حنة أرنت... بين الانتماء اليهودي ونقد الصهيونية

وصفت قادة صهيونيين في ألمانيا بأنهم كانوا متواطئين مع النازية

حنة أرنت... بين الانتماء اليهودي ونقد الصهيونية
TT

حنة أرنت... بين الانتماء اليهودي ونقد الصهيونية

حنة أرنت... بين الانتماء اليهودي ونقد الصهيونية

المنتج الفكري الضخم والعميق الذي تركته الباحثة والمفكرة الألمانية حنة أرنت (1906 - 1975)، والذي أحاط بقضايا عديدة منها ما يتصل باليهود بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أو لا يتصل بهم لكنه يمس مواقفها وآراءها العامة من حيث هي منتمية للجماعة اليهودية في ألمانيا، كل ذلك يجعل الإحاطة بمنجزها أمراً في غاية الصعوبة. لا شك أن انتماءها اليهودي وما يتصل بذلك الانتماء احتلا مكانة واسعة في أعمالها، لكنها عنيت بمسائل فكرية وثقافية أكثر عمومية من أن تحصر بالمسائل التي تهم اليهود بصورة مباشرة، ولا شك أن هذا يصدق على باحثين آخرين من اليهود ممن جرى تناولهم ضمن ما أسميته النموذج السبينوزي، لكن أرنت اختلفت في تعدد اهتماماتها ومنجزاتها ضمن السياق اليهودي، وربما حجم وتأثير تلك الاهتمامات والمنجزات. ومما لا شك فيه أنها الأكثر بروزاً وحضوراً بين جيل المفكرين اليهود في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية.

لم يكتب أحد من أولئك المفكرين عملاً ترك من الأثر ما تركه، مثلاً، كتابا أرنت «أسس التوتاليتارية» و«الحالة الإنسانية». هذان العملان يعدان بين الأبرز والأكثر شهرة وتأثيراً في الفكر الغربي الحديث. تضاف إلى ذلك تجربتها مع النازية واعتقالها وهروبها من معسكرات الاعتقال ونشاطها السياسي المباشر، سواء مع النشطاء الصهيونيين أو المنظمات اليهودية الأخرى، إلى غير ذلك من أوجه التفاعل والتأثير الواسعة.
النموذج السبينوزي يصدق على أرنت من الناحية الأساسية، أي الانتماء لليهود ونقد بعض أوجه حياتهم أو القضايا التي تهم بعضهم أو الكثير منهم. وصفها لبعض قادة الحركة الصهيونية في ألمانيا بأنهم كانوا متواطئين مع النازية في المحرقة أو في تصفية الملايين من اليهود هو ربما أكثر مواقفها حدة، فضلاً عن نقدها لإسرائيل ورفضها الانسياق مع ما اتخذه بعض زعمائها من مواقف. غير أن علاقتها بمهادها اليهودي في ألمانيا تتجاوز ذلك إلى مسائل أعمق وأكثر شمولية واتصالاً بالإنسان بصفة عامة، مثل الحرية والسلطة والتعليم والتاريخ، إلى غير ذلك. وبوجه عام، ظلت أرنت تؤكد انتماءها اليهودي من ناحية، وتتخلى عنه أو تقلل من شأنه، من ناحية أخرى. لكن تأكيدها له يبدو أوضح وأقوى.

بدايات الانشغال بالانتماء اليهودي
انشغلت أرنت منذ فترة مبكرة بانتمائها إلى الجماعة اليهودية، وكان من الطبيعي والمتوقع لفتاة على قدر عالٍ من الذكاء ولدت في بيت مثقف تتوفر فيه الكتب أن تعي مبكراً موقعها الاجتماعي بين فئة من اليهود الألمان حققت قدراً عالياً من الرخاء الاقتصادي والتمكن السياسي والقبول الاجتماعي. كما كان متوقعاً من شابة مثقفة مثلها أن تتعرف على التاريخ الاجتماعي والثقافي للجماعات اليهودية في أوروبا مثلما تتعرف على تاريخ الفكر والثقافة الغربية عامة. أكدت ذلك التعرف مقالة نشرتها عام 1932 بعنوان «التنوير والمسألة اليهودية»، المسألة التي ستشغلها بقية حياتها. دراستها لحياة راحيل فارنهاغن، المثقفة الألمانية اليهودية التي اشتهرت بصالونها الأدبي أواخر القرن الثامن عشر وأوائل التاسع عشر، أكدت ذلك الانشغال الذي تركز في تلك الدراسة على سعي الجماعات اليهودية للاندماج في المجتمعات الأوروبية المحيطة، وتفرد فارنهاغن بحفاظها على هويتها اليهودية رغم سعي الكثير من المحيطين بها إلى التماهي مع المجتمعات المسيحية بالتخلي عن انتمائهم اليهودي.
شهد مطلع الثلاثينات أيضاً اكتشاف أرنت أن الحزب النازي الصاعد بدأ يمارس تأثيره في المشهد السياسي الألماني على النحو الذي اتضح من فرض القيود على بعض الناشطين اليهود من أمثال أرنت، في الوقت الذي بدأ نشاط الحزب يفرز الوضع السياسي بتحديد أنصاره من المعارضين له. وبينما كانت أرنت وغيرها من المثقفين اليهود يكتشفون أنهم غير مرحب بهم في البلاد التي كانوا يعدونها بلادهم، كان بعض أصدقائهم من الألمان ينضمون إلى القوة السياسية الصاعدة بما تحمل من آيديولوجيا ومواقف سياسية وثقافية واجتماعية مقيدة لنشاط الأقليات، لا سيما اليهود منها.
وكانت خيبة أمل أرنت تحديداً كبيرة حين اكتشفت أن الفيلسوف مارتن هايدغر، الذي كانت تلميذته لبعض الوقت، كان يحضر اجتماعات الحزب، ويظهر ميلاً لآيديولوجيته. ومما زاد من صعوبة الأمر وحدة مرارته أن أرنت كانت على علاقة عاطفية بهايدغر. الفيلسوف الألماني الآخر كارل ياسبرز، الذي أشرف على رسالتها للدكتوراه، حاول إقناعها بأن تنظر إلى نفسها بوصفها ألمانية أولاً، أي قبل أن تكون يهودية، فكانت إجابتها أنه بالنسبة لها ألمانيا هي اللغة الأم، هي الفلسفة والشعر. قالت لأحد محاوريها مستذكرة تلك المرحلة المبكرة: «أنا نفسي، مثلاً، لا أعتقد أنني نظرت إلى نفسي على أنني ألمانية مطلقاً - بمعنى الانتماء إلى الشعب في مقابل كوني مواطنة، إن كان لي أن أميز بين الاثنين. أتذكر أنني ناقشت ذلك مع ياسبرز في الثلاثينات»، وذلك بالفعل ما كان عليه الحال، لا سيما حين اضطرت أرنت للهرب إلى خارج ألمانيا فراراً من الاضطهاد مع أن الاضطهاد ظل يلاحقها حين احتجزت لبعض الوقت ثم تمكنت من الهرب مرة أخرى.

موقفها من الصهيونية وإسرائيل
تلك المعاناة دفعت بأرنت، قبل هروبها من ألمانيا، إلى المشاركة في دعم اليهود الراغبين في الهروب، لكنها لم تدفعها إلى الانضمام إلى الحركة الصهيونية. قالت لأحد محاوريها:
«لقد ألقي القبض علي، وكان علي أن أترك البلاد بصورة غير شرعية... منحتني المنظمات الصهيونية الفرصة (لتقديم المساعدة). كنت صديقة لبعض القياديين، بصورة رئيسية لرئيسها كيرت بلومفيلد. لكني لم أكن صهيونية، ولم يسع الصهاينة لضمي إلى صفوفهم. لكني بصورة أو بأخرى تأثرت بهم، لا سيما بالنقد، النقد الذاتي الذي أشاعه الصهاينة بين اليهود. تأثرت بذلك وأعجبت به، لكن من الناحية السياسية لم تكن لي صلة بالصهيونية».
عدم انتمائها إلى الحركة الصهيونية لم يؤثر بطبيعة الحال على شعورها بالانتماء اليهودي، على الأقل في تلك المرحلة الحاسمة (مع أن المؤرخ البريطاني اليهودي توني جُت يرى أنها انتمت للحركة الصهيونية أثناء وجودها في ألمانيا). ومما يؤكد أثر ذلك الشعور، وليس شعورها بالانتماء الذي يعد أمراً طبيعياً، أن الحدث الحاسم في حياتها بألمانيا، كما ذكرت هي، لم يكن صعود النازية، لم يكن عام 1933، وإنما كان عام 1943؛ في ذلك العام، تقول أرنت، «علمنا عن أوشفتز»، أي اكتشفنا المحرقة التي راحت ضحيتها تلك الأعداد الغفيرة من اليهود، والتي كادت هي أن تكون أحد ضحاياها أيضاً. غير أن الشواهد على مشاعرها تجاه اليهود فيما تركت من كتب ومقالات أكثر من أن تحصى. وبالطبع فإن المشاعر وحدها ليست الأمر الحاسم حين يتصل الأمر بالمنتج الفكري، سواء كان تحليلاً فلسفياً أو تأريخياً، وفي حالة أرنت يلعب البعد الفكري دوراً أساسياً لأنها مفكرة تقارب الفلسفة والتأريخ معاً.
لكن الجانب العاطفي ليس أيضاً بالأمر الذي يجوز استبعاده، لا سيما حين يتدخل البعد الشخصي أو التجربة الشخصية. فأرنت في نهاية المطاف إنسان عانى شخصياً، بل كاد يهلك جراء الأحداث التي تتناولها تحديداً. ولذا من الصعب تصور أن تنظر لما حدث لليهود أو للمواقف المعادية لهم نظرة باحث من الصين أو الهند أو أفريقيا أو أي منطقة أخرى لم تنغمر بالأحداث وتتأثر بها، ناهيك عن أن يكون خارجاً بل ناجياً منها للتو.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

أحمد مجدي: شخصية النرجسي المخادع في «الست موناليزا» استفزتني فنياً

الفنان أحمد مجدي تحدَّث عن دوره في «الست موناليزا» (صفحته على «فيسبوك»)
الفنان أحمد مجدي تحدَّث عن دوره في «الست موناليزا» (صفحته على «فيسبوك»)
TT

أحمد مجدي: شخصية النرجسي المخادع في «الست موناليزا» استفزتني فنياً

الفنان أحمد مجدي تحدَّث عن دوره في «الست موناليزا» (صفحته على «فيسبوك»)
الفنان أحمد مجدي تحدَّث عن دوره في «الست موناليزا» (صفحته على «فيسبوك»)

قال الممثل المصري، أحمد مجدي، إن حماسه للمشارَكة في مسلسل «الست موناليزا» جاء لشعوره بأنَّ العمل يقدِّم تجربةً دراميةً متكاملةً على مستويي النَّصِّ، والرؤية الإخراجية وتركيبة الشخصيات، عادّاً أنَّ هذا النوع من المشروعات هو ما يبحث عنه بصفته ممثلاً يسعى إلى الاشتباك مع شخصيات مُركَّبة ومناطق إنسانية ملتبسة.

وأضاف مجدي في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أنه كان يتمنَّى منذ فترة طويلة العمل مع مي عمر، وتَحقَّق ذلك أخيراً في ظروف إنتاجية وفنية مناسبة منحته دافعاً إضافياً للدخول في التجربة بثقة وحماس، خصوصاً في ظلِّ وجود سيناريو وصفه بـ«المُحكم والمكثف» كتبه محمد سيد بشير، «حيث تتوالى الأحداث دون ترهل، ومن دون وجود شخصيات زائدة عن الحاجة، إذ يؤدي كل خط درامي وظيفةً محددةً داخل عالم متشابك تتقاطع فيه المصائر، وتتراكم فيه الدوافع النفسية»، على حد تعبيره.

وأوضح مجدي أن «العمل لا يعتمد فقط على الإثارة الظاهرية أو الصدامات المباشرة، بل يراهن بالأساس على بناء نفسي طويل المدى للشخصيات، وعلى كشف تدريجي لتحولاتهم الداخلية، ما منحني فرصةً حقيقيةً للاشتغال على التفاصيل الدقيقة في الأداء».

أحد الملصقات الترويجية للمسلسل (الشركة المنتجة)

وتحدَّث مجدي مطولاً عن شخصية «حسن»، وعدَّها من أكثر الشخصيات تعقيداً التي تعامل معها، موضحاً أنها «شخصية لا يمكن اختزالها في توصيف أخلاقي بسيط، إذ تجمع بين النرجسية الحادة، والتمركز حول الذات، والقدرة على المراوغة والخداع، لكنها في الوقت نفسه ليست شريرةً على نحو كاريكاتيري أو مباشر، وقوتها الشخصية تكمن في كونها مكتوبةً بحيث تسمح للمُشاهد أن يراها من الداخل، وأن يتتبع كيف تَشكَّلت عبر تراكمات نفسية واجتماعية طويلة، لا عبر حدث واحد حاسم».

وأشار إلى أن «حسن» يمتلك قدرةً عاليةً على تضليل الآخرين، والأهم أنَّه ينجح في تضليل المُتفرِّج نفسه في المراحل الأولى من العمل، إذ يظهر بوصفه شخصاً يبدو بريئاً، حساساً، يبحث عن الحب والاحتواء، قبل أن تبدأ الطبقات الحقيقية للشخصية في الانكشاف تدريجياً، لتظهر دوافع أكثر ارتباطاً بالمال والسيطرة وتحقيق الذات، حتى ولو جاء ذلك على حساب الآخرين، عادّاً أن هذا المسار التصاعدي في كشف الشخصية يخلق نوعاً من الصدمة النفسية المتراكمة لدى المشاهد، ويدفعه إلى إعادة النظر في أحكامه المسبقة وفي طريقة قراءته للشخصيات الدرامية، مشيراً إلى أنه على الرغم من علمه بكراهية الجمهور لشخصية «حسن» بعد مشاهدة العمل، فإنه تحمَّس لها واستفزته فنياً ليقدمها.

وأكد مجدي أن ما يطرحه المسلسل قد يبدو للبعض قاسياً أو مبالغاً فيه، لكنه يرى أن الواقع أكثر قسوةً وتعقيداً مما تسمح به الدراما التلفزيونية، خصوصاً فيما يتعلق بالعلاقات المختلة داخل الأسرة أو في البيئات التي تسودها الأنانية والعنف النفسي، موضحاً أن التجارب الإنسانية في الحياة اليومية تحمل مستويات أعلى من الألم والتشوه النفسي، لكن الدراما تضطر إلى تقديمها في إطار مشوق ومتوازن يحافظ على قابلية المشاهدة ويمنح المتلقي فرصةً للتفاعل لا النفور الكامل.

وحول منهجه في التحضير للشخصية، قال إن السؤال المركزي الذي ظلَّ يرافقه في كل جلسات النقاش مع المؤلف والمخرج هو: لماذا يتصرَّف «حسن» بهذه الطريقة؟ وما الجذور النفسية والتربوية التي أسهمت في تكوين هذا السلوك؟

أحمد مجدي تحدَّث عن الأدوار المُركَّبة (صفحته على «فيسبوك»)

وأضاف أن «كثيراً من الشخصيات النرجسية أو العنيفة تكون في الأصل نتاج خلل مبكر في منظومة التربية أو في الإحساس بالأمان والاحتواء، وهو ما حاول أن ينعكس بشكل غير مباشر في الأداء، وليس عبر خطاب مباشر أو تبرير سطحي»، متوقفاً عند العلاقة بين «حسن» وعائلته بوصفها تُشكِّل العمود الفقري لفهم الشخصية، لا سيما علاقته بأمه التي تجسِّدها الفنانة سوسن بدر.

وأشار إلى أن هذه العلاقة تحمل قدراً عالياً من الالتباس العاطفي والتوتر الصامت، وتكشف عن مناطق حساسة داخل تكوينه النفسي، فتتجاور الحاجة إلى القبول مع الرغبة في السيطرة والتمرد، لافتاً إلى أن الأداء الهادئ والمركب للفنانة سوسن بدر منح هذه العلاقة عمقاً خاصاً، وجعل المَشاهد المشتركة قائمةً على الإيحاء والتراكم أكثر من المواجهة المباشرة.

وأضاف أن العلاقة مع الأب تمثِّل بدورها منطقة جرح داخلي نادر الظهور، لكنها شديدة التأثير، إذ لا تظهر إلا في لحظات محدودة داخل العمل، تكشف عن مرارة دفينة وشعور قديم بالظلم أو الخذلان، عادّاً أن هذه اللحظات هي الأصعب أداءً، لأنَّها تتطلب كسر الصورة الصلبة التي يقدِّمها «حسن» طوال الوقت، وإظهار هشاشته الإنسانية من دون الوقوع في الميلودراما أو التبرير الأخلاقي.

وأكد مجدي أن «الرهان كان دائماً على إبقاء عنصر المفاجأة حياً داخل المشهد الواحد، وعلى ألا تُكشف أوراق (حسن) كاملة في لحظة واحدة، بل أن تتسلل تدريجياً عبر التفاصيل الصغيرة في الأداء»، مشيراً إلى أن مشاهد الأكشن أو الحركة لم تُمثِّل تحدياً كبيراً بالنسبة له، نظراً لوجود فريق متخصص ومخرج يمتلك رؤيةً واضحةً لكيفية تنفيذها، ما جعلها تسير بسلاسة وانضباط، بينما جاءت الصعوبة الحقيقية في المشاهد النفسية الدقيقة التي تتطلب تحكماً عالياً في الانفعال، وتوازناً دقيقاً بين ما يُقال وما يُخفى.

أحمد مجدي قدَّم دوراً له أبعاد نفسيه في المسلسل (الشركة المنتجة)

وأشاد مجدي بتجربته في العمل مع مي عمر، عادّاً أنها تمتلك قدرةً لافتةً على قراءة الإيقاع الدرامي للمشهد، لافتاً إلى أن التفاهم الكبير بينهما انعكس بشكل إيجابي على المشاهد المركبة التي تجمعهما.

واعترف بأن المشاهد الرومانسية تمثل له تحدياً خاصاً، ليس فقط على المستوى التقني، بل على المستوى الإنساني، نظراً للفارق بين هشاشة التعبير العاطفي في الحياة الواقعية والوضوح الذي تتطلبه الدراما التلفزيونية.

وفيما يتعلق بفكرة المنافسة في رمضان، أكد مجدي أنه لا ينظر إلى العمل الفني بوصفه سباقاً أو معركة أرقام، بل مساحة للتعبير والتواصل وطرح الأسئلة، عادّاً أن الصناعة الفنية كيان واحد يتشارك مسؤولية تطوير الذائقة العامة وبناء الثقة مع الجمهور، مؤكداً أن نجاح التجارب المتنوعة ينعكس في النهاية على قوة المشهد الفني كله، ويمنح الفنانين مساحة أكبر للتركيز على جوهر عملهم بدل الانشغال بالمقارنات.


«الفاتح صلاح الدين» يعيد نور الشريف إلى أثير رمضان

الفنان نور الشريف (فيسبوك)
الفنان نور الشريف (فيسبوك)
TT

«الفاتح صلاح الدين» يعيد نور الشريف إلى أثير رمضان

الفنان نور الشريف (فيسبوك)
الفنان نور الشريف (فيسبوك)

بعد مرور 11 عاماً على رحليه، يعيد مسلسل «الفاتح صلاح الدين» صوت نور الشريف إلى موجات الإذاعة المصرية وأثير رمضان، حيث تبثّ إذاعة «صوت العرب» المسلسل الإذاعي الأخير الذي سجله، ليذاع للمرة الأولى في الموسم الرمضاني الحالي.

واعتاد متابعو التلفزيون انتظار عمل درامي لنور الشريف كل موسم رمضاني تقريباً، حتى ارتبط نور الشريف في وجدان كثير من المصريين بدراما رمضان. ومن الأعمال الدرامية التي قدمها «لن أعيش في جلباب أبي»، و«الرحايا»، و«الدالي»، و«الحرافيش».

المسلسل أهدته إذاعة قطر لشبكة «صوت العرب»، في إطار التبادل بين شبكة «صوت العرب» والإذاعات العربية. وإلى جانب الفنان نور الشريف يشارك في البطولة نخبة من الفنانين العرب، من بينهم فهمي الخولي من مصر، وجواد الشكرجي من العراق، وهدى حسين من الكويت، ومن تونس لمياء الورتاني، ومن اليمن سالم الجَحْوشي، ومن السودان محمد السني، ومن البحرين عبد الله أحمد، ومن قطر غازي حسين، وعبد الله عبد العزيز، وفهد الباكر، وخالد الحمادي. ومن الأردن عبد المنعم جرار. والمسلسل من تأليف وإخراج أحمد فتح الله.

المسلسل الإذاعي الفاتح صلاح الدين (الهيئة الوطنية للإعلام)

وقال الناقد الفني المصري، أحمد سعد الدين، لـ«الشرق الأوسط»، إن «نور الشريف يمثل حالة من النوستالجيا للجمهور، خصوصاً في شهر رمضان الذي كان يحرص على الوجود فيه درامياً، وأحياناً في مسلسلات إذاعية، لكن مسلسل (الفاتح صلاح الدين) له طابع خاص، ولا سيما أنه يقدَّم للمرة الأولى بإذاعة (صوت العرب)، ويضم ممثلين من دول عربية مختلفة، كما يتناول قصة صلاح الدين الأيوبي، المعروف بمواقفه البطولية كرمز للفخر العربي عبر التاريخ».

ويعدّ نور الشريف (1946 - 2015) من أبرز الفنانين المصريين، قدم عدداً من الأعمال السينمائية في بداية حياته، ومن أبرز أعماله السينمائية «ضربة شمس» و«حبيبي دائماً» و«ناجي العلي» و«سواق الأتوبيس» و«غريب في بيتي» و«حدوتة مصرية» و«المصير». كما قدم للإذاعة مسلسلات مثل «سيرة ومسيرة» و«إمبراطور أبو الدهب»، كما قدم أعمالاً درامية تاريخية مهمة؛ من بينها «هارون الرشيد» و«عمر بن عبد العزيز» و«رجل الأقدار عمرو بن العاص».

ولفت الناقد الفني إلى أن هذا المسلسل «يعيد لنا الحالة الاستثنائية في الأداء التي كان يجسدها نور الشريف خلف الميكروفون أو أمام الكاميرا، والتي ارتبطت في أذهان الجمهور بحالة وجدانية أقرب للنوستالجيا، فضلاً عما يمثله من قيمة فنية كبيرة، كما أنه قدم شخصية صلاح الدين بأدء صوتي معبر للغاية عن هذا الرمز التاريخي الكبير».


وادي العقيق في المدينة المنورة... قيمة روحية وجمال طبيعي

اشتهر وادي العقيق بطِيب مائه وعذوبته (واس)
اشتهر وادي العقيق بطِيب مائه وعذوبته (واس)
TT

وادي العقيق في المدينة المنورة... قيمة روحية وجمال طبيعي

اشتهر وادي العقيق بطِيب مائه وعذوبته (واس)
اشتهر وادي العقيق بطِيب مائه وعذوبته (واس)

يُعد «وادي العقيق» بمنطقة المدينة المنورة من أهم المناطق الجغرافية والسياحية التي تتميز بجمال التضاريس وعُرفت عنه عذوبة الماء.

واكتسب «وادي العقيق» شهرته لارتباطه بسيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم، وسُمي «الوادي المبارك»، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «أتاني، الليلة، آتٍ من ربي فقال: صلّ في هذا الوادي المبارك».

ويُعد الوادي واحداً من عدة أودية تحمل الاسم نفسه في الجزيرة العربية، لكنه يظل أشهرها. ووفق تقرير لـ«واس»، يتكون الوادي من 3 عرصات: العرصة الكبرى التي تلي مسجد الميقات، والعرصة الوسطى أمام جبال الجماوات؛ وتحديداً أمام جماء أم خالد، والعرصة الصغرى في مجمع الأسيال عند مهبط الدجال.

اشتهر وادي العقيق بطِيب مائه وعذوبته، حتى كان بعض خلفاء بني أمية يحملون الماء إلى دمشق، وسُمي في ذلك الوقت غوطة دمشق لكثرة الأشجار فيه وشدة خضرتها. وسكن على ضفاف الوادي عدد من الصحابة؛ منهم أبو هريرة وسعيد بن العاص، وماتوا به وحُملوا إلى المدينة، ومن التابعين قصر عروة بن الزبير، وقصر سكينة بنت الحسين، ومنها قصور مشيدة إلى وقتنا الحاضر.

يُعد الوادي واحداً من عدة أودية تحمل الاسم نفسه بالجزيرة العربية (واس)

ويشهد الوادي حالياً أعمال تأهيل وتطوير، بإشراف من هيئة تطوير منطقة المدينة المنورة والجهات ذات العلاقة، حيث تمتد أعمال التأهيل والتطوير إلى قرابة 15 كيلومتراً، بدءاً من منطقة ميقات ذي الحليفة جنوب المدينة المنورة، وصولاً إلى منطقة الجرف شمالاً؛ بهدف تحقيق التوازن بين البيئة العمرانية والموارد الطبيعية، وتشمل عمليات التطوير عدة مناطق على ضفاف الوادي؛ منها قصر عروة، وتقاطع طريق السلام، وميدان الجامعة الإسلامية، وصولاً إلى المناطق الزراعية بالجرف، ضمن مشاريع تحسين المشهد الحضري في أنحاء المدينة المنورة، وتشييد المشروعات التطويرية الصديقة للبيئة بما يضفي بُعداً جمالياً لطيبة الطيبة.

ويُعد مسار وادي العقيق من أبرز الوجهات المخصصة للمشي والتنزه في المدينة المنورة؛ لما يتمتع به من موقع طبيعي مميز. ويمتد المسار بطول يقارب 1500 متر، مطلاً على وادي العقيق المعروف بـ«الوادي المبارك»، الذي ورد ذكره في السنة النبوية المطهرة؛ مما أكسبه قيمة روحية وتاريخية جعلته وجهة مفضّلة للزوار والمهتمين بالسياحتين الدينية والطبيعية.

يُعد مسار وادي العقيق من أبرز الوجهات المخصصة للمشي والتنزه في المدينة المنورة (واس)

وينسجم تصميم المسار مع الطبيعة المحيطة، إذ جُهّز بممرات مهيأة، وجلسات مُطلة على الوادي، وأشجار ظِل ممتدة على طول المسار، إلى جانب منظومة إنارة حديثة تسهم في تعزيز السلامة وإبراز جمالية الموقع في الفترات المسائية، كما يطل على عدد من المواقع التاريخية الموثقة في محيط الوادي، من بينها آثار قصريْ سعد بن أبي وقاص، وعروة بن الزبير رضي الله عنهما، إضافةً إلى شواهد ونقوش تاريخية تُجسد عمق الإرث الحضاري الذي تزخر به المنطقة.