تظاهرات «صدرية» تؤجل مناقشة البرلمان تعديل قانون الانتخابات

قوات الأمن أغلقت جسر الجمهورية على نهر دجلة

جانب من تظاهرات المنطقة الخضراء في بغداد أمس (أ.ف.ب)
جانب من تظاهرات المنطقة الخضراء في بغداد أمس (أ.ف.ب)
TT

تظاهرات «صدرية» تؤجل مناقشة البرلمان تعديل قانون الانتخابات

جانب من تظاهرات المنطقة الخضراء في بغداد أمس (أ.ف.ب)
جانب من تظاهرات المنطقة الخضراء في بغداد أمس (أ.ف.ب)

تظاهر الآلاف من أتباع التيار الصدري وبعض الاتجاهات المدنية، أمس، أمام أبواب المنطقة الرئاسية «الخضراء» حيث مقر البرلمان العراقي، للضغط على الأخير وإرغامه على التراجع عن قراءة مشروع تعديل قانون الانتخابات للمرة الثانية، تمهيداً لإقراره في البرلمان. وبينما كان المتظاهرون يهتفون ضد قانون التعديل، قرر مجلس النواب تأجيل النظر فيه إلى الأسبوع المقبل، في خطوة على ما يبدو أنها تهدف إلى امتصاص غضب المعترضين. وتجمع المتظاهرون في محيط المنطقة الخضراء، بينما أحاطت قوات الأمن بكثافة مبنى البرلمان وأغلقت جسر الجمهورية على نهر دجلة المؤدي إلى مواقع حكومية في المنطقة الحصينة.
وقال بيان صادر عن الدائرة الإعلامية في البرلمان إن «الجلسة شهدت تأجيل تقرير ومناقشة مقترح قانون التعديل الثالث لقانون انتخابات مجالس المحافظات والأقضية رقم 12 لسنة 2018، إلى جلسة يوم السبت المُقبل. وكان 70 نائباً قد قدموا طلباً لرئاسة مجلس النواب لرفع الفقرة الخامسة من جدول أعمال جلسة اليوم (الاثنين) المتعلقة بالقراءة الثانية لقانون الانتخابات وفق نظام «سانت ليغو». ورغم عدم تعبير زعيم «التيار الصدري» مقتدى الصدر عن موقفه الرافض لمقترح التعديل علناً حتى الآن، فإن نواباً سابقين وشخصيات مقربة من التيار تحدثوا بكثرة عن رفضه القاطع للتعديل، ويرون أنه سيكون بمثابة «قانون للخاسرين الذين يريدون الهيمنة بأي ثمن على الحكومة والبرلمان»، في إشارة ضمنية إلى قوى «الإطار التنسيقي» الشيعية المتمسكة بالتعديل والتي خسرت الانتخابات السابقة أمام التيار الصدري، وفق نظام الدوائر المتعددة الانتخابي، قبل أن يقرر مقتدى الصدر سحب كتلته (72 نائباً) من البرلمان، ما جعل الطريق سالكة أمام قوى «الإطار» لتصدر لائحة الكتلة الأكبر نيابياً، ومن ثم أهّلها لتشكيل الحكومة الحالية برئاسة محمد السوداني.
وفي سياق جهود التيار الصدري الحثيثة لإبطال تعديل القانون، لجأ التيار قبل أيام إلى موقف مرجعية النجف الرافض لنظام الدائرة الواحدة والقوائم المغلقة انتخابياً الذي كان قد عبّر عنه ممثلو المرجعية في سنوات سابقة. وأعاد القيادي في التيار الصدري ونائب رئيس البرلمان المستقيل حاكم الزاملي، يوم الأحد، نشر خطبة بهذا الاتجاه لمثل المرجعية الدينية في كربلاء الشيخ عبد المهدي الكربلائي، على «تويتر».
ورغم تذكير الصدريين وبعض المتعاونين معهم من المدنيين والمستقلين برأي المرجعية، فإن معظم اتجاهات قوى «الإطار التنسيقي» مع تعديل القانونين، متسلحين بأكثريتهم العددية في البرلمان، ويرون أن نظام الدوائر المتعددة والقوائم المفتوحة لا يساعد في اختيار برلمان قوي ومتماسك، نتيجة صعود بعض القوى الصغيرة والشخصيات المستقلة وفق نظام الدوائر المتعددة، فيما ينظر المعترضون إلى نظام «سانت ليغو» الذي جرت بموجبه معظم الانتخابات السابقة، بوصفه أداة لهيمنة القوى والأحزاب النافذة التي أثبتت تجربة العقدين الأخيرين فشلها في إدارة الدولة.
يُشار إلى أن التشريع الحالي الذي أُجريت بموجبه انتخابات 2021، يقسم كل محافظة من المحافظات الثماني عشرة للعراق إلى دوائر انتخابية عدة. وكان مطلباً أساسياً لاحتجاجات ضخمة مناهضة للحكومة خرجت أواخر عام 2019، كما رأى أنه يمنح المرشحين المستقلين فرصة أفضل في الفوز. أما المشروع الحالي الذي كان من المفترض أن يناقشه البرلمان أمس، فينصّ على دائرة انتخابية واحدة لكل محافظة في البلاد، وهو ما يعارضه بقوة التيار الصدري والنواب المستقلون، بحجة أنه يضمن مصالح قوى وأحزاب «الإطار التنسيقي» على حساب الأحزاب الصغيرة والشخصيات المستقلة التي قد تنوي الترشح في الانتخابات المقبلة.


مقالات ذات صلة

الأمم المتحدة تحث دول جوار العراق على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث

المشرق العربي الأمم المتحدة تحث دول جوار العراق على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث

الأمم المتحدة تحث دول جوار العراق على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث

حثت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة لدى العراق، جينين هينيس بلاسخارت، أمس (الخميس)، دول العالم، لا سيما تلك المجاورة للعراق، على مساعدته في حل مشكلة نقص المياه ومخاطر الجفاف والتلوث التي يواجهها. وخلال كلمة لها على هامش فعاليات «منتدى العراق» المنعقد في العاصمة العراقية بغداد، قالت بلاسخارت: «ينبغي إيجاد حل جذري لما تعانيه البيئة من تغيرات مناخية». وأضافت أنه «يتعين على الدول مساعدة العراق في إيجاد حل لتأمين حصته المائية ومعالجة النقص الحاصل في إيراداته»، مؤكدة على «ضرورة حفظ الأمن المائي للبلاد».

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي بارزاني: ملتزمون قرار عدم وجود علاقات بين العراق وإسرائيل

بارزاني: ملتزمون قرار عدم وجود علاقات بين العراق وإسرائيل

أكد رئيس إقليم كردستان العراق نيجرفان بارزاني، أمس الخميس، أن الإقليم ملتزم بقرار عدم وجود علاقات بين العراق وإسرائيل، مشيراً إلى أن العلاقات مع الحكومة المركزية في بغداد، في أفضل حالاتها، إلا أنه «يجب على بغداد حل مشكلة رواتب موظفي إقليم كردستان». وأوضح، في تصريحات بمنتدى «العراق من أجل الاستقرار والازدهار»، أمس الخميس، أن الاتفاق النفطي بين أربيل وبغداد «اتفاق جيد، ومطمئنون بأنه لا توجد عوائق سياسية في تنفيذ هذا الاتفاق، وهناك فريق فني موحد من الحكومة العراقية والإقليم لتنفيذ هذا الاتفاق».

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي رئيس الوزراء العراقي: علاقاتنا مع الدول العربية بلغت أفضل حالاتها

رئيس الوزراء العراقي: علاقاتنا مع الدول العربية بلغت أفضل حالاتها

أعلن رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني أن علاقات بلاده مع الدول العربية الشقيقة «وصلت إلى أفضل حالاتها من خلال الاحترام المتبادل واحترام سيادة الدولة العراقية»، مؤكداً أن «دور العراق اليوم أصبح رياديا في المنطقة». وشدد السوداني على ضرورة أن يكون للعراق «هوية صناعية» بمشاركة القطاع الخاص، وكذلك دعا الشركات النفطية إلى الإسراع في تنفيذ عقودها الموقعة. كلام السوداني جاء خلال نشاطين منفصلين له أمس (الأربعاء) الأول تمثل بلقائه ممثلي عدد من الشركات النفطية العاملة في العراق، والثاني في كلمة ألقاها خلال انطلاق فعالية مؤتمر الاستثمار المعدني والبتروكيماوي والأسمدة والإسمنت في بغداد.

حمزة مصطفى (بغداد)
المشرق العربي السوداني يؤكد استعداد العراق لـ«مساندة شركائه الاقتصاديين»

السوداني يؤكد استعداد العراق لـ«مساندة شركائه الاقتصاديين»

أكد رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني استعداد العراق لـ«مساندة شركائه الاقتصاديين»، داعياً الشركات النفطية الموقّعة على جولة التراخيص الخامسة مع العراق إلى «الإسراع في تنفيذ العقود الخاصة بها». جاء ذلك خلال لقاء السوداني، (الثلاثاء)، عدداً من ممثلي الشركات النفطية العالمية، واستعرض معهم مجمل التقدم الحاصل في قطاع الاستثمارات النفطية، وتطوّر الشراكة بين العراق والشركات العالمية الكبرى في هذا المجال. ووفق بيان صادر عن مكتب رئيس الوزراء، وجه السوداني الجهات المختصة بـ«تسهيل متطلبات عمل ملاكات الشركات، لناحية منح سمات الدخول، وتسريع التخليص الجمركي والتحاسب الضريبي»، مشدّداً على «ضرورة مراعا

«الشرق الأوسط» (بغداد)
المشرق العربي مباحثات عراقية ـ إيطالية في مجال التعاون العسكري المشترك

مباحثات عراقية ـ إيطالية في مجال التعاون العسكري المشترك

بحث رئيس الوزراء العراقي محمد شياع السوداني مع وزير الدفاع الإيطالي غويدو كروسيتو العلاقات بين بغداد وروما في الميادين العسكرية والسياسية. وقال بيان للمكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي بعد استقباله الوزير الإيطالي، أمس، إن السوداني «أشاد بدور إيطاليا في مجال مكافحة الإرهاب، والقضاء على عصابات (داعش)، من خلال التحالف الدولي، ودورها في تدريب القوات الأمنية العراقية ضمن بعثة حلف شمال الأطلسي (الناتو)». وأشار السوداني إلى «العلاقة المتميزة بين العراق وإيطاليا من خلال التعاون الثنائي في مجالات متعددة، مؤكداً رغبة العراق للعمل ضمن هذه المسارات، بما يخدم المصالح المشتركة، وأمن المنطقة والعالم». وبي

حمزة مصطفى (بغداد)

ثلاثة قتلى في إطلاق نار في كندا من بينهم المشتبه به

أفراد من الشرطة الكندية (رويترز)
أفراد من الشرطة الكندية (رويترز)
TT

ثلاثة قتلى في إطلاق نار في كندا من بينهم المشتبه به

أفراد من الشرطة الكندية (رويترز)
أفراد من الشرطة الكندية (رويترز)

أسفر إطلاق نار وقع الاثنين في حي يهودي في مونتريال عن مقتل ثلاثة أشخاص بينهم المشتبه بتنفيذ الهجوم، وفق ما أعلنت الشرطة الكندية.

ولم ترد أي معلومات بعد عن دافع الهجوم الذي أودى بشرطي ومواطن وأدى إلى إصابة شرطي آخر بجروح.

وقالت شرطة مونتريال في بيان نشرته على منصة «إكس»: «ببالغ الحزن نؤكد مقتل أحد ضباطنا أثناء تأديته واجبه».

وأعلنت بشكل منفصل عن مقتل المشتبه به وأحد السكان، وحَثّت على تجنب المنطقة.

لم تُعرف هوية القتيل المدني على الفور، لكن من المتوقع أن تتحدث شرطة مونتريال إلى الصحافيين بعد ظهر الاثنين بالتوقيت المحلي.


ثورة الذكاء الاصطناعي... معركة البنية التحتية وإعادة تشكيل موازين القوى العالمية

صورة جوية لمركز بيانات تابع لشركة «أمازون ويب سيرفيسز» في آشبورن بولاية فرجينيا الأميركية... تُعدّ مراكز البيانات من الركائز الأساسية للبنية التحتية التي تقوم عليها تطبيقات الذكاء الاصطناعي الحديثة (رويترز)
صورة جوية لمركز بيانات تابع لشركة «أمازون ويب سيرفيسز» في آشبورن بولاية فرجينيا الأميركية... تُعدّ مراكز البيانات من الركائز الأساسية للبنية التحتية التي تقوم عليها تطبيقات الذكاء الاصطناعي الحديثة (رويترز)
TT

ثورة الذكاء الاصطناعي... معركة البنية التحتية وإعادة تشكيل موازين القوى العالمية

صورة جوية لمركز بيانات تابع لشركة «أمازون ويب سيرفيسز» في آشبورن بولاية فرجينيا الأميركية... تُعدّ مراكز البيانات من الركائز الأساسية للبنية التحتية التي تقوم عليها تطبيقات الذكاء الاصطناعي الحديثة (رويترز)
صورة جوية لمركز بيانات تابع لشركة «أمازون ويب سيرفيسز» في آشبورن بولاية فرجينيا الأميركية... تُعدّ مراكز البيانات من الركائز الأساسية للبنية التحتية التي تقوم عليها تطبيقات الذكاء الاصطناعي الحديثة (رويترز)

في الوقت الذي ينشغل فيه العالم بالتطبيقات المتسارعة للذكاء الاصطناعي، من روبوتات الدردشة إلى الأنظمة القادرة على إنتاج المحتوى وتحليل البيانات، تدور في الخلفية معركة أقل ظهوراً لكنها ذات أهمية بالغة، قد تحدّد موازين القوى الدولية خلال العقود المقبلة.

فبعيداً عن البرمجيات، باتت المنافسة العالمية تتركز على البنية التحتية التي تجعل الذكاء الاصطناعي ممكناً: الرقائق الإلكترونية المتقدمة، ومراكز البيانات العملاقة، وكميات ضخمة من الطاقة اللازمة لتشغيلها. ومع ازدياد اعتماد الاقتصادات الحديثة على هذه التكنولوجيا، بدأت هذه العناصر تتحوّل تدريجياً إلى قضية أمن قومي وجيوسياسية بامتياز.

من سباق البرمجيات إلى سباق البنية التحتية

خلال السنوات الماضية، انصبّ الاهتمام على الشركات التي تطوّر نماذج الذكاء الاصطناعي الأكثر تقدماً. لكن مع ازدياد تعقيد هذه النماذج، أصبح واضحاً أن التفوّق لا يعتمد على جودة البرمجيات وحدها، بل أيضاً على القدرة على تأمين الموارد المادية اللازمة لتشغيلها.

ويشير مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS)، ومركزه واشنطن، إلى أن المنافسة في مجال الذكاء الاصطناعي انتقلت تدريجياً من سباق على الابتكار البرمجي إلى سباق على البنية التحتية، حيث باتت القدرة الحاسوبية والطاقة الكهربائية وسلاسل توريد الرقائق عناصر أساسية في تحديد من يستطيع تطوير الجيل المقبل من تقنيات الذكاء الاصطناعي.

ويعني ذلك أن الدول لم تعد تتنافس على جذب المواهب والشركات التقنية فحسب، بل أيضاً على بناء منشآت ضخمة قادرة على استضافة مراكز البيانات وتأمين احتياجاتها المتزايدة من الكهرباء.

شريحة إلكترونية من إنتاج شركة «إنفيديا» (Nvidia)... تُعدّ الرقائق المتطورة من أبرز المكونات التي تقوم عليها أنظمة الذكاء الاصطناعي الحديثة مما جعلها محوراً رئيسياً في المنافسة التكنولوجية العالمية (رويترز)

الرقائق الإلكترونية في قلب المنافسة

تمثّل الرقائق المتطورة العمود الفقري للذكاء الاصطناعي الحديث. فهذه المكونات الصغيرة توفّر القدرة الحاسوبية اللازمة لتدريب النماذج المتقدمة وتشغيلها، مما يجعل إنتاجها والتحكم في سلاسل توريدها مسألة ذات أبعاد استراتيجية متزايدة.

ووفق تحليلات صادرة عن مركز «الدراسات الاستراتيجية والدولية»، فإن القيود التي فرضتها الولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة على تصدير بعض الرقائق المتقدمة إلى الصين تعكس إدراكاً متزايداً للأهمية الجيوسياسية لهذه التكنولوجيا. فامتلاك الرقائق الأكثر تطوراً لا يمنح فقط مزايا اقتصادية، بل يمكن أن يؤثر في القدرات العلمية والعسكرية والتكنولوجية للدول.

وفي المقابل، ضخّت الصين استثمارات ضخمة لتعزيز قدراتها المحلية وتقليل اعتمادها على الموردين الأجانب، في مؤشر إلى أن المنافسة على الذكاء الاصطناعي باتت مرتبطة أيضاً بمسألة السيادة التكنولوجية.

موظف داخل مركز بيانات تابع لشركة «هيوليت باكارد إنتربرايز» في بنغالورو بالهند... تشكّل القدرة الحاسوبية التي توفرها هذه المنشآت أحد أهم العناصر التي تقوم عليها تطبيقات الذكاء الاصطناعي الحديثة (رويترز)

مراكز البيانات... البنية التحتية الجديدة للقوة

إلى جانب الرقائق، برزت مراكز البيانات بوصفها أحد أهم الأصول الاستراتيجية في العصر الرقمي. فهذه المنشآت تضم آلاف الحواسيب المتخصصة عالية الأداء التي تقوم بتخزين البيانات وتشغيل تطبيقات الذكاء الاصطناعي وتدريب النماذج المتقدمة.

ويشير معهد «بروكينغز»، ومركزه واشنطن، إلى أن النمو السريع للذكاء الاصطناعي يدفع إلى توسع غير مسبوق في بناء مراكز البيانات حول العالم، مما يفرض تحديات اقتصادية وتنظيمية وبيئية متزايدة. فهذه المنشآت تحتاج إلى استثمارات بمليارات الدولارات، كما تتطلب شبكات اتصالات متطورة وأنظمة تبريد متقدمة.

ويضيف المعهد أن التفاوت في امتلاك هذه البنية التحتية قد يؤدي إلى اتساع الفجوة التكنولوجية بين الدول، إذ تتركز القدرات اللازمة لاستضافة وتشغيل أنظمة الذكاء الاصطناعي المتطورة في عدد محدود من الاقتصادات المتقدمة، مقارنةً بالدول النامية.

في هذا السياق، بدأت بعض الحكومات تنظر إلى مراكز البيانات بالطريقة نفسها التي تنظر بها إلى البنى التحتية الحيوية الأخرى، نظراً إلى دورها المتنامي في الاقتصاد والأمن الوطني.

شعار شركة كهرباء فرنسا (EDF) أمام محطة سيفو النووية في فرنسا... يُنظر إلى الطاقة النووية بوصفها أحد الخيارات المطروحة لتلبية الطلب المتزايد على الكهرباء المرتبط بتوسع مراكز البيانات وتطبيقات الذكاء الاصطناعي (رويترز)

تحدّي الكهرباء

إذا كانت الرقائق ومراكز البيانات تمثّلان العمود الفقري للذكاء الاصطناعي، فإن الكهرباء تمثل الوقود الذي يحرّك هذه المنظومة بأكملها.

وتحذّر «وكالة الطاقة الدولية» في تقرير لها، من أن التوسع المتسارع في الذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى زيادة كبيرة في الطلب على الكهرباء خلال السنوات المقبلة. فمراكز البيانات الحديثة تستهلك كميات كبيرة من الطاقة لتشغيل أجهزة حوسبة متقدّمة وأنظمة تبريد، فيما يتطلب تدريب النماذج المتقدمة موارد كهربائية متزايدة.

وتشير الوكالة إلى أن الطلب على الكهرباء المرتبط بمراكز البيانات قد ينمو بوتيرة سريعة خلال العقد المقبل، مما يفرض تحديات جديدة على شبكات الطاقة الوطنية. وفي بعض الدول، بدأت شركات التكنولوجيا بالفعل البحث عن مصادر إضافية للطاقة أو الاستثمار في مشاريع إنتاج كهرباء مخصصة لتلبية احتياجاتها المستقبلية.

وحسب دراسة أخرى لمركز «الدراسات الاستراتيجية والدولية»، فإن مسألة تأمين الكهرباء باتت جزءاً من المنافسة الدولية على الذكاء الاصطناعي، لأن امتلاك القدرة الحاسوبية يتطلب في نهاية المطاف تأمين الطاقة اللازمة لتشغيل مراكز البيانات وأجهزة الحوسبة.

أبراج وخطوط نقل الكهرباء في منطقة يانكينغ بالعاصمة الصينية بكين... يُنظر إلى شبكات الطاقة القادرة على تلبية الطلب المتزايد على الكهرباء بوصفها أحد المقومات الأساسية لتوسع البنية التحتية للذكاء الاصطناعي (رويترز)

البعد الجيوسياسي للبيانات

لا يقتصر السباق الحالي على الجوانب التقنية والاقتصادية فحسب، بل يمتد أيضاً إلى قضايا السيادة والأمن القومي. ففي تقرير لمؤسسة «إس آند بي غلوبال S&P Global»، ومركزها نيويورك، برزت مسألة «سيادة البيانات» بوصفها أحد الاتجاهات الرئيسية التي تعيد تشكيل قطاع مراكز البيانات عالمياً.

وتسعى دول عديدة إلى ضمان بقاء البيانات الحساسة داخل حدودها الوطنية، وتقليل اعتمادها على بنى تحتية رقمية تقع تحت نفوذ قوى خارجية. ويعكس هذا التوجه اقتناعاً متزايداً بأن السيطرة على البيانات والبنية التحتية الرقمية أصبحت جزءاً من عناصر النفوذ الاستراتيجي في القرن الحادي والعشرين.

كما يثير هذا الواقع مخاوف من احتمال انقسام العالم إلى كتل تكنولوجية متنافسة، لكل منها منظوماتها الخاصة في مجالات الرقائق والاتصالات والذكاء الاصطناعي.

العلمان الأميركي والصيني أمام لوحة إلكترونية... يُعدّ السباق على الرقائق الإلكترونية والقدرات الحاسوبية أحد أبرز أوجه المنافسة التكنولوجية بين القوى الكبرى في عصر الذكاء الاصطناعي (رويترز)

في قلب موازين القوى الجديدة

بات الذكاء الاصطناعي، الذي أحدث ثورة تقنية واسعة النطاق، أحد أبرز العوامل المؤثرة في إعادة تشكيل الاقتصاد العالمي والعلاقات الدولية. فخلف التطبيقات التي يستخدمها ملايين الأشخاص يومياً، تتشكل منافسة عالمية على الرقائق الإلكترونية ومراكز البيانات والطاقة والقدرة الحاسوبية.

وفي عالم تزداد فيه أهمية الذكاء الاصطناعي في الاقتصاد والأمن والدفاع، قد لا تُقاس قوة الدول مستقبلاً فقط بما تنتجه من معرفة أو ابتكار، بل أيضاً بقدرتها على بناء وتشغيل البنية التحتية التي تقوم عليها هذه الثورة التكنولوجية المتسارعة.


كأن الخطر النووي لا يكفي... العالم على أعتاب «حرب الخوارزميات»

هل يكون الفضاء الخارجي مسرحاً لحرب؟ (متداولة على الإنترنت)
هل يكون الفضاء الخارجي مسرحاً لحرب؟ (متداولة على الإنترنت)
TT

كأن الخطر النووي لا يكفي... العالم على أعتاب «حرب الخوارزميات»

هل يكون الفضاء الخارجي مسرحاً لحرب؟ (متداولة على الإنترنت)
هل يكون الفضاء الخارجي مسرحاً لحرب؟ (متداولة على الإنترنت)

عندما انهار الاتحاد السوفياتي عام 1991 ساد اقتناع بأن العالم يدخل مرحلة جديدة من الاستقرار، وأن حقبة المواجهة -سواء «الباردة» أو العسكرية- بين القوى الكبرى انتهت. وتحدث السياسيون والباحثون آنذاك عن «عائد السلام» الذي سيتيح للدول توجيه الموارد المالية نحو التنمية الاقتصادية، والاجتماعية، ومكافحة الفقر، والجهل، والأمراض، بدلاً من الإنفاق العسكري. غير أن هذه الآمال لم تعمّر طويلاً، إذ سرعان ما ظهرت تحديات جيوسياسية جديدة، وصراعات إقليمية متزايدة، ليعود التنافس العسكري إلى الواجهة على نحو أشد تعقيداً مما كان عليه خلال الحرب الباردة.

اليوم لا يشهد العالم مجرد عودة إلى منطق الردع النووي، بل يواجه سباق تسلح يمتد إلى مجالات متعددة تشمل -إضافة إلى الأسلحة النووية- الصواريخ فرط الصوتية، والذكاء الاصطناعي العسكري، والحروب السيبرانية، والفضاء الخارجي. ويصف بعض الباحثين هذا التحول بأنه بداية «حرب الخوارزميات» التي تصبح فيها البرمجيات وأنظمة الذكاء الاصطناعي جزءاً أساسياً من موازين القوة الدولية.

الذكاء الاصطناعي يطوّر القدرات العسكرية (رويترز)

وتؤكد الأرقام حجم هذا التحول، فقد بلغ الإنفاق العسكري العالمي نحو 2.887 تريليون دولار عام 2025، بزيادة 2.9 في المائة عن العام 2024، وفق بيانات معهد استوكهولم الدولي لأبحاث السلام (سيبري). واستحوذت الولايات المتحدة والصين وروسيا وحدها على أكثر من نصف الإنفاق العسكري العالمي، الأمر الذي يعكس استمرار تركّز القوة العسكرية في أيدي القوى الكبرى.

*سباقات تسلّح

ورغم تراجع الإنفاق العسكري الأميركي إلى 954 مليار دولار عام 2025 نتيجة توقف إدارة الرئيس دونالد ترمب عن ضخ المساعدات العسكرية الجديدة لأوكرانيا، فإن هذا الانخفاض يبدو مؤقتاً. فقد واصلت واشنطن استثماراتها الضخمة في تحديث قواتها التقليدية، والنووية، بهدف الحفاظ على تفوقها العسكري، ومواجهة النفوذ الصيني المتصاعد في منطقة المحيطين الهندي، والهادئ. وتشير التوقعات إلى ارتفاع الإنفاق الدفاعي الأميركي مجدداً خلال السنوات المقبلة ليتجاوز 1.5 تريليون دولار سنوياً.

في المقابل، شهدت أوروبا أكبر زيادة في إنفاقها العسكري منذ انتهاء الحرب الباردة، مدفوعة بالحرب المستمرة في أوكرانيا، ومخاوف الدول الأوروبية من التهديدات الأمنية الروسية. وارتفع الإنفاق العسكري الأوروبي بنسبة 14 في المائة ليصل إلى 864 مليار دولار في 2026، فيما رفعت روسيا إنفاقها إلى 203 مليارات دولار في 2026 وفق «سيبري»، بينما خصصت أوكرانيا نحو 40 في المائة من ناتجها المحلي الإجمالي للإنفاق العسكري، أي نحو 85 مليار دولار، في مؤشر واضح لحجم الاستنزاف الذي تفرضه الحرب.

مركز عسكري أميركي للرقابة السيبرانية في كولورادو (رويترز)

أما الصين، فقد واصلت برنامجها العسكري الطموح للعام الحادي والثلاثين على التوالي، لترفع إنفاقها الدفاعي إلى 336 مليار دولار. ويعكس هذا المسار استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى تعزيز القدرات العسكرية الصينية، وتحديثها، بما يمكن بكين من فرض حضورها كقوة عالمية منافسة للولايات المتحدة.

ومن أبرز مظاهر سباق التسلح الجديد «التهافت» على تطوير الصواريخ فرط الصوتية. وتمثل هذه الأسلحة نقلة نوعية في موازين القوى العسكرية، إذ تستطيع التحليق بسرعات تفوق خمسة أضعاف سرعة الصوت، مع القدرة على المناورة أثناء الطيران، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة مقارنة بالصواريخ التقليدية. وتتصدر روسيا والصين والولايات المتحدة هذا السباق. فروسيا نشرت أنظمة مثل «أفانغارد»، و«كينجال» (الخنجر)، بينما طورت الصين منظومات مثل «دي إف-17» المصممة لاستهداف القطع البحرية والقواعد العسكرية بسرعة ودقة كبيرتين. أما الولايات المتحدة فتسعى إلى سد الفجوة التقنية مع غريميها من خلال برامج متقدمة لتطوير أسلحة فرط صوتية، وقدرات دفاعية جديدة قادرة على اكتشاف هذه التهديدات، والتعامل معها.

*الخوارزميات والذكاء الاصطناعي

لكن التحدي الأكبر قد لا يكون في سرعة الصواريخ، بل في سرعة الخوارزميات. فقد صار الذكاء الاصطناعي جزءاً أساسياً من التطور العسكري، مع دخول أنظمة قتالية قادرة على تحديد الأهداف، ومهاجمتها بدرجات متفاوتة من الاستقلال عن القرار البشري. وتشمل هذه الأنظمة أسراب الطائرات المسيّرة، والذخائر الجوالة (أسلحة تجول في الجو إلى أن تعثر على هدفها، وتنقضّ عليه)، وأنظمة المراقبة والقتال الذاتية. ويثير هذا التطور أسئلة أخلاقية وقانونية عميقة تتعلق بالمسؤولية عن القرارات القاتلة، واحتمالات وقوع أخطاء تؤدي إلى خسائر بشرية كبيرة تبلغ أحياناً حد الفاجعة.

جندي أوكراني يحمل مسيّرة (رويترز)

ويحذر خبراء من أن انتشار الأسلحة المعتمدة على الذكاء الاصطناعي قد يجعل اللجوء إلى الحرب أكثر سهولة من الناحية السياسية. فكلما تراجع الاعتماد على الجنود في ساحات القتال، انخفضت الكلفة البشرية المباشرة للحروب، وبالتالي الضغط الشعبي على المنظومات الحاكمة، وهذا ما قد يضعف أحد أهم عوامل الردع التقليدية. كما أن تحويل أبحاث الذكاء الاصطناعي المدنية إلى مشاريع عسكرية قد يؤدي إلى تقييد التعاون العلمي الدولي، وفرض قيود على الباحثين، والمؤسسات الأكاديمية، على غرار ما حدث في مجالات الفيزياء النووية والصواريخ خلال الحرب الباردة.

*الميدان السيبراني

إلى جانب ذلك، أصبحت الحروب السيبرانية ساحة مواجهة رئيسة بين الدول. فبدلاً من استخدام الدبابات والطائرات فقط، باتت الدول تعتمد على البرمجيات الخبيثة، والهجمات الإلكترونية لتعطيل البنى التحتية الحيوية، وشبكات الاتصالات، وأنظمة الطاقة. وأظهر هجوم «ستاكسنت» Stuxnet (استهدفت البرمجية أجهزة الطرد المركزي المستخدمة في تخصيب اليورانيوم داخل منشأة نطنز النووية الإيرانية) في العام 2009 أن الشيفرات البرمجية يمكن أن تتسبب في أضرار مادية مباشرة في المنشآت الصناعية. كما أصبحت سرقة البيانات والمعلومات الاستراتيجية من المؤسسات الحكومية والعسكرية والشركات الكبرى جزءاً أساسياً من الصراع الدولي الحديث.

وفي الوقت نفسه، تحوّل الفضاء الخارجي إلى مجال تنافس عسكري متزايد الأهمية. فالجيوش الحديثة تعتمد بشكل كبير على الأقمار الاصطناعية في الملاحة، والاتصالات، والاستطلاع، والإنذار المبكر من الهجمات الصاروخية. ومن دون هذه الأنظمة ستتأثر بشكل كبير قدرة القوات المسلحة على تنفيذ العمليات الدقيقة، وإدارة المعارك. ولهذا السبب تعمل عدة دول على تطوير قدرات هجومية ودفاعية في الفضاء، تشمل أسلحة مضادة للأقمار الاصطناعية، وهجمات إلكترونية، وأنظمة تشويش متقدمة. كما أنشأت بعض القوى الكبرى فروعاً عسكرية متخصصة لإدارة العمليات الفضائية، وحماية الأصول الاستراتيجية الموجودة في المدار.

«ميغ 31» روسية تحمل صاروخ «كينجال» (رويترز)

*لماذا قرقعة السلاح؟

تعود أسباب سباق التسلح الحالي إلى مجموعة من العوامل المتشابكة، أبرزها التنافس الاستراتيجي بين الولايات المتحدة والصين، والحرب الروسية-الأوكرانية، والتوترات المتزايدة في منطقة المحيطين الهندي، والهادئ، ومنطقة الشرق الأوسط، إضافة إلى تراجع فعالية اتفاقات الحد من التسلح التي أدت دوراً مهماً في ضبط التنافس العسكري خلال العقود الماضية.

ويرى كثير من الخبراء أن الوضع الراهن قد يكون أكثر خطورة من مرحلة الحرب الباردة نفسها. ففي تلك الحقبة كان التنافس يدور بشكل أساسي بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، ما جعل قواعد الردع أكثر وضوحاً وقابلية للتوقع. أما اليوم، فإن العالم يشهد تنافساً متعدد الأقطاب بين الولايات المتحدة، وروسيا، والصين، إلى جانب أدوار متنامية لقوى إقليمية، وجهات غير حكومية تمتلك قدرات تكنولوجية متقدمة.

كما أن انهيار عدد من اتفاقات الحد من الأسلحة، وتآكل منظومة الرقابة الدولية يزيدان أخطار سوء التقدير. ويضاف إلى ذلك دخول تقنيات جديدة -مثل الذكاء الاصطناعي، والأسلحة السيبرانية، والصواريخ فرط الصوتية- إلى المعادلة العسكرية، ما يقلص الوقت المتاح لاتخاذ القرارات في الأزمات، ويزيد احتمالات التصعيد المتسرّع.

في ظل هذا المشهد، يبدو أن العالم يتجه نحو مرحلة جديدة يمكن وصفها بـ«الحرب الخوارزمية»، حيث لن يكون الردع قائماً على التوازن النووي التقليدي فحسب، بل أيضاً على السيطرة المعلوماتية، والقدرة على إدارة الأخطار الناتجة عن الأنظمة الذكية، والشبكات الرقمية. فالصراع المستقبلي لن يُحسم بعدد الرؤوس النووية، أو الدبابات، والطائرات وحدها، بل بقدرة الدول على التحكم بالخوارزميات، والبيانات، والفضاء الإلكتروني، والفضاء الخارجي القريب. وهكذا يعود سباق التسلح إلى الواجهة، لكن بأدوات أكثر تعقيداً، وأسرع تطوراً مقابل قدرة أضعف على الضبط، والاحتواء.