الجيش الأميركي يعلن مقتل قيادي «داعشي» في الصومال

وصف العملية بأنها «هجومية مخطط لها منذ أشهر»

قائد القوات البرية بالجيش الصومالي يتفقد قواته في مناطق «محررة» (وكالة الصومال الرسمية)
قائد القوات البرية بالجيش الصومالي يتفقد قواته في مناطق «محررة» (وكالة الصومال الرسمية)
TT

الجيش الأميركي يعلن مقتل قيادي «داعشي» في الصومال

قائد القوات البرية بالجيش الصومالي يتفقد قواته في مناطق «محررة» (وكالة الصومال الرسمية)
قائد القوات البرية بالجيش الصومالي يتفقد قواته في مناطق «محررة» (وكالة الصومال الرسمية)

أعلن وزير الدفاع الأميركي لويد أوستن مقتل عدد من عناصر تنظيم «داعش» الإرهابي، من بينهم قيادي بارز، في عملية هجومية تم التخطيط لها منذ شهور، نفذتها القوات الأميركية بشمال الصومال، بناءً على ضوء أخضر من الرئيس الأميركي جو بايدن.
وأوضح أوستن في بيان أمس (الخميس)، أن العملية التي شنت، بناءً على أوامر من بايدن، أسفرت عن مقتل عدد من أعضاء تنظيم «داعش»، بمن فيهم بلال السوداني، أحد قادة التنظيم في الصومال والمسيّر الرئيسي للتنظيم.
وقال إن السوداني كان مسؤولاً عن تعزيز الوجود المتزايد لـ«داعش» في أفريقيا وتمويل عمليات التنظيم في جميع أنحاء العالم، بما في ذلك في أفغانستان.
وبعدما نفى إصابة أي مدني بسبب هذه العملية، أكد أن «هذا الإجراء يجعل الولايات المتحدة وشركاءها أكثر أمناً وأماناً، ويعكس التزامنا الثابت بحماية الأميركيين من تهديد الإرهاب في الداخل والخارج»، معرباً عن امتنانه لمجتمع الاستخبارات والشركاء الآخرين بين الوكالات لدعمهم هذه العملية الناجحة لمكافحة الإرهاب.
ووقعت الغارة مساء أمس في مجمع كهوف جبلي بعيد في منطقة بونتلاند، شمال الصومال، بعد شهور من اكتشاف شبكات التجسس الأميركية المقر الخفي لـلسوداني، ورصد الموقع لدرس تحركاته.
ورغم عدم إفصاح الجيش الأميركي عن هوية وحدة العمليات الخاصة التي نفذت الغارة، فقد أشارت تقارير أميركية إلى أن الوحدة المعروفة باسم «سيل 6»، قامت تاريخياً بأكثر مهام مكافحة الإرهاب حساسية في الصومال.
وكانت قيادة القوات الأميركية في أفريقيا (أفريكوم) قد أعلنت في بيان مقتضب مساء أمس، عن تنفيذ الجيش الأميركي ما وصفته بعملية ناجحة لمكافحة الإرهاب في الصومال، لكنها لم تقدم أي تفاصيل إضافية، وقالت إنها ستوفرها في الأيام المقبلة.
وأوضحت أنه نظراً للموقع البعيد للعملية، فإن التقييم هو أنه لم يصب أو يقتل أي مدنيين، مشيرة إلى أن حماية المدنيين تظل جزءاً حيوياً من عملياتها لتعزيز قدر أكبر من الأمن لجميع الأفارقة.
وقال مسؤولون أميركيون إن السوداني، وهو أحد قادة التنظيم في الصومال، قُتل في العملية مع نحو عشرة آخرين من التنظيم، وأضافوا أن العملية وافق عليها بايدن في وقت سابق هذا الأسبوع، ونُفذت في آخر 24 ساعة، لكنهم رفضوا التطرق إلى التفاصيل الأساسية للعملية.
كما رفضوا الإفصاح عما إذا كان هناك أي تهديد مباشر مثله السوداني على الولايات المتحدة، أو تفاصيل حول ما إذا كان قد تم جمع أي معلومات استخباراتية، وكيف نفذت القوات الأميركية العملية، أو حتى عدد الجنود الأميركيين المشاركين.
في المقابل، قال مسؤول أميركي كبير إن الولايات المتحدة أرادت اعتقال السوداني، لكن الميليشيات التي كانت معه بادرت برد فعل، لافتاً إلى أن السوداني من قاعدته الجبلية في شمال الصومال قدم ونسق التمويل لفروع تنظيم «داعش»، ليس في أفريقيا فحسب، لكن أيضاً لـ«ولاية خراسان»، الذراع العاملة في أفغانستان.
وقبل عشر سنوات، أو حتى قبل انضمامه إلى تنظيم «داعش»، شارك السوداني في تجنيد وتدريب مقاتلين لحركة «الشباب» المتطرفة في الصومال.
وأشار المسؤول إلى أن «السوداني كان له دور تنظيمي ومالي رئيسي مع مهارات متخصصة جعلته هدفاً مهماً للجهود الأميركية لمكافحة الإرهاب».
وذكرت مسؤولة كبيرة في البيت الأبيض أن هذه العملية التي جرى الإعداد لها منذ «أشهر عدة» لم تسفر عن ضحايا مدنيين، أو في صفوف الجيش الأميركي. ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن المسؤولة الرفيعة، التي طلبت عدم كشف اسمها، أن الإنزال سبقته «تدريبات مكثفة» للقوات الأميركية في مواقع «شيدت خصيصاً» لتحاكي تضاريس الموقع، حيث نفذت العملية، وهو كهف في جبال شمال الصومال. وأضافت: «كنا مستعدين للقبض على السوداني».
وقال مسؤول أميركي ثان، إن «اعتقال (الإرهابي) هو الخيار الأفضل للحصول على أكبر قدر ممكن من المعلومات الاستخبارية من العملية»، لكن «رد القوات المعادية على العملية أدى إلى مقتله».
وبينما لم يصدر أي رد فعل رسمي من السلطات الصومالية، أعلن حسين شيخ علي مستشار الأمن القومي الصومالي، ترحيب الحكومة الصومالية بمطاردة القيادة العليا للجماعات الإرهابية التي تقاتل في الصومال، وحذر في تصريحات لإذاعة «صوت أميركا»، من أنه رغم أن «داعش» ليس لها نفوذ كبير، فمن المحتمل أن يتزايد تهديد التنظيم.
وزعمت وزارة الخزانة الأميركية، العام الماضي، أن السوداني عمل عن كثب مع عنصر آخر في تنظيم «داعش»، هو عبد الله حسين أباديجا، الذي جند شباناً في جنوب أفريقيا، وأرسلهم إلى معسكر تدريب على الأسلحة.
وأدرج السوداني في قوائم وزارة الخزانة في عام 2012 لدوره مع حركة «الشباب» المتطرفة، ووفقاً لمسؤول رفيع في الإدارة، فقد ساعد المقاتلين الأجانب في السفر إلى معسكر تدريب «الشباب»، وسهل تمويل المتطرفين العنيفين في الصومال.
في شأن قريب، دعا المؤتمر العام لعلماء الصومال، الذي استضافته العاصمة مقديشو لمدة أربعة أيام، إلى محاربة حركة «الشباب» وتنظيم «داعش»، وعدهما في ختام أعماله مساء أمس جماعتين مجرمتين مارقتين من الخوارج، لا تتمتعان بأي شرعية دينية.
من جهته، أكد اللواء تهليل بيحي قائد القوات البرية بالجيش الصومالي، لدى تفقده قواته في المناطق المحررة بمدينة حرطيري التابعة لإقليم مدغ وسط البلاد، على أولوية تحرير بقية المناطق التي ما زالت تحت سيطرة فلول حركة «الشباب»، معرباً عن اعتزاز الجيش بالتعاون مع السكان المحليين لتصفية الإرهابيين، ومؤكداً استمرار القتال حتى يتم القضاء على الإرهاب في كل ربوع البلاد.


مقالات ذات صلة

الجيش الصومالي يعلن مقتل 60 عنصراً من «الشباب» في عملية عسكرية

العالم العربي الجيش الصومالي يعلن مقتل 60 عنصراً من «الشباب» في عملية عسكرية

الجيش الصومالي يعلن مقتل 60 عنصراً من «الشباب» في عملية عسكرية

أعلن الجيش الصومالي نجاح قواته في «تصفية 60 من عناصر حركة (الشباب) المتطرفة»، في عملية عسكرية مخططة، جرت صباح الثلاثاء، بمنطقة علي قبوبي، على مسافة 30 كيلومتراً جنوب منطقة حررطيري في محافظة مذغ وسط البلاد. وأكد محمد كلمي رئيس المنطقة، وفقاً لوكالة الأنباء الصومالية، أن «الجيش نفذ هذه العملية بعد تلقيه معلومات عن سيارة تحمل عناصر من (ميليشيات الخوارج) (التسمية المتعارف عليها حكومياً لحركة الشباب المرتبطة بالقاعدة) وأسلحة»، مشيراً إلى أنها أسفرت عن «مقتل 60 من العناصر الإرهابية والاستيلاء على الأسلحة التي كانت بحوزتهم وسيارتين عسكريتين». ويشن الجيش الصومالي عمليات عسكرية ضد «الشباب» بدعم من مقات

خالد محمود (القاهرة)
العالم العربي رئيس وزراء الصومال: نأمل في رفع الحظر عن تسليح الجيش لاستعادة الاستقرار

رئيس وزراء الصومال: نأمل في رفع الحظر عن تسليح الجيش

(حوار سياسي) بين مواجهة «إرهاب» غاشم، وجفاف قاحل، وإسقاط ديون متراكمة، تتمحور مشاغل رئيس وزراء الصومال حمزة بري، الذي قال إن حكومته تسعى إلى إنهاء أزمتي الديون و«الإرهاب» بحلول نهاية العام الحالي، معولاً في ذلك على الدعم العربي والدولي لإنقاذ أبناء وطنه من مخاطر المجاعة والجفاف. «الشرق الأوسط» التقت المسؤول الصومالي الكبير بالقاهرة في طريق عودته من الأراضي المقدسة، بعد أداء مناسك العمرة، للحديث عن تحديات يواجهها الصومال حاضراً، وآمال كبيرة يتطلع إليها مستقبلاً...

خالد محمود (القاهرة)
العالم رئيس وزراء الصومال لـ«الشرق الأوسط»: نأمل في رفع الحظر عن تسليح الجيش

رئيس وزراء الصومال لـ«الشرق الأوسط»: نأمل في رفع الحظر عن تسليح الجيش

رئيس وزراء الصومال لـ«الشرق الأوسط»: نأمل في رفع الحظر عن تسليح الجيش لاستعادة الاستقرار حمزة بري أكد ضرورة القضاء على أزمة الديون لإنقاذ وطنه من المجاعة والجفاف بين مواجهة «إرهاب» غاشم، وجفاف قاحل، وإسقاط ديون متراكمة، تتمحور مشاغل رئيس وزراء الصومال حمزة بري، الذي قال إن حكومته تسعى إلى إنهاء أزمتي الديون و«الإرهاب» بحلول نهاية العام الحالي، معولاً في ذلك على الدعم العربي والدولي لإنقاذ أبناء وطنه من مخاطر المجاعة والجفاف. «الشرق الأوسط» التقت المسؤول الصومالي الكبير بالقاهرة في طريق عودته من الأراضي المقدسة، بعد أداء مناسك العمرة، للحديث عن تحديات يواجهها الصومال حاضراً، وآمال كبيرة يتطلع إ

خالد محمود (القاهرة)
العالم العربي واشنطن: مجلس النواب يرفض مشروعاً لسحب القوات الأميركية من الصومال

واشنطن: مجلس النواب يرفض مشروعاً لسحب القوات الأميركية من الصومال

رفض مجلس النواب الأميركي مشروع قانون، قدمه أحد النواب اليمينيين المتشددين، يدعو الرئيس جو بايدن إلى سحب جميع القوات الأميركية من الصومال في غضون عام واحد. ورغم هيمنة الجمهوريين على المجلس، فإن المشروع الذي تقدم به النائب مات غايتس، الذي لعب دوراً كبيراً في فرض شروط الكتلة اليمينية المتشددة، قبل الموافقة على انتخاب كيفن مكارثي رئيساً للمجلس، رفضه غالبية 321 نائباً، مقابل موافقة 102 عليه. وعلى الرغم من أن عدد القوات الأميركية التي تنتشر في الصومال، قد تراجع كثيراً، عما كان عليه في فترات سابقة، خصوصاً منذ عام 2014، فإن البنتاغون لا يزال يحتفظ بوجود مهم، في الصومال وفي قواعد قريبة.

إيلي يوسف (واشنطن)
العالم العربي الصومال يستعد لرحيل «قوات أتميس» الأفريقية

الصومال يستعد لرحيل «قوات أتميس» الأفريقية

عقدت الدول المشاركة في بعثة قوات الاتحاد الأفريقي العاملة في الصومال (أتميس)، اجتماعاً (الثلاثاء)، بالعاصمة الأوغندية كمبالا، لبحث «سبل تعزيز العمليات العسكرية الرامية إلى القضاء على (حركة الشباب) المتطرفة». ويأتي الاجتماع تمهيداً للقمة التي ستعقد في أوغندا خلال الأيام المقبلة بمشاركة رؤساء الدول المنضوية تحت بعثة «أتميس»، وهي (جيبوتي، وأوغندا، وبوروندي، وكينيا، وإثيوبيا)، وفقاً لوكالة الأنباء الصومالية الرسمية. وناقش الاجتماع «سبل مشاركة قوات الاتحاد الأفريقي في العمليات العسكرية الجارية للقضاء على فلول (حركة الشباب)، كما تم الاستماع إلى تقرير من الدول الأعضاء حول ذلك»، مشيدين بـ«سير العمليات

خالد محمود (القاهرة)

تقرير: الجيش الأميركي لم يُطلَب منه التخطيط لغزو غرينلاند رغم تهديدات ترمب

مبنى «البنتاغون» (أ.ب)
مبنى «البنتاغون» (أ.ب)
TT

تقرير: الجيش الأميركي لم يُطلَب منه التخطيط لغزو غرينلاند رغم تهديدات ترمب

مبنى «البنتاغون» (أ.ب)
مبنى «البنتاغون» (أ.ب)

قالت صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية إن المسؤولين في وزارة الحرب (البنتاغون) يخططون لجميع أنواع السيناريوهات العسكرية المحتملة بشأن جزيرة غرينلاند، لكن لم يُطلب منهم بعد وضع خطة لغزوها أو التخطيط لما بعد هذه العملية.

وأضافت أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب مراراً وتكراراً أثار إمكانية استيلاء القوات العسكرية الأميركية على غرينلاند إذا لم توافق الدنمارك على بيعها.

كان ترمب قد قال عندما سُئل في مؤتمر صحافي في البيت الأبيض، يوم الثلاثاء، عن مدى استعداده للذهاب في سبيل الحصول على غرينلاند: «ستعرفون ذلك».

صورة نشرها ترمب على موقع «تروث سوشيال» تشير إلى أن غرينلاند أرض أميركية منذ عام 2026 (حساب الرئيس الأميركي)

وكذلك صرح سابقاً بأنه يعتزم الاستيلاء على الجزيرة «سواء رغبوا في ذلك أم لا»، وحذر قائلاً: «إذا لم نفعل ذلك بالطريقة السهلة، فسوف نفعله بالطريقة الصعبة».

وفي مقابلة، مع شبكة «إن بي سي»، الأحد، أشار وزير الخزانة سكوت بيسنت أيضاً إلى إمكانية الاستيلاء على غرينلاند بالقوة العسكرية إذا لم تنجح المفاوضات مع الدنمارك.

وحسب الصحيفة، قال مسؤولون أميركيون، الثلاثاء، إنه في حين يخطط مسؤولو البنتاغون لجميع أنواع السيناريوهات العسكرية المحتملة، لم يُطلب منهم بعد التخطيط لغزو غرينلاند أو التخطيط لما بعد هذه العملية.

ويقول محللون عسكريون إن سيطرة الجيش الأميركي على غرينلاند لن تكون صعبة، فالجزيرة قليلة السكان 56 ألف نسمة في منطقة تبلغ مساحتها نحو ثلاثة أضعاف مساحة تكساس، ولديها بالفعل قاعدة أميركية واحدة في أقصى شمال البلاد.

لكنَّ المسؤولين في البنتاغون وكبار القادة يعبّرون سراً عن استيائهم وغضبهم من استمرار ترمب في التلويح بخيار القوة العسكرية للاستيلاء على غرينلاند فهي إقليم تابع للدنمارك، وهي حليف صغير ولكنه موثوق به في حلف الناتو، وقد قاتلت قواتها إلى جانب القوات الأميركية في العراق وأفغانستان، وسيكون أي هجوم على غرينلاند بمنزلة هجوم على حليف في الناتو، مما يهدد التحالف الذي حافظ على تماسك الغرب منذ الحرب العالمية الثانية.

في الأسبوع الماضي، أرسلت مجموعة من الدول الأوروبية أفراداً إلى غرينلاند لإجراء تدريبات عسكرية -في إشارة إلى التضامن مع الدنمارك، وهو ما ربما أغضب ترمب، الذي هدد بفرض رسوم جمركية عليهم خلال عطلة نهاية الأسبوع ما لم يتخلوا عن معارضتهم لاستحواذ الولايات المتحدة على غرينلاند.

صورة نشرها ترمب على منصة «تروث سوشيال» تُظهر العلم الأميركي على جزيرة غرينلاند

ومع وجود القوات الأوروبية الآن في غرينلاند، حذر العديد من المسؤولين الأميركيين الحاليين والسابقين من أن فكرة بدت مستحيلة قبل أسابيع قليلة فقط -وهي أن الولايات المتحدة قد تهاجم دولاً أعضاء في حلف الناتو- قد تُهدد التحالف عبر الأطلسي.

وذكر إيفو دالدر، السفير الأميركي السابق لدى حلف الناتو، الأسبوع الماضي: «حتى مجرد التهديد بالسيطرة على غرينلاند يُثير قضايا بالغة الأهمية بشأن العلاقات عبر الأطلسي ومستقبل حلف الناتو».


«حرب» ترمب على الهجرة... من شعار انتخابي إلى عقيدة أمن قومي

انتشار أمني واسع خلال مظاهرات في مينيسوتا 8 يناير (أ.ب)
انتشار أمني واسع خلال مظاهرات في مينيسوتا 8 يناير (أ.ب)
TT

«حرب» ترمب على الهجرة... من شعار انتخابي إلى عقيدة أمن قومي

انتشار أمني واسع خلال مظاهرات في مينيسوتا 8 يناير (أ.ب)
انتشار أمني واسع خلال مظاهرات في مينيسوتا 8 يناير (أ.ب)

في يونيو (حزيران) 2024، وقف المرشّح الجمهوري حينها دونالد ترمب على منصة تجمع انتخابي في ولاية ويسكنسن متوعّداً: «سوف ننفّذ أكبر عملية ترحيل في التاريخ!»، ليصبح شعار حملته الأبرز، بعد «أميركا أولاً»، هو: «ترحيل جماعي الآن!».

وعُودٌ مشبعة بالتحدي والعزم، شكّك كثيرون في إمكانية تنفيذها، ولم يأخذوها على محمل الجد، كما فعلوا مع وعود أخرى أطلقها سابقاً. غير أن ترمب أثبت عكس ذلك؛ إذ شرع في تنفيذ هذه الوعود بحرفية تامة منذ 20 يناير (كانون الثاني) 2025، وهو اليوم الأول لتولّيه الرئاسة.

ويؤكد قاضي الهجرة السابق أندرو آرثر هذا التوجّه، قائلاً: «عندما كان المرشّح دونالد ترمب يتعهد بتأمين الحدود خلال حملته الانتخابية، كان يعني ما يقول». وأضاف آرثر، في حديث مع «الشرق الأوسط»: «الرئيس وعد بتأمين الحدود إذا أُعيد انتخابه، وقد وفّى بوعده، وقدم أكثر الحدود أمناً في تاريخ الولايات المتحدة».

وتتفق سيسيليا أسترلاين، كبيرة الباحثين في ملف الهجرة في مركز «نيسكانين»، مع هذا التوصيف، عادَّة أن ترمب نفّذ جزءاً كبيراً من وعوده الانتخابية. وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «خلال حملته الانتخابية، رفع الرئيس ترمب شعار التشدد ضد الهجرة غير القانونية، وهو ما نفّذ جزءاً كبيراً منه بالفعل، إلا أن سياساته منذ توليه المنصب قلبت أيضاً موازين الهجرة القانونية».

سلسلة قرارات تنفيذية

في العشرين من يناير 2025، وقّع الرئيس السابع والأربعون مجموعة واسعة من القرارات التنفيذية المتعلقة بالهجرة، أبرزها القرار رقم 14159، الذي حمل عنوان «حماية الشعب الأميركي من الغزو».

عنوانٌ مشحون بالدلالات، يعكس بوضوح نظرة الإدارة إلى ملف الهجرة، الذي تعاملت معه إدارات سابقة بعدّه أزمة إدارية وإنسانية، في حين تراه إدارة ترمب قضية أمن قومي. هذا التحوّل فتح الباب أمام صلاحيات تنفيذية وقانونية واسعة من جهة، وسلسلة متواصلة من التحديات القضائية من جهة أخرى.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يحتفل مع عائلته بعد أدائه اليمين الدستورية خلال حفل تنصيبه في واشنطن 20 يناير (إ.ب.أ)

في هذا السياق، لجأت إدارة ترمب إلى توظيف قانون «الأعداء الأجانب» في قراراتها المتعلقة بالهجرة؛ بهدف فرض عمليات ترحيل سريعة من دون محاكمات. وهو قانون أقرّه الكونغرس عام 1798، ويمنح الرئيس صلاحيات استثنائية في أوقات الحرب، وهي الصفة التي يصف بها ترمب وضع البلاد فيما يتعلق بالهجرة.

غير أن قاضية الهجرة المتقاعدة دانا لي ماركس ترى أن اللجوء إلى هذا القانون ليس سوى غطاء «لإجراءات غير مشروعة ضد غير المواطنين». وتضيف، في حديث مع «الشرق الأوسط»: «الولايات المتحدة لم تتعرض لغزو، وحتى لو حصل ذلك، فإن العصابات لا تُعدُّ جيشاً غازياً».

ولم يتوقف ترمب عند هذا الحد، بل وقّع في الوقت نفسه قرارات أخرى، شملت إلغاء حق الجنسية بالولادة، وإعادة هيكلة برنامج قبول اللاجئين، وتشديد تأمين الحدود مع المكسيك، وإنهاء برامج الإفراج المشروط الجماعي، وتصنيف عصابات على أنها منظمات إرهابية، في مقدمتها عصابة «إم إس - 13» المكسيكية.

قراراتٌ مثيرة للجدل، لكنها مدروسة بعناية، وتهدف إلى إغراق المحاكم بكمّ هائل من القضايا التي ستستغرق سنوات للبت فيها. ويرى مراقبون أن استراتيجية ترمب تقوم على إصدار أكبر عدد ممكن من القرارات، بحيث يشكّل تنفيذ بعضها، حتى في حال إسقاط أخرى قضائياً، مكسباً سياسياً للإدارة.

ويبرز في هذا السياق قرار إلغاء الجنسية بالولادة، وهو حق مكفول دستورياً. وقد بلغ القرار المحكمة العليا، التي قضت بأن لكل ولاية الحق في تحديد سياساتها الخاصة في هذا الشأن؛ ما عُدّ نصراً جزئياً للإدارة.

وترى ماركس أن استخدام ترمب المكثف للأوامر التنفيذية «يشكّل التفافاً على العملية التقليدية لسنّ القوانين»، موضحة أن «الكثير من هذه الأوامر يتعارض بشكل مباشر مع بروتوكولات قانونية راسخة منذ عقود، ومن المرجّح أن تُبطلها المحاكم، إلا أن ذلك يستغرق وقتاً طويلاً، ويحرم المتضررين من حقوقهم من دون وسائل إنصاف فعّالة».

غطاء شعبي

لا شك أن الدعم الشعبي الذي حظي به ترمب خلال السباق الرئاسي في ملف الهجرة وفّر له الغطاء السياسي لتنفيذ سياسات صارمة على الحدود وداخل الولايات الأميركية. ففي مطلع يناير الماضي، أظهر استطلاع أجرته «إيبسوس» أن 66 في المائة من الأميركيين يؤيدون عمليات ترحيل المهاجرين غير القانونيين.

وإلى جانب هذا الدعم، عززت السيطرة الجمهورية على مجلسي الكونغرس قبضة ترمب على السلطتين التنفيذية والتشريعية. ومع انطلاق أعمال الدورة الـ119 للكونغرس، كان قانون «لايكن رايلي» أول تشريع يُقرّ ويوقّعه ترمب في ولايته الثانية.

أحد المؤيدين لترمب يحمل لافتة مكتوباً عليها «ترحيل المهاجرين غير الشرعيين الآن» خلال تجمع انتخابي العام الماضي (أ.ف.ب)

وسُمّي القانون تيمّناً بطالبة أميركية من ولاية جورجيا قُتلت على يد مهاجر غير قانوني عام 2024، وينص على احتجاز المهاجرين غير القانونيين من دون كفالة في حال اتهامهم أو إدانتهم بجرائم أو جنح. كما يوسّع صلاحيات الولايات لمحاسبة الحكومة الفيدرالية في حال تقصيرها في إنفاذ قوانين الهجرة، بما يضمن استمرارية هذه السياسات مع تغيّر الإدارات.

ولم يتوقف الجمهوريون عند هذا الحد؛ إذ أقروا المشروع الذي وصفه ترمب بـ«الكبير والجميل»، والذي يوفّر التمويل اللازم لتطبيق الكثير من القرارات التنفيذية المتعلقة بالهجرة. ويشمل المشروع تخصيص 170 مليار دولار لأمن الحدود، وتعزيز قدرات الترحيل الجماعي، وبناء الجدار الحدودي، إضافة إلى توسيع نطاق مراكز الاحتجاز.

تراجع في أرقام الوافدين

انعكست سياسات الهجرة الجديدة بوضوح في مختلف الولايات، لا سيما من خلال الانتشار غير المسبوق لعناصر وكالة الهجرة والجمارك الأميركية (آيس) في الشوارع، وتنفيذها عمليات اعتقال وترحيل واسعة النطاق، لم تقتصر على الفضاءات العامة، بل امتدت إلى المدارس والمستشفيات ودور العبادة، التي كانت مستثناة في الإدارات السابقة.

مسؤولان بالجيش الأميركي يسيران بالقرب من الحدود بين الولايات المتحدة والمكسيك (أ.ب)

إجراءات قاسية أدت، حسب بيانات إدارة الجمارك وحماية الحدود، إلى تراجع بنسبة 93 في المائة في محاولات التسلل عبر الحدود الجنوبية الغربية.

وعلى سبيل المقارنة، يشير مركز «بيو» للأبحاث إلى أن عدد الأشخاص الذين عاشوا في الولايات المتحدة من دون ترخيص بلغ 14 مليوناً عام 2023، مقارنة بـ11.8 مليون عام 2022. وتشير بيانات مركز دراسات الهجرة إلى أن العدد ارتفع إلى 15.8 مليون عند تولّي ترمب الرئاسة في يناير 2025.

ومع ارتفاع أعداد المغادرين طواعية والمُرحّلين، بدأت هذه الأرقام في التراجع. وأكدت وزيرة الأمن القومي، كريستي نوم، مغادرة ما لا يقل عن 1.6 مليون مهاجر غير قانوني خلال المائتي يوم الأولى من ولاية ترمب.

في المقابل، لا تزال وعود ترمب بترحيل مليون مهاجر سنوياً بعيدة عن التحقق. ووفق بيانات نشرتها شبكة «إن بي سي» نقلاً عن مصادر رسمية، بلغ عدد المُرحّلين شهرياً نحو 16 ألف شخص حتى يونيو (حزيران)، في حين يقدّر عدد المحتجزين لدى «آيس» بنحو 69 ألفاً.

إجراءات «استثنائية» وبلدان «الترحيل»

ورغم اصطدام بعض عمليات الترحيل بعوائق قانونية وإجرائية، لا سيما تلك المتعلقة بقبول الدول المرحَّل إليها، لم تترك إدارة ترمب شيئاً للصدفة. فقد وجّهت بتوسيع استخدام معتقل غوانتانامو لاحتجاز مئات الموقوفين، معظمهم من فنزويلا، وأمرت بإنشاء مركز احتجاز جديد في فلوريدا تحت اسم «ألكاتراز التماسيح»، يتسع لنحو 3 آلاف محتجز.

300 مهاجر من جنسيات مختلفة في طريقهم إلى الحدود المكسيكية - الأميركية 6 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)

وتستهدف هذه الإجراءات تجاوز العقبات المرتبطة بترحيل المهاجرين إلى بلدانهم الأصلية، خصوصاً في أميركا اللاتينية، مثل السلفادور، والمكسيك، وفنزويلا وكوستاريكا.

وأثار قرار ترحيل مهاجرين إلى دول غير بلدانهم الأم جدلاً واسعاً، ولا سيما مع إدراج دول أفريقية على القائمة، مثل جنوب السودان، ومملكة إسواتيني، ورواندا وأوغندا.

كما استخدمت الإدارة طائرات عسكرية في بعض عمليات الترحيل، من بينها رحلة أعادت 100 مهاجر هندي مكبّلي الأيدي إلى بلادهم. وكادت إحدى الحوادث أن تتسبب بأزمة دبلوماسية، عقب احتجاز مئات العمال من كوريا الجنوبية خلال مداهمة مصنع سيارات تابع لـ«هونداي» في ولاية جورجيا، وتكبيلهم بالأصفاد.

ومن الإجراءات الأخرى التي سعت الإدارة إلى فرضها، لكنها اصطدمت بالقضاء في بعض الحالات، ترحيل القُصّر من دون ذويهم، وكان مهاجرون من غواتيمالا في صدارة المستهدفين بهذه السياسة.

استهداف الهجرة القانونية

لم يقتصر نهج ترمب على الهجرة غير القانونية، بل شمل أيضاً فرض قيود واسعة على الهجرة القانونية من عشرات الدول حول العالم، بدرجات متفاوتة من الصرامة.

وأعلن متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية أن الإدارة ستعلّق إجراءات منح تأشيرات الهجرة لمقدمي الطلبات من 75 دولة، ابتداءً من 21 يناير 2026. ويشمل القرار دولاً في أميركا اللاتينية، مثل البرازيل، وكولومبيا وأوروغواي، ودول البلقان، منها البوسنة وألبانيا، إضافة إلى دول في جنوب آسيا، مثل باكستان وبنغلاديش. كما طاول القرار 13 دولة عربية، هي: الجزائر، ومصر، والعراق، والأردن، والكويت، ولبنان، وليبيا، والمغرب، والصومال، والسودان، وسوريا، وتونس واليمن.

ترمب خلال إلقاء قَسم اليمين في حفل تنصيبه 20 يناير 2025 (أ.ف.ب)

وجاء في برقية لوزارة الخارجية، نقلتها وكالة «رويترز»، أن الوزارة تجري «مراجعة شاملة» لجميع السياسات واللوائح لضمان «أعلى مستوى من الفحص والتدقيق» لطالبي التأشيرات، مشيرة إلى مؤشرات تفيد بأن مواطنين من هذه الدول سعوا للحصول على منافع عامة داخل الولايات المتحدة.

وأضافت البرقية أن هناك «خطراً كبيراً» من أن يصبح المتقدمون من هذه الدول «عبئاً عاماً» على الموارد المحلية والفيدرالية.

ولا تشمل هذه الخطوة تأشيرات الزيارة، في ظل استعداد الولايات المتحدة لاستضافة كأس العالم لكرة القدم 2026، ودورة الألعاب الأولمبية 2028.

وفي وقت سابق من ولاية ترمب الثانية، فرضت الإدارة تعديلات على نظام تأشيرات الصحافيين والطلاب، حُددت بموجبها مدة الإقامة بأربع سنوات فقط؛ ما انعكس مباشرة على الجامعات الأميركية، التي شهدت تراجعاً في نسب الالتحاق الدولي بنحو 40 في المائة خلال فصل الخريف الماضي.

وترى أسترلاين أن ترمب أخلّ بوعوده الانتخابية في هذا المجال، موضحة: «قال الرئيس ترمب خلال الحملة إنه سيمنح كل طالب دولي يتخرج في جامعة أميركية بطاقة خضراء، إلا أن سياساته بعد توليه المنصب جعلت وصول الطلاب الدوليين إلى الولايات المتحدة أكثر صعوبة».

الناشط محمود خليل خريج جامعة كولومبيا يتحدث بعد إطلاق سراحه من مركز احتجاز الهجرة الفيدرالي في يونيو 2025 (أ.ب)

كما سعت الإدارة إلى سحب البطاقات الخضراء من طلاب شاركوا في احتجاجات جامعية على خلفية حرب غزة، من بينهم الطالب محمود خليل، الذي حاولت الإدارة ترحيله قبل أن يصدر القضاء حكماً لصالحه. غير أن قاضياً آخر أمر لاحقاً بترحيله إلى سوريا أو الجزائر بسبب «معلومات ناقصة أو مضللة» في طلبه، ولا تزال قضيته عالقة أمام محاكم الاستئناف.

وفي مقابل هذه الإجراءات، طرح ترمب فكرة أثارت جدلاً واسعاً، هي «البطاقة الذهبية»، التي يبلغ ثمنها خمسة ملايين دولار، ورأى بعضهم فيها محاولة للتخفيف من التداعيات الاقتصادية لسياسات الترحيل.

التأثير الاقتصادي

رغم تنفيذ ترمب وعوده الانتخابية في ملف الهجرة، برزت تداعيات اقتصادية واضحة، لا سيما في قطاع الزراعة.

وخلص تقرير حديث صادر عن معهد «بروكينغز» إلى أن الولايات المتحدة شهدت في عام 2025 تراجعاً غير مسبوق في صافي الهجرة؛ نتيجة تشديد السياسات وارتفاع وتيرة الترحيل والمغادرة الطوعية، مع توقّع استمرار هذا الاتجاه في 2026.

ويقدّر التقرير أن صافي الهجرة في عام 2025 كان سلبياً، ليتراوح حجم العجز بين 10 آلاف و295 ألف شخص؛ ما انعكس مباشرة على الاقتصاد عبر إبطاء نمو القوى العاملة والوظائف.

ورصد المعهد انخفاض معدّل النمو الشهري المستدام للوظائف إلى ما بين 20 و50 ألف وظيفة في النصف الثاني من عام 2025، مع احتمال تحوّله سلبياً في 2026.

كما حذّر التقرير من آثار اقتصادية أوسع، تشمل تراجع الإنفاق الاستهلاكي بما بين 60 و110 مليارات دولار خلال عامي 2025 و2026، وتباطؤ نمو الناتج المحلي الإجمالي بنحو 0.2 إلى 0.3 نقطة مئوية.

ويُعدّ القطاع الزراعي الأكثر تضرراً؛ إذ أظهرت دراسة لجامعة «كورنيل» أن عمليات الترحيل في مدينة أوكسنارد بولاية كاليفورنيا أدت إلى انخفاض العمالة الزراعية بنسبة تراوحت بين 20 و40 في المائة؛ ما تسبب بخسائر في المحاصيل تتراوح بين 3 و7 مليارات دولار، وارتفاع أسعار المنتجات الزراعية بنسبة 5 إلى 12 في المائة.

قانون التمرد

إلى جانب التداعيات الاقتصادية، أدى الانتشار المكثف لعناصر «آيس» في المدن الأميركية، بتوجيه من الإدارة الفيدرالية، إلى اندلاع مواجهات عنيفة مع محتجين. وبلغت هذه التوترات ذروتها في مدينة مينيابوليس، عقب مقتل الأميركية رينيه نيكول غود برصاص أحد عناصر الوكالة، في حادثة هزّت الرأي العام وأعادت تسليط الضوء على عمق الانقسام السياسي وأزمة الثقة بين المواطنين وأجهزة إنفاذ القانون.

جانب من الاشتباكات بين متظاهرين وعناصر فيدراليين في مينيابوليس بولاية مينيسوتا 8 يناير (أ.ف.ب)

وشهدت ولاية مينيسوتا مواجهات متواصلة، دفعت الرئيس الأميركي إلى التلويح باللجوء إلى «قانون التمرد» عشية الذكرى الأولى لتنصيبه رئيساً سابعاً وأربعين.

وتزامن ذلك مع انتشار كثيف لعناصر «آيس» الملثمين في أنحاء الولاية، فيما وُصف بأنه أكبر عملية من نوعها، استهدفت خصوصاً الجالية الصومالية، في ظل خلاف علني بين ترمب والنائبة إلهان عمر، إلى جانب مزاعم فساد طالت حاكم الولاية الديمقراطي تيم والز، الذي كان قد أعلن عدم ترشحه لولاية ثالثة.

وبينما لا يزال أمام الرئيس الأميركي ثلاثة أعوام قبل نهاية ولايته، يبقى السؤال مطروحاً: هل سيواصل سياساته المتشددة في ملف الهجرة، أم ستدفعه تداعياتها الاقتصادية إلى إعادة النظر فيها؟ حتى الآن، يبدو أن الإجابة تكمن في استراتيجيته الجديدة للأمن القومي، التي جعلت من ضبط الحدود وتقليص الهجرة غير القانونية ركناً أساسياً من أركان حماية الأمن الأميركي.


تقرير: الصين تقدِّم نفسها كقائدة يحتاج العالم لها بينما يزرع ترمب الانقسامات بين الحلفاء

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الرئيس الصيني شي جينبينغ خلال قمة زعماء مجموعة العشرين في أوساكا باليابان يوم 29 يونيو 2019 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الرئيس الصيني شي جينبينغ خلال قمة زعماء مجموعة العشرين في أوساكا باليابان يوم 29 يونيو 2019 (رويترز)
TT

تقرير: الصين تقدِّم نفسها كقائدة يحتاج العالم لها بينما يزرع ترمب الانقسامات بين الحلفاء

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الرئيس الصيني شي جينبينغ خلال قمة زعماء مجموعة العشرين في أوساكا باليابان يوم 29 يونيو 2019 (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع الرئيس الصيني شي جينبينغ خلال قمة زعماء مجموعة العشرين في أوساكا باليابان يوم 29 يونيو 2019 (رويترز)

قارنت شبكة «سي إن إن» الأميركية بين موقف الرئيس الأميركي دونالد ترمب وموقف نظيره الصيني شي جينبينغ تجاه العالم، وقالت إنه بينما يزرع ترمب الانقسامات، تقول الصين إنها القائدة الهادئة والموثوقة التي يحتاج العالم إليها.

وأضافت أن الرئيس الأميركي مهَّد لوصوله إلى دافوس بزرع الخلافات مع الحلفاء، من خلال تصعيد التهديدات بالسيطرة على غرينلاند، والتعهد بفرض رسوم جمركية على معارضي هذه الخطوة، وتسريب رسائل خاصة من قادة أوروبيين، وفي المقابل انتهزت بكين الفرصة لتضع نفسها كبديل للقيادة العالمية.

وذكرت أن بعد ساعات من هجوم ترمب اللاذع، صعد نائب رئيس الوزراء الصيني هي ليفنغ إلى المنصة، في الاجتماع السنوي في جبال الألب، ليؤكد أن بكين «عملت باستمرار على رؤية مجتمع ذي مستقبل مشترك، وظلت ثابتة في دعم التعددية التجارية والتجارة الحرة».

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصافح نظيره الصيني شي جينبينغ قبل اجتماعهما في بوسان بكوريا الجنوبية الشهر الماضي (د.ب.أ)

وقال: «نحن ندعم التوافق والتضامن والتعاون بدلاً من الانقسام والمواجهة، ونقدم حلول الصين للمشكلات المشتركة في العالم».

وحسب الشبكة، تؤكد هذه التصريحات التي جاءت في الوقت الذي كان فيه القادة يستعدون لوصول ترمب، استراتيجية الصين لعرض نفسها كقوة موازنة هادئة وعقلانية وموثوقة، في مواجهة الصدمة والرهبة التي تثيرها السياسة الخارجية لإدارة ترمب.

وذكرت أن الزعيم الصيني شي جينبينغ دعا سنوات إلى إعادة تشكيل نظام عالمي يراه خاضعاً بشكل غير عادل لهيمنة الولايات المتحدة وحلفائها، ويقدم بشكل متزايد رؤيته الخاصة كبديل، حتى مع تحذيرات جيران بكين من عدوانية البلاد الإقليمية، والآن، المنطق السائد في دوائر السياسة في بكين بسيط: لا تحتاج الصين إلى بذل جهود إضافية لتحقيق مكاسب في ميزان القوى العالمي؛ بل يكفيها أن تواصل مسارها بينما تفقد الولايات المتحدة حلفاءها ومصداقيتها من تلقاء نفسها، ويبدو أن هذه الاستراتيجية بدأت تؤتي ثمارها بالفعل.

ووفقاً للشبكة، فإن إثارة ترمب لحفيظة حلفاء الولايات المتحدة -برفضه استبعاد السيطرة على إقليم دنماركي بالقوة- يدفع نحو تهديد لنظام التحالفات الأميركية، وحلف «الناتو» على وجه الخصوص، وهو ما لم يكن بإمكان بكين سوى أن تحلم بتحقيقه.

مكسب الصين

ولرؤية ذلك، يمكن الاستماع لخطاب رئيس الوزراء الكندي مارك كارني في دافوس، الذي وصف -في اعتراف صريح ومثير للدهشة من أحد أقرب حلفاء الولايات المتحدة- «الهيمنة الأميركية» بأنها جزء من «نظام دولي قائم على القواعد الوهمية».

وقال كارني في إشارة واضحة -جزئياً على الأقل- إلى الولايات المتحدة: «كنا نعلم أن قصة النظام الدولي القائم على القواعد كانت خاطئة جزئياً، وأن الأقوى سيعفون أنفسهم عندما يناسبهم ذلك، وأن قواعد التجارة تُطبق بشكل غير متكافئ».

ولم يتم تصنيف رسالة كارني على أنها تأييد للصين، فقد بدأ الزعيم الكندي بالإشارة إلى انتقاد استبداد الاتحاد السوفياتي؛ لكن الخطاب -الذي يأتي بعد عام من تفكير ترمب علناً في تحويل كندا إلى الولاية الحادية والخمسين للولايات المتحدة- يتداخل بشكل كافٍ مع نهج بكين الخاص ليُسجل نقطة لصالح الصين.

وتبع ذلك تدشين كارني -خلال رحلة لترميم العلاقات إلى بكين الأسبوع الماضي- حقبة جديدة من التعاون مع الصين؛ حيث أطلق «شراكة استراتيجية»، وخفف الرسوم الجمركية الكندية الصارمة على السيارات الكهربائية الصينية التي فرضتها بالتزامن مع الولايات المتحدة، كما قال إن هذه الشراكة ستُهيئ البلاد جيداً لـ«النظام العالمي الجديد»، وهي عبارة بدت متوافقة مرة أخرى مع وجهة نظر الصين بأن التغيير العالمي وشيك.

وكذلك أشار شركاء آخرون مقربون من الولايات المتحدة إلى اهتمامهم بالتقرب من الصين، أو إصلاح العلاقات معها في ظل تحوطهم ضد الولايات المتحدة.

ودعا رئيس الوزراء البريطاني، كير ستارمر، إلى مزيد من التواصل مع بكين، ووافقت حكومته يوم الثلاثاء على بناء سفارة صينية «ضخمة» مثيرة للجدل، بالقرب من الحي المالي في لندن.

وقالت الشبكة إن بعض هذه المناورات الدبلوماسية قد تكون مدفوعة بسياسة واقعية؛ حيث يمهِّد التهديد الأميركي لحلف «الناتو»، وإقامة الحواجز حول السوق الأميركية، لقطع العلاقات القديمة وتشكيل علاقات جديدة. ويأتي ذلك على الرغم من المخاوف الغربية بشأن طموحات بكين، بما في ذلك ما يتعلق بجزيرة تايوان المتمتعة بالحكم الذاتي.

ولكن في بكين، يُنظر إلى هذا الوضع على أنه فرصة سانحة للصين لتحقيق مكاسب؛ حيث لا يقتصر الأمر على إحداث شرخ بين الولايات المتحدة وأوروبا فحسب؛ بل يشمل أيضاً الضغط من أجل تأكيد مطالباتها الإقليمية والحفاظ على مكانتها في الاقتصاد العالمي.

وتُراقب دول العالم من كثب فائض الصين التجاري العالمي السنوي القياسي البالغ 1.2 تريليون دولار، وهو اختلال في التوازن يقول المحللون إنه يهدد الصناعات المحلية في كل مكان، بما في ذلك أوروبا.

وبينما أشار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى هذا التهديد في خطابه في دافوس، فإن تركيز القادة الأوروبيين في هذا التجمع انصب بشكل واضح على اضطراب حلف «الناتو» الذي أحدثه ترمب، مما قلل من فرص حشد الدعم والتضامن على الصعيد الاقتصادي.

الرئيس الصيني شي جينبينغ يلوِّح بيده بعد خطابه بقاعة الشعب الكبرى في بكين يوم 23 أكتوبر 2022 (رويترز)

ومن جانبه، استغل نائب رئيس الوزراء الصيني هذه الفرصة لعرض الشراكة الاقتصادية الصينية على نظرائه، مؤكداً موقف بكين بأنها «لا تسعى أبداً إلى تحقيق فائض تجاري»؛ بل تقع ضحية للحواجز التجارية المفروضة لأسباب أمنية.

وقال في كلمته: «الصين شريك تجاري، وليست منافساً للدول الأخرى. إن تنمية الصين تمثل فرصة، وليست تهديداً للاقتصاد العالمي».

ووفقاً للإعلام الصيني، فقد لاقت هذه الرسالة ترحيباً في دافوس. وذكر أحد عناوين وسائل الإعلام الحكومية الصينية، أن «موقف هي الحازم» قوبل «بتصفيق صادق وحماسي» في دافوس.