اليابان تطوي صفحة اللاعسكرة

تبنت تغيرات جذرية في استراتيجيتها الدفاعية لمواجهة المخاطر الجديدة من أوكرانيا إلى تايوان

صورة للمناورات العسكرية الصينية قرب تايوان (غيتي)
صورة للمناورات العسكرية الصينية قرب تايوان (غيتي)
TT

اليابان تطوي صفحة اللاعسكرة

صورة للمناورات العسكرية الصينية قرب تايوان (غيتي)
صورة للمناورات العسكرية الصينية قرب تايوان (غيتي)

في تراجع كبير عن موقفها السلمي السابق الذي طال ما يقرب من ثمانية عقود، كشفت اليابان النقاب مؤخرا عن خطة جديدة لمدة 5 سنوات تتضمن تغيرات جذرية لإعادة هيكلة استراتيجيتها الخاصة بالدفاع والإنفاق. إذ تبنت حكومة رئيس الوزراء الياباني فوميو كيشيدا، قبل أسابيع قليلة، رؤية دفاعية «ثورية» جديدة تمثل خروجاً عن دستور البلاد في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية، الذي وضع قيوداً على «قوات الدفاع الذاتي» بالقول إنه «لا يجوز توظيفها إلا للدفاع عن الأراضي اليابانية» كما يقول اسمها، ولقد كشف كيشيدا عن الخطة ووصفها بأنها «نقطة تحول في سياسات الأمن القومي لليابان».

تشير استراتيجية الدفاع الجديدة في اليابان إلى أن طوكيو باتت تعمل على بناء «قوة دفاع متعددة المجالات»، حيث سيصار إلى تجهيز «قوات الدفاع الذاتي» (أي الجيش) بقدرات في الفضاء والفضاء الإلكتروني والطيف الكهرومغناطيسي، بجانب قدرات في المجالين البحري والجوي، وقدرات دفاعية جوية وصاروخية شاملة للرد على التهديدات المختلفة المحمولة جواً، فضلاً عن القدرات الدفاعية في المواجهات، والقدرة على المناورة والانتشار، وتأمين الذخيرة وضمان صيانة المعدات. إذ أقرت الحكومة اليابانية ثلاث وثائق أمنية رئيسية، هي: استراتيجية الأمن القومي الجديدة (NSS)، التي تعد الأكثر أهمية بين الوثائق الثلاث، واستراتيجية الدفاع الوطني (NDS) وبرنامج بناء الدفاع (DBP). ومن المقرر أن تشكل الوثائق الثلاث معاً استراتيجية البلاد الشاملة وسياستها الدفاعية وأهدافها للاستحواذ الدفاعي في المستقبل القريب. وللعلم، للمرة الأولى سيصار أيضاً إلى تطوير قدرة «الهجوم المضاد»، وهي القدرة على ضرب مواقع إطلاق الصواريخ التي تهددها.
- ميزانية الدفاع
بموجب استراتيجية الأمن القومي الجديدة، تعهدت اليابان بزيادة إنفاقها الدفاعي إلى 2 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، وأُعلن عن خطة بقيمة 320 مليار دولار أميركي، هي الأكبر منذ الحرب العالمية الثانية، لبناء الجيش بحلول عام 2027. وتبلغ ميزانية الدفاع للعام الحالي 55 مليار دولار، بزيادة قدرها 20 في المائة وهي الخطوة التي ستجعلها ثالث أكبر ميزانية في العالم، بعد ميزانيتي الولايات المتحدة والصين. ومعلوم أن طوكيو أبقت معدلات الإنفاق الأمني منخفضة لالتزامها الدستوري بتجنب خوض الحروب، رغم امتلاكها ميزانية دفاعية ومحافظتها على وجود «قوات الدفاع الذاتي» منذ عام 1954.
هذا، وستحصل اليابان خلال هذا العام على برنامج الطائرات المقاتلة الأكثر تقدماً «إف -35» من الولايات المتحدة، كما أعلنت عن خطط لشراء صواريخ «توماهوك» الأميركية الصُنع، وصواريخ «كروز» جديدة بعيدة المدى تستطيع ضرب أهداف في الصين أو كوريا الشمالية في حال تبنيها استراتيجية أمنية أكثر هجومية. وكانت اليابان قد وقعت مؤخرا اتفاقية دفاعية غير مسبوقة مع بريطانيا، وانضمت إلى الأخيرة وإيطاليا لتطوير طائرة «تمبست» الأكثر تقدماً والمدعومة بالذكاء الصناعي، التي يُقال إنها تتفوق على طائرات «إف - 35» الأميركية. ويساعد انضمام اليابان لهذا المشروع في توسيع انتشارها العالمي، كما أنه يمثل أول مشروع دفاعي دولي كبير لها مع دولة أخرى غير الولايات المتحدة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وما يستحق الإشارة أنه عام 2021، أرسلت بريطانيا حاملة الطائرات الجديدة «كوين إليزابيث» لليابان، وأعلنت أنها ستنشر سفينتين حربيتين في المياه الآسيوية بشكل دائم. وحالياً تريد اليابان ترقية طائراتها الـ«إف - 35» الحالية، وستواصل عملية الترقية هذه حتى يصل تطوير الجيل التالي من المقاتلات «إف – إكس» إلى مرحلة النموذج الأولي التجريبي، وتقدر التكلفة الإجمالية لهذا المشروع بحوالي 40 مليار دولار.
- البُعد الصيني ومخاطره
براهما تشيلاني، أستاذ الدراسات الاستراتيجية في مركز أبحاث السياسات بالعاصمة الهندية نيودلهي، يعلق قائلاً «بينما يُعد تحرك اليابان نحو إعادة التسلح أمراً مرحباً به، فإن امتلاكها لصواريخ (توماهوك) والأسلحة التي تفوق سرعتها سرعة الصوت وحدها لن يجبر الصين على وقف شن الحروب الهجينة، بل يتوجب على طوكيو أيضاً إيجاد طرق أخرى لإحباط جهود بكين الخفية لتغيير الوضع الإقليمي الراهن مع تجنب مخاطر إثارة القتال المفتوح. وحقاً، تعمل اليابان على تطوير قدراتها الصاروخية المضادة للهجوم، وكذلك تكثيف إنتاجها المحلي لأنظمة الصواريخ «أرض - جو» للدفاع الجوي والصواريخ «أرض - جو» قريبة المدى بما في ذلك الصواريخ التي تفوق سرعتها سرعة الصوت. وهي اليوم لا تهتم بالطائرات المقاتلة فحسب، بل دعت وزارة الدفاع اليابانية إلى شراء طائرة هليكوبتر جديدة للخدمات من طراز «UH-2»، وتتضمن خطة الدفاع اليابانية الجديدة أيضاً تطوير القوة النارية البحرية من خلال الجيل المقبل من الغواصات الهجومية التي تعمل بالديزل والكهرباء من فئة «تايجي» والمزودة أيضاً بنظام الدفع الهوائي المستقل (AIP).
وبالمثل، فإن التعاون الدفاعي لليابان مع فرنسا بات يتعمق بشكل أكبر، وذلك في ظل التقارب القوي بين البلدين في منطقة المحيطين الهندي والهادي. ووفقاً لسواتي راو، الزميل في مركز أوروبا وأوراسيا، في معهد «مانوهار باريكار» للدراسات والتحليلات الدفاعية بالهند، فإن «دفع كيشيدا يتضح جلياً في التعاون الدفاعي المزدهر مع الجهات الفاعلة الأوروبية الأساسية، وهذا يُكسِب العمل على فكرة الأمن غير القابل للتجزئة قوة مهمة»، وفي هذا الصدد، فإنه إذا كان هناك لاعب واحد في منطقة المحيطين الهندي والهادي يتمتع بالثقل الاقتصادي المطلوب والقدرات الاستراتيجية سريعة التطور لمناصرة دمج المسرحين الأمنيين في أوروبا ومنطقة المحيطين الهندي والهادي، فهو اليابان.
لا شك في أن الصين تأتي على رأس قائمة التهديدات اليابانية، وبينما تعمل بكين على توسيع قواتها البحرية والجوية في مناطق قريبة من الأرخبيل الياباني، فإنها تدّعي السيادة على جزر سينكاكو، وهي مجموعة من الجزر غير المأهولة في بحر اليابان، المعروف أيضاً بـ«البحر الشرقي». واليوم تدفع اليابان طيرانها الحربي يومياً للرد على تحليق الطائرات الصينية قرب مجالها الجوي، في حين كثيراً ما تبحر قطع بحرية صينية في رحلات استكشافية قرب الجزر، التي تسميها الصين «دياويوس». وفي الوقت نفسه، أطلقت كوريا الشمالية عدداً من الصواريخ على بحر اليابان، وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2022 أطلقت صاروخاً متوسط المدى فوق طوكيو لأول مرة منذ عام 2017. ويعتقد محللون أن طوكيو ربما تكون قلقة بشأن التهديدات الإقليمية المحتملة، وقد يكون الأمر الذي حفز التغيرات الأخيرة في موقفها الدفاعي هو الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2021، وكذلك التخوف من عدوان صيني هدفه احتلال تايوان وضمها مستقبلاً. ويذكر هنا أن طوكيو انضمت إلى العواصم الغربية في فرض عقوبات على روسيا، وقدمت مساعدات إنسانية لأوكرانيا منذ غزو الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في فبراير (شباط) 2022. وطبعاً، بجانب مسألة تايوان، تتخوف طوكيو من احتمال سعي الصين لخوض قتال معها من أجل السيطرة على جزر «سينكاكو» المتنازع عليها.
- مظلة الحماية الأميركية
على مدى العقود السبعة الماضية، اعتمدت اليابان، التي تخلت عن حق شن الحرب بعد هزيمتها في الحرب العالمية الثانية، على الولايات المتحدة للحصول على الحماية. وفي مقابل وعد واشنطن بالدفاع عنها، فإنها تحصل بالمقابل على قواعد تسمح لها بالحفاظ على وجود عسكري كبير في شرق آسيا. وبالفعل، تستضيف اليابان 54 ألف عسكري أميركي ومئات الطائرات العسكرية وعشرات السفن الحربية بقيادة إحدى أهم حاملات الطائرات الأميركية. وهنا يربط محللون أجواء ما بعد حرب أوكرانيا، ومحاولات بكين تغيير الوضع الراهن من جانب واحد بالقوة في بحر الصين الشرقي وبحر الصين الجنوبي، بقلق طوكيو بشكل متزايد من أن بكين قد تتخذ خطوة مماثلة في تايوان، إذ أجرت بكين تدريبات عسكرية واسعة النطاق بالقرب من الجزيرة العام الماضي رداً على زيارة رئيسة مجلس النواب الأميركي نانسي بيلوسي عاصمتها تايبيه، وسقطت بعض الصواريخ الباليستية التي أطلقت من البر الصيني في المنطقة الاقتصادية اليابانية ضمن التدريبات العسكرية الرئيسية حول تايوان التي تعتبرها الصين جزءا من أراضيها ولا تستبعد فكرة اللجوء إلى القوة لضمها. ولطالما حذّر رئيس الوزراء الياباني كيشيدا من أن «أوكرانيا اليوم يمكن أن تكون آسيا الغد»، ولذا يعمل على تعزيز الدعم الغربي لبلاده قبالة الصين وكوريا الشمالية، توازياً مع بناء الرئيس الأميركي جو بايدن أيضاً تحالفاً مؤيداً لأوكرانيا.
وفي هذا السياق، بعد تبني رؤية الدفاع اليابانية الجديدة، زار كيشيدا بعض أهم حلفاء بلاده الغربيين، بما في ذلك أعضاء «مجموعة الدول السبع الكبرى»: بريطانيا وفرنسا وإيطاليا، وكانت المحطة الأخيرة هي الولايات المتحدة، وذلك لتوضيح الأمور التي أجبرت طوكيو على التحول بعيداً عن سياسة السلْم، مع ملاحظة أن ألمانيا كانت الدولة الوحيدة في «المجموعة» التي لم تشملها جولة كيشيدا. وحسب بعض الخبراء، فإن هذه الجولة البالغة النشاط، تبدو للوهلة الأولى مدفوعة بحاجة كيشيدا للحصول على تأييد لاستراتيجيته الدفاعية من قبل حلفائه في حلف شمال الأطلسي (ناتو). وهنا نشير إلى أن اليابان تولّت رئاسة «مجموعة الدول السبع الكبرى»، وأعلنت أنها ستعقد قمتها في مدينة هيروشيما، حيث الدائرة الانتخابية لرئيس الوزراء الياباني، بين 19 إلى 21 مايو (أيار) المقبل. ويُعتقَد أن جزءاً أساسياً من أهداف جولة كيشيدا في «مجموعة الدول السبع الكبرى» يتمثل في التركيز على التحدي الصيني وما هو مطلوب لمواجهته.
- قمة كيشيدا وبايدن
والواقع، أن كيشيدا، الذي شغل من قبل منصب وزير خارجية اليابان، لقي ترحيباً كبيراً في المحطة الأخيرة - أي الأميركية - من جولته، وبخاصة من قبل بايدن في واشنطن، بعد التقارير المتعلقة باستراتيجية الدفاع والأمن الجديدة لطوكيو. إذ رحب بايدن بضيفه الياباني في البيت الأبيض، وأشاد بإعلان الحكومة اليابانية الشهر الماضي مضاعفتها إنفاقها الدفاعي على مدى السنوات الخمس المقبلة وتطويرها قدرات جديدة. وقال بايدن صراحةً: «... الولايات المتحدة ملتزمة بشكل كامل وواضح بهذا التحالف، والأهم من ذلك أنها ملتزمة بالدفاع عن اليابان». ويأتي هذا التطور بعد استضافة كيشيدا الرئيس الأميركي في اجتماع قمة ثنائي في مايو (أيار) الماضي، بالإضافة إلى عقد اجتماع شخصي مع قادة «الحوار الأمني الرباعي» (كواد)، كما حضر الإطلاق الرسمي للإطار الاقتصادي لمنطقة المحيطين الهندي والهادي (IPEF) الخاص بإدارة بايدن. وهنا يقول زاكاري كوبر، الخبير بشؤون استراتيجية الدفاع الأميركية في آسيا بمعهد «أميركان إنتربرايز» إن اليابان تضاعف التزاماتها تجاه نفسها والولايات المتحدة، كما تبني المزيد من القدرات المستقلة، لكنها أيضاً تعمل على تعميق التحالف بين واشنطن وطوكيو... ويجب أن يكون هذا إشارة واضحة للصين، ولكن يبدو أن جدول الأعمال تدفعه طوكيو الآن لا واشنطن، وهذا أمر مهم للغاية لكونه دليلاً على وجود علاقات مستدامة وتحالف صحي. وفعلاً، أكدت الدولتان في بيان مشترك على اعتقادهما بأن الصين مصدر تهديد، وقال البيان إن «سياسة بكين الخارجية تسعى إلى إعادة تشكيل النظام الدولي لمصلحتها، فضلاً عن رغبتها في توظيف القوة السياسية والاقتصادية والعسكرية والتكنولوجية المتنامية للصين لتحقيق هذه الغاية. وهو السلوك الذي يثير قلق الحلف والمجتمع الدولي بأسره، ويمثل التحدي الاستراتيجي الأكبر في منطقة المحيطين الهندي والهادي وخارجها».

- قلق وتهم من «جيران» اليابان الألدّاء
الخطوة اليابانية التاريخية قوبلت، طبعاً، بانتقاد حاد من بكين لسياسات اليابان والولايات المتحدة وأعضاء آخرين في «مجموعة الدول السبع الكبرى»، واتهام بسعيهم لبناء تحالف «مناوئ للصين» في آسيا... يكون «نسخة آسيوية من ناتو». واعتبرت الحكومة الصينية، في بيان أصدرته عبر سفارتها في اليابان، أن تحرك الأخيرة «يثير التوترات الإقليمية والمواجهة»، داعية طوكيو إلى الكف عن استخدام تعبير «التهديد الصيني» لتبرير توسعها العسكري.
أيضاً، سارعت قيادة كوريا الشمالية للرد على الإعلان عن زيادة الإنفاق الدفاعي الياباني، ببيان صادر عن وزارة الخارجية في بيونغ يانغ يتهم طوكيو «بجلب أزمة أمنية خطيرة إلى شبه الجزيرة الكورية وشرق آسيا». ووصف البيان الكوري الشمالي اليابان بأنها «دولة مجرمة حرب»، وبأنها «تنتهك ميثاق الأمم المتحدة بشكل صارخ»، كما زعم أنها «تسعى لإشباع نياتها السوداء، وتكديس الأسلحة لإعادة غزو كوريا»، وهددت الوزارة بأن كوريا الشمالية سترد بـ«إجراء فعلي» ولكنها لم تحدد نياتها بشكل واضح. ومن جانبها، نقلت وكالة الأنباء المركزية الكورية (الوكالة الإخبارية الرسمية في بيونغ يانغ) عن مقال لكيم تونغ ميونغ، وهو باحث سياسي دولي، قوله «إن اليابان توفر دليلاً على إدخال (ناتو)، إرث الحرب الباردة، إلى منطقة آسيا والمحيط الهادي، وهذا السلوك يزرع بذور الشقاق في المنطقة».
وأخيراً وليس آخراً، انضمت روسيا إلى منتقدي خطوات اليابان الأخيرة، مدعيةً أن طوكيو تخلت عن عقود من السياسات السلمية واستعاضت عنها بـ«العسكرة الجامحة»، ورأى بيان صادر عن وزارة الخارجية في موسكو أن القرار «سيثير حتماً تحديات أمنية جديدة وسيؤدي إلى زيادة التوتر في منطقة آسيا والمحيط الهادي»، وأن طوكيو شرعت الآن في «بناء غير مسبوق لقوتها العسكرية، بما في ذلك اكتساب القدرة على شن الهجوم».


مقالات ذات صلة

السودان وأوكرانيا على طاولة مباحثات السيسي ورئيس الوزراء الياباني

شمال افريقيا السودان وأوكرانيا على طاولة مباحثات السيسي ورئيس الوزراء الياباني

السودان وأوكرانيا على طاولة مباحثات السيسي ورئيس الوزراء الياباني

أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، اليوم (الأحد)، على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار في السودان، وذلك خلال لقائه مع رئيس الوزراء الياباني فوميو كيشيدا في القاهرة. ووصف الرئيس المصري المباحثات مع رئيس الوزراء اليباني بأنها كانت «إيجابية وبناءة»، حيث جرى استعراض ما تشهده الساحة الدولية اليوم من تحديات.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الرياضة سالم الدوسري في مرمى النيران بعد تصرف غير مبرر في «ذهاب الأبطال»

سالم الدوسري في مرمى النيران بعد تصرف غير مبرر في «ذهاب الأبطال»

تحول المهاجم سالم الدوسري من بطل محتمل للهلال في نهائي دوري أبطال آسيا لكرة القدم إلى «مفسد للحفل» بعد طرده في الدقائق الأخيرة بلقاء الذهاب، بسبب اعتداء على منافس في الدقائق الأخيرة خلال تعادل محبط 1 - 1 في الرياض أمس (السبت). وافتتح الدوسري التسجيل في الدقيقة 13 من متابعة لكرة عرضية، ليثبت مجدداً أنه رجل المواعيد الكبرى، إذ سبق له التسجيل في مرمى أوراوا في نهائي نسخة 2019، حين أسهم في تتويج الهلال. وخلد اسمه في الذاكرة بتسجيل هدف فوز السعودية التاريخي على الأرجنتين في كأس العالم بقطر العام الماضي، ليهز الشباك في نسختين بالنهائيات، فضلاً عن التسجيل في 3 نسخ لكأس العالم للأندية. لكن الدوسري (31

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم ما دلالات جولة رئيس وزراء اليابان الأفريقية؟

ما دلالات جولة رئيس وزراء اليابان الأفريقية؟

في ظل التداعيات الجيوستراتيجية للحرب الروسية - الأوكرانية، والتنافس المحموم من جانب الدول الكبرى على النفوذ في أفريقيا، تسعى اليابان لزيادة تأثيرها في القارة، وهو ما يراه خبراء تقاطعاً وتكاملاً مع استراتيجية واشنطن الجديدة، وتأسيساً لأدوار جديدة تحاول طوكيو من خلالها مجابهة تصاعد النفوذ الصيني. في هذا السياق، زار رئيس الوزراء الياباني فوميو كيشيدا، أمس، مصر في بداية جولة أفريقية تشمل أيضاً غانا وكينيا وموزمبيق.

أفريقيا ما دلالات الجولة الأفريقية لرئيس وزراء اليابان؟

ما دلالات الجولة الأفريقية لرئيس وزراء اليابان؟

في ظل التداعيات الجيوستراتيجية للحرب الروسية - الأوكرانية، وما استتبعها من تنافس محموم من جانب الدول الكبرى على النفوذ في أفريقيا، تسعى اليابان لزيادة نفوذها في القارة، وهو ما يراه خبراء تقاطعاً وتكاملاً مع استراتيجية واشنطن الجديدة، وتأسيساً لأدوار جديدة تحاول طوكيو من خلالها مجابهة تصاعد النفوذ الصيني. في هذا السياق، زار رئيس الوزراء الياباني، فوميو كيشيدا، اليوم (السبت)، مصر، في بداية جولة أفريقية تشمل أيضاً غانا وكينيا وموزمبيق.

العالم البرلمان الياباني يوافق على اتفاقيتي التعاون الدفاعي مع أستراليا وبريطانيا

البرلمان الياباني يوافق على اتفاقيتي التعاون الدفاعي مع أستراليا وبريطانيا

وافق البرلمان الياباني (دايت)، اليوم (الجمعة)، على اتفاقيتين للتعاون الدفاعي مع أستراليا وبريطانيا، ما يمهّد الطريق أمام سريان مفعولهما بمجرد أن تستكمل كانبيرا ولندن إجراءات الموافقة عليهما، وفق وكالة الأنباء الألمانية. وفي مسعى مستتر للتصدي للصعود العسكري للصين وموقفها العدائي في منطقة المحيطين الهادئ والهندي، سوف تجعل الاتفاقيتان لندن وكانبيرا أول وثاني شريكين لطوكيو في اتفاق الوصول المتبادل، بحسب وكالة كيودو اليابانية للأنباء. ووافق مجلس المستشارين الياباني (مجلس الشيوخ) على الاتفاقيتين التي تحدد قواعد نقل الأفراد والأسلحة والإمدادات بعدما أعطى مجلس النواب الضوء الأخضر لها في وقت سابق العام

«الشرق الأوسط» (طوكيو)

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس
TT

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

«تطابق مصالح مرحلي» بين واشنطن وكاراكاس

بعد ساعات قليلة من توقيع الرئيسة الفنزويلية المؤقتة ديلسي رودريغيز، مع وزير النفط الأميركي كريس رايت، على الاتفاق الذي تتخلّى بموجبه فنزويلا عن 22 في المائة من احتياطيها النفطي، صرّح الرئيس الأميركي دونالد ترمب من البيت الأبيض، بأن الظروف الراهنة لا تسمح بإجراء الانتخابات الموعودة في فنزويلا. rnوأضاف أنه ورودريغيز يرغبان في إجرائها «عندما تتوافر الأجواء المناسبة». في غضون ذلك، كانت تتوالى الانتقادات لهذا الاتفاق، وهو الأكبر في العالم، بما في ذلك بين أوساط المعارضة الفنزويلية التي كانت قد هللت من قبل للتدخل العسكري الأميركي الذي أطاح نيكولاس مادورو، والتي بدأ التصدّع يظهر في صفوفها بعد إصرار واشنطن على تهميشها وفتح قنوات الحوار مع النظام.

تصريحات الرئيس دونالد ترمب جاءت بعد الكشف عن بعض تفاصيل الاتفاق التي بيّنت أن سيطرة واشنطن على خُمس احتياط النفط الفنزويلي لفترة مائة سنة، ستكون عبر مساهمتها في شركة خاصة فنزويلية يملكها صديق لترمب هو المليونير أليخاندرو بيتانكور. وبالمناسبة، هذا الأخير ملاحق قضائياً في كل من سويسرا وإسبانيا بتهم تبيض الأموال.

في المقابل، أعربت أوساط المعارضة الفنزويلية عن مخاوفها من أن يشكّل هذا الاتفاق حافزاً لإبقاء الحكومة المؤقتة في السلطة، وتأجيل عملية الانتقال الديمقراطي، او حتى صرف النظر عنها كلياً.

ديلسي رودريغيز (آ فب/يونهاب)

فنزويلا ليست جاهزة للانتخابات

ترمب قال في تصريحاته حول الموضوع: «لا أعتقد أن فنزويلا جاهزة للانتخابات... إنها حكومة جديدة أنقذناها من النظام السابق ونقيم معها الآن علاقات جيدة، والرئيسة ديلسي رودريغيز تقوم بعمل ممتاز وتحظى باحترام الجميع، وهذا ما نريده».

الرئيس الأميركي امتنع أيضاً عن تحديد موعد لإجراء الانتخابات الموعودة، أو الشروط التي ينبغي أن تتوافر لإجرائها، مكتفياً بالقول إنها «قد تحصل قريباً». وبالتالي، يؤكد هذا الموقف المعلن لإدارة ترمب منذ العملية العسكرية الخاطفة التي انتهت باعتقال الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو واقتياده إلى الولايات المتحدة لمحاكمته بتهمة الاتجار بالمخدّرات.

إذ يستند موقف واشنطن، التي تمارس عملياً الوصاية على فنزويلا، إلى «خارطة طريق» من ثلاث مراحل: إعادة بناء قطاع النفط الذي يشكّل المحرك الأساسي للاقتصاد الفنزويلي، و«تحقيق الاستقرار» (وفق واشنطن)، وبعد ذلك انتقال السلطة إلى حكومة جديدة «عبر انتخابات حرة».

وفي هذا الاتجاه، يشدّد المسؤولون عن الملف الفنزويلي في واشنطن على أن الهدف ليس إجراء الانتخابات لمجرد إجرائها، بل لكي تؤدي إلى قيام «نظام سياسي ثابت ومستقر»، عبر حوار صريح وجدّي بين الحكومة المؤقتة وممثلين عن المعارضة، من المفترض أن ينطلق أواسط الشهر الجاري. وللعلم، كان وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو قد ردّ أخيراً على استفسار صحافي حول الانتخابات التي وعدت واشنطن بإجرائها في فنزويلا بالقول: «لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات. إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها. الاستقرار هو الذي يسمح بترسيخ هذا النظام اقتصادياً وقانونياً، وأن تكون هناك صحافة حرة، وأحزاب سياسية أُتيحت لها الظروف والوقت الكافي لتنظيم صفوفها، وأن تُجرى الانتخابات على أساس نظام قانوني يبعث على الثقة ولا يُقصي احداً».

اعتراف من المعارضة... وانتقادات بالجملة

في المقابل، تعترف المعارضة الفنزويلية ذاتها بأن المؤسّسات الفنزويلية الضامنة للنظام الديمقراطي «تعطّلت وأُفرغت من صلاحياتها» إبان الحقبة السابقة. وبناءً عليه، لا بد من إعادة بنائها قبل الانتقال إلى إجراء انتخابات حرة ونزيهة. بيد أن معظم قيادات هذه المعارضة بدأت تساورها شكوك حول نيّات واشنطن الحقيقية بعدما لمست مدى التناغم والتقارب بين إدارة ترمب والرئيسة المؤقتة التي كانت لسنوات طويلة من الركائز الأساسية في نظام مادورو، وقبله في نظام هوغو تشافيز.

الرئيس ترمب وصف الاتفاق بـ«التاريخي». وقال إنه «هديّة من الشعب الفنزويلي إلى الولايات المتحدة». وأردف أنه لن يكلّف بلاده فلساً واحداً، بل سيساعد على تجديد احتياطي النفط الأميركي الاستراتيجي الذي وصل حالياً إلى أدنى مستوياته منذ أربعة عقود.

ولكن، منذ أن بدأت ترشح المعلومات الأولى عن بنود هذا الاتفاق -الذي جرى التفاوض والموافقة عليه سرّاً- حتى سارعت جميع أطياف المشهد السياسي الفنزويلي، من أركان النظام السابق وأنصاره إلى المعارضة، إلى انتقاده بشدة لكونه يجعل من الحكومة الاميركية الشريك الرئيس في مؤسسة تسيطر على 17 من آبار النفط الفنزويلية طيلة 25 سنة قابلة للتجديد ثلاث مرات، كما أعلنت الرئيسة المؤقتة ديلسي رودريغيز.

يضاف إلى ما تقدّم، أن كل التفاصيل الأخرى في الاتفاق ما زالت طي الكتمان، سوى أنه سيجعل الاقتصاد الفنزويلي في قبضة الولايات المتحدة، وعملية الانتقال السياسي رهينة مزاج الرئيس الأميركي وحساباته السياسية الداخلية.

اقرأ أيضاً

لا يمكن للانتخابات وحدها أن تحلّ كل المشكلات... إنها شرط لقيام نظام ديمقراطي لا يقتصر فقط على إجرائها

روبيو

تطابُق مصالح مرحلي

لويس فيسنتي ليون، الخبير الاقتصادي المحاضر في جامعة كاراكاس، قال معلّقاً إن هذا الاتفاق هو «ثمرة تطابق المصالح الاميركية والفنزويلية في هذه المرحلة. فهو يفتح امام واشنطن نافذة لتجديد احتياطيها الاستراتيجي من النفط الذي وصل إلى أدنى مستوياته، بينما تواصل أسعار المحروقات ارتفاعها على أبواب استحقاق الانتخابات النصفية، فضلاً عن أن الحرب مع إيران ما زالت بعيدة عن الحسم ويرجَّح أن تطول أكثر مما كان متوقعاً. أما الحكومة الفنزويلية، فهي بحاجة ماسة إلى الموارد، وليس لديها أي هامش للمناورة مع واشنطن».

وأردف: «... والحماسة التي أبداها الرئيس الأميركي، عند إعلانه الاتفاق، تدعم مواقف الذين سبق أن ندّدوا بالعملية العسكرية التي أطاحت مادورو تحت عنوان مكافحة تجارة المخدرات، واتهامهم واشنطن بأن الهدف منها هو السيطرة على موارد النفط وليس تسهيل العودة إلى النظام الديمقراطي... التي كلفت المعارضة سنوات من النضال ومئات الضحايا وملايين المهاجرين».

وتابع فيسنتي ليون، في حوار هاتفي مع «الشرق الأوسط»، أن هذا الاتفاق «يضرّ بصورة الولايات المتحدة في أميركا اللاتينية، إذ يدحض بشكل نهائي المزاعم بأن التدخل العسكري الأميركي مطلع هذا العام كان دفاعاً عن الديمقراطية في وجه نظام مستبد، ويبيّن أن سياسة واشنطن لا تقيم أي وزن للقيم والمبادئ التي تتشدّق بها».

من جهة ثانية، يرى آخرون أن شركات النفط الأميركية التي تجاوبت مع دعوة ترمب إلى الاستثمار في قطاع النفط الفنزويلي «إنما فعلت ذلك مكرهة بفعل الضغوط التي تعرّضت لها... وأنها كانت مترددة للإقدام على هذه الخطوة بسبب المخاطر التي تلمسها في بلد تحكمه رئيسة غير منتخبة، ويحتاج قطاعه النفطي إلى استثمارات ضخمة قبل أن يستعيد مستويات الإنتاج السابقة». ويبدو أن ذلك التردد هو الذي دفع الرئيس ترمب إلى اتخاذ قرار يجعل من حكومته المستثمر في هذه الصفقة، بواسطة مكتب رأس المال الاستراتيجي التابع لوزارة الحرب (البنتاغون).

ترمب (آ ف ب/غيتي)

تأثير الاتفاق على فرص ترمب

مع هذا، فإن المعارضين لهذا الاتفاق يراهنون على الانتخابات النصفية الأميركية أواسط الخريف المقبل التي يرجح كثيرون أن تكون حاسمة بالنسبة لمستقبل ترمب وخططه. فالرئيس الأميركي يعرف أن أسعار المحروقات لن تنخفض بموجب هذا الاتفاق قبل مرور فترة طويلة، لكنه يريد استخدام هذه الورقة لإطلاق وعود بأن الأنباء السارة قادمة، لا سيما أن التوقعات تشير إلى أن الجمهوريين قد يخسرون الغالبية في مجلس النواب، وربما في مجلس الشيوخ أيضاً.

المعارضة المنقسمة

في هذه الأثناء، على الجبهة الفنزويلية يشكّل هذا الاتفاق «رافعة» أساسية لتحسين الوضع الاقتصادي المتردي، وخوض الانتخابات المقبلة تحت شعاره. ولقد كان لافتاً كيف أن اركان النظام سوّقوا الاتفاق في تصريحاتهم وتغريداتهم على منصّات التواصل الاجتماعي، حتى إن نجل نيكولاس مادورو نشره على حسابه، مؤكداً أن تيّار والده سيفوز في الانتخابات المقبلة.

وحقاً، ليس مستغرباً أن يسود التفاؤل أوساط أنصار النظام بعد التصدّع الذي بدأ يظهر في صفوف المعارضة التي لم تنجح في توحيد مواقفها طيلة سنوات. إذ سارع اثنان من الأحزاب الرئيسية في المعارضة، هما «العدالة أولاً» و«الإرادة الشعبية»، إلى التجاوب مع دعوة واشنطن لاستئناف جولات التفاوض مع النظام حول الانتقال الديمقراطي، في حين كانت الأحزاب اليمينية المنضوية تحت زعامة ماريا كورينا ماتشادو، الحائزة «جائزة نوبل للسلام» والتي ما زالت واشنطن تقصيها عن الدور التي كانت موعودة به، تتكلّم عن «خيانة» الحلفاء في المعسكر المعارض.

هذا، ووعدت ماتشادو، التي ما زالت خارج فنزويلا، بأنها ستعود قريباً لتستأنف التواصل مع أنصارها، رافضةً «الاكتفاء بالفُتات الذي ربما أثمرته المفاوضات مع النظام»، الأمر الذي يؤكد أنها لم تعُد الورقة التي كانت تراهن عليها واشنطن للتغيير في فنزويلا.


رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
TT

رافاييل غلوكسمان... الحالم بالرئاسة الفرنسية يخوض معركته ضد أقصى اليمين وأقصى اليسار

بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!
بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردد غلوكسمان في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات»!

مع انتهاء العطلة الصيفية، عادت الحياة تدب في شرايين السياسة الفرنسية، والأنظار تتركز، منذ اليوم، على الاستحقاق الرئاسي العام المقبل. وما بين نتائج استطلاعات الرأي وتموضع المرشحين الذين يزيد عددهم على الثلاثين وبرامجهم، تبدو قراءة المشهد بالغة التعقيد. وما يميزه أن هناك وجوهاً معروفة سبق لها أن ترشحت العديد من المرات مثل مرشحة اليمين المتطرف مارين لوبان، أو مرشح اليسار الراديكالي جان لوك ميلونشون. لكن هناك سياسيين يخوضون غمارها للمرة الأولى. هم جُدد في هذه «المهنة» رغم خبراتهم السابقة وزراء أو نواباً في البرلمان الفرنسي أو الأوروبي. وأبرز هؤلاء، في الوقت الحاضر، رافاييل غلوكسمان الذي أعلن ترشّحه أواخر الشهر الماضي ويحلم بأن يكون مرشح الحزب الاشتراكي ومرشح حزبه الصغير المسمّى «الساحة العامة».

الأمور بالنسبة للمرشح رافاييل غلوكسمان يتوقع أن تحسم في اقتراع إلكتروني لأعضاء الحزبين، الشهر المقبل. مع العلم أن غلوكسمان رغم خوضه الانتخابات الأوروبية على رأس اللائحة الاشتراكية مرتين (2019 و2024)، يجهل الفرنسيون الكثير من تفاصيل حياته. بل، ربما أكثر ما يعرفه العديد منهم أنه «رفيق درب» الصحافية ليا سلامة، ابنة وزير الثقافة اللبناني غسان سلامة.

ولقد أسهمت الصور التي نشرتها «باري ماتش»، مجلة المشاهير، على غلافها أخيراً وهي تُظهر الاثنين معاً بملابس البحر خلال عطلتهما الصيفية في جزيرة كورسيكا، في تقريب السياسي والصحافي السابق من الجمهور الفرنسي. بيد أن ذلك لا يكفي؛ إذ لا يمكن فهم انخراط رافاييل في العمل السياسي خارج سيرة عائلته، وانخراط والده أندريه في معمعة الجدل الفكري والسياسي طيلة عقود طويلة.

الإرث العائلي: من الجد إلى الأب

مساء يوم 31 يناير (كانون الثاني) من العام الحالي، بثت قناة التلفزيون التابعة لمجلس الشيوخ الفرنسي فيلماً وثائقياً عن عائلة غلوكسمان بأجيالها الثلاثة التي بدأت قصتها مع الجدّ روبين غلوكسمان، المولود عام 1889، في مدينة تشرنيفستي التابعة حينذاك للإمبراطورية النمساوية ــ المجرية (قائمة حالياً في أوكرانيا)، في عائلة يهودية أشكنازية (يهود أوروبا الوسطى والشرقية)، وتواصلت مع ابنه المفكّر والفيلسوف الفرنسي الماركسي - الماوي أندريه، ثم الآن مع حفيده رافاييل.

رافاييل كان قد خاض منذ بضع سنوات الحقل السياسي، وهو اليوم مرشح للانتخابات الرئاسية الفرنسية التي ستجرىَ نهاية شهر أبريل (نيسان) وبداية شهر مايو (أيار) من العام المقبل. لكن لا بد من القول إن قصة هذه العائلة مشوّقة.

فالجد روبين، الذي تبنى لاحقاً اسم روفين غيدوني، وخدم جندياً في الجيش الإمبراطوري، هاجر في عام 1920 إلى فلسطين مع زوجته مارتا كيسلر، بعدما اعتنق كلاهما العقيدة الصهيونية عندما أصبحت بريطانيا السلطة المَنتدَبة على فلسطين عقب انهيار الخلافة العثمانية.

«تحوّل» فكري في فلسطين

الطريف في القصة أن روبين ومارتا انتميا هناك إلى الحزب الشيوعي الفلسطيني، الذي كان يضم في حينه بضع عشرات من الأعضاء. بل يمكن القول إن روبين توجّه إلى فلسطين «صهيونياً» وعاد منها «شيوعياً»؛ إذ إنه انتمى لاحقاً إلى تنظيم «الكومنترن» الذي أنشأه لينين عام 1919، وكانت مهمته بث الفكر الشيوعي عبر العالم والتعجيل باندلاع الثورة الشيوعية العالمية.

ثم، بعد فلسطين، استقر روبين مع عائلته في مدينة هامبورغ الألمانية. وهناك كان، من الناحية الرسمية، موظفاً في شركة تأمين بينما كان في الحقيقة عميلاً لـ«الكومنترن» والاستخبارات السوفياتية، يشمل إطار مهمته العديد من البلدان الأوروبية. إلا أن هذا الوضع لم يَدُم؛ لأن صعود النازية في ألمانيا دفعه إلى الانتقال إلى فرنسا عام 1935، وبالأخص بعدما علم أن الشرطة السياسية الألمانية «الغستابو» تراقبه. وفي فرنسا، رسا خياره مع زوجته على العيش في ضاحية بولوني بييانكور الواقعة على مدخل باريس الغربي. وفي هذه المدينة ولد ابنه أندريه.

من باريس إلى لندن

أيضاً، لم يبق روبين طويلاً في باريس؛ إذ انتقل منها إلى لندن في عام 1937 حيث استقر وحيداً بغطاء مهني، مديراً لشركة تجارية «فار إيسترن فور تريدينغ كومباني» تتعاطى تجارة الفرو. لكن الشرطة البريطانية ساورتها الظنون سريعاً حول طبيعة عمله، وانتهى بها الأمر إلى أن ألقت القبض عليه مرتين في عام 1940.

وفي المرة الثانية، توافرت لها معلومات موثّقة عن حقيقة مهمته عميلاً استخباراتياً لصالح الاتحاد السوفياتي فاعتقل ثم صدر أمر بترحيله إلى كندا. غير أن الباخرة التي وضع على متنها، وكانت تحمل اسم «إس إس أراندورا ستار» أصيبت يوم 2 يوليو (تموز) من العام نفسه بمقذوف غواصة ألمانية دمّرها وأغرقها على بعد 140 كلم من الشواطئ الآيرلندية، وبذا انتهت حياة جد رافاييل غلوكسمان في مياه الأطلسي.

صحافي ومنتج أفلام وثائقية

قبل أن يغوص رافاييل غلوكسمان في بحر السياسة، جرّب الصحافة والإنتاج السينمائي والكتابة. وكان ينظر إليه على أنه مثقّف وكاتب ومفكّر، وأنه سار على درب والده أندريه صاحب الثلاثين كتاباً... تدور غالبيتها حول التوتاليتارية والحرب والسلم وحقوق الإنسان. والواقع أن أندريه تنقّل ما بين الماركسية اللينينية والماركسية الماوية لينهي رحلته الفكرية والسياسية يمينياً - وأحياناً يمينياً متطرفاً - يبرّر حرب جورج بوش «الابن» على العراق، ويدعم وصول نيكولا ساركوزي إلى قصر الإليزيه.

وبالفعل، دار الكثير من الجدل حول مواقفه السياسية ومواقف أقران له من مجموعة «الفلاسفة الجدد»، مثل برنار هنري ليفي وباسكال بروكنير.

النشأة والمسيرة

ولد رافاييل غلوكسمان في عام 1979، ودرس في باريس في ثانويتين معروفتين هما «لامارتين» و«هنري4». وبعدها دخل إلى «معهد العلوم السياسية» (سيانس بو) وتخرّج فيه في عام 2003. إلا أنه لم يَسِر على درب النخبة الفرنسية التي تتوجّه عادة إلى «معهد الإدارة الوطني» (إينا)، بل انصرف سريعاً إلى العمل الصحافي. وهنا كانت بداية غلوكسمان مع صحيفة جزائرية هي «لو سوار» بالتوازي مع عمله منتجاً لأفلام وثائقية أبرزها: وثائقي بعنوان «اقتلوهم جميعاً» عن مجازر التوتسي في رواندا وعن مسؤولية فرنسا فيها، ووثائقي آخر بعنوان «الثورة البرتقالية» في أوكرانيا. وخلال سنواتٍ عمل لمجلات ثقافية منها مجلات أميركية الهوى، لا بل من تيار «المحافظين الجدد».

بعدها، في عام 2017، عيّن غلوكسمان رئيساً لتحرير «المجلة الأدبية الجديدة». وكذلك تعاون مع عدة إذاعات وقنوات تلفزيونية، الأمر الذي جعله وجهاً معروفاً لدى الفرنسيين. غير أن دخوله المعترك السياسي، مباشرة، انطلق مع تأسيس حزب «الساحة العامة» عام 2018 برئاسة مشتركة بينه وبين أورور لالوك، وكان الهدف منه توحيد اليسار الداعم للاندماج الأوروبي والوقوف بوجه حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد الذي يتزعمه جان لوك ميلونشون.

المخاض السياسي في الخارج والداخل

من جهة ثانية، تعود أول تجربة سياسية - انتخابية لغلوكسمان في فرنسا إلى عام 2019 عندما اقترح عليه الحزب الاشتراكي ترؤس لائحة مشتركة للانتخابات الأوروبية تضم الاشتراكيين و«الساحة العامة» وحزباً صغيراً آخر غير معروف اسمه «المُعطىَ الجديد». بيد أن هذه المحاولة فشلت عندما رفض «البيئويون» بتشكيلتيهم السياسيتين السير بمشروعه، وكذلك رفض الحزب الشيوعي، بينما اقتصر تجاوب الحزب الاشتراكي معه على الصعيد الانتخابي. وفي الحصيلة، أدى التحالف الانتخابي إلى انقسامات داخل الحزب الناشئ ودفع عدداً من كبار مؤسّسيه إلى الابتعاد عنه.

التجربة تجددت في انتخابات عام 2024، حين حصلت لائحة غلوكسمان على نحو 14 في المائة من الأصوات فحلت في المرتبة الثالثة. لكن قبل فرنسا، جرّب غلوكسمان السياسة في شرق أوروبا، وتحديداً في أوكرانيا وجورجيا.

ففي «عزّ» الحرب في جورجيا، سافر السياسي الطموح إلى عاصمتها تبيليسي، صيف عام 2008، ووضع نفسه في خدمة رئيسها ميكاييل سكاشفيلي ذي التوجّهات اليمينية الليبرالية الغربية، وأصبح في عام 2009 مستشاره الرسمي للشؤون الأوروبية، وكُلّف، من ثم، التفاوض مع بروكسل لانضمام جورجيا إلى النادي الأوروبي.

أيضاً لعب غلوكسمان دور الوسيط بينه وبين ساركوزي، وكذلك ساعد سكاشفيلي على كتابة خطاباته. وأكثر من ذلك، تزوّج غلوكسمان وزيرة الداخلية الجورجية إيكا زغولادزه في عام 2009 وأنجب منها صبياً اسمه ألكسندر. ولكن، بعد هزيمة سكاشفيلي في انتخابات عام 2013 الرئاسية، غادر غلوكسمان تبيليسي مع عائلته وانتقل إلى أوكرانيا، حيث انطلقت الحركة الاحتجاجية المعروفة بـ«يوروميدان»، وحيث تحمل زوجته جنسيتها، والتي عُيّنت لاحقاً نائبة لوزير الداخلية في أوكرانيا.

«مستشار» سياسي ذو تموضعات لافتة

في أوكرانيا، أصبح غلوكسمان مستشاراً للمرشح الرئاسي فيتالي كليتشكو. ومنذ سنوات، يُعدّ دعم أوكرانيا المطلق أحد أهم خياراته والتزاماته السياسية الأساسية. بالتوازي، شكّلت نتائج الانتخابات الأوروبية لعام 2024 «الرافعة» السياسية الأساسية لغلوكسمان الذي وضع لنهجه السياسي خطين عريضين: الأول مواجهة اليسار المتشدد ... والثاني مواجهة اليمين المتطرف.

وفي المعركة الرئاسية المقبلة، يجد الرجل نفسه بمواجهة جان لوك ميلونشون على تزعّم اليسار، علماً بأنه من دعاة الانفصال التام عن «فرنسا الأبيّة» ومن المروّجين لقدرة اليسار غير الميلونشوني على الفوز في الانتخابات. ولكن - كعادة غلوكسمان - لهذه «القاعدة استثناءات»؛ إذ سبق له دعم الجبهة اليسارية التي تشكلت بمناسبة الانتخابات التشريعية في عام 2024 من أجل قطع الطريق على وصول حزب «التجمع الوطني» بزعامة مارين لوبان إلى السلطة.

لكنه، في الانتخابات المحلية البلدية التي أجريت هذا العام، أعلن أنه لن يدعم أي قائمة مشتركة مع اليسار المتشدّد، على الرغم من احتمال الفشل وفوز اليمين المتطرّف في البلديات المعنيّة.

في الحقيقة، يصعب أحياناً تتبع انعطافات غلوكسمان السياسية. وحقاً، بعد الجولة الأولى من الانتخابات التشريعية الأخيرة لم يتردّد في القول إن «الحزب الاشتراكي قد مات». ومع هذا، لم تمنعه هذه «الوفاة» من أن يخوض المنافسة الراهنة لتسميته مرشحاً عن الحزب «المتوفى» وعن حزبه الصغير «الساحة العامة».بالتالي، في غياب التسمية المشتركة، يفقد غلوكسمان أي أمل في الانتخابات الرئاسية العام المقبل. ومعلوم، أنه حتى اليوم، ووفق استطلاعات الرأي، يهيمن على هذه الانتخابات مرشحان رئيسان: اليمينية مارين لوبان، واليساري جان لوك ميلونشون؛ أي: ممثلَيْ التيارين اللذين يحاربهما غلوكسمان.


عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)
TT

عقبات جدّية تعترض طريق غلوكسمان إلى «الإليزيه»

ميلونشون (رويترز)
ميلونشون (رويترز)

تعترض طريق رافاييل غلوكسمان (47 سنة) لخلافة الرئيس إيمانويل ماكرون في مايو (أيار) من العام المقبل، عقبات لا يستهان بها.

غلوكسمان أعلن ترشحه لهذه الانتخابات يوم 26 أغسطس (آب) الماضي، لينضم بذلك إلى عدد كبير من المرشحين يتجاوز الثلاثين مرشحاً، يميناً ويساراً. ولكن سيتعيّن عليه اجتياز عقبة أولى تتمثّل بالانتخابات الداخلية التي ستجرى خلال الأسبوعين الأولين من الشهر المقبل للفوز بترشيح التيار الاشتراكي - الديمقراطي الممثل بالحزب الاشتراكي وبحزب «الساحة العامة» الذي أطلقه غلوكسمان في عام 2018، والحزب الآخر الصغير المسمى «اليسار الاشتراكي الجمهوري».

عددياً، المقترعون في هذه المنافسة قلة قليلة؛ إذ لا يتجاوز عديدهم 39 ألف مقترع في بلد يضم 67 مليون نسمة. ثم إن درب غلوكسمان ليس مفروشاً بالورود؛ إذ ينافسه، من الداخل، مرشحون أبرزهم: أمين عام الحزب الاشتراكي أوليفيه فور، والمرشحة الرئاسية السابقة سيغولين رويال، ويتربص به من الخارج الرئيس الاشتراكي الأسبق فرنسوا أولاند ورئيس الوزراء الأسبق برنار كازنوف.

لو بن (آ ف ب)

حتى اليوم، تبين استطلاعات الرأي أن غلوكسمان سيجتاز بنجاح العقبة الأولى. لكن بعدها عليه فرض نفسه في معسكر اليسار، حيث سيواجه المرشح العنيد جان لوك ميلونشون، زعيم حزب «فرنسا الأبيّة» اليساري المتشدد، والخبير في المعارك الرئاسية؛ إذ يخوض منافسته الرابعة، ولقد كاد يتأهل عام 2022 للجولة الثانية الحاسمة بحصوله على نحو 22 في المائة من الأصوات. ولليوم، تبدو حملته الأكثر ديناميكية، كما أن استطلاعات الرأي ترجّح أن يتمكّن في الربيع المقبل من «السقف الزجاجي» الذي حال دوماً دون ولوجه المنافسة النهائية.

في المقابل، تبدو مارين لوبان، ابنة جان ماري لوبان، مؤسس «الجبهة الوطنية» التي تغيّر اسمها إلى «التجمّع الوطني» ووريثته السياسية، هي الوحيدة الواثقة من تأهلها للجولة الانتخابية الثانية، وفق نتائج استطلاعات الرأي التي تمنحها ما بين 33 و35 في المائة من الأصوات في الجولة الأولى، بينما أقرب منافسيها، ميلونشون، يلهث وراءها لكنه لا يزال بعيداً عنها بما لا يقل عن 15 إلى 18 في المائة من الأصوات.

أيضاً، تبين هذه الاستطلاعات أن لوبان ستفوز بفوارق كبيرة في الجولة الثانية الحاسمة، خصوصاً إذا كان منافسها ميلونشون.

حقيقة الأمر أن الموعد الرئاسي ما زال بعيداً، والرأي العام متحول، والمعركة الانتخابية ما زالت في بداياتها. ورهان غلوكسمان، أن تستمر «حرب» مرشحي «الكتلة المركزية»، بينما يتمكن هو من تجاوز ميلونشون، وعندها يجد الناخب الفرنسي نفسه ملزماً بالاختيار بينه وبين لوبان.