كيف التقت موريسون والطحاوي عند التلال والقيعان والجدران العازلة؟

الأمكنة آيديولوجية محملة بمعانٍ ودلالات اجتماعية

كيف التقت موريسون والطحاوي عند التلال والقيعان والجدران العازلة؟
TT

كيف التقت موريسون والطحاوي عند التلال والقيعان والجدران العازلة؟

كيف التقت موريسون والطحاوي عند التلال والقيعان والجدران العازلة؟

لو أن قارئاً لرواية توني موريسون «سولا (1973)» نبض في داخله الفضول لمعرفة موقع مدينة «مِدَاليون» بولاية أوهايو الأميركية، حيث تقع أحداث الرواية، فإن كل السبل التي يسلكها ليهتدي إلى موقعها، ستفضي به إلى لا شيء؛ إلى «نهايات ميتة»؛ لأن «مِدَاليون» لا وجود لها إطلاقاً؛ لا في الواقع ولا في الذاكرة التاريخية ولا «الأسطورية» للولاية؛ لأنها مدينة «وهمية»، متخيلة انبثقت من خيال موريسون، وبالتالي لا طريق إليها إلا عبر الخطاب السردي في الرواية. فلا وجود لها خارجه مثل كل الشخصيات، والأشياء والموجودات، وكل ما يحدث في عالمها التخييلي، كما في أي رواية.
وينتهي قارئ رواية «أيام الشمس المشرقة (2022)» للروائية ميرال الطحاوي إلى مثل ما ينتهي إليه قارئ «سولا»: «نهايات ميتة»، في سعيه إلى معرفة مدينة «الشمس المشرقة» وتحديد موقعها بدقة على الخريطة. فمدينة «الشمس المشرقة» متخيلة مثل «مِداليون»، لكنها تختلف في أن الروائية أحاطت موقعها بالغموض. فرغم ورود ولاية أريزونا في الخطاب، فإنها ليست المكان الذي تقع فيه الأحداث؛ لأنها «ولاية لا تطل على بحر (landlocked state)»، بينما مدينة الطحاوي ساحلية، في بقعة ما على الساحل الغربي الأميركي.
إن «سولا» و«أيام الشمس المشرقة» ليستا الروايتين الوحيدتين اللتين تقع أحداثهما في فضاءات خيالية؛ ليس هذا ما يميزهما أو تتفردان به بين الروايات الأخرى، فالأمكنة في الروايات إما تكون متخيلة؛ والأمثلة على ذلك تفوق الحصر، وإما حقيقية تتعرض لإعادة تشكيل تنزع عنها مألوفيتها لتصبح مدن أو أحياء الروائي أو الروائية: لندن تشارلز ديكنز، ودبلن جيمس جويس، وخان خليلي نجيب محفوظ؛ أو تُمْنَحُ أسماءً جديدة. لكن هذه الأمكنة الثلاثة تلتقي في أنها مواقع أحداث، تشبه تماماً «مواقع التصوير (filming locations)» وتؤدي الوظيفة نفسها التي تقوم بها لأي فيلم. فمواقع التصوير؛ وفق ليونارد جي ديفيس، في حالتها وملامحها في أثناء التصوير، لم تكن موجودة من قبل؛ لأنها تمر بعملية إعادة تشكيل وتصميم وإضاءة لتهيئتها للكاميرا. وبهذا تفقد الأمكنة مألوفيتها وأنها معروفة، وكلما ازدادت تفاصيل التشكيل والإعداد، ازدادت غرابة ولا مألوفية الأماكن، مثلما أن زيادة الوصف للأمكنة المعروفة في الرواية تجعلها غير معروفة أكثر، وتُعزز وجودها بوصفها ظاهرة لغوية؛ امتداداً لكون الرواية ذاتها ظاهرة لغوية «ديفيس - 1987: 2 - 61».
الأمكنة، في الرواية والفيلم، مواقع ذات وظائف، وهي بالضرورة آيديولوجية محملة بمعانٍ ودلالات اجتماعية. وفي هاتين الروايتين تتجسد هذه الفكرة على نحو عميق وشديد الوضوح؛ فالأماكن فيهما تتوزع وتمتد على طول وعرض خطوط وحدود عرقية وعنصرية وطبقية تقوم بوظيفة الجدران العازلة غير المرئية. «مِداليون» «والشمس المشرقة» مدينتا فصل عرقي وطبقي؛ فصل تسهم التضاريس الطبيعية في تحقيقه وتجسيده بانقسام الفضاء الروائي إلى تلال وقيعان وهضاب، تتباين التركيبة السكانية في كل منها من ناحية العرق والهوية والانتماء الطبقي. لا تماس ولا تواصل بين أفراد هذه التركيبات السكانية إلا وفق ما تمليه الحاجة، أو تفرضه اعتبارات المصلحة عند الطبقة المهيمنة على نحو خاص.
كلتا المدينتين صورة للمدينة الرأسمالية المؤسسة على فكرة التقسيم والإقصاء الفضائي (spatial exclusion)، الذي بواسطته تتحقق، وتتجلى خلاله، إقصاءات أخرى: العرقية، والطبقية، والاقتصادية. إن الإقصاء المكاني سبب وأثر لتلك الإقصاءات في الوقت نفسه.
في «سولا» تصور موريسون عالماً مقلوباً رأساً على عقب؛ فالقاع في «مِداليون» في الأعلى، وما يفترض أنه القمة هو القاع - الوادي. إنه قلب لغوي آيديولوجي عنصري في حقيقته؛ فـ«القاع (the Bottom)» هو الجزء التلي المرتفع من «مِداليون» الذي يقطنه السود، والوادي هو القمة حيث يقيم البيض. وحكاية هذا القلب اللغوي بما له من دلالات آيديولوجية عنصرية، أن أحد مُلاّك العبيد وعد أحد عبيده بأن يعتقه إذا أدى له خدمات معينة، ووعده أيضاً بمنحه قطعة أرض. لما أنجز «الزنجي» ما وعد بإنجازه، استرد حريته، لكن الجزء الثاني من الاتفاق بينهما لم يأتِ كما توقع. كان يتوقع الحصول على قطعة من أرض الوادي الخصبة والغنية وسهلة الزراعة، لكن السيد الأبيض منحه أرضاً في التلال التي أطلق عليها اسم «القاع». لما استغرب «الزنجي» أن يكون القاع في التلال بدلاً من الوادي، كان التبرير جاهزاً عند الرجل الأبيض بأن التلال هي القاع؛ أرض غنية وخصبة، وهي القاع عندما ينظر الرب للأسفل؛ إنها قاع الجنة. باءت توسلات «الزنجي» للحصول على أرض في الوادي بالفشل، فقبل على مضض الأرض التَّلِّيِّة حيث الزراعة شاقة؛ تقول الساردة، وتقصم الظهر، والتربة تنزلق وتجرف معها البذور، والريح تستمر طوال الشتاء. وبهذه الحكاية، أو «النكتة» كما تسميها الساردة، بدأ تاريخ القاع، وكان السود؛ وفق قولها، يجدون بعض العزاء عندما يُطِلون، كل يوم، على البيض في الأسفل. لكن ما لم تقله هو أن هذا لا يلغي حقيقة أن البيض يقيمون على أرض الوادي الغنية، وأنهم يرون أن القاع حيث يكون السود دائماً.
ومن القاع يتحدر الشُبّان السود إلى الوادي ليعملوا نُدُلاً في مطاعم الجزء الأبيض من «مِداليون»، ومائطي أوساخ من شوارعها؛ ويحلمون متألمين بأن يعملوا في أعمال أخرى مثل شق الطرق وحفر وإنشاء الأنفاق، ليتفاخروا بأنهم شاركوا في إنشائها. لكن بينهم وبين تلك الأعمال الشبان البيض، أو المهاجرون الأوروبيون المتأخرون - الجدد: الآيرلنديون أو اليونانيون.
وتحلم «نِعَم الخبّاز» - الشخصية الرئيسية في رواية الطحاوي -، ويحلم معها العاطلون من الطبقة العاملة، من اللاجئين والمهاجرين بمختلف أعراقهم وبلدانهم الأصلية، بالسير في الاتجاه المعاكس لسير السود في «سولا»؛ فهؤلاء يحلمون بالصعود من القاع - السفح إلى التلال للعمل في «الجنة الأبدية» بعد أن خابت آمالهم في دخول جنة الحلم الأميركي. في «أيام الشمس المشرقة» لا تقلب الطحاوي العالم كما فعلت موريسون في روايتها، بل تبقي هرم التركيبة الديموغرافية والطبقية على حاله؛ القمة في الأعلى والقاع في الأسفل، ولكنها مثل موريسون تقدم المكان بوصفه قوة فاعلة في الأحداث، حيث تتجسد وتمتد عبر تضاريس المكان حدود الفصل وجدران العزل غير المرئية بين الطبقات الثلاث: الطبقة العليا، والطبقة الوسطى، والطبقة الكادحة؛ أو، وبكلمات الناقد محمود عبد الشكور؛ «تحدد الجغرافيا الفوارق الطبقية والمعيشية أيضاً، وتختار كل منطقة شخصياتها (الشروق - 20 أغسطس/ آب 2022)».
في التلال؛ يتمدد ويأخذ في الاتساع عالم الطبقة العليا، «الجنة الأبدية»، «المحرّم» على «نعم الخباز» وبقية أهل القاع دخلوها إلا عندما يُطْلَبُون للعمل في تنظيف البيوت، خصوصاً عندما تندلع الحرائق وتنزل الكوارث الموسمية ببيوت ومنتجعات أصحاب الجنة. هذه هي العلاقة التي تربط أهل القمة «الجنة الأبدية» بأهل القاع، الذين أوصلهم البؤس والفقر وسوء الأحوال إلى حد انتظار نزول الكوارث بمنتجعات الأثرياء؛ لأنه حينها تكبر الغنائم. المفارقة المثيرة هو أن لأهل القاع - السفح جنتهم؛ «حديقة الأرواح»، المقبرة التي حولوها إلى موقع لالتقاط الصور بين الأزهار والأشجار، يبعثون بها إلى أهلهم في بلدانهم الأصلية، ليثبتوا نجاحاً زائفاً، ونيلهم «حصصهم» من الحلم الأميركي.
وما بين «القاع» و«الجنة الأبدية»، تنتصب هضبة «سنام الجمل»، التي تحتلها مساكن الطبقة الوسطى؛ من الموظفين والمدرسين والممرضات والفنانين والمتقاعدين والمثقفين الرومانسيين. تبدو الطحاوي هنا كأنها نقلت معلماً تضاريسياً من ولاية أريزونا إلى «المدينة المشرقة»... فقد تكون هضبة «سنام الجمل» هي «جبل ظهر الجمل (Camelback Mountain)» في مدينة فينِكس.
باختصار؛ في روايتيهما الممتعتين التقت موريسون والطحاوي في التلال والقيعان وعند الجدران العازلة!
* كاتب وناقد سعودي


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

صوَّر السماء فأذهل الملايين... واتُّهم بالذكاء الاصطناعي

 ليلٌ يزدحم بأشياء لا تعرف الظلام (فيسبوك المصوِّر)
ليلٌ يزدحم بأشياء لا تعرف الظلام (فيسبوك المصوِّر)
TT

صوَّر السماء فأذهل الملايين... واتُّهم بالذكاء الاصطناعي

 ليلٌ يزدحم بأشياء لا تعرف الظلام (فيسبوك المصوِّر)
ليلٌ يزدحم بأشياء لا تعرف الظلام (فيسبوك المصوِّر)

قضى المصوِّر بريندان لارسن ساعات طويلة في التقاط مئات الصور للسماء فوق أحد الجبال في نيوزيلندا. وتجلَّت ثمرة هذا المجهود في صورة تظهر فيها آلاف المسارات التي خلّفتها الأقمار الاصطناعية، وهي تتقاطع في سماء الليل، إلى درجة جعلت الصورة تبدو استثنائية جداً، ودفعته إلى خوض معركة للدفاع عن عمله ضدّ اتّهامات بأنه صُنِع بالذكاء الاصطناعي.

وذكرت «الغارديان» أنه لإنتاج هذه الصورة المذهلة، التي شاهدها ملايين الأشخاص عبر الإنترنت، قضى لارسن (51 عاماً) ساعتين خلال سبتمبر (أيلول) الماضي، يلتقط مئات الصور لسماء الليل فوق جبل تاراناكي في الجزيرة الشمالية.

وقال إنه ضبط كاميرته لالتقاط عدد غير محدود من الصور، مدّة كل منها 8 ثوانٍ، مع فاصل زمني مدته ثانيتان بين كلّ صورة وأخرى. وأضاف: «تركتُ الكاميرا تعمل لمدة ساعتين، والتقطت 578 صورة... وكان ذلك الجزء السهل».

أما الجزء الصعب فجاء لاحقاً، عندما قضى لارسن نحو 40 ساعة في دمج الصور الفردية بعضها فوق بعض، باستخدام برنامج «أدوبي فوتوشوب»، وأمضى وقتاً طويلاً في محو النجوم بعناية لإظهار مسارات الأقمار الاصطناعية.

وقال: «بدأتُ أرى النمط يتشكّل، وقلتُ في نفسي: (يا له من أمر رائع!)، وكنت أعلم أنه كلما واصلت العمل، سيبدو الأمر أفضل وأكثر إبهاراً لجهة عدد الأقمار الاصطناعية».

وتُظهر الصورة السماء وقد امتلأت بمسارات نحو 1400 قمر اصطناعي، بلغ عددها نحو 14 ألف مسار، شكّلت نمطاً متشابكاً وكثيفاً فوق الجبل.

منح ساعتين من الليل في صورة (فيسبوك المصوِّر)

وعندما نشر لارسن الصورة على حساباته في وسائل التواصل الاجتماعي، منتصف أكتوبر (تشرين الأول)، انتشرت بسرعة فائقة، وأكسبته 15 ألف متابع جديد، وحصدت عشرات الملايين من المشاهدات، وأثارت آلاف التعليقات.

وكانت المفاجأة أن بعض المشاهدين شكّكوا في حقيقة الصورة، معتبرين إياها من صنع الذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، تقبّل لارسن الأمر، قائلاً إن برمجيات توليد الصور بالذكاء الاصطناعي أصبحت شديدة التطوّر، إلى درجة يصعب معها التمييز بين الصور الحقيقية والزائفة، خصوصاً لمَن لا يعرفون المكان أو لا يملكون دراية بالتصوير الفلكي، مؤكداً في الوقت ذاته أن الأمر «محبِط».

وأوضح كذلك أنه يشعر بالاستياء عندما يرى صورته تُحمَّل ويُعاد إنتاجها باستخدام الذكاء الاصطناعي، مع ظهور عيوب واضحة فيها.

وتحسّباً لموجة الاتّهامات وردود الفعل الغاضبة، وثَّق لارسن عملية إنتاج صورته في مقطع فيديو، ويأمل في أن يمكّن ذلك المشاهدين من بناء ارتباط عاطفي بالمشهد الطبيعي الظاهر فيها.

في طفولته، كان لارسن مندهشاً جداً من عدد النجوم التي تملأ السماء في أجزاء من الريف النيوزيلندي، لكنه لاحظ زيادة في التلوث الضوئي وعدد الأقمار الاصطناعية خلال الأعوام الستة التي قضاها في تصوير السماء.

وقال: «من المثير والمذهل رؤية الأقمار الاصطناعية، لكنه أمر يبعث على القلق»، مضيفاً: «لدي نحو 10 آلاف تعليق على صفحتي في (فيسبوك)، و9 من كلّ 10 تعليقات تقول: (يا لها من صورة بديعة، لكنه أمر مرعب ومخيف ويثير القلق حقاً حيال ما يحدث لسماء الليل)».

يُذكَر أن نحو 16 ألف قمر اصطناعي عامل تدور حول كوكب الأرض، إلى جانب عشرات الآلاف من المركبات الفضائية المُعطّلة وأجزاء الصواريخ والحطام الناتج عن تفكّك الحمولات الفضائية.

وقد حذَّرت دراسات بالفعل من أن جزيئات المعادن الناتجة عن الأنشطة الفضائية، مثل عمليات إطلاق الصواريخ وعودة الأقمار الاصطناعية إلى الغلاف الجوّي، قد تؤثر في كيمياء الغلاف الجوي وطبقة الأوزون، بينما حذَّرت الأمم المتحدة من أن زيادة الأنشطة الفضائية تشكّل مخاطر على السلامة على الأرض وظلام السماء والرصد الفلكي.

وفي حين أن الأقمار الاصطناعية لا تملأ السماء تماماً للعين المجرّدة حتى الآن، يساور لارسن القلق إزاء الحالة المستقبلية لسماء الليل، ويأمل في أن تثير صورته نقاشات وتأملات حول كيفية استخدام الأقمار الاصطناعية بمسؤولية.

وختم: «يمكننا تعزيز الوعي، ومن خلال ذلك نحقّق زخماً شعبياً لدعم الجهود الرامية إلى حماية سماء الليل».


«وهم المركز»... رؤية تشكيلية فلسفية للقيود التي يواجهها الإنسان

تعيد لوحات محمد الجنوبي النظر في مفهوم المركز والهامش (الشرق الأوسط)
تعيد لوحات محمد الجنوبي النظر في مفهوم المركز والهامش (الشرق الأوسط)
TT

«وهم المركز»... رؤية تشكيلية فلسفية للقيود التي يواجهها الإنسان

تعيد لوحات محمد الجنوبي النظر في مفهوم المركز والهامش (الشرق الأوسط)
تعيد لوحات محمد الجنوبي النظر في مفهوم المركز والهامش (الشرق الأوسط)

ماذا لو أزحنا الإنسان عن مركز اللوحة الفنية، وأفسحنا مكانه لفراغ واسع تتوزع حوله أشكال وخطوط وعناصر تبدو للوهلة الأولى هامشية؟ وإلى أي مدى يمكن لهذا التحول أن يعكس واقع مجتمعات يتقدّم فيها حضور الجماعة على إرادة الفرد واختياراته؟

من هذا السؤال يبدأ الفنان التشكيلي المصري محمد الجنوبي تجربته في معرضه «وهم المركز... التحرك أسفل اللوحة»، المقام حتى 12 نوفمبر (تشرين الثاني) في «مركز الجزيرة للفنون» بالقاهرة، مستكشفاً عبر التكوينات البصرية علاقة الفرد بالجماعة، وما تفرضه من قيود على حريته واستقلاله، في تطلع إلى مجتمع يمتلك فيه الإنسان حق الاختيار وتقرير مصيره؛ حيث ينقل الجنوبي إلى مساحة التصوير تساؤلات تتعلق بموقع الفرد داخل المجتمع، وهيمنة الجماعة على اختياراته، وما يترتب على ذلك من تراجع استقلاليته وحريته.

وعلى امتداد نحو 80 عملاً، موزعة على 3 قاعات تحمل أسماء الفنانين أحمد صبري وراغب عياد والحسين فوزي، بالمركز، يقدم الجنوبي مشروعاً تشكيلياً فلسفياً عمل عليه طوال 4 سنوات، محاولاً من خلاله إعادة النظر في مفهوم المركز والهامش، انطلاقاً من قراءة ثقافية وتاريخية لطبيعة المجتمعات الشرقية، وما يميزها من حضور قوي للعائلة والعشيرة والجماعة في تشكيل حياة الفرد.

ويقول الجنوبي لـ«الشرق الأوسط»: «الأساس في الفن أن الإنسان يكون مركز اللوحة، لكنني أزحته من هذا الموقع ووضعته في الهامش، وتركت المركز فراغاً لونياً أو خطوطاً وأشكالاً هندسية».

يغيب الإنسان عن المساحة الرئيسية في رمز لهيمنة الجماعة (الشرق الأوسط)

ويتابع: «أردت أن أتأمل الفكرة من منظور ثقافتنا؛ فالإنسان الفرد لم يكن دائماً مركز الحياة في مجتمعاتنا، إذ لعبت العائلة والعشيرة والجماعة الدور الأكبر في تشكيل وجوده وفكره، فيما اتخذ الإنسان موقع المركز في الثقافة الغربية، قبل أن تبدأ الحداثة وما بعدها مساءلة هذه الفكرة».

ويضيف الجنوبي: «أنا مع أن يكون الإنسان في المركز، لكنني أريد أن يصل إلى هذا الموقع فعلياً، وأن يمتلك حقوقه وحرياته واستقلاله؛ فالمسألة تتعلق بمدى قدرته على اتخاذ قراراته، واختيار حياته ومستقبله واتجاهاته الفكرية والثقافية. وإلى أن يتحقق ذلك، سأظل أرسمه في الهامش أو أسفل اللوحة».

بهذا المعنى يتخذ عنوان المعرض دلالته الأساسية؛ فـ«وهم المركز» يحيل إلى تصور ثقافي واجتماعي يمنح الجماعة سلطة واسعة على الفرد الذي تظل استقلاليته محدودة.

ويؤكد الفنان أن انشغاله بالهامش لا ينطلق من مقاربة سياسية، وإنما من محاولة فهم جذور هذه العلاقة في التاريخ والثقافة، وكيف يمكن لهيمنة الجماعة أن تحد من ظهور الشخصيات المستقلة وأصحاب الرؤى المختلفة والمبدعة.

ولا يقتصر حضور الهامش على بنية اللوحة، وإنما يمتد إلى الشخصيات والحكايات التي يستحضرها الفنان. فتظهر المرأة في عدد من الأعمال باعتبارها موضوعاً لحكايات يرويها الشريط السفلي، في محاولة لإبراز أدوارها وما تعرضت له ـ رغم ذلك ـ لتهميش داخل بعض الأنساق الاجتماعية والثقافية، وهو ما يتيح قراءة إضافية للعلاقة بين الحضور الفعلي للشخصيات ومكانتها في الذاكرة الجمعية.

تفاصيل لونية وهندسية من تجربة محمد الجنوبي في معرض «وهم المركز» (الشرق الأوسط)

وتحضر الطبيعة بدورها في بعض التكوينات، من خلال نباتات ضخمة تتجاوز أحجامها المعتادة، ويضعها الفنان في علاقة متوترة مع البيئة العمرانية.

ويشرح أن هذه النباتات تبدو في حالة غضب من العشوائيات التي تزاحم المكان وتحتل مساحاته، في إشارة إلى اختلال التوازن بين الطبيعة، وما يطرأ على البيئة من تغيرات.

أما الأشكال الهندسية والتجريدية، فتؤدي دوراً أساسياً في ضبط التكوين، خصوصاً مع اتساع المساحات الخالية وتراجع العناصر البشرية.

ويوضح الجنوبي أن طبيعة المشروع فرضت عليه البحث عن حلول بصرية تحفظ توازن اللوحة؛ بحيث لا يبتلع الفراغ بقية عناصرها، ولا تفقد الأشكال المحدودة قدرتها على بناء إيقاع متماسك.

وتكشف الألوان عن صلة واضحة بذاكرة المكان الذي نشأ فيه الفنان بأسوان؛ إذ تتقدم الدرجات الترابية والبنيات الداكنة، إلى جانب الأصفر ولمسات محدودة من الأخضر.

الفنان محمد الجنوبي داخل معرضه (الشرق الأوسط)

ويقول: إن «طبيعة الجنوب، بما تحمله من صحراء وجبال وبيئة خشنة، تركت أثرها في اختياراتي اللونية، كما انعكست في بعض المفردات التي أستحضرها».

ومع ذلك لا يعد الفنان أن المعرض يُمثل نهاية مشروعه؛ فهو لا يزال يعمل على تطوير التجربة، ويتركها مفتوحة لمزيد من البحث والتجريب.


تمساح يقتحم مخبزاً... وصاحبه: لم أتوقَّع هذا ولو بعد مليون عام

دخل المخبز ولم يكن الخبز قضيّته (فيسبوك)
دخل المخبز ولم يكن الخبز قضيّته (فيسبوك)
TT

تمساح يقتحم مخبزاً... وصاحبه: لم أتوقَّع هذا ولو بعد مليون عام

دخل المخبز ولم يكن الخبز قضيّته (فيسبوك)
دخل المخبز ولم يكن الخبز قضيّته (فيسبوك)

تسلّل تمساح صغير الحجم إلى مخبز في ولاية كارولاينا الشمالية الأميركية، ممّا أثار حالة من الهلع بين العاملين والزبائن.

ووفق صحيفة «نيويورك بوست»، دخل تمساح يبلغ طوله نحو 3 أقدام (91 سنتيمتراً)، مخبز «باجل دوك إكسبريس» بمدينة ساوثبورت عبر باب خلفي كان مفتوحاً.

ورصدته كاميرات المراقبة وهو يتجوَّل في غرفة التخزين، ثم يمرّ بالمطبخ وصولاً إلى المنطقة الأمامية للمخبز، قبل أن يستقرّ خلف منضدة البيع. وما إن لمح مالك المخبز جيسي دريسكول الزائر غير المتوقَّع، حتى انتفض مذعوراً وهرع إلى الخارج، ليعود سريعاً مصطحباً رجلاً آخر ليريه المشهد الصادم.

وقال دريسكول لشبكة «دبليو دبليو إيه واي» الإخبارية: «إنه أمر خارج عن المألوف تماماً بالنسبة إلى مخبز. يمكنك أن تتوقَّع رؤية كثير من الأشياء، مثل دخول الزبائن أو الأصدقاء لإلقاء التحية، لكنني لم أتخيّل طوال حياتي أن أرى تمساحاً هنا، ولو بعد مليون عام».

زائرٌ بأنياب لا تصلح لابتسامة الصباح (فيسبوك)

وأوضح مالك المخبز أنه سارع إلى الاتصال برقم الطوارئ، فتدخّلت شرطة ساوثبورت بالتعاون مع خدمات حماية الحيوانات، ونجحت في الإمساك بالتمساح ونقله بأمان إلى مكان آخر، من دون وقوع إصابات.

ونشرت شرطة ساوثبورت صوراً للزاحف الصغير عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مرفقة بتعليق طريف عن وجود تمساح في الممر الأول.

وأشار دريسكول إلى أنه كان منشغلاً بتركيب فرن جديد عندما تسلّل هذا الدخيل المغطَّى بالحراشف إلى المخبز.

بدوره، علّق المخبز مازحاً عبر وسائل التواصل الاجتماعي بأن أخبار المخبوزات الطازجة التي يقدّمها وصلت، على ما يبدو، إلى المستنقعات، مضيفاً أنّ الحادثة انتهت من دون إصابات، وإنما بزيارة زبون غير مألوف.

وفي سياق متصل، ذكرت صحيفة «الغارديان» أنّ لجنة موارد الحياة البرّية في كارولاينا الشمالية سبق أن حذّرت السكان والزائرين في المناطق الساحلية من إطعام التماسيح أو الاقتراب منها، في ظل ازدياد اللقاءات بينها وبين البشر.

وأوضح عالم الأحياء جون هنري هارلسون أنّ إطعام التماسيح يجعلها تربط وجود البشر بالحصول على الطعام، وقد يفقدها خوفها الطبيعي منهم، ممّا يزيد احتمالات وقوع مواجهات خطرة. وتوصي السلطات بعدم محاولة الإمساك بهذه الحيوانات أو التعامل معها، وتوخّي الحذر قرب المسطحات المائية.