لوسيان غولدمان... رؤية الجماعة

انتماؤه الإثني ظل بعيداً عن الاهتمام

لوسيان غولدمان
لوسيان غولدمان
TT

لوسيان غولدمان... رؤية الجماعة

لوسيان غولدمان
لوسيان غولدمان

يعد الناقد الروماني/الفرنسي، اليهودي الأصل، لوسيان غولدمان أحد أهم النقاد الماركسيين في النصف الأول من القرن العشرين. سار على خطى أشهر النقاد الماركسيين وأبرزهم في تلك الفترة غورغ لوكاتش وترك أعمالاً تركت أثرها على مسيرة النقد الأدبي المعاصر.
ومع أن غولدمان ينتمي إلى اليهود الرومانيين فإن ذلك الانتماء الإثني، أي انتماء غولدمان للجماعات اليهودية الرومانية، ظل بعيداً عن الاهتمام، يذكر فقط ضمن المعلومات المتعلقة بسيرته أو خلفيته لكن دون ربط بين ذلك الانتماء وما توصل إليه الناقد المفكر من منجزات سواء على مستوى المنهج أو المفاهيم. وقد زاد من ضبابية تلك العلاقة تضاؤل الاهتمام، في العقود الأخيرة، بمنجز غولدمان في المشهد النقدي الغربي عامة والمشهد الأنغلو أميركي بصفة خاصة.
عُرف غولدمان بتطويره منهجاً متفرعاً من البنيوية، هو البنيوية التكوينية أو التوليدية (وتترجم أحياناً إلى «التركيبية»)، لكن ذلك المنهج متصل بمفهوم سبقه وأسس له، هو مفهوم: رؤية العالم. هذا المفهوم الأخير يصف ما تسفر عنه دراسة أعمال أدبية لكتاب ينتمون إلى جماعة من المفكرين متأثرة بانتماءاتها الطبقية والآيديولوجية.
أما في البنية التكوينية فيدرس غولدمان التشابه بين بنية العمل الأدبي وبنية الأنماط الاجتماعية والآيديولوجية المحيطة بالكاتب وبالعمل وكون ذلك التشابه أساساً لقراءة العمل الأدبي واستيعابه. وهذه المفاهيم وأخرى متصلة بها مثل التشيؤ والاغتراب هي في جوهرها مفاهيم متعددة الجذور استقاها غولدمان من مصادر مختلفة، لكن الفلسفة الجدلية عند هيغل وماركس تمثل مهادها الرئيسي.
في الملاحظات التالية سيقع التركيز على ما يهمل عادة عند التعريف بغولدمان أو دراسة منتجه النقدي، أي المكون اليهودي في أعماله. ولعل البدء يكون بملاحظة المفارقة التي تبرز عند بداية النظر في منجز غولدمان. فهو المفكر والناقد الذي وجد أنه من غير الممكن فهم الأعمال الأدبية دون النظر في المهاد الاجتماعي والآيديولوجي الذي ينتمي إليه مؤلفو تلك الأعمال، فيحكم بنية أعمالهم أو رؤية العالم التي تسفر عنها. إذا كان غولدمان يرى أهمية ذلك الربط، فلم لا يجوز إجراء الربط نفسه على أعماله هو؟ لماذا لا نقرأ رؤية العالم لديه بوصفها متبلورة من انتمائه الاجتماعي/الثقافي والآيديولوجي؟ لماذا لا نتوقع وجود تشابه بين بنية تنتشر في أعماله وبنية تكمن في خلفيته الإثنية؟
لا تتوفر معلومات كثيرة عن التاريخ الشخصي لغولدمان، لكن المتوفر يشير إلى أنه ولد في بوخارست برومانيا عام 1913 لأسرة يهودية وكان والده حاخاماً. كما نعرف أنه هرب إلى فيينا بالنمسا بعد أن ألقي القبض عليه في رومانيا بتهمة النشاط ضمن جماعة ماركسية محظورة وذلك عام 1934، وكان إذ ذاك في مقتبل شبابه. تشير المعلومات أيضاً إلى أن الرحال حطت به مؤخراً في باريس حيث درس القانون والسياسة، وأنه استقر في فرنسا ليصير فرنسياً ويشار إليه في المصادر المختلفة بأنه فيلسوف فرنسي من أصل روماني. لكن المعلومات تتضمن أيضاً أنه تعرض عام 1942 للمطاردة إبان الحرب العالمية الثانية واحتلال الفرنسيين لباريس فهرب إلى سويسرا، حيث احتجز في مخيم للاجئين، وأنه بتدخل عالم النفس السويسري الشهير جان بياجيه أتيح له تغيير وضعه وإكمال دراسته في جامعة زيورخ.
وكان بياجيه قد عرفه قبل احتجازه فيما يبدو حيث عمل معه مساعد باحث فأدرك ما يتمتع به لوسيان من ذكاء وإمكانات ثقافية وفكرية عالية. عاد الشاب بعد ذلك إلى باريس وقد انقشعت عنها غمة الاحتلال النازي ليواصل دراسته ويحصل على دكتوراه ثانية من السوربون عام 1956.
في عام 1958 صار مديراً للدراسات في القسم السادس من مدرسة الدراسات العملية العليا وبعد ذلك بثلاثة أعوام أسس معهده البحثي الخاص باسم مركز الأبحاث الاجتماعية والأدبية في جامعة بروكسل الحرة، وهي الوظيفة التي شغلها حتى وفاته المبكرة نسبياً عام 1970.
هذا المهاد الإثني والاجتماعي وتلك الظروف من المعاناة الشخصية والسياسية يصعب أن نتخيل عدم تأثيرها البتة في توجهات غولدمان الفكرية والبحثية. وحاله في ذلك حال غيره بطبيعة الحال. بل إن غولدمان من أبرز المفكرين والنقاد الذين لفتوا انتباه الباحثين إلى العلاقة المهمة التي تقوم بين المفكر أو الناقد أو الباحث، من ناحية، وانتمائه، من ناحية أخرى، ليس إلى مجتمع بأكمله وإنما إلى فئة بعينها، وذلك من خلال تركيزه على الجانسينية إلى جانب تطويره للمنهج البنيوي التكويني وما يتصل بهذين الجانبين من مفاهيم.
لقد عانت الجماعة اليهودية في رومانيا مثل غيرها من الجماعات اليهودية في أوروبا من الاضطهاد طوال تاريخها الذي يعود إلى الهجرات الأولى في القرن الثاني الميلادي. غير أن القرن التاسع عشر شهد تثبيت قانون معادٍ لليهود (للسامية) في رومانيا سمح بموجبه بمصادرة أملاكهم وممارسة أشد الأساليب وحشية ضدهم. ثم تضاعف ذلك مع الاحتلال النازي إبان الحرب العالمية الثانية. و
كان من الطبيعي أن ينعكس ذلك على مشاعر تلك الأقلية الإثنية في بلد أقامت فيه قروناً واختلفت ديانة وأصولاً عرقية. كما كان من الطبيعي أيضاً أن يعبر فرد من أفراد تلك الجماعة عن الموقف العام لتلك الفئة تجاه عالم يضطهدها ورؤيتها هي لذلك العالم. تقول الباحثة البريطانية ماري إيفانز إن شعور غولدمان بالأمن كان هشاً «لأنه بوصفه رومانياً ويهودياً كان تحت خطر مضاعف من جراء الغزو الألماني».
استحضار ذلك السياق التاريخي الإثني يكتسب مشروعيته حين نتذكر أن غولدمان اختار لبحثه جماعة دينية عانت من الرفض وواجهت الاضطهاد في صور طرد من المؤسسة الدينية التي تنتمي إليها بسبب رؤيتها التي عدتها المؤسسة هرطقة تسيء للكاثوليكية. اختيار غولدمان للجماعة المعروفة بالجانسينيين Jansenists التي ظهرت أواسط القرن السابع عشر وامتدت حتى القرن الثامن عشر، ودراسته لعلاقة أفكار تلك الجماعة بالفكر الفلسفي للفيلسوف الفرنسي باسكال ومسرحيات راسين في القرن السابع عشر، يطرحان أسئلة حول رؤية غولدمان نفسه لانتماءاته هو تطبيقاً لأطروحته النقدية نفسها. فإذا كان الفكر والأدب يتأثران بالآيديولوجيات والأوضاع الدينية والاجتماعية المحيطة بهما، كما هي أطروحة غولدمان البنيوية التكوينية، فمن المشروع طرح التساؤل حول علاقة الفكر النقدي والفلسفي الذي يتبناه الناقد بالمؤثرات الآيديولوجية والاجتماعية والسياسية المحيطة به أو الكامنة في خلفيته.
يقول غولدمان إن رؤية الجانسينيين الفرنسيين كما تتمثل في أعمال باسكال وراسين، إلى جانب الفلسفة الكانطية في ألمانيا، هي رؤية مأساوية تأسست على الوعي بالمخاطر المحتملة من الانسياق وراء الفكر الإمبيريقي والعقلاني الذي أشاعته التوجهات العلمية التجريبية، كما عند فرانسيس بيكون، إلى جانب فلسفات ديكارت وجون لوك وغيرهما. ذلك الوعي المأساوي نتاج جماعة محددة وعت المخاطر المحيطة، ولنا أن نقرأ ذلك الوعي في سياق الظروف التي عاشها غولدمان نفسه، ففي كتابه «الإله الخفي» نجده يقول: «في فرنسا القرن السابع عشر وألمانيا القرن الثامن عشر أدى صعود الفكر العلمي وكفاءته التقنية الأعلى حتماً والمصاحبة له، إلى جانب صعود العقلانية والأخلاق النسبية، إلى إطلاق باسكال صرخته التحذيرية في (الأفكار) وكانط لفلسفته النقدية». هنا مرة أخرى كان الفكر المأساوي هو الذي أدان العلامات التي أشارت إلى أزمة عميقة في علاقة الإنسان بالعالم وبغيره من بني الإنسان كما أشارت إلى المخاطر الناجمة عن – أو بالأحرى التي كانت على وشك أن تنتُج عن – تقدم الإنسان عبر طريق بدا وما يزال يبدو للكثيرين غنياً وواعداً بالكثير.
صرخة باسكال يمكن أن تكون صرخة غولدمان، وصعود العقلانية والإمبيريقية في القرنين السابع عشر والثامن عشر يمكن أن يكون صعود النازية وما تأسست عليه من آيديولوجيات عنصرية وعلموية. لم يكن اختيار الحركة الجانسينية مجرد اختيار تاريخي فلسفي أو نتيجة لمجرد الإعجاب بباسكال أو راسين، وإنما كان إبرازاً لحركة تمرد فكري داخل الكنيسة الكاثوليكية وصرخة تحذير تجاه خطر قادم. ذلك التمرد وتلك الصرخة، صرخة جماعة إثنية، وتحذير مفكر ينتمي إلى تلك الجماعة في خضم تطورات خطيرة، تم ذلك الاختيار في أثناء تصاعدها وبين نتائجها.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

إعلان 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً بين بريطانيا والسعودية

ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
TT

إعلان 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً بين بريطانيا والسعودية

ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)

أنهى ولي العهد البريطاني الأمير ويليام جولة له في العلا التاريخية، أمس، في إطار زيارته للمملكة العربية السعودية، وذلك بعد إعلان السعودية والمملكة المتحدة 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً لتعزيز التبادل الثقافي والفني والتعليمي بين البلدين الصديقين.

وكان وزير الثقافة السعودي الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان قد استقبل الأمير ويليام، واصطحبه في جولة شملت أبرز المعالم الأثرية، إضافة إلى البلدة القديمة بالعلا ومحمية شرعان الطبيعية.

ورحّب وزير الثقافة السعودي بالأمير ويليام في تغريدة على حسابه على موقع «إكس»، قائلاً: «أهلاً بسمو الأمير ويليام، أمير ويلز، في العلا، حيث يعزز التعاون بين الهيئة الملكية لمحافظة العلا والمؤسسات الثقافية البريطانية الشراكة الاستراتيجية والتاريخية بين البلدين الصديقين».


نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
TT

نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

عُقد مؤتمرٌ صحافي في المكتبة الوطنية اللبنانية، بحضور وزير الثقافة غسان سلامة، حيث قدّمت المفوّضة العامّة ومنسّقة جناح لبنان ندى غندور، تجهيزاً ضخماً للفنان نبيل نحاس بعنوان «تعدّدٌ بلا حدود»، الذي سيمثل لبنان في الدورة الـ61 من المعرض الدولي للفنون – بينالي البندقية.

ويُقام جناح لبنان لهذه السنة في بينالي البندقيّة تحت رعاية وزارة الثقافة، ومن تنظيم «الجمعية اللبنانية للفنون البصرية»، وذلك من 9 مايو (أيار) إلى 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026.

خلال كلمته في المؤتمر، هنأ الوزير غسان سلامة الفنان نبيل نحّاس على اختياره ليمثّل لبنان في المعرض الدولي للفنون - بينالي البندقيّة. وهو خيار يعكس اهتماماً بالمبدعين اللبنانيين الذين يتنقّلون بين الداخل والخارج، فيما يبقى تعلّقهم ببلدهم ثابتاً. وقال سلامة: «نحن اليوم في مرحلة إعادة بناء ثقة العالم بلبنان، وأعتقد أن للمبدعين دوراً أساسياً في استعادة هذه الثقة، إذ تعود أيضاً من خلال إبراز صفة لبنان الأساسية بوصفه نبعاً لا ينضب للإبداع والخلق والإنجازات».

وشكر الوزير سلامة الجمعية اللبنانية للفنون البصرية على ما قامت به هذا العام وفي الأعوام السابقة لتأكيد وجود لبنان في المنطقة.

منسّقة جناح لبنان ندى غندور (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

وفي كلمتها، قالت ندى غندور إن «الجناح اللبناني في عام 2026 يمثل احتفاءً بالإبداع والأُخُوة. وفي وقت يتزعزع فيه العالم ويزداد اضطراباً، من الضروري أن ترفع البلدان صوتاً آخر غير صوت العنف».

وأضافت: «إذ لا بدَّ من إتاحة المجال لقدرة الخيال والمهادنة التي يقدمها الفنانون الذين يحملون لغة مشتركة ومنفتحة وحرة؛ لأن الفن قادر على خلق روابط تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية والتاريخية والآيديولوجية».

ويستكشف الفنّان نبيل نحاس في تجهيزه «تعدّدٌ بلا حدود»، الرابطَ القائم بين الإنسان والطبيعة والكون، فيطرح تجربة بصريّة وروحانيّة، موظِّفاً المشهدية اللافتة في خدمة التأمل الذاتي.

يشكّل هذا العمل مرآة الهويّة المرنة والمتعددة ثقافياً التي يتميّز بها لبنان، كما يحتفي بثيمة الوحدة في التنوّع وجمال الأضداد؛ وذلك في امتداد للبحث الفني الذي يعمل نبيل نحاس على تطويره منذ عقود متنقلاً بين لبنان والولايات المتّحدة الأميركيّة.

يتألّف التجهيز الفني الممتد على طول 45 متراً والمعرض في موقع «آرسنال»، من 26 لوحة أكريليك على قماش بارتفاع 3 أمتار. تشكل هذه الأعمال المتلاصقة جنباً إلى جنب، إفريزاً ضخماً يطوِّق زوّاره ويدعوهم إلى الانغماس فيه.

التجهيز مستوحى من المنمنمات الفارسيّة، ويتحرَّر من قيود السرد الخطي والقراءة الأحادية المسار، ليقدم تجربة مصممة لتُعاش وتتنفس بدلاً من أن تكون صُوراً يجب تفسيرها.

وتتميّز اللوحات بلغة فنية كثيفة وثرية، حيث تتلاقى تجريدات هندسية مستوحاة من الفن الإسلامي والغربي في الوقت نفسه مع التجسيد، وبنى متوهّجة تجتمع لتخلق استمرارية مُباغتة غير متوقّعة.

تستحضر الأشكال الهندسية البنية الرياضية الدقيقة للنظام الكوني: كوحدة واحدة، فالكون متألّف من اللامتناهي الصِغَر واللامتناهي الكِبَر. هكذا تتكرَّر بعض الموتيفات على مختلف المقاييس في عالم الحيوان وفي الطبيعة لتذكِّرنا بأن الإنسان إنما ينتمي إلى كلٍّ لا متناه. علاوة على ذلك، يأتي شكل اللولب وهو رديف اللانهاية المأخوذة عن الطقوس الصوفيّة، ليشكل قوة منوّمة تؤثر في العقل في إيماءة إلى البحث الداخلي والحميم.

الفنان نبيل نحّاس إلى جانب أحد أعماله الفنية (الشرق الأوسط)

أما حضور الشجرة المركزي في أعمال نبيل نحّاس، فيجسد التوتر القائم بين التجذّر والتسامي، وذلك من خلال الأشجار التوراتيّة التي يوظّفها، على غرار الأرزة. هذه الشجرة الأسطوريّة من جبال لبنان رديفة الصمود والصلابة، وكذلك شجرة الزيتون رمز الحياة.

ويحتفي نبيل نحّاس في هذا التجهيز بلبنان كأرض تلاقٍ، تجتمع فيها الثقافات المتجذّرة منذ قرون لتشكل هوية متعددة. وبدلاً من أن تكون هذه الهويّة مجرّد تراكم لشرذمات غير متناسقة، باتت ممثّلة هنا في العمل على أنها مادّة حية ومتماسكة وفي حركة دائمة.

يأخذ الفنان، الذي نشأ في مدينة جبيل وتأثر بطبقاتها الأثرية المتراكمة، بعين الاعتبار أن تاريخ لبنان، ملتقى طرق استثنائي شهد على نشوء حضارات عظمى ومن ثمَّ تعاقبها وتلاقيها. على هذا المنوال، فإنّ التأثيرات اليونانية - الرومانية، واليهودية - المسيحية، والبيزنطية والإسلامية الحاضرة في أعمال نبيل نحّاس تشير إلى مواريث البلاد العائدة إلى قرون غابرة والمتكدّسة في طبقات.

ويمكن قراءة «تعدّدٌ بلا حدود» على أنّه تصوير دقيق لتضاريس البلاد. فبالنسبة إلى الفنان، تُقدم ذاكرة الأرض الأم تعددية صوتية تصوغها رجعات وترددات تصل بأصدائها حتى حياته نفسها: فبعد نشوئه بين لبنان والقاهرة، استقر نبيل نحّاس في نيويورك. وعقِب 18 عاماً من الغياب، ومع انتهاء الحرب الأهليّة، عاد إلى لبنان في زيارة قصيرة كانت بداية عودات لاحقة متزايدة.

نبيل نحّاس هو أحد أبرز الفاعلين في المشهد الفني المعاصر. هو رسام لبناني - أميركي، ولد في بيروت عام 1949 واستقر في الولايات المتّحدة الأميركيّة منذ 1969، حيث حاز البكالوريوس في الفنون الجميلة من جامعة ولاية لويزيانا ثمّ الماجستير من جامعة ييل عام 1972. يقيم ويعمل حالياً بين بيروت ونيويورك.

تدخل أعمال نبيل نحّاس ضمن مجموعات مؤسّسات رئيسية على غرار: المتحف البريطاني (لندن)، ومتحف «تيت للفنّ الحديث والمعاصر» (لندن)، والمتحف العالي للفنون (أتلانتا، الولايات المتّحدة الأميركية)، ومتحف «المتروبوليتان» للفنون (نيويورك)، ومتحف «زيميرلي» للفنون في جامعة روتجرز (ولاية نيوجيرسي، أميركا)، ومتاحف أميركية كثيرة أخرى، إضافة إلى مؤسّسة «بارجيل» للفنون (الشارقة)، والمتحف العربي للفن الحديث (الدوحة)، ومؤسّسة «رمزي وسعيدة دلّول» للفنون (بيروت)، ومتحف غوغنهايم (أبوظبي).


رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
TT

رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)

رحل الأديب والناقد السعودي الدكتور سعيد السريحي عن عمر ناهز 73 عاماً، تاركاً خلفه إرثاً فكرياً ونقدياً أسهم من خلاله في إثراء ملامح المشهد الثقافي العربي.

ونعت الأوساط الثقافية والأدبية السعودية والعربية، الدكتور سعيد السريحي عقب إعلان خبر وفاته الأربعاء، وذلك بعد أن تعرض لحالة مرضية قبل بضعة أشهر دخل على أثرها العناية المركزة.

ووجَّه الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي، التعازي في وفاة الناقد سعيد السريحي لعائلته وذويه، وذلك عبر منشور على حسابه بمنصة «إكس» للتواصل الاجتماعي.

واستذكر المعزون رحلة السريحي الذي بذل عمره ووقته وجهده في إثراء الحركة الثقافية والأدبية في الوطن العربي، وقدم الكثير من العطاءات والإنتاج الذي سجله واحد من رواد الثقافة والأدب في العالم العربي.

ولد السريحي بمدينة جدة عام 1953، وتأثر منذ صغره ببيئتها الثقافية المتنوعة، وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة أم القرى، وهو صاحب الأطروحة الشهيرة «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي أحدثت جدلاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية آنذاك، وأصبحت مرجعاً أساسياً في نقد الحداثة.

وارتبط اسم الراحل بتجربته في أروقة الصحافة، والأندية الأدبية، حيث عمل مشرفاً على القسم الثقافي لصحيفة «عكاظ» السعودية، ولسنوات طويلة رعى حراكاً صحافياً لم تهدأ وتيرته، وتبلور فيها قلمه النقدي الذي جمع بين الفلسفة والأدب والاجتماع.

وفي فترتي الثمانينات والتسعينات، كان للسريحي وجيل من المثقفين والأدباء من مجايليه صولات في حقبة الأندية الأدبية، وأسهم من خلال دوره وحضوره في نادي جدة الأدبي، في صياغة ملامح الحراك الثقافي السعودي الذي ازدهر بجدال الأفكار والاتجاهات.

وتحولت قصة نيل السريحي لدرجة «الدكتوراه» رمزاً للصراع بين تيار الحداثة والتيار التقليدي في الثمانينات، عندما توجَّه إلى جامعة أم القرى بمكة المكرمة بأطروحته «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي قدم فيها تشريحاً نقدياً عميقاً للغة الشعرية، مستخدماً أدوات نقدية حديثة. لكن قرار إدارة الجامعة المفاجئ بسحب الدرجة العلمية أو حجبها، تسبَّب في اندلاع جدل واسع وتضامن من كبار المثقفين العرب والسعوديين.

وقدَّم السريحي مجموعة إصدارات مهمة عكست قدرته على تفكيك النصوص وإعادة قراءتها بعيداً عن القوالب الجاهزة، ومن أهم مؤلفاته «تقليب الحطب على النار» وهو دراسات في السرد، و«حجاب العادة» أركولوجيا الكرم من الخطاب إلى التجربة، و«غواية الاسم» في سيرة القهوة وخطاب التحريم، و«الحياة خارج الأقواس» التي سجل فيها سيرة ذاتية وفكرية سرد فيها محطات من حياته بأسلوب أدبي رفيع.