أوديسا تتحصن تحسباً لهجوم روسي من جهة الغرب

اشتداد المعارك حول باخموت... وموسكو تعلن «طرد» وحدات أوكرانية توغلت داخل الحدود

يفغيني بريغوجين رئيس مجموعة «فاغنر» الخاصة في مقطع بالزي العسكري  يدعي من مكان غير محدد في باخموت محاصرة المدينة بالكامل ويطالب كييف بسحب قواتها (أ.ف.ب)
يفغيني بريغوجين رئيس مجموعة «فاغنر» الخاصة في مقطع بالزي العسكري يدعي من مكان غير محدد في باخموت محاصرة المدينة بالكامل ويطالب كييف بسحب قواتها (أ.ف.ب)
TT

أوديسا تتحصن تحسباً لهجوم روسي من جهة الغرب

يفغيني بريغوجين رئيس مجموعة «فاغنر» الخاصة في مقطع بالزي العسكري  يدعي من مكان غير محدد في باخموت محاصرة المدينة بالكامل ويطالب كييف بسحب قواتها (أ.ف.ب)
يفغيني بريغوجين رئيس مجموعة «فاغنر» الخاصة في مقطع بالزي العسكري يدعي من مكان غير محدد في باخموت محاصرة المدينة بالكامل ويطالب كييف بسحب قواتها (أ.ف.ب)

رغم تركُّز الأنظار على تطورات الوضع في جنوب شرقي أوكرانيا، خصوصاً حول مدينة باخموت الاستراتيجية في إقليم دونيتسك، حيث تدور معارك ضارية للسيطرة عليها منذ أسابيع، تزايدت المخاوف الأوكرانية من شن هجوم مباغت من جهة الغرب، باتجاه مدينة أوديسا، وهي المدينة الكبرى الوحيدة على البحر الأسود التي أخفقت محاولات روسيا للسيطرة عليها، منذ بدء العملية العسكرية في فبراير (شباط) من العام الماضي.
وأعلن الجمعة، مستشار رئيس الإدارة العسكرية في أوديسا، سيرغي براتشوك، تسريع وتيرة عمليات «تحصين» المدينة، لمنع تعرضها لهجوم. وقال إن «إجراءات لمكافحة التخريب» يتم تنفيذها في المنطقة بهدف «تعزيز الأمن على حدود المنطقة».
وكشف براتشوك عن أن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عقد الخميس اجتماعاً بمقر القائد الأعلى للقوات المسلحة، استمع خلاله إلى تقرير قدمته القوات البرية للجيش الأوكراني في أوديسا عن الوضع في الاتجاه الجنوبي الغربي. وزاد المسؤول العسكري الأوكراني أن سلسلة خطوات تم اتخاذها أخيراً، بهدف «تغطية جميع أقسام حدود الولاية التي تمر عبر أراضي منطقة أوديسا بشكل آمن». وتوقف بشكل خاص عند «التهديدات التي تتعلق بالوضع في ترانسنيستريا (بريدنوستروفيه) غير المعترف بها»، في إشارة إلى الإقليم الانفصالي المولدافي الملاصق من جهة الغرب لأوديسا، الذي تتمركز فيه قوات روسية. وقال براتشوك: «لا ألمح إلى أي شيء، أنا فقط أؤكد أن التدابير المضادة لأي عملية تخريب في منطقتنا مستمرة، وهي فعالة، وسوف نقدم مزيداً من التفاصيل لاحقاً». وأشار إلى أن الوضع الأمني العملياتي في منطقة أوديسا لم يتغير كثيراً، ومع ذلك، حسب قوله، فإن «قوات الدفاع لديها ما تفعله».
وكان مسؤول دائرة الحدود الأوكرانية أندريه ديمشينكو قد قال قبل أيام إن الجيش الأوكراني يقوم ببناء تحصينات على الحدود مع إقليم ترانسنيستريا.
وتصاعدت وتيرة التوتر في هذه المنطقة خلال الأيام الأخيرة، وأعلن الجيش الأوكراني قبل يومين، أن روسيا تنشر سفناً إضافية في البحر الأسود، في إشارة إلى مخاوف من تصعيد عسكري محتمل في المنطقة.
ونقلت صحيفة «كييف إندبندنت» المحلية عن القيادة الجنوبية الأوكرانية الأربعاء الماضي، أن عدد السفن الروسية في البحر الأسود ارتفع حالياً إلى 17 سفينة، بما في ذلك خمس حاملات صواريخ وغواصتان.
وجاءت التطورات بعدما كانت وزارة الدفاع الروسية قد اتهمت كييف الأسبوع الماضي، بتحضير «استفزاز عسكري» ضد إقليم بريدنوستروفيه، وقالت الوزارة إن «قوات كييف تستعد لغزو جمهورية ترانسنيستريا بدعوى منع زحف الجيش الروسي على أوكرانيا من هناك».
وعززت هذه الاتهامات فرضية التوجه الروسي لإطلاق مرحلة جديدة من الصراع بمشاركة الانفصاليين المولدافيين الموالين لموسكو. وتكمن أهمية فتح هذه الجبهة في السعي إلى تعقيد الموقف أكثر أمام كييف، من خلال توسيع رقعة المواجهات من ناحية، والعمل بشكل مباشر على محاولة السيطرة على ميناء أوديسا في أقصى غرب البلاد من ناحية أخرى، علماً بأن هدف السيطرة على أوديسا كان دائماً مطروحاً على أجندة الأهداف الروسية، لكن تعثر العمليات العسكرية في خيرسون ونيكولايف المجاورة منع من التقدم نحو الميناء الأوكراني الاستراتيجي.
لم توضح التصريحات الروسية عن استهداف أوكراني لإقليم بريدنوستروفيه المولدافي، كيف يمكن فهم أن تقوم كييف بمغامرة من هذا النوع، يمكن أن تفتح جبهة جديدة ضدها، لكن وزارة الدفاع الروسية قالت إن الجانب الروسي «سجّل حشوداً عسكرية كبيرة لقوات كييف، وقيامها بنشر قوات المدفعية والعربات المدرعة على الحدود مع ترانسنيستريا، فضلاً عن زيادة غير مسبوقة في تحليق الطائرات المسيّرة فوق المنطقة». وأضافت الوزارة: «يشكل مثل هذا الاستفزاز تهديداً مباشراً لقوات حفظ السلام الروسية في ترانسنيستريا»، وشددت على أن الجيش الروسي سوف «يرد بشكل مناسب على الاستفزاز المحتمل من الجانب الأوكراني».
وكان عدد من الجنرالات الروس قد كشفوا منتصف العام الماضي عن أن الوصول إلى بريدنوستروفيه يشكل «الاستكمال الطبيعي للعملية العسكرية بعد إحكام السيطرة على أوديسا». لكن خبراء عسكريين رأوا أخيراً، أن تعثر العملية العسكرية في مناطق الجنوب الأوكراني دفع موسكو، من ضمن خطوات إعادة النظر في تكتيكاتها العسكرية، إلى تفضيل تحرك معاكس، يقوم على استخدام الوجود العسكري الروسي في الإقليم المولدافي الانفصالي للهجوم من جهة الغرب على أوديسا.
وعلى صعيد آخر، أعلنت هيئة (وزارة) الأمن الفيدرالي الروسي الجمعة، أن قواتها نجحت في طرد القوميين الأوكرانيين، الذين قاموا بالتوغل داخل الأراضي الروسية في منطقة بريانسك الخميس. وأفاد بيان أمني بأن المجموعة «أبعدت إلى أراضي أوكرانيا، وتلقت هناك ضربة قوية بالمدفعية الروسية». وزاد البيان: «نتيجة التدابير المتخذة، تم إيقاف هجوم القوميين الأوكرانيين في مقاطعة كليموفسكي في منطقة بريانسك. وتجنباً لوقوع إصابات في صفوف المدنيين، وإلحاق أضرار بالبنية التحتية المدنية، تم حشر العدو وإبعاده إلى أراضي أوكرانيا، حيث تم توجيه قصف مدفعي مكثف».
وكانت موسكو قد اتهمت «مجموعة تخريبية أوكرانية» بالتسلل إلى أراضي منطقة بريانسك الحدودية، وفي قرية لوبشاني التي تبعد عن الحدود أقل من كيلومتر واحد أطلق المسلحون النار على سيارة؛ ما أسفر عن مقتل اثنين من المدنيين. وبالإضافة إلى ذلك، في قرية سوشاني، اشتعلت النيران في مبنى سكني بسبب قذيفة أسقطتها طائرة من دون طيار. وقالت موسكو لاحقا إن «المجموعة التخريبية» التي قدر عدد أفرادها بخمسين شخصاً احتجزت 6 رهائن مدنيين داخل أحد المتاجر في البلدة. ووصف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال اجتماع طارئ لمجلس الأمن القومي الحادث بأنه «هجوم إرهابي»، وتعهد برد قوي على من «يستهدفون المدنيين».
وشددت هيئة الأمن الفيدرالي الجمعة على «استعادة السيطرة على البلدة»، وقالت إن «خبراء الألغام يقومون بتمشيط المنطقة، وتم العثور على عدد كبير من العبوات الناسفة من طرازات مختلفة».
وقال المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف الجمعة إن موسكو «ستتخذ إجراءات» لمنع تسلل عناصر أوكرانيين مستقبلاً، مضيفاً: «سيتم التوصل إلى استنتاجات في نهاية التحقيق». ونفت الرئاسة الأوكرانية هذه المزاعم، ورأتها تمثل «استفزازاً متعمداً» يهدف إلى تبرير الغزو الجاري منذ أكثر من عام.
وفي مقطعي فيديو تم نشرهما على مواقع التواصل الاجتماعي، لكن لم يتم التأكد من صحتهما، ادعى أربعة رجال يرتدون زياً عسكرياً أنهم نفذوا عملية التوغل، وقدموا أنفسهم على أنهم أعضاء في مجموعة من «المتطوعين الروس» داخل الجيش الأوكراني. وأوردت وسائل إعلام روسية وأوكرانية أن أحد هؤلاء الرجال هو دينيس نيكيتين، وهو نازي روسي جديد يقيم في أوكرانيا منذ سنوات.
وعلى صعيد المعارك الطاحنة في باخموت، باعتراف طرفي النزاع، قال يفغيني بريغوجين رئيس مجموعة «فاغنر» العسكرية الروسية الخاصة في فيديو نُشر أمس الجمعة، إن مدينة باخموت الأوكرانية أصبحت في حكم المحاصرة بالكامل، وإن قوات كييف ليس أمامها إلا طريق واحد للخروج. وطالب بريغوجين، الذي ظهر في المقطع مرتدياً زياً عسكرياً، الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بسحب قواته من المدينة الصغيرة. وقال: «وحدات الشركة العسكرية الخاصة (فاغنر) حاصرت تقريباً باخموت، ولم يعد هناك سوى طريق واحدة (مفتوحة للقوات الأوكرانية)، والأمور تزداد إحكاماً». وأضاف أن قواته أصبحت تقاتل بشكل متزايد أفراداً من كبار السن والأطفال وليس الجيش الأوكراني المحترف. وظهر في الفيديو لاحقاً من بدوا أنهم ثلاثة أسرى أوكرانيين، أحدهم رجل مسن، والآخران طفلان صغيران، وبدا على ملامحهم الذعر، وطلبوا السماح لهم بالعودة إلى ديارهم. ونشر بريغوجين الخميس فيديو آخر أظهر مقاتليه داخل وسط باخموت. وتمكنت «رويترز» من تحديد الموقع الجغرافي للتصوير، واتضح أنه إلى الشرق من باخموت على مسافة كيلومترين من وسط المدينة.
ولم تذكر هيئة الأركان العامة الأوكرانية أي تفاصيل عن الوضع في باخموت الجمعة، واكتفت بالإشارة إلى أن الجيش صدّ 85 هجوماً روسياً على الجبهة بأكملها خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، إلا أن المتحدث باسم القيادة الشرقية للجيش الأوكراني سيرغي تشريفاتي نفى في تصريح لوكالة الصحافة الفرنسية الأربعاء انسحاب قواته من باخموت. وقد حاول العسكريون الأوكرانيون الذين قابلهم الصحافيون الفرنسيون في المدينة مؤخراً أن يظلوا متفائلين، فيما أفاد آخرون بنقص في الرجال والذخيرة والمدفعية.


مقالات ذات صلة

«الأولمبية الدولية» تعيد روسيا إلى المنافسات لكن دون العَلم أو النشيد الوطني

رياضة عالمية روسيا ستشارك في المنافسات الأولمبية المقبلة (رويترز)

«الأولمبية الدولية» تعيد روسيا إلى المنافسات لكن دون العَلم أو النشيد الوطني

قررت «اللجنة الأولمبية الدولية» رفع القيود المفروضة على الرياضيين الروس، وبالتالي سيتمكنون من العودة إلى الرياضات الجماعية والمشاركة في التصفيات...

«الشرق الأوسط» (لوزان (سويسرا))
أوروبا الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال اجتماع ثنائي مع نظيره التركي رجب طيب إردوغان في أنقرة بتركيا (أ.ب)

قمة «الناتو» تترقب ترمب… ودور أميركا في حماية أوروبا مستقبلاً

مع بدء قمة «الناتو» يترقب الحلفاء المواقف التي سيعلنها الرئيس الأميركي دونالد ترمب حيال الدور المستقبلي لبلاده في الحلف وسط تحذيرات من توسيع روسيا حرب أوكرانيا

علي بردى (واشنطن)
العالم الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى مطار «إيسنبوغا» قبل انعقاد قمة رؤساء دول وحكومات «حلف شمال الأطلسي - ناتو» لعام 2026 في أنقرة (إ.ب.أ)

ترمب: بوتين وزيلينسكي «يريدان اتفاقاً» ينهي الحرب في أوكرانيا

أكد الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، الثلاثاء في أنقرة، أن نظيريه؛ الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، والروسي فلاديمير بوتين، «يريدان» التوصل لاتفاق يضع حداً للحرب...

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا الرئيس التركي رجب طيب إردوغان خلال استقباله الرئيس الأميركي دونالد ترمب في قصر بيتشبع الرئاسي بأنقرة (الرئاسة التركية)

ترمب يؤكد النظر في بيع مقاتلات «إف - 35» لتركيا ورفع عقوبات «كاتسا»

أكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب أنه سيتم النظر في إمكان بيع تركيا مقاتلات «إف - 35» ورفع العقوبات المفروضة عليها بموجب قانون «كاتسا»

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
أوروبا رجال الإنقاذ يعملون على ترميم مبنى سكني دُمر جزئياً جرَّاء قصف صاروخي روسي على العاصمة الأوكرانية كييف (أ.ف.ب)

روسيا وأوكرانيا... تصعيد ميداني متبادل مع انطلاق قمة «الناتو»

روسيا وأوكرانيا ...تصعيد ميداني متبادل مع انطلاق قمة الناتو موسكو مصرة على تحقيق أهدافها العسكرية وترمب يتحدث عن "نهاية وشيكة" للصراع

رائد جبر (موسكو)

الاتحاد الأوروبي يدرس خطة طارئة بعد قيود أميركية على نماذج ذكاء اصطناعي

شعار شركة «أنثروبيك» (رويترز)
شعار شركة «أنثروبيك» (رويترز)
TT

الاتحاد الأوروبي يدرس خطة طارئة بعد قيود أميركية على نماذج ذكاء اصطناعي

شعار شركة «أنثروبيك» (رويترز)
شعار شركة «أنثروبيك» (رويترز)

يسعى الاتحاد الأوروبي لحماية الوصول إلى الذكاء الاصطناعي المتقدم، بعدما فرضت الولايات المتحدة مؤقتاً قيوداً على استخدام الأجانب نماذج ذكاء اصطناعي قادرة على تحديد نقاط ضعف البرمجيات.

وأعلنت المفوضية الأوروبية، الثلاثاء، أنها تعتزم تطوير إجراءات طارئة معينة، بحلول نهاية العام الحالي، في حال فرضت دولة ثالثة قيوداً على الوصول إلى نماذج ذكاء اصطناعي ذات إمكانيات متقدمة في الأمن السيبراني.

وبعد أمرٍ أصدرته الحكومة الأميركية، في منتصف يونيو (حزيران) الماضي، حجبت شركة «أنثروبيك»، ومقرها كاليفورنيا، الوصول إلى نماذجها الرائدة الصادرة حديثاً.

وذكرت الشركة أن واشنطن وجّهت «أنثروبيك» إلى حظر غير الأميركيين من الوصول إلى نماذج الذكاء الاصطناعي «فابل 5» و«ميثوس 5»، مشيرة إلى أسباب متعلقة بالأمن القومي، وفق ما ذكرته «وكالة الأنباء الألمانية».

ويُعد النموذجان ملائمين للغاية لرصد نقاط الضعف والثغرات الأمنية في البرمجيات.

وفي مطلع يوليو (تموز) الحالي، وبعد أكثر من أسبوعين، رفعت الحكومة الأميركية القيود المفروضة على تصدير نموذجي الذكاء الاصطناعي.

وقالت هينا فيركونين، مفوضة الاتحاد الأوروبي للشؤون الرقمية، إن أوروبا لا بد أن تبني قدراتها السيبرانية المدعومة بالذكاء الاصطناعي بنفسها. وأشارت إلى ارتفاع تكلفة هذا، لكن في المقابل تكلفة عدم تطوير نماذج رائدة في الذكاء الاصطناعي أكبر.


ترمب: بوتين وزيلينسكي «يريدان اتفاقاً» ينهي الحرب في أوكرانيا

الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى مطار «إيسنبوغا» قبل انعقاد قمة رؤساء دول وحكومات «حلف شمال الأطلسي - ناتو» لعام 2026 في أنقرة (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى مطار «إيسنبوغا» قبل انعقاد قمة رؤساء دول وحكومات «حلف شمال الأطلسي - ناتو» لعام 2026 في أنقرة (إ.ب.أ)
TT

ترمب: بوتين وزيلينسكي «يريدان اتفاقاً» ينهي الحرب في أوكرانيا

الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى مطار «إيسنبوغا» قبل انعقاد قمة رؤساء دول وحكومات «حلف شمال الأطلسي - ناتو» لعام 2026 في أنقرة (إ.ب.أ)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب إلى مطار «إيسنبوغا» قبل انعقاد قمة رؤساء دول وحكومات «حلف شمال الأطلسي - ناتو» لعام 2026 في أنقرة (إ.ب.أ)

أكد الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، الثلاثاء في أنقرة، أن نظيريه؛ الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، والروسي فلاديمير بوتين، «يريدان» التوصل إلى اتفاق يضع حداً للحرب في أوكرانيا، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال ترمب للصحافيين بعيد وصوله إلى العاصمة التركية في اليوم الأول من قمة مرتقبة لـ«حلف شمال الأطلسي (ناتو)»: «أعتقد أنهما يريدان التوصل إلى اتفاق. من المؤسف أن يكون الأمر قد استغرق هذا الوقت الطويل، لكنني أعتقد أن شيئاً ما سيظهر».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (يسار) لدى وصوله إلى قمة الـ«ناتو» في أنقرة يصافح الرئيس التركي رجب طيب إردوغان (أ.ب)

وأفاد ترمب خلال لقائه الرئيس التركي، رجب طيب ‌إردوغان، على ‌هامش قمة «حلف ​شمال ‌الأطلسي» ⁠في ​تركيا: «أعتقد أننا ⁠سنتوصل إلى حل، وآمل أن يكون ذلك قريباً».

واستطرد: «أجرينا محادثة مطولة... استمرت فترة طويلة. تحدثت أيضاً إلى الرئيس زيلينسكي مباشرة بعد هذه المحادثة. ⁠أعتقد أنهما يرغبان في التوصل ‌إلى اتفاق... ‌أعتقد أيضاً أننا ​سنتوصل إلى ‌إنهاء للحرب، وآمل أن يكون ذلك ‌في القريب العاجل».

ومن المتوقع أن يجتمع زيلينسكي وترمب خلال قمة «حلف شمال الأطلسي» الأربعاء، ‌وذلك في أعقاب تصعيد أوكرانيا وتيرة هجماتها على قطاع ⁠الطاقة ⁠الروسي على مدى أشهر، فضلاً عن الهجمات الجوية الروسية المكثفة التي أودت بحياة 50 شخصاً في العاصمة الأوكرانية خلال يوليو (تموز) الحالي فقط.

وقال زيلينسكي، الثلاثاء، إنه يعتزم مناقشة حاجة أوكرانيا الملحة إلى أنظمة دفاع جوي للتصدي ​للهجمات الباليستية ​الروسية.

وفي وقت سابق، دعا زيلينسكي «حلف شمال الأطلسي» إلى زيادة مساعداته لأوكرانيا في مجال الدفاع الجوي.

وأوضح من العاصمة التركية: «نحن قادرون على القيام بكل ما تبقّى بأنفسنا، لكن عندما يتعلق الأمر بالدفاع الجوي، فنحن بحاجة إلى عزيمة شركائنا».


صاروخ الصين في «الهادئ»: رسالة نووية من «تحت الماء» تشعل قلق الحلفاء

الصاروخ الصيني الذي قالت بكين إنه أطلق من غواصة نووية في تجربة بجنوب المحيط الهادئ (أ.ب)
الصاروخ الصيني الذي قالت بكين إنه أطلق من غواصة نووية في تجربة بجنوب المحيط الهادئ (أ.ب)
TT

صاروخ الصين في «الهادئ»: رسالة نووية من «تحت الماء» تشعل قلق الحلفاء

الصاروخ الصيني الذي قالت بكين إنه أطلق من غواصة نووية في تجربة بجنوب المحيط الهادئ (أ.ب)
الصاروخ الصيني الذي قالت بكين إنه أطلق من غواصة نووية في تجربة بجنوب المحيط الهادئ (أ.ب)

لم يكن إطلاق الصين صاروخاً باليستياً بعيد المدى من غواصة نووية إلى المحيط الهادئ، مجرد تجربة تقنية عابرة؛ بل إشارة استراتيجية محسوبة في توقيت شديد الحساسية. فواشنطن، التي قالت وفق بيان من وزارة الخارجية، إنها راقبت إطلاق صاروخ غير مسلح عابر للقارات من غواصة صينية وسقوطه في جنوب الهادئ، رأت في الخطوة دليلاً إضافياً على تسارع بناء نووي «سريع وغامض»، وطالبت بكين بالانخراط في ترتيبات إخطار منتظمة وحوار جدي حول الحد من التسلح.

الصاروخ الصيني الذي قالت بكين إنه أطلق من غواصة نووية في تجربة بجنوب المحيط الهادئ (أ.ب)

الأخطر أن الاختبار جاء في بيئة إقليمية مثقلة أصلاً بالتوتر: أزمة تايوان، وصعود النشاط العسكري الصيني في البحار المحيطة، وتدريبات بحرية صينية - روسية بدأت الاثنين قرب تشينغداو وتستمر حتى 13 يوليو (تموز)، مع تأكيد موسكو أنها «دفاعية» ولا تستهدف أحداً. بهذا المعنى، بدا الصاروخ كأنه يختبر ليس فقط مدى السلاح؛ بل أعصاب الحلفاء الأميركيين في المحيطين الهندي والهادئ.

الرئيس الصيني شي جيبينغ (د.ب.أ)

ردع يتغير

تقول بكين إن التجربة «روتينية» ولا تستهدف دولة بعينها، لكن طبيعتها تجعل من الصعب التعامل معها بوصفها حدثاً عسكرياً اعتيادياً؛ فالإطلاق من غواصة نووية، لا من منصة برية، يعني أن الصين تعرض قدرة متقدمة على الضربة الثانية؛ أي امتلاك وسيلة نووية قادرة على البقاء بعد هجوم أول والرد من البحر. هذه هي الحلقة الأشد حساسية فيما يسمى «الثالوث النووي»: البر والجو والبحر.

سفينة لخفر السواحل الصيني (أرشيفية - أ.ف.ب)

وبحسب صحف أميركية، بينها «واشنطن بوست» و«وول ستريت جورنال»، عدّت التجربة أول عرض معروف لقدرة صينية على توجيه ضربة نووية استراتيجية من البحر، في خطوة تقرب بكين من تثبيت ثالوثها النووي الكامل. كما أن تجربة 2024 لصاروخ باليستي عابر للقارات قطع نحو 12 ألف كيلومتر إلى قرب بولينيزيا الفرنسية، سبقت هذه الخطوة، ما يجعل اختبار الغواصة حلقة جديدة في مسار تصاعدي لا حادثاً منفصلاً.

هذا التطور يضع الولايات المتحدة أمام معادلة أكثر تعقيداً: لم تعد الصين قوة نووية «صغيرة» تكتفي بالحد الأدنى من الردع؛ بل قوة توسع خياراتها، وتبني منصات أكثر بقاءً، وتريد إقناع واشنطن بأن أي تدخل كبير في نزاع حول تايوان أو بحر الصين الجنوبي، قد يحمل تكلفة استراتيجية أوسع.

صورة أرشيفية لنظام صاروخي تايواني متحرك «هيمارس» (رويترز)

حلفاء قلقون

ردود الفعل الإقليمية عكست حجم التحول. أستراليا وصفت الاختبار بأنه مزعزع للاستقرار، واليابان أبدت قلقاً جدياً، ونيوزيلندا انتقدت الخطوة، فيما اتسعت الدائرة لاحقاً مع انتقاد مشترك من أستراليا وجزر سليمان اليوم (الثلاثاء). اللافت أن القلق لم يقتصر على الصاروخ نفسه؛ بل على الشفافية: من أُبلغ؟ ومتى؟ وهل كان الإخطار كافياً لتجنب سوء التقدير؟

تقول تقارير إن الصاروخ ربما كان من طراز «جي إل-2» أو «جي إل-3»، وإنه قطع أكثر من 7 آلاف كيلومتر، في حين سبقت التجربة حركة سفن تتبّع صينية في غرب «الهادئ» بين غينيا الجديدة وغوام. وإذا صح ذلك، فإن الرسالة لم تكن موجهة فقط إلى العواصم الآسيوية؛ بل أيضاً إلى البنية العسكرية الأميركية في غوام ومحيطها، حيث تتمركز عناصر أساسية من قدرة واشنطن على مراقبة «الهادئ» وردع الصين.

الصاروخ الصيني العابر للقارات من طراز «جي إل-3» خلال استعراض عسكري في سبتمبر 2025 بالذكرى الـ80 للحرب اليابانية على الصين (أ.ب)

وبحسب «وول ستريت جورنال»، هنا تظهر معضلة الحلفاء. فكلما زادت الصين من قدرتها على تهديد العمق الأميركي، زادت حاجة دول مثل اليابان وأستراليا إلى ضمانات أميركية أوضح. لكن هذه الضمانات نفسها قد تدفع بكين إلى مزيد من استعراض القوة. إنها دائرة ردع وردع مضاد، قد تتحول بسهولة إلى سباق تسلح إذا غاب التواصل العسكري وقواعد الإخطار.

تايوان في الخلفية

لا يمكن فصل الاختبار عن تايوان، حتى لو لم يذكرها البيان الصيني؛ فالصين تعرف أن نقطة الاحتكاك الأكثر احتمالاً مع الولايات المتحدة هي الجزيرة، وأن واشنطن تقيس أي تطور نووي صيني بمدى تأثيره في حرية قرارها العسكري عند اندلاع أزمة هناك. لذلك، لا يبدو الصاروخ رسالة «هجومية» مباشرة ضد تايوان بقدر ما هو رسالة ردع إلى الولايات المتحدة: لا تراهنوا على أن التدخل سيظل محدود التكلفة.

وفي خلفية المشهد، تتقدم الصين في تحديث أوسع يشمل صوامع صاروخية جديدة، ومنصات بحرية، وقاذفات مطورة. وتشير تقديرات غربية إلى أن الترسانة الصينية بقيت في مستوى «الـ600 المنخفضة» من الرؤوس النووية، مع توقعات بأن تتجاوز ألف رأس بحلول 2030. حتى لو ظلت هذه الأرقام أقل بكثير من الترسانتين الأميركية والروسية، فإن سرعة التحول كافية لإعادة رسم حسابات الأمن الآسيوي.

لذلك، تبدو مطالبة «الخارجية» الأميركية بترتيبات إخطار منتظمة أكثر من اعتراض بروتوكولي. إنها محاولة لمنع انتقال المنافسة الأميركية - الصينية من مرحلة الاستعراض إلى مرحلة سوء الحساب، فالصاروخ الذي سقط في «الهادئ» لم يفجر حرباً، لكنه أطلق إنذاراً: المنطقة تدخل زمناً نووياً جديداً، حيث لا تكفي التحالفات وحدها لضبط التوتر، ولا تكفي بيانات الطمأنة الصينية لتهدئة جيران يرون في البحر منصة ردع عابرة للقارات.

سفينة خفر السواحل الصينية تلاحق سفينة فيتنامية (رويترز)

الخلاصة أن الصين لا تختبر صواريخها فقط؛ بل تختبر ميزان القوة الذي حكم «الهادئ» لعقود. وإذا لم يواكب هذا التحول مسار جدي للحد من المخاطر والشفافية، فإن «الردع المستقر» الذي تتحدث عنه القوى الكبرى قد يتحول إلى سباق مفتوح؛ عنوانه تايوان، ومسرحه المحيط الهادئ، وتكلفته أمن العالم كله.