تفعيل تقنيات الثورة الصناعية الرابعة لرفع الإنتاجية في السعودية

وزراء يؤكدون أهمية الشراكات ودور المنشآت الصغيرة والشركات الناشئة والعلوم لتعزيز الابتكار في المرحلة المقبلة

حضور ضخم من الزوار في أول أيام مؤتمر «ليب 2023» الذي بدأت أعماله أمس في الرياض (الشرق الأوسط)
حضور ضخم من الزوار في أول أيام مؤتمر «ليب 2023» الذي بدأت أعماله أمس في الرياض (الشرق الأوسط)
TT

تفعيل تقنيات الثورة الصناعية الرابعة لرفع الإنتاجية في السعودية

حضور ضخم من الزوار في أول أيام مؤتمر «ليب 2023» الذي بدأت أعماله أمس في الرياض (الشرق الأوسط)
حضور ضخم من الزوار في أول أيام مؤتمر «ليب 2023» الذي بدأت أعماله أمس في الرياض (الشرق الأوسط)

كشف وزراء سعوديون عن تصميم بلادهم على تسخير التكنولوجيا في تنويع الاقتصاد، مع بدء الاستثمار وتفعيل الإمكانات الكاملة لتقنيات الثورة الصناعية الرابعة في شتى القطاعات في البلاد، مشددين على أهمية دعم البحث العلمي والابتكار وتوجيه الفرص الناشئة لوضع السعودية بين القادة العالميين في القطاع التقني المتقدم.
وقال المهندس خالد الفالح، وزير الاستثمار السعودي، إن أكبر خطر بشأن الثورة الصناعية الرابعة، هو التردد والتوقف عن دعم الانتقال إلى مجتمع تقني متطور، والاعتماد عليه في بناء أفضل استجابة للتحديات العالمية الطارئة مثل الأوبئة وتغير المناخ، مضيفاً: «يحمل الابتكار مفتاحاً لإطلاق الإمكانات الكاملة لتكنولوجيا (الثورة الصناعية الرابعة) لمواجهة التحديات والانتقال إلى التحول الاقتصادي المستدام للمجتمعات».
ولفت إلى أن السعودية تشكل مستقبلها عبر تسخير التكنولوجيا لتنويع اقتصادها، وتوجيه الفرص الناشئة لوضعها بين القادة العالميين في تقنيات الثورة الصناعية الرابعة، مشدداً على الحاجة إلى الشراكة بين القطاعين العام والخاص، ودور الشركات الصغيرة والمتوسطة والشركات الناشئة كمحركات للابتكار، ودور المرأة في العلوم والتكنولوجيا والمعرفة وتبادل البيانات، كركائز أساسية لتعزيز الابتكار وتسخير تكنولوجيا الثورة الصناعية الرابعة.
وأشار الوزير الفالح، في جلسة ضمن اليوم الأول من مؤتمر ليب التقني الدولي 2023 الذي انطلق أمس (الاثنين)، إلى أن السعودية مصممة على التحول لتكون مركزاً لسلاسل التوريد بين قارات العالم، وذلك من خلال الاستثمار في موقعها ومواردها، كما تسعى لتوظيف تقنيات الثورة الصناعية الرابعة واستخدامات الذكاء الاصطناعي والأتمتة والروبوتات والحوسبة الكبيرة الضخمة، في دعم هذا التوجه، وجمع كل هذه العناصر في مختلف القطاعات.
ولفت الفالح إلى أن تكنولوجيا الثورة الصناعية الرابعة ضاعفت من مستوى الإنتاجية وتقليل التكلفة والمخلفات على البيئة، وأسهمت في الاستدامة وتحسين الجودة والمنتجات، مشيراً إلى أن ذلك يتطلب بنية تحتية رقمية ذات كفاءة عالية، وهو ما تتمتع به السعودية من جودة تساعد في الخدمات التقنية الفائقة.

لاعبون رئيسيون
من جانبه، أبدى بندر الخريف، وزير الصناعة السعودي، تفاؤله بمستوى التقنيات والابتكارات التي شهدها مؤتمر «ليب» في نسخته الثانية، مبيناً أن «ليب» مثال واضح على تركيز السعودية على جذب اللاعبين الرئيسيين في التقنية، الأمر الذي له أثر في تعزيز مكانة السعودية كمركز إقليمي ودولي في قطاعات مختلفة.
وأشار إلى أهمية الاستثمار في الابتكار وتطوير البحث العلمي، وتشجيع القطاع الصناعي للتقنيات الناشئة، مضيفاً: «القطاع الصناعي السعودي تم بناؤه على أسس قوية، ويتمتع بسوق مفتوحة كبيرة، للجميع القدرة على المنافسة فيها».
ولفت إلى أن القطاع الصناعي يدار باستراتيجيات متكاملة، وتتوفر لديه إمكانات التدريب والتمويل وخلق الفرص المناسبة للمستثمرين في الابتكار، وتحسين قدرات تقنية من أجل المستقبل.
وأشار الوزير الخريف إلى أن القطاع الخاص لديه فرصة ثمينة ووضع جيد في السعودية، للتقدم بشكل أفضل في مجال التكنولوجيات المتقدمة، وأضاف: «يتطلب الأمر أن نتمتع بجرأة كافية لدعم التحول التقني، لدينا موقع مميز وموارد هائلة، بالإضافة إلى المواهب التي تعد أكثر الأشياء قيمة، ويتم تدريبهم بشكل مميز، واستثمارهم في هذا المجال»، مختتماً: «أنا متفائل، والابتكارات التي شهدنا عليها في (ليب) اليوم، تدعم توجهات التحول التقني الناجح في القطاع الصناعي».

الكفاءة الصناعية
بدوره، قال فيصل الإبراهيم، وزير الاقتصاد والتخطيط السعودي، إن التحديات العالمية الحالية لا ينبغي التعامل معها بشكل أحادي، بل النظر إليها والتعاطي معها بشكل شامل، مفيداً بأن زيادة كفاءة العملية الصناعية للحد من التكاليف والانبعاثات المؤثرة على البيئة تتطلب هي الأخرى تعزيز الشراكات والتعاون الدولي في تعميم فوائد الثورة الصناعية الرابعة، والاستثمار في التقنيات الرقمية المتقدمة.
وأضاف: «هناك إشارات لحاجة المنشآت إلى التقنيات المتقدمة وإلى دعم رواد الأعمال والابتكار، وتوفير الحلول الرقمية، وتمكين رواد الأعمال، سيما في منطقتنا التي تحظى بنسب عالية من فئة الشباب بين السكان».
الطاقة النظيفة
وأوضح الوزير الإبراهيم أن السعودية لديها إمكانات هائلة، حيث هي قائدة في مجال الطاقة النظيفة، ولديها مشروعات كبيرة في أنواع من طاقة الرياح والطاقة الشمسية، بالإضافة إلى توفر الإمكانات البشرية من الشباب والمواهب والتنوع الديمغرافي، وهي مهتمة إزاء ذلك بتطوير تلك المواهب وتحسين مهارات السكان لتحقيق أفضل استثمار في وجه التحديات وتحقيق التطلعات.

قدرة التأقلم
من جهته، قال الدكتور عبد الله بن شرف الغامدي، رئيس الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، إن تحديات عديدة تواجه القدرة على التأقلم وتبني التقنيات الجديدة، وتمكين الكيانات الحكومية في مسار التحول الرقمي، ومن أبرزها تحدي التكامل المعلوماتي.
وأشار الغامدي إلى أن السعودية ركزت في بناء قاعدة بيانات ضخمة ومتقدمة على أسس الذكاء الاصطناعي، ودعم التحول إلى تكنولوجيا الثورة الصناعية الرابعة، ونجاح (سدايا) في تدريب الموظفين، وتزويدهم بأساليب الاستخدام الأمثل، وتسهيل التحول للكيانات الحكومية.
وأضاف: «خلال السنتين الماضيتين قمنا بتحديد الفرص ومواجهة التحديات ودعم التحول الرقمي للمؤسسات الحكومية في قطاعات مختلفة، ومن ذلك مجال الطاقة وزيادة إنتاجية الطاقة المتجددة بنسبة 20 في المائة، وتقليل انبعاثات الكربون؛ حيث نجحت التقنيات المتقدمة بنسبة بلغت 40 في المائة، فضلاً عن دعم عمليات النقل والتأمين ومواجهة العمليات المشبوهة خلال مسار النقل، وفي الصحة قمنا بتطوير أفضل الحلول من خلال استخدام التقنيات، ووظفنا البيانات الإحصائية الهائلة لرسم التوجهات الصحية العامة في السعودية، إلى جانب شبكة أخرى واسعة من الشراكات مع الكيانات الحكومية لتقديم أفضل نماذج العمل في البيئة والمدن والتعليم وغيرها».

جودة البيانات
وعن تحدي جودة البيانات، قال الدكتور الغامدي: «ننفق وقتاً طويلاً لتحسين جودة البيانات، ولدى الأفراد دور ومسؤولية في رفع دقة تلك البيانات من خلال النوافذ الإلكترونية الممكنة بين أيديهم، وبالتعاون مع الوزارات لدينا سياسات كبيرة لحماية بيانات الأفراد، كما أسهمت السعودية في إطلاق مشروع دولي لتعزيز أخلاقيات استخدام الذكاء الاصطناعي، وتشمل العدل والخصوصية والمسؤولية والدقة والموثوقية الاجتماعية، التي نأخذها بعين الاعتبار في جميع أعمالنا وشراكاتنا».


مقالات ذات صلة

الأسواق الناشئة... القطب الذي يعيد كتابة قواعد الاقتصاد الدولي

الاقتصاد متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)

الأسواق الناشئة... القطب الذي يعيد كتابة قواعد الاقتصاد الدولي

تبرز الأسواق الناشئة اليوم بوصفها إحدى أهم الركائز في خريطة الاقتصاد العالمي الجديد فلم تعد مجرد وجهات استثمارية ثانوية بل تحولت إلى محرك أساسي للنمو العالمي

«الشرق الأوسط» (العلا)
الاقتصاد وزير المالية مشاركاً في إحدى جلسات مؤتمر العام الماضي (الشرق الأوسط)

العلا... «بوصلة» الاقتصادات الناشئة في مواجهة «عدم اليقين»

بين الجبال الشامخة وتاريخ الحضارات العريق، تستعد محافظة العلا لاستضافة النسخة الثانية من «مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة» يومي الأحد والاثنين.

هلا صغبيني (العلا)
عالم الاعمال «طيران الرياض» و«ماستركارد» تطلقان شراكة عالمية لتعزيز تجربة السفر رقمياً

«طيران الرياض» و«ماستركارد» تطلقان شراكة عالمية لتعزيز تجربة السفر رقمياً

أعلنت «طيران الرياض» و«ماستركارد» شراكةً عالميةً استراتيجيةً تهدف إلى إعادة تعريف تجربة السفر عبر منظومة متكاملة من حلول المدفوعات الرقمية والتقنيات المتقدمة.

«الشرق الأوسط»
خاص جانب من اجتماع ولي العهد السعودي محمد بن سلمان والرئيس التركي رجب طيب إردوغان في الرياض في 3 فبراير (الرئاسة التركية)

خاص زيارة إردوغان للسعودية: دفعة قوية لتعميق التعاون الاقتصادي والاستثماري

أعطت زيارة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان للسعودية زخماً جديداً للعلاقات الاقتصادية بين البلدين، وفتحت آفاقاً جديدة للتعاون بمجالات التجارة والطاقة، والاستثمارات

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
الاقتصاد إحدى عربات قطارات «الخطوط الحديدية السعودية» (الشرق الأوسط)

«الخطوط الحديدية السعودية» تقلل انبعاثات الكربون بأكثر من 360 ألف طن

استطاعت «الشركة السعودية للخطوط الحديدية (سار)» في العام الماضي تقليل انبعاثات بأكثر من 360 ألف طن من ثاني أكسيد الكربون.

بندر مسلم (الرياض)

مودي: اتفاقية التجارة مع أميركا تعزز شعار «صنع في الهند»

صياد في مركب صغير أمام سفينة حاويات راسية بميناء في مدينة كوتشي جنوب الهند (رويترز)
صياد في مركب صغير أمام سفينة حاويات راسية بميناء في مدينة كوتشي جنوب الهند (رويترز)
TT

مودي: اتفاقية التجارة مع أميركا تعزز شعار «صنع في الهند»

صياد في مركب صغير أمام سفينة حاويات راسية بميناء في مدينة كوتشي جنوب الهند (رويترز)
صياد في مركب صغير أمام سفينة حاويات راسية بميناء في مدينة كوتشي جنوب الهند (رويترز)

قال رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، السبت، إن اتفاقية التجارة المؤقتة المبرمة مع الولايات المتحدة ستعزز شعار «صنع في الهند» من خلال فتح فرص جديدة أمام المزارعين ورجال الأعمال، وخلق فرص عمل للنساء والشباب، حسبما أفادت وكالة أنباء «برس ترست أوف إنديا».

كما شكر رئيس الوزراء الرئيس الأميركي دونالد ترمب على التزامه الشخصي بعلاقات قوية بين الهند والولايات المتحدة.

وقال مودي في منشور له على منصة التواصل الاجتماعي «إكس»: «إنه لخبر رائع للهند والولايات المتحدة الأميركية... لقد اتفقنا على إطار لاتفاقية تجارية مؤقتة بين دولتين عظيمتين».

وأضاف، إن هذا الإطار يعكس النمو المتزايد في العمق والثقة والديناميكية للشراكة الهندية الأميركية.

وأوضح مودي: «إنه يعزز شعار، صنع في الهند، عبر فتح فرص جديدة أمام المزارعين المجتهدين في الهند، ورجال الأعمال، والشركات الصغيرة والمتوسطة، ومبتكري الشركات الناشئة، والصيادين، وغيرهم. وسيولد توظيفاً على نطاق واسع للنساء والشباب».

وأكد مودي أن الهند والولايات المتحدة تشتركان في التزامهما بتعزيز الابتكار، وهذا الإطار سيعمق شراكات الاستثمار والتكنولوجيا بين البلدين.

وقال إن هذا الإطار سيعزز أيضاً سلاسل التوريد المرنة والموثوقة ويساهم في النمو العالمي.

وذكر ترمب أنه بموجب الاتفاقية، سيتم خفض الرسوم الجمركية على السلع القادمة من الهند إلى 18 في المائة، من 25 في المائة بعد أن وافق رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي على التوقف عن شراء النفط الروسي.


منها فرض قيود على الوقود... كوبا تقر إجراءات لمواجهة أزمة الطاقة

كوبيون يصطفون للصعود إلى حافلة نقل خاصة في هافانا وسط تزايد أزمة الطاقة جراء الضغوط الأميركية 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
كوبيون يصطفون للصعود إلى حافلة نقل خاصة في هافانا وسط تزايد أزمة الطاقة جراء الضغوط الأميركية 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

منها فرض قيود على الوقود... كوبا تقر إجراءات لمواجهة أزمة الطاقة

كوبيون يصطفون للصعود إلى حافلة نقل خاصة في هافانا وسط تزايد أزمة الطاقة جراء الضغوط الأميركية 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
كوبيون يصطفون للصعود إلى حافلة نقل خاصة في هافانا وسط تزايد أزمة الطاقة جراء الضغوط الأميركية 6 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

أعلنت الحكومة الكوبية مجموعة من الإجراءات لمواجهة أزمة الطاقة الحادة التي تعاني البلاد منها في ظل الضغوط الأميركية، من ضمنها اعتماد أسبوع عمل من أربعة أيام، والانتقال إلى العمل عن بُعد، وصولاً إلى إغلاق فنادق.

وقال نائب رئيس الوزراء أوسكار بيريز أوليفا فراغا، متحدثاً للتلفزيون الرسمي، إن هذه الضغوط «تدفعنا إلى اتخاذ سلسلة من القرارات، هدفها الأول ضمان الاستمرار لبلادنا، وتأمين الخدمات الأساسيّة من دون التخلي عن التطوير».

وأوضح محاطاً بعدد من الوزراء، ولا سيما وزراء العمل، والتربية، والمواصلات، أن «الوقود سيخصص لحماية الخدمات الأساسية للمواطنين، والنشاطات الاقتصادية الضرورية».

ومن بين التدابير المعلنة خفض أسبوع العمل إلى أربعة أيام في الإدارات الرسمية، وشركات الدولة، والعمل عن بُعد، وفرض قيود على بيع الوقود، والحدّ من خدمة الحافلات، والقطارات، فضلاً عن إغلاق بعض المرافق السياحية بصورة مؤقتة.

سيارات كلاسيكية تصطف في طابور للتزود بالوقود في ظل تحرك أميركا لقطع إمدادات النفط عن كوبا (رويترز)

وفي مجال التربية، سيتم تقليص مدة الحصص الدراسية اليومية، وسيجري التعليم في الجامعات وفق نظام شبه حضوري.

وقال موظف في مصرف، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، طالباً عدم كشف اسمه: «في مكان عملي، طلبوا من الجميع العودة إلى منازلهم لمدة شهر»، موضحاً أنه بموجب التدابير المعلنة الجمعة سيواصل تلقي أجره الكامل لمدة شهر على الأقل.

وقال بيريز أوليفا فراغا، إن هذه التدابير ستسمح بادخار الوقود لاستخدامه في «إنتاج الطعام وتوليد الكهرباء» وستتيح «الحفاظ على النشاطات الأساسية التي تدر عملات أجنبية».

لكنّه أكّد أنه سيتم الحفاظ على الاستثمارات في الطاقات المتجددة، وأن البلاد ستواصل جهودها لزيادة إنتاج النفط الوطني الذي يمثل 30 في المائة من استهلاكها.

وأقامت كوبا 49 محطة كهروضوئيّة عبر البلاد خلال العام 2025، ما سمح برفع إنتاج الطاقة الشمسية من 3 في المائة قبل عامين إلى 10 في المائة حالياً.

«مرحلة عصيبة»

وكان الرئيس ميغيل دياز كانيل قال الخميس خلال مؤتمر صحافي نقله التلفزيون إن البلاد البالغ عدد سكانها 9.6 مليون نسمة تمر بـ«مرحلة عصيبة».

وأوضح أن الحكومة اعتمدت «مرجعية» هي التوجيهات التي أصدرها الزعيم السابق فيدل كاسترو خلال سنوات الأزمة الاقتصادية الخطيرة التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفياتي، الحليف الأكبر لكوبا، في 1991.

ولا يزال العديد من الكوبيين يذكرون تلك «المرحلة الخاصة» التي شهدت انقطاع التيار لنحو 15 ساعة في اليوم، ونقصاً في المواد الغذائية، وتوقف مصانع عن العمل، وشوارع مقفرة، أو خالية إلا من الدراجات الهوائية.

يستخدم الناس في هافانا الدراجة الأجرة للتنقل في حياتهم اليومية الجمعة 6 فبراير 2026 (أ.ب)

وبدأ اقتصاد الجزيرة الخاضعة لحظر أميركي مستمر منذ العام 1962، ينتعش اعتباراً من 1997، مستفيداً من تنمية السياحة، والاستثمارات الأجنبية.

وفي العام 2000، وقعت البلاد اتفاق تعاون مع فنزويلا في عهد الرئيس هوغو تشافيز (1999-2013) نص على إمدادها بالنفط مقابل إرسال هافانا أطباء، وأساتذة، وغيرهم من المهنيين.

إلا أن هذه الإمدادات توقفت بالكامل بعدما قبضت قوات خاصة أميركية على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو خلال عملية نفذتها في مطلع يناير (كانون الثاني) في كاراكاس، فيما شدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب الضغط على الجزيرة الشيوعية التي تعاني أزمة اقتصادية حادة مستمرة منذ ست سنوات.

ووقع ترمب مرسوماً ينص على إمكانية فرض رسوم جمركية مشددة على الدول التي تبيع النفط لهافانا. كما أكد أن المكسيك التي تمدّ كوبا بالنفط منذ 2023 ستوقف إمداداتها.

وتبرر واشنطن سياستها هذه مؤكدة أن الجزيرة التي تبعد 150 كيلومتراً فقط عن سواحل ولاية فلوريدا تشكل «خطراً استثنائياً» على الأمن القومي الأميركي.

وتتهم الحكومة الكوبية واشنطن التي لا تخفي رغبتها في أن يتغير النظام في هافانا بالسعي لـ«خنق» اقتصادها.


الأسواق الناشئة... القطب الذي يعيد كتابة قواعد الاقتصاد الدولي

متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)
متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)
TT

الأسواق الناشئة... القطب الذي يعيد كتابة قواعد الاقتصاد الدولي

متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)
متداولان في السوق المالية السعودية (رويترز)

تبرز الأسواق الناشئة اليوم بوصفها أهم الركائز في خريطة الاقتصاد العالمي الجديد. فلم تعد هذه الأسواق مجرد وجهات استثمارية ثانوية، بل تحولت إلى محرك أساسي لنمو الناتج المحلي الإجمالي العالمي، ومختبر فعلي للابتكار وتطوير سلاسل الإمداد الدولية.

ومع انعقاد مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة، يصبح التساؤل ملحاً حول طبيعة هذه القوى الصاعدة التي تجاوزت مرحلة «الدول النامية» لتصبح «القطب الجديد» الذي يعيد تشكيل التوازنات الاقتصادية بين الشرق والغرب والشمال والجنوب، معلنةً عن ولادة عصر اقتصادي تقوده الطموحات الجريئة، والإصلاحات الهيكلية الواسعة.

ما وراء «التحول الهيكلي»

تُعرّف الأسواق الناشئة بأنها الاقتصادات التي تمر بمرحلة انتقالية مهمة، تجمع بين خصائص الدول المتقدمة والدول الأقل نمواً. فهي دول تخلت تدريجياً عن الاعتماد على الزراعة وتصدير المواد الخام، واتجهت إلى بناء قواعد صناعية وتقنية أكثر تطوراً، مدعومةً بإصلاحات تشريعية وهيكلية تهدف إلى تعميق اندماجها في الاقتصاد العالمي.

وتعد هذه الأسواق حلقة الوصل بين الاقتصادات المبتدئة ذات المخاطر المرتفعة، وبين الأسواق المتقدمة التي تتسم بنمو منخفض ولكنه مستقر.

تجار العملات أمام لوحة إلكترونية تعرض مؤشر أسعار الأسهم المركب (كوسبي) في سوق كوريا الجنوبية الناشئة (رويترز)

لماذا تسمى «ناشئة»؟

يعود المصطلح إلى ثمانينات القرن الماضي، حين ابتكره الخبير الاقتصادي أنطوان فان أغتمايل من مؤسسة التمويل الدولية. وقد جاء اختيار كلمة «ناشئة» ليعكس حالة البزوغ، والتحول، والتطور المستمر؛ فهي أسواق تنمو فيها الفرص بشكل متسارع، وتتطور أنظمتها المالية والرقابية بوتيرة تجعلها وجهة مفضلة لرؤوس الأموال الباحثة عن عوائد أعلى مقارنة بالأسواق المشبعة، مثل الولايات المتحدة أو أوروبا الغربية.

ثقل ديمغرافي وجغرافي

تشكل الأسواق الناشئة أكثر من 80 في المائة من سكان العالم، ما يمنحها قاعدة شبابية ضخمة تمثل محركاً للاستهلاك والإنتاج في المستقبل. أما جغرافياً، فهي تمتد عبر آسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينية وأوروبا الشرقية، وتملك موارد طبيعية واستراتيجية هائلة، من النفط والمعادن النادرة، إلى مراكز تصنيع وتقنية فائقة التطور مثل الهند، والصين، وإندونيسيا، والبرازيل. هذا الانتشار يجعلها لاعباً محورياً في سلاسل التوريد العالمية وإعادة هيكلتها.

قاطرة النمو العالمي

تشير بيانات صندوق النقد الدولي ومؤسسة «ستاندرد آند بورز»، إلى أن الاقتصادات الناشئة تسهم اليوم بما يقرب من 65 في المائة من نمو الاقتصاد العالمي. وعند قياس الناتج المحلي الإجمالي بمعيار «تعادل القوة الشرائية» (PPP) (وهو مقياس يقارن حجم الاقتصادات ومستويات المعيشة بين الدول بناءً على القدرة الشرائية الحقيقية للعملات، وليس فقط أسعار الصرف)، يتضح أن إجمالي حجم اقتصادات الأسواق الناشئة قد تجاوز بالفعل حجم اقتصادات الدول المتقدمة.

ويعكس هذا التحول انتقال مركز الثقل نحو اقتصادات تمتلك شهيةً للنمو، وقدرة على استيعاب التحولات الصناعية والتكنولوجيا المتسارعة، بما في ذلك التحول الرقمي والطاقة المتجددة واقتصاد المعرفة.

من «بريكس» إلى النمور الجديدة

رغم اختلاف التصنيفات بين مؤشرات مثل MSCI وFTSE، تبقى مجموعة «بريكس» في مقدمة الاقتصادات الناشئة عالمياً. وإلى جانبها، تبرز دول مثل المكسيك وتركيا وإندونيسيا وفيتنام وماليزيا، التي باتت تُعرف بـ«النمور الآسيوية الجديدة». هذه الدول لا تكتفي بتطوير أسواقها المالية، بل تبني شراكات إقليمية وتكتلات اقتصادية جديدة تعزز حضورها في التجارة والاستثمارات الدولية.

السعودية... قائد الأسواق الناشئة بالمنطقة

لا يمكن الحديث عن بزوغ فجر الاقتصادات الناشئة دون التوقف عند السعودية، التي تحولت إلى «أهم سوق ناشئة» في المنطقة، ومحرك رئيسي للنمو الإقليمي.

وتصنف وكالة «فيتش» للتصنيف الائتماني المملكة باستمرار بصفتها سوقاً ناشئة رائدة في المنطقة، وتشير إلى أنه على الرغم من كون المملكة سوقاً ناشئة، فإن وضعها الائتماني القوي - المدعوم باحتياطيات ضخمة وإصلاحات مالية - يميزها ضمن هذه الفئة.

وتعد السوق المالية السعودية «تداول» الركيزة الأولى لهذا التفوق، حيث نجحت في التحول من سوق إقليمية إلى واحدة من أهم عشر بورصات في العالم من حيث القيمة السوقية. وبفضل انضمامها لمؤشرات عالمية مرموقة مثل MSCI وFTSE للأسواق الناشئة، أصبحت المملكة الوجهة المفضلة لتدفقات السيولة الدولية؛ إذ لم تعد البورصة السعودية مجرد مرآة لقطاع الطاقة، بل باتت تحتضن قطاعات تقنية ومصرفية وعقارية كبرى توفر للمستثمرين تنوعاً استثمارياً نادراً في الأسواق الناشئة التقليدية.

وسوف يكون قرار فتح السوق المالية (تداول) للاستثمار، وتخفيف القيود على الملكية الأجنبية، المحفز الإضافي لتدفق المليارات إلى المملكة.

فرص ومخاطر

تمنح الأسواق الناشئة المستثمرين بوابة ذهبية للوصول إلى معدلات نمو لا توفرها الاقتصادات المتقدمة، مع عوائد مجزية وقدرة فائقة على التنويع الجغرافي والقطاعي. ومع ذلك، يظل الاستثمار في هذه الأسواق محكوماً بـ«معادلة مخاطر» تتطلب نفساً طويلاً؛ حيث تبرز تقلبات العملات المحلية والمخاطر الجيوسياسية ضمن أهم التحديات، فضلاً عن «حساسية» هذه الأسواق تجاه قرارات الاحتياطي الفيدرالي الأميركي التي تتحكم في شهية المخاطرة وتدفقات رؤوس الأموال العابرة للحدود. ورغم هذه التحديات، تظل النظرة الاستراتيجية طويلة الأمد إيجابية؛ إذ لم يعد الاستثمار في هذه القوى مجرد خيار للتنويع، بل هو رهانٌ مستنير على المحركات الحقيقية للاقتصاد العالمي في العقود المقبلة.