لوسيان غولدمان... رؤية الجماعة

انتماؤه الإثني ظل بعيداً عن الاهتمام

لوسيان غولدمان
لوسيان غولدمان
TT

لوسيان غولدمان... رؤية الجماعة

لوسيان غولدمان
لوسيان غولدمان

يعد الناقد الروماني/الفرنسي، اليهودي الأصل، لوسيان غولدمان أحد أهم النقاد الماركسيين في النصف الأول من القرن العشرين. سار على خطى أشهر النقاد الماركسيين وأبرزهم في تلك الفترة غورغ لوكاتش وترك أعمالاً تركت أثرها على مسيرة النقد الأدبي المعاصر.
ومع أن غولدمان ينتمي إلى اليهود الرومانيين فإن ذلك الانتماء الإثني، أي انتماء غولدمان للجماعات اليهودية الرومانية، ظل بعيداً عن الاهتمام، يذكر فقط ضمن المعلومات المتعلقة بسيرته أو خلفيته لكن دون ربط بين ذلك الانتماء وما توصل إليه الناقد المفكر من منجزات سواء على مستوى المنهج أو المفاهيم. وقد زاد من ضبابية تلك العلاقة تضاؤل الاهتمام، في العقود الأخيرة، بمنجز غولدمان في المشهد النقدي الغربي عامة والمشهد الأنغلو أميركي بصفة خاصة.
عُرف غولدمان بتطويره منهجاً متفرعاً من البنيوية، هو البنيوية التكوينية أو التوليدية (وتترجم أحياناً إلى «التركيبية»)، لكن ذلك المنهج متصل بمفهوم سبقه وأسس له، هو مفهوم: رؤية العالم. هذا المفهوم الأخير يصف ما تسفر عنه دراسة أعمال أدبية لكتاب ينتمون إلى جماعة من المفكرين متأثرة بانتماءاتها الطبقية والآيديولوجية.
أما في البنية التكوينية فيدرس غولدمان التشابه بين بنية العمل الأدبي وبنية الأنماط الاجتماعية والآيديولوجية المحيطة بالكاتب وبالعمل وكون ذلك التشابه أساساً لقراءة العمل الأدبي واستيعابه. وهذه المفاهيم وأخرى متصلة بها مثل التشيؤ والاغتراب هي في جوهرها مفاهيم متعددة الجذور استقاها غولدمان من مصادر مختلفة، لكن الفلسفة الجدلية عند هيغل وماركس تمثل مهادها الرئيسي.
في الملاحظات التالية سيقع التركيز على ما يهمل عادة عند التعريف بغولدمان أو دراسة منتجه النقدي، أي المكون اليهودي في أعماله. ولعل البدء يكون بملاحظة المفارقة التي تبرز عند بداية النظر في منجز غولدمان. فهو المفكر والناقد الذي وجد أنه من غير الممكن فهم الأعمال الأدبية دون النظر في المهاد الاجتماعي والآيديولوجي الذي ينتمي إليه مؤلفو تلك الأعمال، فيحكم بنية أعمالهم أو رؤية العالم التي تسفر عنها. إذا كان غولدمان يرى أهمية ذلك الربط، فلم لا يجوز إجراء الربط نفسه على أعماله هو؟ لماذا لا نقرأ رؤية العالم لديه بوصفها متبلورة من انتمائه الاجتماعي/الثقافي والآيديولوجي؟ لماذا لا نتوقع وجود تشابه بين بنية تنتشر في أعماله وبنية تكمن في خلفيته الإثنية؟
لا تتوفر معلومات كثيرة عن التاريخ الشخصي لغولدمان، لكن المتوفر يشير إلى أنه ولد في بوخارست برومانيا عام 1913 لأسرة يهودية وكان والده حاخاماً. كما نعرف أنه هرب إلى فيينا بالنمسا بعد أن ألقي القبض عليه في رومانيا بتهمة النشاط ضمن جماعة ماركسية محظورة وذلك عام 1934، وكان إذ ذاك في مقتبل شبابه. تشير المعلومات أيضاً إلى أن الرحال حطت به مؤخراً في باريس حيث درس القانون والسياسة، وأنه استقر في فرنسا ليصير فرنسياً ويشار إليه في المصادر المختلفة بأنه فيلسوف فرنسي من أصل روماني. لكن المعلومات تتضمن أيضاً أنه تعرض عام 1942 للمطاردة إبان الحرب العالمية الثانية واحتلال الفرنسيين لباريس فهرب إلى سويسرا، حيث احتجز في مخيم للاجئين، وأنه بتدخل عالم النفس السويسري الشهير جان بياجيه أتيح له تغيير وضعه وإكمال دراسته في جامعة زيورخ.
وكان بياجيه قد عرفه قبل احتجازه فيما يبدو حيث عمل معه مساعد باحث فأدرك ما يتمتع به لوسيان من ذكاء وإمكانات ثقافية وفكرية عالية. عاد الشاب بعد ذلك إلى باريس وقد انقشعت عنها غمة الاحتلال النازي ليواصل دراسته ويحصل على دكتوراه ثانية من السوربون عام 1956.
في عام 1958 صار مديراً للدراسات في القسم السادس من مدرسة الدراسات العملية العليا وبعد ذلك بثلاثة أعوام أسس معهده البحثي الخاص باسم مركز الأبحاث الاجتماعية والأدبية في جامعة بروكسل الحرة، وهي الوظيفة التي شغلها حتى وفاته المبكرة نسبياً عام 1970.
هذا المهاد الإثني والاجتماعي وتلك الظروف من المعاناة الشخصية والسياسية يصعب أن نتخيل عدم تأثيرها البتة في توجهات غولدمان الفكرية والبحثية. وحاله في ذلك حال غيره بطبيعة الحال. بل إن غولدمان من أبرز المفكرين والنقاد الذين لفتوا انتباه الباحثين إلى العلاقة المهمة التي تقوم بين المفكر أو الناقد أو الباحث، من ناحية، وانتمائه، من ناحية أخرى، ليس إلى مجتمع بأكمله وإنما إلى فئة بعينها، وذلك من خلال تركيزه على الجانسينية إلى جانب تطويره للمنهج البنيوي التكويني وما يتصل بهذين الجانبين من مفاهيم.
لقد عانت الجماعة اليهودية في رومانيا مثل غيرها من الجماعات اليهودية في أوروبا من الاضطهاد طوال تاريخها الذي يعود إلى الهجرات الأولى في القرن الثاني الميلادي. غير أن القرن التاسع عشر شهد تثبيت قانون معادٍ لليهود (للسامية) في رومانيا سمح بموجبه بمصادرة أملاكهم وممارسة أشد الأساليب وحشية ضدهم. ثم تضاعف ذلك مع الاحتلال النازي إبان الحرب العالمية الثانية. و
كان من الطبيعي أن ينعكس ذلك على مشاعر تلك الأقلية الإثنية في بلد أقامت فيه قروناً واختلفت ديانة وأصولاً عرقية. كما كان من الطبيعي أيضاً أن يعبر فرد من أفراد تلك الجماعة عن الموقف العام لتلك الفئة تجاه عالم يضطهدها ورؤيتها هي لذلك العالم. تقول الباحثة البريطانية ماري إيفانز إن شعور غولدمان بالأمن كان هشاً «لأنه بوصفه رومانياً ويهودياً كان تحت خطر مضاعف من جراء الغزو الألماني».
استحضار ذلك السياق التاريخي الإثني يكتسب مشروعيته حين نتذكر أن غولدمان اختار لبحثه جماعة دينية عانت من الرفض وواجهت الاضطهاد في صور طرد من المؤسسة الدينية التي تنتمي إليها بسبب رؤيتها التي عدتها المؤسسة هرطقة تسيء للكاثوليكية. اختيار غولدمان للجماعة المعروفة بالجانسينيين Jansenists التي ظهرت أواسط القرن السابع عشر وامتدت حتى القرن الثامن عشر، ودراسته لعلاقة أفكار تلك الجماعة بالفكر الفلسفي للفيلسوف الفرنسي باسكال ومسرحيات راسين في القرن السابع عشر، يطرحان أسئلة حول رؤية غولدمان نفسه لانتماءاته هو تطبيقاً لأطروحته النقدية نفسها. فإذا كان الفكر والأدب يتأثران بالآيديولوجيات والأوضاع الدينية والاجتماعية المحيطة بهما، كما هي أطروحة غولدمان البنيوية التكوينية، فمن المشروع طرح التساؤل حول علاقة الفكر النقدي والفلسفي الذي يتبناه الناقد بالمؤثرات الآيديولوجية والاجتماعية والسياسية المحيطة به أو الكامنة في خلفيته.
يقول غولدمان إن رؤية الجانسينيين الفرنسيين كما تتمثل في أعمال باسكال وراسين، إلى جانب الفلسفة الكانطية في ألمانيا، هي رؤية مأساوية تأسست على الوعي بالمخاطر المحتملة من الانسياق وراء الفكر الإمبيريقي والعقلاني الذي أشاعته التوجهات العلمية التجريبية، كما عند فرانسيس بيكون، إلى جانب فلسفات ديكارت وجون لوك وغيرهما. ذلك الوعي المأساوي نتاج جماعة محددة وعت المخاطر المحيطة، ولنا أن نقرأ ذلك الوعي في سياق الظروف التي عاشها غولدمان نفسه، ففي كتابه «الإله الخفي» نجده يقول: «في فرنسا القرن السابع عشر وألمانيا القرن الثامن عشر أدى صعود الفكر العلمي وكفاءته التقنية الأعلى حتماً والمصاحبة له، إلى جانب صعود العقلانية والأخلاق النسبية، إلى إطلاق باسكال صرخته التحذيرية في (الأفكار) وكانط لفلسفته النقدية». هنا مرة أخرى كان الفكر المأساوي هو الذي أدان العلامات التي أشارت إلى أزمة عميقة في علاقة الإنسان بالعالم وبغيره من بني الإنسان كما أشارت إلى المخاطر الناجمة عن – أو بالأحرى التي كانت على وشك أن تنتُج عن – تقدم الإنسان عبر طريق بدا وما يزال يبدو للكثيرين غنياً وواعداً بالكثير.
صرخة باسكال يمكن أن تكون صرخة غولدمان، وصعود العقلانية والإمبيريقية في القرنين السابع عشر والثامن عشر يمكن أن يكون صعود النازية وما تأسست عليه من آيديولوجيات عنصرية وعلموية. لم يكن اختيار الحركة الجانسينية مجرد اختيار تاريخي فلسفي أو نتيجة لمجرد الإعجاب بباسكال أو راسين، وإنما كان إبرازاً لحركة تمرد فكري داخل الكنيسة الكاثوليكية وصرخة تحذير تجاه خطر قادم. ذلك التمرد وتلك الصرخة، صرخة جماعة إثنية، وتحذير مفكر ينتمي إلى تلك الجماعة في خضم تطورات خطيرة، تم ذلك الاختيار في أثناء تصاعدها وبين نتائجها.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

«قمة الإبداع» في الرياض تستكشف العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي

«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي
«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي
TT

«قمة الإبداع» في الرياض تستكشف العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي

«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي
«وراء كل ذكاء... إنسان» شعار نسخة العام الحالي

تنطلق «قمة الإبداع» (Creative Summit)، المهرجان الرائد للإبداع في السعودية، من 3 إلى 5 أكتوبر (تشرين الأول) 2026، في حي جاكس بالعاصمة الرياض، للعام الثاني، ضمن شراكة استراتيجية بين الجانبين، في واحدة من أبرز الوجهات الثقافية والإبداعية في المملكة.

وتُقام نسخة العام الحالي تحت شعار «وراء كل ذكاء... إنسان»، لمناقشة إحدى أبرز القضايا التي تشغل الصناعات الإبداعية اليوم، وهي العلاقة بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، في ظل التطور التقني المتسارع وتأثيره المتزايد في أساليب العمل والإنتاج.

وتؤكد القمة من خلال شعارها أن التقنية، مهما تطورت، تظل أداة قوية، لكنها لا تستطيع أن تحل محل الروح الإنسانية والحدس والإبداع والتجارب التي تصوغ أفكار الإنسان وقصصه.

وانطلاقاً من هذه الرؤية، تقدم القمة مسارات تتجاوز النقاشات العامة، وتركز على الأدوات العملية والحوارات المعمقة بشأن دمج الذكاء الاصطناعي في الصناعات الإبداعية، وتعزيز استدامتها، وابتكار حلول قابلة للتطبيق في قطاع الأعمال.

ويعكس اختيار حي جاكس مقراً للقمة لمكانته في قلب المشهد الثقافي والإبداعي السعودي، ودوره بوصفه وجهة تجمع القادة والمبدعين والممارسين والمؤسسات الناشطة في مختلف المجالات الإبداعية.

كما تسهم الشراكة بين القمة وحي جاكس في ربط مجتمع الاقتصاد الإبداعي السعودي بالوكالات الإقليمية وقادة الأسواق العالمية، وتوفير مساحة تجمع المبدعين وصنّاع القرار والخبراء لتبادل المعرفة والتعاون وبناء علاقات مهنية فاعلة.

اختيار حي جاكس مقراً للقمة يعكس مكانته في قلب المشهد الثقافي والإبداعي السعودي

وقالت مي سلامة، الشريكة المؤسسة لـ«قمة الإبداع»: «نسعد كثيراً بإقامة المهرجان في الرياض، ولا يوجد مكان نفضل استضافته فيه أكثر من حي جاكس، فهو ليس مجرد موقع للفعاليات، بل القلب النابض للنهضة الثقافية والفنية التي تشهدها المملكة».

وأضافت: «من خلال جمع مجتمع الاقتصاد الإبداعي في المنطقة تحت مظلة المهرجان، نبني مساحة للحوار والتواصل وتبادل المعرفة. وتحمل نسخة العام الحالي أهمية خاصة بالنسبة إلينا؛ لأن شعار (وراء كل ذكاء... إنسان) يذكّرنا بوضوح بأن إنسانيتنا ستظل أهم ما نملكه في عالم يزداد اعتماداً على الخوارزميات والأتمتة».

وتابعت: «نجتمع هذا العام للاحتفاء بالقادة والمبدعين والمستثمرين ورواد الأعمال وصنّاع الأفلام والعاملين في الصناعات الإبداعية».

من جانبها، قالت آية البكري، الرئيسة التنفيذية لمؤسسة بينالي الدرعية: «يحتضن حي جاكس مجتمعاً متنامياً من القادة والمبدعين العاملين في مجالات الفنون والتصميم والإعلام والحرف. وتجمع قمة الإبداع العاملين في الصناعات الإبداعية، وتتيح لهم حواراً مباشراً داخل المنظومة التي تدعم أعمالهم على مدار العام».

وأضافت: «يسعدنا استقبال قمة الإبداع في حي جاكس للعام الثاني، ونتطلع إلى ما ستنتجه أيامها الثلاثة من أفكار وفرص جديدة للتواصل».

وعلى مدى 13 عاماً من حضورها في المشهد الإبداعي بالمنطقة، أسهمت القمة في تمكين الأفراد وتطوير الأعمال ودعم نمو الاقتصاد الإبداعي، وتركت أثراً واضحاً في صناعات عدة بمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وحققت نسخ القمة السابقة أكثر من 280 مليون ظهور رقمي، وأسهمت في بناء مجتمع إبداعي إقليمي واسع يضم آلاف المتحدثين ومئات الآلاف من الحضور، فيما سجلت النسخة الماضية وحدها حضوراً قياسياً بلغ 21 ألف زائر خلال 3 أيام.


حفيد سيد درويش يُنهي أزمة أصالة مع «زوروني كل سنة مرة»

انتهاء الأزمة بين جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين» المصرية وأصالة (حساب أصالة على «فيسبوك»)
انتهاء الأزمة بين جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين» المصرية وأصالة (حساب أصالة على «فيسبوك»)
TT

حفيد سيد درويش يُنهي أزمة أصالة مع «زوروني كل سنة مرة»

انتهاء الأزمة بين جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين» المصرية وأصالة (حساب أصالة على «فيسبوك»)
انتهاء الأزمة بين جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين» المصرية وأصالة (حساب أصالة على «فيسبوك»)

تسبَّب اللحن التراثي المصري «زوروني كل سنة مرة»، لـ«فنان الشعب» الموسيقار المصري الراحل سيد درويش، في إثارة جدل حول حقوق الأغنية وأصلها، خصوصاً بعد تقديم الفنانة السورية أصالة نصري أغنية «على روض الحبيب»، خلال إحيائها حفلاً في بلدها سوريا بعد سنوات من الغياب. وأكدت أصالة أمام الحضور أن اللحن من تراث اللاذقية، رغم تشابهه مع لحن «زوروني كل سنة مرة»، وفقاً لنقاد ومتابعين.

ورفض الجمهور والنقاد، في تعليقات ومشاركات كثيفة على مواقع التواصل الاجتماعي، ما قالته أصالة في المقطع الذي جرى تداوله على نطاق واسع خلال اليومين الماضيين، معبّرين عن استيائهم مما حدث. وأكدوا أن اللحن من التراث المصري، وموثَّق باسم سيد درويش الذي رحل منذ أكثر من قرن، مطالبين الفنانة السورية بإثبات حديثها بوثائق رسمية، بدلاً من الكلام المرسل.

وبدورها، أصدرت جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين» المصرية، السبت، بياناً أكدت فيه متابعتها ما أُثير حول أغنية «على روض الحبيب»، التي أدَّتها أصالة، وما أُعلن بشأن نسبة لحنها إلى التراث السوري، وتحديداً إلى تراث اللاذقية.

وأكدت الجمعية أن تناولها هذا الموضوع لا يستهدف أصالة، لكن إعلانها أن اللحن من التراث السوري يحمّلها مسؤولية مهنية في تحرّي الدقة والتثبّت من صحة هذه النسبة، والأساس الذي استندت إليه في الجزم بأنه من التراث السوري، وما إذا كان ذلك يستند إلى دليل موثوق به.

ورأت الجمعية المصرية أن الأمر لا يقتصر على تشابه عابر، بل إن «البنية اللحنية» الأساسية تتطابق بصورة واضحة مع لحن «زوروني كل سنة مرة» لسيد درويش، مع بعض «التحويرات والتنويعات» في الصياغة؛ إذ تظل الملامح الأساسية للحن حاضرة من حيث البناء، والمسار النغمي، والتفعيلات الزمنية والإيقاعية، والإطار المقامي، والعلاقات بين الجمل الموسيقية.

إلا أن محمد حسن سيد درويش، حفيد «فنان الشعب»، دخل على خط الأزمة بموقف مغاير، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن ما صدر عن جمعية المؤلفين والملحنين كان يهدف إلى الدفاع عن الحقوق بوجه عام. وأضاف: «بصفتي حفيداً لسيد درويش، والحارس القضائي على تراثه الفني، واستناداً إلى دراستي الموسيقية، أوضح أنه، بمقارنة ما تغنَّت به أصالة في لحن (على روض الحبيب) بلحن (زوروني كل سنة مرة)، يتبيّن أنه لا يمت إليه بأي صلة».

وأضاف حفيد «فنان الشعب»: «يتفق اللحن الأول مع الثاني من حيث المقام الموسيقي والإيقاع، لكنه لا يرتبط بالنوتة الموسيقية الخاصة به». وأشار إلى أن أصالة أوضحت على المسرح أن اللحن يحمل روح التراث وعبقه، ويعود إلى أجواء الموسيقى القديمة، مثل موسيقى سيد درويش.

أصالة قدمت حفلاً في سوريا بعد فترة غياب طويلة (حسابها على «فيسبوك»)

وأكدت «ساسيرو» في بيانها أن موقفها «لا يأتي لمجرد أن سيد درويش أحد أعضائها، وإنما ينطلق من مسؤوليتها عن حماية التأليف الموسيقي المصري، وصون تراثه، والدفاع عن حقوق مبدعيه».

ورداً على أنباء اعتزامه اتخاذ إجراءات قانونية ضد الفنانة السورية، أوضح حفيد سيد درويش أنه لم يقصد أصالة، التي يكنّ لها كل تقدير واحترام، بهذا التصريح، بل كان يتحدث بصورة عامة، قبل أن يوضع حديثه في سياق مختلف. وأضاف أن «استخدام أي لحن لسيد درويش من دون الرجوع إليه، بصفته الحارس القضائي على تراثه، والحصول على موافقة كتابية موثَّقة في الشهر العقاري، حفاظاً على حقوق الورثة، سيدفعه إلى اتخاذ إجراءات قانونية ضد المخالفين».

بدوره، كشف الدكتور مدحت العدل، رئيس جمعية «المؤلفين والملحنين والناشرين»، لـ«الشرق الأوسط»، أن اتخاذ الجمعية إجراءات قانونية لا بد أن يكون بناءً على طلب العضو، وهو ما لم يحدث، مؤكداً اكتفاء الجمعية بإصدار البيان الرسمي.

وعن أصل أغنية «زوروني كل سنة مرة»، أوضح الناقد الفني المصري أحمد السماحي، لـ«الشرق الأوسط»، أن الأغنية أثارت جدلاً كبيراً منذ سنوات طويلة، رغم شهرتها بألحان سيد درويش وكلمات محمد يونس القاضي. وكان حامد مرسي أول من قدَّمها عام 1917، ثم أصبحت لاحقاً واحدة من أشهر كلاسيكيات الغناء العربي، وغنّاها محمد عبد الوهاب، ورياض السنباطي، وفيروز، وفرق الموسيقى العربية في مصر والعالم العربي.

ونوَّه السماحي إلى أن بعض الباحثين قالوا إن الأغنية تعود إلى الموسيقار والمنشد العراقي الملا عثمان الموصلي، وإنها كانت تُؤدَّى في سياق ديني بكلمات مختلفة، أبرزها «زُرْ قبر الحبيب». لكنه أشار إلى أن لحن الموصلي ظهر عام 1925، ومن ثمَّ لا علاقة له بلحن سيد درويش، خلافاً لما يردّده البعض، مؤكداً أن «زوروني كل سنة مرة» تعود إلى التراث المصري دون سواه.


نوافذ تتكيف مع الحرارة لتقليل استهلاك الطاقة

النوافذ الذكية تعتمد على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة (معهد فراونهوفر لأبحاث الأنظمة والابتكار)
النوافذ الذكية تعتمد على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة (معهد فراونهوفر لأبحاث الأنظمة والابتكار)
TT

نوافذ تتكيف مع الحرارة لتقليل استهلاك الطاقة

النوافذ الذكية تعتمد على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة (معهد فراونهوفر لأبحاث الأنظمة والابتكار)
النوافذ الذكية تعتمد على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة (معهد فراونهوفر لأبحاث الأنظمة والابتكار)

أظهرت دراسة دولية أن نوافذ ذكية تستجيب تلقائياً لتغير درجات الحرارة يمكن أن تساعد في خفض استهلاك المباني للطاقة وتحسين الراحة الحرارية، من دون الحاجة إلى مصدر كهرباء خارجي أو أجهزة استشعار وأنظمة تحكم معقدة.

وأوضح باحثون من جامعة ساوث إيست الصينية وجامعة كونكورديا الكندية، أن هذه النوافذ يمكن أن تصبح عنصراً نشطاً في التحكم بدرجة حرارة المباني، بما يفتح المجال أمام تقليل الطاقة اللازمة للتبريد والتدفئة، مع الحفاظ على الاستفادة من الضوء الطبيعي. ونشرت نتائج المراجعة، الجمعة، في دورية «Science Bulletin».

وتمثل النوافذ جزءاً مهماً من المباني، إذ تسمح بدخول الضوء الطبيعي، وتوفر إطلالات على الخارج، لكنها في الوقت نفسه تعد من نقاط الضعف في غلاف المبنى، ويمكن أن تتسبب في فقدان الحرارة أو اكتسابها بصورة غير مرغوبة، ما يزيد الحاجة إلى أنظمة التدفئة والتهوية وتكييف الهواء.

وأجرى الفريق مراجعة لرصد التطورات الرئيسية في تقنية تعرف باسم «النوافذ المتغيرة حرارياً»، إلى جانب التحديات التي لا تزال تعوق استخدامها على نطاق واسع.

وتعتمد هذه النوافذ على مواد قادرة على تغيير خصائصها البصرية استجابة للحرارة؛ ففي الظروف الباردة، تصبح أكثر شفافية، بما يسمح بدخول مزيد من الضوء الطبيعي والاستفادة من الحرارة الآتية من أشعة الشمس، بينما تقلل في الأجواء الحارة من نفاذ الطاقة الشمسية إلى داخل المبنى، خصوصاً الأشعة القريبة من الأشعة تحت الحمراء. ويمكن لهذه الخاصية أن تحد من اكتساب المبنى للحرارة خلال الفترات الحارة، وبالتالي تخفف الحمل الواقع على أنظمة التبريد، من دون الحاجة إلى تشغيل النافذة بالكهرباء بصورة مستمرة. وتتغير الخصائص البصرية لهذه النوافذ عند بلوغ درجة حرارة معينة، فتتبدل قدرتها على السماح بمرور الضوء والطاقة الشمسية، وتختلف آلية عملها حسب المواد المستخدمة.

وشملت المواد التي تناولتها المراجعة «ثاني أكسيد الفاناديوم»، و«بيروفسكايت الهاليد»، والمواد الهلامية المائية، والبلورات السائلة، والسوائل الأيونية.

ووفقا للباحثين، تتمتع هذه المواد بخصائص مختلفة؛ فبعضها يمتلك قدرة جيدة على التحكم في الأشعة القريبة من الأشعة تحت الحمراء، بينما يوفر بعضها الآخر تغيراً قوياً في الخصائص البصرية، أو يسمح بضبط درجة الحرارة التي تبدأ عندها عملية التحول.

لكنّ الباحثين أوضحوا أن نقل هذه التقنية من المختبر إلى المباني يواجه تحديات عدة، من بينها ارتفاع درجة حرارة التحول في بعض المواد، وتغير لون الزجاج، والضبابية، والحساسية للرطوبة، والإجهاد الميكانيكي، وعدم الاستقرار على المدى الطويل.

كما تعتمد فاعلية النوافذ المتغيرة حرارياً بدرجة كبيرة على المناخ، واتجاه واجهة المبنى، ونوعه، وتصميم الزجاج. وقد تكون أكثر فائدة في المناطق التي تسود فيها الحاجة إلى التبريد، بينما يمكن لتصميم غير مناسب أن يحجب الحرارة الشمسية المفيدة في المناطق التي تحتاج إلى التدفئة.

ويرى الباحثون أن تطوير هذه التقنية يجب ألا يركز على تحسين المواد وحدها، بل ينبغي أن يتجه أيضاً إلى دمج النوافذ في أنظمة المباني، بما يشمل التدفئة والتهوية وتكييف الهواء والإضاءة ووسائل التظليل.

وأكد الباحثون أن هذه النتائج لا تعني أن النوافذ المتغيرة حرارياً يمكن أن تحل محل أجهزة التكييف، وإنما تشير إلى إمكانية استخدامها لتقليل كمية الحرارة التي تدخل المبنى، وبالتالي خفض الطاقة التي تحتاج إليها أنظمة التبريد، مع اختلاف الفائدة المتوقعة وفقاً للظروف المناخية وتصميم المبنى.