وجنوب السودان، بعد فترة من الخمود النسبي استمرت لعدة أشهر. وسرعان ما تحولت الولاية مجدداً إلى واحدة من أهم جبهات المواجهة في الحرب الدائرة بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع».

وشهدت مناطق متفرقة من الولاية اشتباكات عنيفة تبادل خلالها الجيش وحلفاؤه من جهة، و«الدعم السريع» وحلفاؤه من جهة أخرى، السيطرة والنفوذ، في تطور لافت نقل الإقليم من كونه محوراً قتالياً «خاملاً» إلى مركز عمليات «نشط». وتركزت أعنف المواجهات على وجه الخصوص في محيط الكرمك، حيث اكتسبت هذه المناطق أهمية استراتيجية مضاعفة بفعل قربها الجغرافي من الحدود الإثيوبية.

وإذا ما ثبتت صحة الاتهامات التي أوردتها وزارة الخارجية السودانية بشأن استخدام الأراضي الإثيوبية كنقاط انطلاق للمُسيرات، فإن هذا العامل الجغرافي من شأنه أن يُحدث تحولاً نوعياً في معادلة الصراع. فالقرب بين ولاية النيل الأزرق والحدود الإثيوبية من شأنه أن «يُقصِّر» بشكل كبير خطوط إمداد «قوات الدعم السريع»، بعدما كانت تعتمد في السابق على إمدادات قادمة من أقصى غرب السودان، وكانت المُسيرات تقطع آلاف الكيلومترات لتنفيذ هجماتها. أما في الوضع الجديد، فإن خطوط الإمداد ستكون أقصر وأكثر سرعة ومرونة، ما يمنح «الدعم السريع» - نظرياً - أفضلية لوجيستية في هذا المسرح القتالي.

الأدلة والقرائن

ويعكس الاتهام السوداني المباشر لإثيوبيا، وفق مراقبين، انتقال العلاقة بين البلدين إلى مرحلة باتت تُدار فيها السياسة بأدوات أمنية صِرفة، مع تزايد النظر إلى الملف الأمني باعتباره امتداداً لصراعات قديمة، كامنة ومتجددة في آن واحد. فكما دعمت أديس أبابا، تاريخياً، فصائل من المعارضة السودانية المسلحة في فترات مختلفة، فإن الخرطوم بدورها لم تكن بعيدة عن دعم معارضات إثيوبية، تارة في سياق الصراع الإقليمي مع إريتريا، وتارة أخرى عبر مساندة قوى داخلية إثيوبية معارضة للحكومات المتعاقبة في أديس أبابا.

وفي هذا الإطار، يرى الناشط السياسي محمد موسى أن الاتهام السوداني، رغم صراحته وحدّته، يفتقر إلى العناصر الفنية التي تحوّله من موقف سياسي إلى ملف قانوني قابل للمساءلة. ويقول موسى: «على الرغم من وضوح الاتهام، فإن بيان وزارة الخارجية السودانية، بصيغته المنشورة، لا يتضمن تفاصيل تقنية تتعلق بعدد المُسيرات، أو مساراتها، أو مواقع سقوط حطامها، أو أي معطيات فنية أخرى، ما يجعل الاتهام أقرب إلى تصعيد سياسي منه إلى قضية قابلة للتدويل أو التحقيق الدولي». ويضيف: «حتى تحقيق (رويترز)، رغم أهميته الإعلامية، اعتمد على مصادر وصور أقمار اصطناعية لا ترقى إلى مستوى الأدلة القاطعة. يمكن النظر إليها باعتبارها قرائن إعلامية، لكنها تظل بحاجة إلى إثبات رسمي موثق».


نجاة 116 مهاجراً من الغرق قبالة سواحل طبرق الليبية

«الهلال الأحمر» الليبي يقدم دعماً لمهاجرين تم إنقاذهم من الغرق قبالة شرق طبرق (الهلال الأحمر الليبي)
«الهلال الأحمر» الليبي يقدم دعماً لمهاجرين تم إنقاذهم من الغرق قبالة شرق طبرق (الهلال الأحمر الليبي)
TT

نجاة 116 مهاجراً من الغرق قبالة سواحل طبرق الليبية

«الهلال الأحمر» الليبي يقدم دعماً لمهاجرين تم إنقاذهم من الغرق قبالة شرق طبرق (الهلال الأحمر الليبي)
«الهلال الأحمر» الليبي يقدم دعماً لمهاجرين تم إنقاذهم من الغرق قبالة شرق طبرق (الهلال الأحمر الليبي)

انتشلت فرق الإنقاذ الليبية 116 مهاجراً غير نظامي من الغرق قبالة ساحل مدينة طبرق شرق البلاد، بعد تعطل ثلاثة قوارب، كانوا يستقلونها وظلوا 24 ساعة في مياه البحر المتوسط.

وقال «الهلال الأحمر» الليبي، الثلاثاء، إن فرق الطوارئ والحماية والهجرة بفرع طبرق تلقت بلاغاً من خفر سواحل طبرق، يفيد بتعرض القوارب الثلاثة للغرق؛ فعملت بدعم من المفوضية السامية لشؤون اللاجئين على إنقاذ المراكب شرق طبرق، مبرزاً أن عدد من تم إنقاذهم بلغ 116 شخصاً من جنسيات مختلفة، حيث عملت الفرق الميدانية على تقديم الدعم الإنساني اللازم.

تقديم مساعدات لمهاجرين تم إنقاذهم من الغرق قبالة شرق طبرق (الهلال الأحمر الليبي)

وفي مطلع مارس (آذار) الحالي، أفادت مفوضية اللاجئين بأن أربعة مهاجرين فقدوا في البحر، إثر حادثة غرق قارب قبالة ساحل طبرق، كان على متنه 31 شخصاً، نجا منهم 17، وما يزال آخرون في عداد المفقودين.

وبشأن قوارب طبرق، قالت المفوضية، الثلاثاء، إن فرقها عملت على علاج الناجين من انخفاض حرارة الجسم، وحروق طفيفة ناجمة عن تسرّب الوقود داخل القوارب.

وخلال الأسبوعين الماضيين، زادت عمليات انتشال الجثث التي تقذف بها الأمواج على شواطئ ليبيا، وذلك على خلفية «زيادة نشاط العصابات المتاجرة بالبشر»، وتهريب المهاجرين عبر البحر بقصد الوصول إلى الساحل الأوروبي.

وقالت جمعية الهلال الأحمر الليبي، الأحد الماضي، إن فريق الطوارئ في فرع الجمعية بمدينة الخمس (غرب البلاد) انتشل جثة من شاطئ بمنطقة غنيمة غرب الخمس، يُرجَّح أنها تعود لأحد ضحايا الهجرة غير النظامية بعد غرق قارب كان يقلهم مطلع الأسبوع، لافتة إلى أن الأمر «بات مشهداً يتكرر مع كل موجة هجرة غير نظامية».

في السياق ذاته، وفي ظل توسع السلطات الليبية في ترحيل المهاجرين غير النظاميين إلى بلدانهم، قال جهاز مكافحة الهجرة غير المشروعة بشرق طرابلس إنه رحّل عدداً من المهاجرين من الجنسية النيجيرية، كانوا من ضمن نزلاء مركز إيواء المهاجرين شرق طرابلس، وبعد استكمال كامل إجراءاتهم الإدارية والقانونية تم ترحيلهم عبر منفذ مطار معيتيقة الدولي، بالتعاون مع المنظمة الدولية للهجرة.

ضبط قوارب مخصصة لتهريب المهاجرين عبر المتوسط لدى عصابات بغرب ليبيا (وزارة الداخلية)

ونوه الجهاز بأنه رحّل 272 شخصاً من جنسيات مختلفة خلال الشهر الماضي، بسبب مخالفتهم القوانين المعمول بها بعد استيفاء الإجراءات القانونية كافة.

وعادة ما تستيقظ ليبيا كل صباح تقريباً على مأساة جديدة قبالة سواحلها في البحر المتوسط. ففي فبراير (شباط) الماضي، غرق قارب انطلق من مدينة الزاوية بغرب البلاد وكان على متنه 55 مهاجراً غير نظامي، في حادثة تُضاف إلى سجل طويل من حوادث غرق القوارب التي تُقل مهاجرين أفارقة طامحين لمستقبل أفضل بالقارة الأوروبية. ولم ينجُ من الحادث سوى امرأتين نيجيريتين، أمكن إنقاذهما خلال عملية البحث والإنقاذ التي نفذتها السلطات الليبية؛ وأفادت إحداهما بفقدان زوجها، فيما قالت الأخرى إنها فقدت رضيعَيها، وفق ما ذكرته «المنظمة الدولية للهجرة».

وتتكرر مثل هذه الحوادث بشكل مستمر؛ ففي 22 يناير (كانون الثاني) الماضي، أمرت النيابة العامة الليبية بحبس اثنين من تشكيل عصابي، لاتهامهما بتهريب مهاجرين غير نظاميين من شرق ليبيا إلى أوروبا عبر البحر المتوسط، ما تسبب في غرق 59 شخصاً من مصر وبنغلاديش.

وكان الضحايا من بين 79 شخصاً من البلدين انطلق قاربهم من طبرق، بأقصى الشرق الليبي، وأُعلن عن غرق 59 منهم في 30 يوليو (تموز)، فيما تم إنقاذ الباقين. وعادة ما تنتشل عناصر «الهلال الأحمر» الليبي الجثث التي تقذفها الأمواج إلى الشاطئ.

وقالت المديرة العامة للمنظمة الدولية للهجرة، إيمي بوب، في بيان أصدرته المنظمة نهاية فبراير الماضي، إن استمرار فقدان الأرواح على طرق الهجرة «يمثل إخفاقاً عالمياً لا يمكن عدّه أمراً طبيعياً. فهذه الوفيات ليست حتمية»، ورأت أنه «عندما تظل المسارات الآمنة والمنظمة بعيدة المنال، يُضطر الأشخاص إلى سلوك رحلات خطرة، والاعتماد على المهربين والمتاجرين بالبشر».

ولفتت المنظمة إلى أنه «لا تزال المسارات البحرية من بين أخطر طرق الهجرة في العالم. ففي عام 2025 لقي ما لا يقل عن 2108 أشخاص حتفهم، أو فُقدوا في البحر الأبيض المتوسط».

من عملية إنقاذ المهاجرين من الغرق قبالة شرق طبرق (الهلال الأحمر الليبي)

وتشير المنظمة إلى أن «هذا الاتجاه المقلق يستمر خلال عام 2026»، مؤكدة أن البحر الأبيض المتوسط يشهد ارتفاعاً في وفيات المهاجرين خلال الشهرين الأولين من العام، حيث سُجّلت 606 حالات وفاة حتى 24 فبراير الماضي.

ودعت «الأمم المتحدة» السلطات الليبية، في شرق البلاد وغربها، إلى تنفيذ إصلاحات عاجلة «لحماية المهاجرين واللاجئين من الانتهاكات التي يتعرضون لها».