الشاعر السعودي حيدر العبد الله في مغامرة طموحة

«مهاكاة ذي الرمة»... البحث عن إطار تأصيلي لـ«الهايكو» العربي

الشاعر السعودي حيدر العبد الله في مغامرة طموحة
TT

الشاعر السعودي حيدر العبد الله في مغامرة طموحة

الشاعر السعودي حيدر العبد الله في مغامرة طموحة

في كتاب «مهاكاة ذي الرُّمة... أطروحة الهايكو العربي» الصادر حديثاً عن دار أدب (2022)، يأخذنا الشاعر السعودي حيدر العبد الله في مغامرة طموحة يروم من خلالها إعادة صياغة وشائجنا بفن الهايكو، وضبط ممارسته التي تمتاز بتفاوت شديد، على حد وصفه. فيقترح إطاراً تأصيلياً للهايكو العربي معززاً بالأمثلة التطبيقية، يستمد ألقَهُ من بيئتِه العربية، ولكنه في ذاتِ الوقت، يتعالقُ مع جذوره المشرقية الأولى. وتتبلور أصالة هذا العمل - على وجه التحديد - في تطويع البحور الخليلية لاستيعاب شعر الهايكو. يأتي هذا التطويع كمكافئ للخاصية الإيقاعية، والصيغة التنفسية التي يتحلى بها شعر الهايكو الياباني في الفترة التي حددها المؤلف كنموذج معياري للبناء. كما تتبلور أيضاً في إعادة تدوير تأويلي لشعر ذي الرمة، من خلال عدسة هذا الشكل الشعري، وانتشاله من الهامش، وفي محاولة ربط هذه الأطروحة بسياقات النقد البيئي «Ecocriticism» أو الدراسات الخضراء «Green Studies»؛ للتأكيد على محورية علاقة الإنسان بعالم الطبيعة، وتمثيلاتها في العمل الأدبي، وإن بدت هذه المحاولة خجولة نوعاً ما، لأنها لم تذهب بهذا المسار إلى العمق. وتتجسد هذه الأصالة كذلك في إيراد مسرد مفتوح للقرائن الموسمية والأنواء العربية، كي ينهل منها ممارسو هذا الفن، وكي تساعدهم أيضاً في «تزهيد النص»، وتوظيف الإيحاء. بالرغم من هذا الجهد الذي يستأهل الإشادة دون أدنى شك، فإن العمل يثير جملة من التساؤلات والإشكاليات.
وفيما يلي سألقي الضوء على جانب منها، أملاً في أن تزيد تأملنا في ثنايا هذه المغامرة.
أولاً، تتموضع هذه الأطروحة ضمن السياق النظري التوجيهي/ الإرشادي. أي أنها دراسة تنتمي إلى ما يُعرف بالـ«prescriptive studies»، أكثر من كونها دراسة وصفية «descriptive study». تولي هذه الدراسة اهتماماً بارزاً بما يجب أن يكون عليه الشعر، أكثر من مقاربة النصوص المتداولة وصفياً، ومن ثم التنظير، بناء على السمات التي تم تعقبها وإماطة اللثام عنها أو الكشف عن أنماط الكتابة في النصوص المعنية. تقعد هذه الأطروحة أطراً مثالية، وتنطلق من فرضيات مسبقة، وتبدي أحكاماً قيمية. وبناء عليه، أرى من الصعوبة بمكان أن نتعامل مع النصوص الإبداعية على العموم، فضلاً عن الشعر ضمن هذا التموضع النظري؛ لأن إرساء معايير مثالية أو إبداء أحكام قيمية كهذه تخضع - في المقام الأول - لذائقة المؤلف / المنظر وفهمه للشعر، ولطيف من الاعتبارات الذاتية أو المؤسساتية المتنوعة، ضمن المنهج الواحد، أو المؤسسة الواحدة. كما فيها نوع من ممارسة الوصاية على الإنتاج الشعري، وتأطير المخيلة. وسيفضي تَبنّي مثل هذا الإطار النظري إلى فهم الشعر وقراءته ضمن حدود مفهوم الأداتية «Instrumentalism»، الذي سيفضي بدوره، كما بيّن أستاذ الأدب والنقد البروفيسور ديرك أترج (2004)، إلى بوتقة التكرار، وإعادة الإنتاج، وثبات المعنى واستقراره. كما يمكن لنا - من جانب آخر- أن نرى اليوم ما تمخض عن تجربة مشروع «مجلة شعر»، جراء محاولتها وضع معايير محددة لقصيدة النثر.
ثانياً، كمرحلة أولية لتبيئة شعر الهايكو، حدد الكتاب الحقبة الزمنية ما بين القرن السابع عشر من الشاعر باشو، إلى النصف الأول من القرن العشرين، تحديداً إلى مرحلة الشاعر سانتوكا (1940): «ربما علينا، حين ندرس الهايكو الياباني بغرض محاكاته، أن نتوقف عند سانتوكا، حتى لا ننجرف به خارج إطاره الطبيعي» (ص56). لكن الكتاب لم يستفض في المبررات التي من شأنها أن تقنعنا أن نهمل تراكمات هذا الفن وتطوره. لمَ علينا أن نقيّد أنفسنا بالمقاطع الصوتية «syllables» السبعة عشر تقريباً، في حين أن الكتاب ذاته قد أشار إلى أن بعض الشعراء اليابانيين قد انتفضوا على هذه الصيغة الإيقاعية مثل الشاعر سانتوكا نفسه الذي كتب الهايكو الحر؟ وإذا ما تأملنا هذا الشكل الشعري في سياقه العالمي، الذي حاول المؤلف التأكيد عليه، فسنجد أن الشعراء الأمريكيين قد تجاوزوا هذه الصيغة الإيقاعية التقليدية «المقاطع الصوتية السبعة عشر»، التي جاءت نتيجة فهم قاصر للنظام الصوتي الياباني آنذاك، تحديداً «الموراmora» فأنتجوا لوحات شعرية، تصل إلى 7 مقاطع صوتية، حيث يبلغ الإيجاز فيها إلى منتهاه. كما أنتج آخرون نصوصاً مهجنة بين «الهايكو» و«السِنْرِيو -Senryū».
ويتحلى هذا الأخير بنبرة ساخرة، كما يصبّ جل اهتمامه على الجانب الإنساني بدلاً من تمحوره حول الطبيعة. ثم لي أن أتساءل هنا؛ لمَ علينا أن نلتزم حرفياً بوصف المشاهد الطبيعية، في حين أننا نعيش حياة مدينة، بعكس الشاعر باشو الذي قضى عمره في الحقول؟ لمَ لا نستلهم مثلاً تفاصيل حياتنا المدنية، ونوظفها في شكل الهايكو؟ أليس وصف الحياة المدنية، والمظاهر العمرانية، هي ربما مصداق لعبارة «كان يعيش الشعر الذي يكتبه، ويكتب الشعر الذي يعيشه» (ص 42)؟ ولمَ علينا أيضاً ألا نحاول الولوج إلى مناطق إنسانية مختلفة، أو نلجأ إلى التجريب؟
ثالثاً، أطلق المؤلف أحكاماً قيمية على عينة من نصوص الهكاة (الشعراء الذين يكتبون الهايكو) العرب، خالصاً إلى أن لديهم قصوراً في استيعاب شعر الهايكو «قراءة وكتابة»، نظراً - على سبيل المثال - لركونهم إلى ثيمات الحب والدمار والموت والمعاناة على حساب الاحتفاء بالطبيعة. أرى في ذلك يقيناً راسخاً، ويحتاج للتدقيق؛ كي نتوصل إلى نوع كهذا من الاطمئنان المعرفي. ثم إن فهم شعر الهايكو في مرحلة معينة لا يستدعي بالضرورة تطبيق مفاهيمه بصرامة. فلربما أخذ الشاعر هذا الفن ليطرق به مناطق بكراً، أو يطوف به في حقل التجريب، أو أراد أن يجسد لنا - بشكل عام - رؤيته الذاتية عن صنعة الهايكو. وفي ذات السياق، أجد أن نص الشاعر عاشور الطويبي (ص 71) هو ربما محاولة في إحدى دلالاتها لينقل لنا معنى المفارقة الساخرة، وذلك من حيث توظيفه لشكل لطالما عُرف باحتفائه بالطبيعة؛ ليصور مآسي الحروب وآثارها على الطبيعة.
رابعاً، تضمن الكتاب عبارة «الشعر بلا موسيقى شعر أعزل» (ص 129)، بغرض إبراز أهمية الموسيقى والإيقاع في الشعر، وتعضيد مبدأ استثمار البحور الخليلية. بغضّ النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا مع جوهر هذه العبارة، أرى أنها لا تتناسب واقتراح المؤلف نوع «الهايكو المرسل»، الذي لا يلتزم فيه الشاعر الهاكي (تحديداً الهاوي) أو المترجم بالتقطيع العروضي المشذب، ولكنه عوضاً عن ذلك، يتحتم عليه أن يتقيد فيه بالمقاطع الصوتية السبعة عشر تقريباً. وهنا أتساءل؛ هل يمكن لنا - استناداً لهذه العبارة - أن نطلق على هذا الشكل من الهايكو أنه هايكو «أعزل»، لأنه ببساطة لا يركن إلى الصيغة الخليلية المشذبة؟! أما معيار المقاطع الصوتية، فهي ميزة لا تختص بالشعر فحسب، وإنما هي سمة لغوية، تتمظهر في النص. فالنسق الصوتي هو أحد تمثيلات اللغة كنظام سيميائي. كما أن ذلك الاقتراح سيفضي إلى إمكانية النظر لقصائد الهايكو المرسل على أنها هامشية وأدنى درجة، مقارنة بنظيرتها التي تستغل البحور الخليلية المحورة. كما يمكن لذات النظرة الدونية أن تجري على الهايكو المترجم.
خامساً، تقول إحدى وصايا الكتاب أنه «ينبغي» على الشاعر أن يكون موضوعياً، حينما يتناول المشاهد الطبيعية، وألا يقحم رأيه فيها. لكن من المسلم به أن الأعمال الإبداعية، ولا سيما الشعر، تمتاز بتمحورها حول الخبرة الذاتية. وهذه الذاتية تبدأ من اختيار اللقطة للوصف، أو من اجتراح صورة متخيلة عن الواقع، التي قد يحاول الشاعر من خلالها أن يدعونا للنظر للمألوف ضمن إطار خارج المألوف، وهو بذلك يعيد علاقتنا بالأشياء المدركة.
بالرغم من وجود هذا الجانب من الإشكاليات والرؤى الجدلية، فإنه يظل عملاً متميزاً. وربما يأتي هذا الكتاب ليحرك المياه النقدية الراكدة فيما يرتبط بمسألة التنظير للهايكو العربي.

- كاتب سعودي متخصص في الترجمة والسرديات الأدبية، عضو هيئة التدريس
بجامعة الملك فيصل


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

تقرير: طليقة أندرو بلا منزل وتقيم لدى أصدقائها بعد فضيحة إبستين

سارة فيرغسون تقف الى جانب طليقها الأمير البريطاني السابق أندرو (رويترز)
سارة فيرغسون تقف الى جانب طليقها الأمير البريطاني السابق أندرو (رويترز)
TT

تقرير: طليقة أندرو بلا منزل وتقيم لدى أصدقائها بعد فضيحة إبستين

سارة فيرغسون تقف الى جانب طليقها الأمير البريطاني السابق أندرو (رويترز)
سارة فيرغسون تقف الى جانب طليقها الأمير البريطاني السابق أندرو (رويترز)

تجد سارة فيرغسون، طليقة الأمير البريطاني السابق أندرو، نفسها في وضع معقَّد، بعد عودة الجدل حول قضية الممول الأميركي الراحل جيفري إبستين؛ فمع تجدُّد الاهتمام الإعلامي بالقضية وتسريب رسائل إلكترونية جديدة مرتبطة بها، أصبحت دوقة يورك السابقة بلا مسكن ثابت، وتقيم مؤقتاً لدى أصدقاء، في وقت يزداد فيه حرج المقربين منها بسبب تداعيات الفضيحة.

وذكرت صحيفة «بيج سيكس» أن فيرغسون تواجه صعوبة في إيجاد مكان للإقامة في نيويورك؛ حيث كانت معتادة على زيارتها بانتظام والإقامة لدى أصدقاء، غير أن التطورات الأخيرة المرتبطة بملف إبستين جعلت بعض المقربين منها يترددون في استضافتها.

وتقول مصادر إن فيرغسون أصبحت فعلياً بلا مأوى، منذ أن فقدت المنزل الملكي الذي كانت تقيم فيه مع زوجها السابق، الأمير أندرو. ومنذ ذلك الحين، بدأت تقيم بصورة مؤقتة لدى عدد من الأصدقاء، من بينهم بريسيلا بريسلي.

وعلى الرغم من طلاق فيرغسون والأمير أندرو عام 1996، فإن دوق ودوقة يورك السابقين استمرا في العيش معاً لسنوات طويلة في قصر «رويال لودج» بوندسور. إلا أن هذا الترتيب انتهى، بعدما قرر الملك تشارلز الثالث إبعادهما عن المسكن الملكي، في ظل تداعيات الفضيحة المرتبطة بعلاقة أندرو بالممول المدان بجرائم الاعتداء الجنسي، جيفري إبستين.

وخلال السنوات الماضية، اعتادت فيرغسون زيارة نيويورك بشكل متكرر، وكانت غالباً ما تقيم في منازل أصدقائها هناك. لكن، وفقاً لمصادر مطلعة، فإن الوضع تغيّر أخيراً، بعد الكشف عن رسائل إلكترونية جديدة مرتبطة بإبستين، وهو ما جعل بعض المقربين منها يتعاملون بحذر مع أي ارتباط علني بها في الوقت الراهن.

وقال مصدر مقرّب إن كثيرين نصحوها بتأجيل زياراتها حالياً، موضحاً: «الجميع يخبرها بأن الوقت غير مناسب الآن. صحيح أن الكثيرين يحبونها، لكن الارتباط بأي شخص له صلة بإبستين ليس أمراً حكيماً في الوقت الحالي».

وفي هذه الأثناء، تقيم ابنتها الأميرة يوجيني في نيويورك، غير أن وجود فيرغسون في منزل ابنتها قد يثير حساسية إضافية داخل العائلة، بحسب ما نقلته المصادر؛ إذ تخشى الأم وابنتها أن يؤدي ذلك إلى جذب مزيد من الانتباه الإعلامي وإلحاق ضرر بسمعة العائلة.

وقال مصدر مطلع إن الوضع داخل العائلة الملكية بات شديد الحساسية، موضحاً: «الآن، وبعد أن فقد أندرو لقبه الملكي، أصبحت ابنته يوجيني وشقيقتها الكبرى بياتريس العضوتين الوحيدتين اللتين تُعدان فعلياً جزءاً من العائلة المالكة. لذلك، أصبح من المهم أكثر من أي وقت مضى إبقاؤهما بعيداً قدر الإمكان عن هذه الفضيحة».

وفي تطور زاد من حدة الجدل، كشفت رسائل بريد إلكتروني جديدة عن علاقة وثيقة بين فيرغسون وإبستين؛ إذ ورد أنها تحدثت معه في أكثر من مناسبة بطريقة ودية للغاية، حتى إنها قالت في بعض الرسائل إن عليهما الزواج، كما وصفته بأنه «الأخ الذي لطالما تمنيتُه».

وقد عادت قضية أندرو ماونتباتن وندسور إلى واجهة الاهتمام العام في الآونة الأخيرة، بعد توقيفه للاشتباه في سوء السلوك في منصب عام، في تطور جاء عقب توجيه اتهامات جديدة إليه بعد نَشْر كثير من الوثائق المرتبطة بالممول الأميركي الراحل، جيفري إبستين، المدان بجرائم استغلال الأطفال.

وكان الأمير أندرو قد جُرّد في وقت سابق من ألقابه الملكية ومن امتيازاته الرسمية، كما فقد مسكنه الملكي، بقرار من شقيقه الملك تشارلز الثالث، وذلك بعد سنوات من الجدل والفضائح المرتبطة بعلاقته بإبستين.


«القلق النوويّ» وتوتّر الحرب... خطوات للسيطرة عليهما

الصحة النفسية أولى ضحايا الحروب (بيكساباي)
الصحة النفسية أولى ضحايا الحروب (بيكساباي)
TT

«القلق النوويّ» وتوتّر الحرب... خطوات للسيطرة عليهما

الصحة النفسية أولى ضحايا الحروب (بيكساباي)
الصحة النفسية أولى ضحايا الحروب (بيكساباي)

للحروبِ قلقٌ خاصّ بها يسمّيه علم النفس «القلق النووي» (Nuclear Anxiety). هي مجموعة من المشاعر الطبيعية التي تصيب المرء كلما اقتربَ خطرُ الحرب من محيطه. أما العبارة العلمية فتعود جذورها إلى الحرب العالمية الثانية، وهي حالة نفسية ناتجة عن الخوف من احتمال نشوب حربٍ نووية.

يتّخذ قلق الحرب أشكالاً عدة تتجلّى في عوارض جسدية ونفسية، وفي سلوكياتٍ يومية غير معتادة، كأن يتخلّى الفرد عن روتينه ويمضي معظم وقته في متابعة الأخبار الواردة عبر شاشتَي التلفاز والهاتف. لذلك، يطلق علم النفس على قلق الحرب اسماً آخر هو «اضطراب التوتر الناتج عن عناوين الأخبار» (Headline Stress Disorder).

تتسبب الحرب في اضطراب التوتر الناتج عن عناوين الأخبار (بكسلز)

في كل مرةٍ يهتزّ الكوكب على وقع حربٍ وما يرافقها من ريبة وقلقٍ من المجهول، تسارع المنظّمات الصحية والهيئات التي تُعنى بالصحة النفسية إلى تقديم مجموعةٍ من النصائح لتحصين الذات خلال الحروب.

كُن ذكياً في التعامل مع الأخبار ومصادرها

أول ما تحذّر منه منظّمة «يونيسيف»، التصفّح المتواصل لوسائل التواصل الاجتماعي والجلوس الطويل أمام شاشة التلفاز، في مواكبةٍ مستمرة للأحداث والأخبار العاجلة. حتى وإن كانت النيّة الأساسية هي الاطّلاع على ما يجري، وهذا تصرّفٌ طبيعيّ، إلا أنّ المبالغة في المتابعة تضاعف تلقائياً من الشعور بالعجز والخوف والقلق. وما هو أسوأ من ذلك، الوقوع ضحية الأخبار الكاذبة التي تنتشر خلال الأزمات والحروب. لذلك، يجب:

* حصرُ مصادر المعلومات بالمواقع الإخبارية والمنصات الموثوقة

* حَظرُ كل مصدرٍ لا يوحي بالاحترافية والثقة

* إطفاء الإشعارات وتحديد أوقات قراءة الأخبار ومُشاهدتها، كأن يقتصر الأمر على بعض الوقت صباحاً وظهراً، فلا يتحوّل النهار بكامله إلى إدمانٍ على تصفّح الأخبار

* تجنّب التقاط الهاتف فور الاستيقاظ لأنه يتسبب في التوتر

* إطفاء الهاتف قبل ساعة من الخلود إلى النوم يساعد في تهدئة الأعصاب وفي نومٍ هانئ

يجب التحقق من مصادر الأخبار لأن الحرب مساحة خصبة لانتشار الأخبار الكاذبة (بكسلز)

لا تنسَ نفسك

قد ينعكس القلق من الحرب إهمالاً للذات وشعوراً بالشلل الفكري والجسدي. ربما يبدو الأمر صعباً وسط الأخبار السلبيّة، لكنّ الاعتناء بالنفس ضروريّ. وإذا كانت السيطرة على الحرب ليست في مقدور البشر العاديين المتأثّرين بها، فباستطاعتهم في المقابل التركيز على ما يمكنهم السيطرة عليه أي صحتهم الجسدية والنفسية.

تنصح دراسة أجرتها جامعة هارفارد الأميركية بالاستفادة من وقت الفراغ بعيداً عن الأخبار العاجلة والهاتف، من خلال القيام بأنشطة تخفّف من القلق والتوتر:

* المشي ربع ساعة على الأقل في الطبيعة أو الهواء الطلق إذا كانت الظروف مواتية لذلك.

* زيادة ساعات الرياضة فهي قادرة على الحدّ من القلق، وكلما كان التمرين والنشاط البدني عالي الكثافة كانت النتيجة أفضل على الجهاز العصبي والصحة النفسية.

* ممارسة تمارين التنفّس العميق والتأمّل يومياً، ويمكن القيام بذلك بمساعدة تطبيقات متخصصة.

* العناية بالغذاء لا سيما أنّ للتوتّر انعكاساتٍ سلبيّة على الشهيّة تتراوح ما بين انقطاعها وازديادها المفرط.

* القيام بأنشطة ترفيهية بسيطة كالقراءة أو مشاهدة مسلسل أو الحياكة أو العناية بالأزهار والشتول.

* الحصول على كمية كافية من النوم، ويساعد في ذلك استباقُ موعد النوم بالتوقف عن متابعة الأخبار.

القيام بأنشطة ترفيهية بسيطة يساعد في السيطرة على قلق الحرب (بكسلز)

افتحْ قلبك

لا يجدي كبتُ المشاعر نفعاً، بل هو يضاعف الشعور بالقلق. لذلك فإنّ التعبير عن المخاوف خلال الحرب مُباح وطبيعي وليس مدعاةً للخجل. تنصح منظمة «اليونيسيف» بالتواصل مع الأصدقاء ومشاركتهم الهموم والمشاغل، فالكلامُ بحدّ ذاته جزء من العلاج. وإذا تعذّر التواصل مع الأصدقاء والأقرباء، ثمة جمعيات متخصصة في ذلك.

يمكن للتعبير أن يكون كذلك فردياً، ومن بين الوسائل التي يُنصح بها للسيطرة على قلق الحرب:

* تدوين المشاعر على الورق ووصف الإحساس الآنيّ بدقّة

* الاستماع إلى أغنية مؤثّرة

* التعبير رسماً وتلويناً

* عدم إرغام النفس على الإحساس بما لا تحسّ: لا تضغط على نفسك كي تكون سعيداً أو منتِجاً أو نشيطاً.

التعبير عن مشاعر الخوف والقلق كتابةً يساعد في تخطّيها (بيكساباي)

ساعِدْ الآخرين

تبدأ السيطرة على القلق والتوتر بمساعدة النفس، وتكتملُ بمساعدة الآخرين. وخلال الحروب، ثمة دائماً من هو أكثر بحاجة منّا إلى المساندة والدعم. لذلك ينصح الاختصاصيون النفسيون بالتركيز على التعاطف الإنساني واستبدال اللطف بالغضب.

أما المساعدة الميدانية فيمكن أن تكون من خلال التطوّع في برامج خيريّة، تعمل على جمع المواد الغذائية والدوائية وتوزيعها على مَن هم أكثر احتياجاً، أو المشاركة في حلقات دعمٍ للأطفال والترفيه عنهم.


سيارة جديدة بـ100 ألف دولار لن تصنع السعادة… لماذا لا تكفي؟

للاكتفاء أثر نفسي يعادل وربما يفوق أثر زيادة المال على الصحة النفسية (بيكسلز)
للاكتفاء أثر نفسي يعادل وربما يفوق أثر زيادة المال على الصحة النفسية (بيكسلز)
TT

سيارة جديدة بـ100 ألف دولار لن تصنع السعادة… لماذا لا تكفي؟

للاكتفاء أثر نفسي يعادل وربما يفوق أثر زيادة المال على الصحة النفسية (بيكسلز)
للاكتفاء أثر نفسي يعادل وربما يفوق أثر زيادة المال على الصحة النفسية (بيكسلز)

نميل غالباً إلى الاعتقاد بأن امتلاك شيء باهظ الثمن -كسيارة جديدة بقيمة 100 ألف دولار- سيمنحنا شعوراً دائماً بالسعادة والاكتمال. غير أن التجربة الإنسانية تقول غير ذلك. فالسعادة لا تتعلق بقيمة ما نملك، بل بطبيعة رغبتنا فيه، وبالآلية النفسية التي تدفعنا إلى السعي المستمر وراء المزيد. فما الذي نبحث عنه حقاً: الشيء ذاته، أم الشعور المصاحب للحصول عليه؟

في الواقع، لدى معظم الناس تسلسل هرمي غير معلن في طريقة تفكيرهم بالإنفاق والرغبة:

- إذا لم ترغب في شيء ولم يكن لديك، فلن يشغل بالك.

- إذا رغبت في شيء وحصلت عليه، فقد تشعر بالرضا.

- إذا رغبت في شيء ولم يكن لديك بعد، فقد تشعر بالحماس والترقّب.

- أما إذا رغبت في شيء ولم تستطع الحصول عليه، فقد تصاب بإحباط شديد.

يوضح الخبير في علم نفس المال، مورغان هاوسل، مؤلف كتاب «فن إنفاق المال»، أن طبيعة «الشيء» ليست هي العامل الحاسم. فكوب ماء لشخص عطشان قد يكون أثمن من طائرة خاصة لملياردير يمتلك اثنتين أخريين. القيمة هنا نفسية وسياقية، لا مادية بحتة.

وقال في حديث ضمن شبكة «سي إن بي سي» إن الأمر يصبح منطقياً عندما نفهم ما الذي يريده الدماغ فعلاً، وهو ما يتضح أكثر خلال فترات العطلات والمواسم الاستهلاكية. فعقولنا -في العموم- لا ترغب في السيارات الفاخرة أو المنازل الكبيرة بحد ذاتها، بل تبحث عن «الدوبامين». فالدوبامين مادة كيميائية تُحفّز الرغبة، وتدفع الإنسان إلى طلب المزيد باستمرار: المزيد من الأشياء، المزيد من التحفيز، المزيد من المفاجآت.

ويتابع هاوسل أن السعي وراء هذا الشعور لا تعوقه العاطفة ولا الخوف ولا حتى الأخلاق. فمن منظور الدوبامين، لا تكمن الأهمية في امتلاك الشيء، بل في الحصول على شيء جديد؛ أي شيء جديد.

بمعنى آخر، لا يرغب دماغك في الأشياء المادية لذاتها، ولا حتى في حداثتها بوصفها صفة مستقلة، بل في عملية السعي والترقّب المصاحبة للحصول عليها. يُشبه ذلك ما عبّر عنه الممثل ويل سميث في وصفه للشهرة: «أن تصبح مشهوراً أمر رائع. أن تكون مشهوراً أمر مختلط. فقدان الشهرة أمر بائس. التغيير، لا الكمية، هو المهم». فالمتعة تكمن في التحوّل والانتقال، لا في الثبات عند مستوى معيّن.

هل تحتاج فعلاً إلى ذلك... أم أنك تُطارد ما لا تملك؟

يظهر هذا النمط بوضوح في علاقتنا بالمال. يقول هاوسل: «عندما تكون شاباً، تحلم بامتلاك سيارة؛ أي سيارة. فإذا امتلكت سيارة بقيمة 10 آلاف دولار، بدأت تحلم بسيارة بقيمة 20 ألف دولار، وإذا حصلت على سيارة بـ20 ألفاً، تطلعت إلى أخرى بـ50 ألفاً. وإذا امتلكت سيارة بـ50 ألفاً، أصبح حلمك سيارة بـ100 ألف دولار. وإذا حققت ذلك، بدأت تفكر في امتلاك عدة سيارات بالقيمة نفسها».

ويضيف هاوسل: «أصحاب الملايين ينظرون إلى مَن يملكون مئات الملايين، وهؤلاء ينظرون إلى أصحاب المليارات، ثم إلى أصحاب العشرات من المليارات. أما أصحاب الملايين، فماذا يريدون في نهاية المطاف؟ الخلود».

السؤال الذي لا يفارق أذهانهم هو: «ماذا بعد؟ ما الذي ينقصني؟ كيف أصل إلى المستوى التالي؟». هذا الصوت الداخلي لا يصمت، لأنه انعكاس مباشر لما يطلبه الدماغ: المزيد، دائماً المزيد.

الاكتفاء بالقليل لا يعني الاستسلام

أوضح هاوسل أنه في المقابل، قد يكون للاكتفاء أثر نفسي يعادل -وربما يفوق- أثر زيادة المال على الصحة النفسية. فالقناعة ليست خياراً سلبياً أو علامة على ضعف الطموح، بل موقف واعٍ يمكن التحكم فيه وتحقيقه. وهي، بخلاف سباق الزيادة المستمر، معركة يمكن الفوز بها فعلاً.

وقال: «الرضا بما تملك يمنحك قدرة أعمق على الاستمتاع بالمنزل الذي اشتريته، والملابس التي ترتديها، والإجازات التي تقضيها، فهو يحوّل ما لديك من أشياء عادية إلى مصادر امتنان حقيقي».

وأشار الخبير إلى أنه في نهاية المطاف، يبقى السؤال الجوهري: هل تفضّل أن تكون مليارديراً تستيقظ كل صباح قلقاً بشأن ما ينقصك، وحاسداً مَن يملكون أكثر، أم إنساناً عادياً يستيقظ راضياً، ممتلئاً بالسكينة، قادراً على تقدير ما لديه - مهما كان مقداره؟

قد لا تجعلك سيارة بـ100 ألف دولار سعيداً، لكن فهمك لما يدفعك إلى الرغبة، وقدرتك على تهذيب هذا الدافع، قد يقرّبانك من سعادة أكثر ثباتاً وعمقاً.