رئيس وزراء الصومال: نأمل في رفع الحظر عن تسليح الجيش لاستعادة الاستقرار

حمزة بري أكد لـ«الشرق الأوسط» ضرورة القضاء على أزمة الديون لإنقاذ وطنه من المجاعة والجفاف

رئيس الحكومة الصومالية خلال حضوره حفل تخريج دفعة من القوات الخاصة بالجيش في قاعدة عسكرية (الشرق الأوسط)
رئيس الحكومة الصومالية خلال حضوره حفل تخريج دفعة من القوات الخاصة بالجيش في قاعدة عسكرية (الشرق الأوسط)
TT

رئيس وزراء الصومال: نأمل في رفع الحظر عن تسليح الجيش لاستعادة الاستقرار

رئيس الحكومة الصومالية خلال حضوره حفل تخريج دفعة من القوات الخاصة بالجيش في قاعدة عسكرية (الشرق الأوسط)
رئيس الحكومة الصومالية خلال حضوره حفل تخريج دفعة من القوات الخاصة بالجيش في قاعدة عسكرية (الشرق الأوسط)

(حوار سياسي)
بين مواجهة «إرهاب» غاشم، وجفاف قاحل، وإسقاط ديون متراكمة، تتمحور مشاغل رئيس وزراء الصومال حمزة بري، الذي قال إن حكومته تسعى إلى إنهاء أزمتي الديون و«الإرهاب» بحلول نهاية العام الحالي، معولاً في ذلك على الدعم العربي والدولي لإنقاذ أبناء وطنه من مخاطر المجاعة والجفاف.
«الشرق الأوسط» التقت المسؤول الصومالي الكبير بالقاهرة في طريق عودته من الأراضي المقدسة، بعد أداء مناسك العمرة، للحديث عن تحديات يواجهها الصومال حاضراً، وآمال كبيرة يتطلع إليها مستقبلاً... وإلى نص الحوار.
> ما الموقف ميدانياً على الأرض بشأن مواجهتكم مع «حركة الشباب»؟
- حققنا نجاحاً كبيراً حتى الآن في حربنا ضد هذه الجماعة الإرهابية؛ حيث عملت الحكومة من خلال ثلاثة محاور: الأول يتمثل في المواجهة العسكرية، وقد تم تحرير 80 في المائة من الأراضي الصومالية، فيما يواصل الجيش تكثيف عملياته بمساندة شعبية ضد الحركة لتحرير النسبة الضئيلة المتبقية، في إطار سعيه لتحرير كامل الأراضي الصومالية بنهاية عام 2023. أما المحور الثاني المتعلق بالمواجهة الاقتصادية، فتضمن قرارات حكومية للسيطرة على الجماعة الإرهابية عبر إغلاق نحو 300 حساب مصرفي، و250 خط هاتف، وتجميد عدد من الحسابات البنكية والأرصدة المالية التابعة للحركة، كما نجحت الحكومة في التواصل مع رجال الأعمال الصوماليين لوقف دعمهم لتلك الحركة الإرهابية، وأصبحوا يتعاونون مع الحكومة، وبالتالي تم توجيه ضربة اقتصادية قوية للحركة.
أما المحور الثالث فيتضمن المواجهة الفكرية، إذ استعانت الحكومة بعلماء الصومال لتجديد الخطاب الديني، وتوضيح حقيقة تلك الجماعة الإرهابية، وأنها لا تمت للإسلام بصلة.
> لكن كيف تضمنون عدم تدفق الأموال مرة أخرى للإرهابيين في بلادكم؟
- بالتأكيد نجدد التزام الصومال بمكافحة «الإرهاب»، وإعادة الأمن الاستقرار للبلاد، ونعمل في الحكومة على تجفيف مصادر تمويل الإرهاب، عبر مراجعة السياسات المالية، بما في ذلك إنشاء وكالات حكومية تراقب التدفق المالي لاكتشاف حركة الأموال، وطريقة تهريبها لصالح «حركة الشبابـ» المتطرفة، كما نسعى لإعداد قوانين تسهم في ضبط المتورطين في عملية تهريب الأموال.
> ما المتغيرات التي دفعت الحكومة الصومالية لحشد الجهود مؤخراً بشكل أكبر لإعلان الحرب ضد «الشباب» على هذا النحو؟
- هناك أسباب مختلفة، منها أن «حركة الشباب الإرهابية» كانت تمنع وصول المساعدات الإنسانية إلى الفقراء والنازحين من الشعب الصومالي، فضلاً عن تنفيذ عمليات قتل جماعي للمواطنين العزل. بالإضافة إلى توسعة نشاطها لتهديد دول الجوار الصومالي، كما عرقلت الحركة ورفضت بشكل قاطع خطط تنمية الصومال وعمليات الإعمار. ولذلك، كان لا بد من شن حرب شاملة على هذه الحركة، نظرا للتهديد الكبير الذي تمثله على أمان واستقرار الصومال، ولكونها أقوى جماعة تابعة لـ«القاعدة» في شرق أفريقيا.
> في تقديركم هل تتلقى «الشباب» دعماً مالياً أو عسكرياً من الخارج؟
- هناك بالتأكيد «حركة الإرهاب الدولية» التي لا تخفى على أحد بزعامة تنظيمي «القاعدة» و«داعش» الإرهابيين، والحركة جزء لا يتجزأ من تلك المنظومة، والجميع يعلم أن هناك أطرافاً خفية تدعم هذه الحركة لتحقيق أهدافها بزعزعة أمن واستقرار الصومال، والاستيلاء على ثرواته. لكننا نقف الآن يداً واحدة في مواجهة هذا الإرهاب الغاشم، وصولا إلى إعادة بناء الدولة الصومالية، وتحرير أراضيها كافة من الإرهاب.
> كيف ترون استمرار الحظر المفروض دوليا على تسليح الجيش الصومالي في ظل حربه على الإرهاب؟
- نعتقد أنها مسألة غريبة، لذا طلبنا وما زلنا نطالب برفع الحظر لمواجهة هذا الإرهاب البشع، ونؤيد دعوة الرئيس الصومالي للأمم المتحدة بدعم جهودنا للقضاء على الإرهاب، ورفع حظر السلاح عن الصومال. كما طلبت الحكومة الصومالية من الاتحاد الأفريقي مساعدته في رفع الحظر، الذي يُعد عقبة أمام تسلم القوات الوطنية المسؤولية الأمنية، حتى يتمكن الصومال من استعادة استقراره.
> في خضم مواجهتكم لـ«حركة الشباب» ينتقد البعض مشاركة القبائل في الحرب؟
- «الحرب ضد الإرهاب» حرب لكل أطياف الشعب الصومالي بهدف استعادة وتحرير المناطق، التي كانت تحت سيطرة الحركة الإرهابية... والرئيس الصومالي شيخ محمود لديه خطة واضحة للمواجهة، تقوم على عدة أسس، منها التواصل مع زعماء العشائر الصومالية التي تشكل عاملاً مهماً في مواجهة حركة الشباب، وخلال الفترة الماضية شهدت العلاقات تحسناً كبيراً بين الحكومة والعشائر.
> ما تصوركم المستقبلي لدور المشاركين في الحرب ضد «الشباب»؟
- الصومال كله يدعم جهود الحكومة، وسينتهي دور القبائل بدعم جهود الحكومة وفتح أحزاب سياسية مستقلة، كما أن الحكومة ستعيد ضمن برنامجها تأهيل الشباب الذين غررت بهم الحركة الإرهابية، ودمجهم في القوات المسلحة الصومالية، وتوفير فرص ملائمة لهم، إلى جانب توفير الخدمات الأساسية كافة في كل المناطق المحررة.
> ما الذي يحتاج إليه الصومال حاليا للقضاء على الجماعات الإرهابية وإعادة بناء الدولة؟
- نحرص على إتمام ملفات مهمة خلال عام 2023. تتمثل في تحرير البلاد من الإرهابيين، واستكمال الدستور المؤقت، وتحقيق المصالحة الوطنية، وتقديم الخدمات الاجتماعية، واستكمال عملية الإعفاء من الديون. بالإضافة إلى انضمام الصومال للسوق التجارية لمجموعة شرق أفريقيا. كما تكثف الحكومة جهودها من خلال العمل على ثلاث ركائز أساسية؛ الأولى تحرير الأرض عبر مكافحة الإرهاب، والثانية إنهاء الديون المتراكمة على الصومال في سبتمبر (أيلول) المقبل، والثالثة إتمام دستور الصومال بنهاية العام الحالي، وهناك تقدم كبير تم إحرازه بشأن إعادة صياغة الدستور الانتقالي وإتمامه.
> وأين وصلت مشكلة ديون الصومال؟
- قطعنا شوطاً كبيراً في طريق إسقاطها، ونحن إذ نثمن الدعم العربي الكبير الذي تقدمه الدول الشقيقة والصديقة للصومال في حربه على الإرهاب، وإعادة بناء الدولة، فإننا ندعو الدول العربية للمساهمة في الإعفاء من الديون الخارجية الصومالية المستحقة للدول وللصناديق العربية، وذلك انطلاقاً من المسؤولية العربية الجماعية لدعم الاستقرار والتنمية والجهود الصومالية، الرامية لإعادة بناء الدولة، ويمكنني القول إنه بنهاية عام 2023 ستنتهي مشكلة الديون المتراكمة على الصومال.
> إذا تحدثنا عن التحدي الداخلي لمنظومة الحكم في الصومال... فكيف ترى العلاقة بين رئيس الحكومة ورئيس البلاد بعد فترة من التوتر خلال سنوات سابقة؟
- لقد انتهى عهد الخلافات في الصومال، والآن نبدأ عهداً جديداً عنوانه التكاتف والتلاحم بين كل أجهزة الدولة للقضاء على الإرهاب، وإعادة بناء مؤسسات الدولة وإعمار ما دمرته الحرب.
> وأين وصلت جهودكم لتحقيق «المصالحة الوطنية»؟
- تجري على قدم وساق، وهناك حرص كبير لدى الرئيس والحكومة على تحقيق المصالحة، بما في ذلك تعيين مبعوث رئاسي خاص لشؤون تحقيق الاستقرار وحماية المدنيين في مناطق الحرب، لتلافي معاناة الشعب الصومالي خلال الحروب، والعمل على تحقيق الأمن والاستقرار لإيصال الخدمات الاجتماعية للمناطق المحررة من قبضة الإرهاب.
> وكيف تصف العلاقة بالحكومات المحلية؟
هي علاقة جيدة في إطار النظام الفيدرالي الحاكم في الصومال، وهناك تنسيق على هدف واحد هو القضاء على الإرهاب، وتحقيق التنمية الشاملة في ربوع الصومال كافة، وأعتقد أن تحسين العلاقات بين الحكومة الفيدرالية وحكام الولايات الصومالية سيعزز عملية مكافحة الإرهاب، والتعاون بين مقديشو والولايات الصومالية في التبادل الأمني والاستخباراتي، بما ينعكس على دعم خطة الرئيس الصومالي في مواجهة الإرهاب.
> ما مشكلات الصومال الملحة الآن؟
- إلى جانب مكافحة الإرهاب، لا نزال نواجه أزمة إنسانية طاحنة في الصومال جراء تفاقم مشكلة الجفاف التي تشهدها البلاد، والتي تعد الأسوأ منذ أربعين عاما، ونناشد الأشقاء في الدول العربية سرعة تقديم المساعدات الإنسانية العاجلة لإغاثة نحو 7.8 مليون صومالي من شبح المجاعة، بعد نفوق المواشي وتلف المحاصيل الزراعية، ونزوح مليون شخص من المناطق الريفية إلى مخيمات اللاجئين والمدن الكبيرة، بحثاً عن الاحتياجات الإنسانية بعد أن فقدوا سبل عيشهم، وقدرتهم على تلبية احتياجاتهم الغذائية اليومية. قد تكون التكلفة كارثية إذا استمر الوضع على ما هو عليه، فما يقرب من نصف سكان الصومال، بمن فيهم الأطفال والنساء، معرضون للخطر جراء تفاقم الوضع الإنساني بعد أن ضرب الجفاف جميع أنحاء البلاد. ومن المتوقع ارتفاع عدد الأشخاص الذين يواجهون نقصاً حاداً في الأمن الغذائي، إذا لم يتم اتخاذ إجراءات عاجلة ومساعدات إنسانية لدعم المتضررين، والحيلولة دون تكرار الأزمة التي شهدتها الصومال سابقا.


مقالات ذات صلة

الجيش الصومالي يعلن مقتل 60 عنصراً من «الشباب» في عملية عسكرية

العالم العربي الجيش الصومالي يعلن مقتل 60 عنصراً من «الشباب» في عملية عسكرية

الجيش الصومالي يعلن مقتل 60 عنصراً من «الشباب» في عملية عسكرية

أعلن الجيش الصومالي نجاح قواته في «تصفية 60 من عناصر حركة (الشباب) المتطرفة»، في عملية عسكرية مخططة، جرت صباح الثلاثاء، بمنطقة علي قبوبي، على مسافة 30 كيلومتراً جنوب منطقة حررطيري في محافظة مذغ وسط البلاد. وأكد محمد كلمي رئيس المنطقة، وفقاً لوكالة الأنباء الصومالية، أن «الجيش نفذ هذه العملية بعد تلقيه معلومات عن سيارة تحمل عناصر من (ميليشيات الخوارج) (التسمية المتعارف عليها حكومياً لحركة الشباب المرتبطة بالقاعدة) وأسلحة»، مشيراً إلى أنها أسفرت عن «مقتل 60 من العناصر الإرهابية والاستيلاء على الأسلحة التي كانت بحوزتهم وسيارتين عسكريتين». ويشن الجيش الصومالي عمليات عسكرية ضد «الشباب» بدعم من مقات

خالد محمود (القاهرة)
العالم رئيس وزراء الصومال لـ«الشرق الأوسط»: نأمل في رفع الحظر عن تسليح الجيش

رئيس وزراء الصومال لـ«الشرق الأوسط»: نأمل في رفع الحظر عن تسليح الجيش

رئيس وزراء الصومال لـ«الشرق الأوسط»: نأمل في رفع الحظر عن تسليح الجيش لاستعادة الاستقرار حمزة بري أكد ضرورة القضاء على أزمة الديون لإنقاذ وطنه من المجاعة والجفاف بين مواجهة «إرهاب» غاشم، وجفاف قاحل، وإسقاط ديون متراكمة، تتمحور مشاغل رئيس وزراء الصومال حمزة بري، الذي قال إن حكومته تسعى إلى إنهاء أزمتي الديون و«الإرهاب» بحلول نهاية العام الحالي، معولاً في ذلك على الدعم العربي والدولي لإنقاذ أبناء وطنه من مخاطر المجاعة والجفاف. «الشرق الأوسط» التقت المسؤول الصومالي الكبير بالقاهرة في طريق عودته من الأراضي المقدسة، بعد أداء مناسك العمرة، للحديث عن تحديات يواجهها الصومال حاضراً، وآمال كبيرة يتطلع إ

خالد محمود (القاهرة)
العالم العربي واشنطن: مجلس النواب يرفض مشروعاً لسحب القوات الأميركية من الصومال

واشنطن: مجلس النواب يرفض مشروعاً لسحب القوات الأميركية من الصومال

رفض مجلس النواب الأميركي مشروع قانون، قدمه أحد النواب اليمينيين المتشددين، يدعو الرئيس جو بايدن إلى سحب جميع القوات الأميركية من الصومال في غضون عام واحد. ورغم هيمنة الجمهوريين على المجلس، فإن المشروع الذي تقدم به النائب مات غايتس، الذي لعب دوراً كبيراً في فرض شروط الكتلة اليمينية المتشددة، قبل الموافقة على انتخاب كيفن مكارثي رئيساً للمجلس، رفضه غالبية 321 نائباً، مقابل موافقة 102 عليه. وعلى الرغم من أن عدد القوات الأميركية التي تنتشر في الصومال، قد تراجع كثيراً، عما كان عليه في فترات سابقة، خصوصاً منذ عام 2014، فإن البنتاغون لا يزال يحتفظ بوجود مهم، في الصومال وفي قواعد قريبة.

إيلي يوسف (واشنطن)
العالم العربي الصومال يستعد لرحيل «قوات أتميس» الأفريقية

الصومال يستعد لرحيل «قوات أتميس» الأفريقية

عقدت الدول المشاركة في بعثة قوات الاتحاد الأفريقي العاملة في الصومال (أتميس)، اجتماعاً (الثلاثاء)، بالعاصمة الأوغندية كمبالا، لبحث «سبل تعزيز العمليات العسكرية الرامية إلى القضاء على (حركة الشباب) المتطرفة». ويأتي الاجتماع تمهيداً للقمة التي ستعقد في أوغندا خلال الأيام المقبلة بمشاركة رؤساء الدول المنضوية تحت بعثة «أتميس»، وهي (جيبوتي، وأوغندا، وبوروندي، وكينيا، وإثيوبيا)، وفقاً لوكالة الأنباء الصومالية الرسمية. وناقش الاجتماع «سبل مشاركة قوات الاتحاد الأفريقي في العمليات العسكرية الجارية للقضاء على فلول (حركة الشباب)، كما تم الاستماع إلى تقرير من الدول الأعضاء حول ذلك»، مشيدين بـ«سير العمليات

خالد محمود (القاهرة)
العالم العربي مقتل ضابط صومالي في مواجهات بين الجيش و«الشباب»

مقتل ضابط صومالي في مواجهات بين الجيش و«الشباب»

أعلنت السلطات الصومالية، مقتل ضابط في الجيش، قضى نحبه في مواجهات عسكرية جرت أخيراً ضد حركة «الشباب» المتطرفة المرتبطة بتنظيم «القاعدة». وطبقاً لوكالة الأنباء الصومالية الرسمية، «شارك وزير الدفاع الصومالي عبد القادر نور، الاثنين، في صلاة الجنازة التي أُقيمت بمقر وزارة الدفاع على جثمان المرحوم الملازم أول عبد العزيز محمد محمود نائب قائد العمليات للجيش الصومالي، بحضور نائب قائد الجيش اللواء عباس أمين، وضباط آخرين». ونعت الوكالة عبد العزيز، مشيرة إلى أنه كان من الضباط الأكثر نشاطاً في صفوف الجيش وتلقى تدريبات مختلفة في الخارج، ولعب ما وصفته بـ«دور كبير في العمليات العسكرية الجارية في البلاد للقضاء

خالد محمود (القاهرة)

ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
TT

ازدياد أعداد السودانيين المغادرين من مصر رغم تراجع مبادرات «العودة المجانية»

«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)
«محطة رمسيس» وسط القاهرة تكتظ بالعائدين إلى السودان عبر مبادرة «العودة الطوعية» (مجلس الوزراء المصري)

قبل أيام من عيد الفطر، استقلَّ السوداني محمد السيد (33 عاماً) حافلةً من حي فيصل، بمحافظة الجيزة المصرية، إلى مدينة أسوان جنوب البلاد، حيث المنفذ البري الرابط بين البلدين، بعد 10 أشهر فقط قضاها في مصر، بينما عائلته في منطقة الجزيرة بالسودان، مرجعاً قرار العودة السريع، دون استكمال علاجه الذي جاء من أجله، إلى «حملات الترحيل المصرية لمخالفي الإقامة».

وتشهد رحلات العودة الطوعية زيادةً لافتةً في الأسبوعين الماضيين، رغم تراجع رحلات العودة المجانية، وفق ما أكدته مصادر سودانية لـ«الشرق الأوسط»؛ وذلك بسبب الحملات الأمنية لترحيل السودانيين ممَّن ليست لديهم إقامات سارية، «ما جعل كثيراً من الأسر تفضِّل الإنفاق على العودة، بدلاً من تحمل تكلفة البقاء في مصر، ودفع إيجار شقة بمبلغ كبير لشهر آخر، مع مواجهة خطر الترحيل»، حسب أمين عام الجالية السودانية في مدينة العاشر من رمضان، شرق القاهرة، إبراهيم عز الدين.

تكدس العائدين في «معبر أرقين» خلال أزمة الضرائب (حملة راجعين لي بلد الطيبين)

وتسبَّبت الحرب بالسودان في فرار الملايين داخل البلاد وخارجها، بينهم نحو 1.5 مليون دخلوا مصر، حسب إحصاءات رسمية. لكن منذ مطلع 2024 وحتى نهاية 2025، غادر عبر المنافذ البرية أكثر من 428 ألف سوداني، وفق تقديرات سودانية رسمية.

وقال عز الدين لـ«الشرق الأوسط»، إن «أعداد الأسر التي رحلت بعد عيد الفطر، أضعاف من كانت تغادر قبله... وبعد انتهاء امتحانات الشهادة السودانية في مايو (أيار) المقبل، ستتضاعف الأعداد أكثر وأكثر».

الأمر نفسه أكده مؤسِّس حملة «راجعين لي بلد الطيبين»، محمد سليمان، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن لدى الحملة قوائم طويلة مُسجَّلة سيتم تفويجها تباعاً للعودة، لافتاً، إلى «أنَّ الأعداد شهدت زيادةً كبيرةً منذ عيد الفطر وحتى الآن، وأنَّ الرحلات تسير بسلاسة بعدما تداركت السلطات السودانية أزمةً كادت تؤثر على حركة العودة قبل أيام في ميناء أرقين البري».

وكان ميناء أرقين البري، شهد يوم الجمعة الماضي تكدساً للعائدين، بعدما أعلن سائقو الحافلات الإضراب؛ اعتراضاً على زيادة الضرائب المفروضة على حافلاتهم. وافترش العائدون من النساء والأطفال الأرض إلى جانب حقائبهم الكثيرة... وبعد ساعات من الأزمة، قرَّر رئيس الوزراء السوداني، كامل إدريس، رفع الضرائب، واستأنف السائقون رحلاتهم إلى الداخل السوداني.

وعلق سليمان: «لو لم تحل الأزمة سريعاً لأثَّر ذلك على أعداد الوافدين يومياً، بعدما شهدت أعدادهم زيادةً ملحوظةً».

والزيادة في أعداد العائدين، أكدها أيضاً مدير معبر أرقين، والمشرف على المعابر، العميد مبارك داؤود سليمان، قائلاً في تصريح صحافي: «إن المعبر يشهد زيادةً مستمرةً في أعداد العائدين عقب عطلة عيد الفطر؛ حيث يتراوح عدد القادمين يومياً ما بين 1500 و2000 مواطن، رغم أن الرحلات المنتظمة لمنظومة الصناعات الدفاعية لم تبدأ بعد».

سودانيون يبحثون عن أسمائهم في قائمة المسافرين ضمن إحدى رحلات قطارات العودة (مجلس الوزراء المصري)

وبعد انتظار لشهور، تفكر السودانية لمياء محمد (32 عاماً) في استبدال الحافلات المدفوعة، بالعودة الطوعية المجانية، في ظلِّ تأخر الأخيرة، وغموض مواعيد رحلاتها، رغم أنَّ تدبير المبلغ الذي تحتاج إليه العودة المدفوعة بعد زيادة أسعارها، ليس سهلاً.

وارتفت أسعار الرحلات نحو ألف جنيه مصري، حسب منسق حملة «راجعين لي بلد الطيبين» عبد الناصر جعفر، قائلاً لـ«الشرق الأوسط»، إن الرحلات أصبحت بـ3500 جنيه (الدولار نحو 53 جنيهاً) للفرد بعدما كانت بـ2500 جنيه، مرجعاً ذلك إلى زيادة أسعار المحروقات.

تقول لمياء لـ«الشرق الأوسط»، إنها سجَّلت في المرحلة السابقة لـ«العودة الطوعية المجانية» قبل غلق باب التسجيل في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، وظلَّت تنتظر اتصالاً يخبرها بموعد رحلتها، ولم يحدث ذلك، وبعد فتح باب التسجيل مجدداً، حاولت التسجيل، لكنها تفاجأت بالتعقيد في الأمر، سواء من حيث حجم البيانات المطلوبة، أو صعوبة تحميل الموقع.

وأسهمت رحلات العودة المجانية التي انطلقت في يوليو (تموز) من العام الماضي واستمرَّت حتى نهاية العام، في إعادة عشرات الآلاف من السودانيين، لكنها توقَّفت بداية العام في انتظار توفير تمويل لاستئنافها.

وقبل أسبوعين، فتحت الحملة باب التسجيل للراغبين في العودة مجاناً، دون إعلان موعد استئناف تفويج الرحلات، علماً بأن المرحلة الجديدة ستتضمن رحلات بحرية من أسوان إلى ميناء وادي حلفا السوداني.

ترغب لمياء، وعائلتها الكبيرة التي تتكوَّن من 9 أشخاص، في العودة خلال الشهر المقبل، وبحد أقصى قبل نهايته. وتقول: «نخشى حملات الترحيل، وفي الوقت نفسه لا نعلم متى ستستأنف رحلات العودة المجانية... سنحاول تدبير مبلغ العودة المدفوعة».

سيدتان سودانيتان تتجولان في شارع فيصل بمصر (الشرق الأوسط)

وبدأت قوات الأمن المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، حملات موسَّعة في مناطق تمركز الوافدين، وفي الطرق، لتدقيق الإقامات وتوقيف المخالفين وفق شهادات متنوعة.

وتستضيف مصر أكثر من 10 ملايين وافد، ما بين مهاجر ولاجئ وطالب لجوء، من 62 جنسية مختلفة، في مقدمتهم السودانيون والسوريون. ويكلّف ذلك الدولة أكثر من 10 مليارات دولار سنوياً، حسب تقديرات حكومية مصرية.

وقال مدير عام «هيئة وادي النيل البحرية»، العقيد محمد آدم محمد أبكر، لـ«الشرق الأوسط»، «إن العمل في ميناء وادي حلفا البديل، يجري على قدم وساق، وسيكون جاهزاً خلال أسبوعين»، متوقعاً أن تُستأنف رحلات العودة الطوعية منتصف أبريل (نيسان)، لكنه أشار في الوقت نفسه، إلى أنَّ ذلك، «ليس موعداً نهائياً».


«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
TT

«أسبيدس» تعزز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن

دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)
دعوات أوروبية لتشديد الحذر مع تصاعد التهديدات للملاحة في البحر الأحمر (إعلام محلي)

أعلنت المهمة البحرية الأوروبية (أسبيدس) تعزيز إجراءات الحماية في البحر الأحمر وخليج عدن، ودعت سفن الشحن إلى توخي أقصى درجات الحذر، تحسباً لأي هجمات محتملة.

وتشير تقارير دولية -من بينها ما صدر عن مجموعة الأزمات الدولية- إلى أن توقيت دخول الحوثيين في المواجهة بين إيران وأميركا وإسرائيل يحمل دلالات سياسية؛ إذ يسعى إلى تعزيز موقف إيران التفاوضي، عبر فتح جبهة إضافية تزيد الضغط على الولايات المتحدة وحلفائها.

كما توضح هذه التقارير أن امتناع الحوثيين حتى الآن عن استهداف السفن بشكل مباشر، قد يكون مرتبطاً برغبتهم في عدم خرق تفاهمات سابقة مع واشنطن بشأن الملاحة.

حسابات استراتيجية

وفي خضم التصعيد الإقليمي المتسارع، يبرز انخراط الجماعة الحوثية في الهجمات الموجهة نحو إسرائيل، بوصفه جزءاً من حسابات استراتيجية أوسع تتجاوز حدود المواجهة العسكرية المباشرة.

وتشير تقديرات مسؤولين يمنيين ومحللين إلى أن الهجمات الحوثية الأخيرة -رغم رمزيتها- لا تمثل سوى واجهة لتحركات أكثر خطورة تمنح طهران ورقة تفاوضية حساسة، في أي حوار مع الولايات المتحدة أو القوى الغربية.

وعلى الرغم من تبنِّي الحوثيين أولى هجماتهم بالصواريخ والطائرات المُسيَّرة باتجاه إسرائيل، فإن هذه العمليات تُوصف بأنها محدودة التأثير من الناحية العسكرية، وسبق أن جرى اختبار نمطها خلال الحرب في قطاع غزة.

الحوثيون استبقوا دخول الحرب إلى جانب إيران بمناورات ونقل أسلحة قرب سواحل البحر الأحمر (رويترز)

ويرى محللون أن الهدف منها ليس إحداث تحول ميداني؛ بل تأكيد الحضور ضمن ما يُعرف بمحور «المقاومة»، وإرسال رسائل سياسية محسوبة.

تحركات ميدانية

ويرى الباحث اليمني في شؤون الجماعة الحوثية عدنان الجبرني، أن التحرك الحوثي يرتبط بما يسميه «الضرورة العملياتية» التي تحددها غرفة عمليات مشتركة تضم أطرافاً من «الحرس الثوري» الإيراني وحلفائه في المنطقة.

الحوثيون خسروا سابقاً أبرز قادتهم العسكريين وفي مقدمهم رئيس أركانهم محمد الغماري (إعلام محلي)

ويصف الجبرني الهجمات الأخيرة بأنها «تمهيدية وتجريبية» تهدف إلى اختبار القدرات وتنسيق الهجمات المتزامنة، بما يسمح بإدخال الجماعة كطرف فاعل في أي تصعيد واسع. ويضيف أن الحوثيين يمثلون «خط الدفاع الأخير» لإيران؛ خصوصاً في حال توسعت الحرب أو تعرضت طهران لضغوط مباشرة.

وفي هذا السياق، سبقت الجماعة انخراطها الحالي بسلسلة من التحركات الميدانية، شملت نقل أسلحة إلى مناطق قريبة من الساحل الغربي، وتنفيذ مناورات بحرية، إضافة إلى تكثيف تدريبات وحدات الصواريخ والطائرات المُسيَّرة، ما يعكس استعداداً واضحاً لمرحلة تصعيد محتملة.


قلق شعبي يمني من ضربات انتقامية إسرائيلية

حوثيون يرفعون صور المرشد الأعلى علي خامنئي والعَلم الإيراني خلال مظاهرة في صنعاء (أ.ب)
حوثيون يرفعون صور المرشد الأعلى علي خامنئي والعَلم الإيراني خلال مظاهرة في صنعاء (أ.ب)
TT

قلق شعبي يمني من ضربات انتقامية إسرائيلية

حوثيون يرفعون صور المرشد الأعلى علي خامنئي والعَلم الإيراني خلال مظاهرة في صنعاء (أ.ب)
حوثيون يرفعون صور المرشد الأعلى علي خامنئي والعَلم الإيراني خلال مظاهرة في صنعاء (أ.ب)

يراقب الشارع اليمني انخراط الجماعة الحوثية في الحرب لدعم إيران عسكرياً في مواجهة أميركا وإسرائيل بقلق متزايد؛ خشية أن تتحول البلاد المنهكة بالحرب والأزمات الاقتصادية ساحةً جديدةً لصراع إقليمي أوسع. ويتساءل قطاع واسع من اليمنيين عن الفارق الذي ستحدثه هذه الخطة الحوثية، وسط آمال بانتهاء انقلاب الجماعة المتحالفة مع طهران.

وعلى الرغم من الخطاب التعبوي للجماعة عن «معركة كبرى» مزعومة ضد إسرائيل وحلفائها، يبدي السكان في صنعاء ومدن أخرى، مخاوف متنامية من تداعيات هذا الانخراط، بدءاً من احتمال تعرض البلاد لضربات عسكرية، وصولاً إلى مزيد من الضغوط المعيشية على مجتمع يواجه بالفعل واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

ومنذ الساعات الأولى لإعلان الجماعة إطلاق صواريخها باتجاه إسرائيل، بدأت ردود فعل متنوعة في أوساط السكان ما بين التهكم والقلق والغضب والاستعداد للنزوح وشراء مواد تموينية ضرورية، خصوصاً الوقود والغاز المنزلي، إلا أن هناك من رأى أن ما أقدمت عليه الجماعة قد يكون سبباً في حل الأزمة اليمنية، أو منحها بعداً جديداً.

يقول، مراد أحمد، وهو موظف عمومي، لـ«الشرق الأوسط» إنه وعائلته يتابعون التطورات بقلق متزايد، ويفكرون في خياراتهم إذا ما وجدوا أنفسهم مضطرين إلى مواجهة مزيد من أعباء الحياة اليومية إذا أصبحت البلد في قلب حرب إقليمية جديدة قد يدفع ثمنها المدنيون أولاً.

عنصر حوثي في صنعاء يحرس مظاهرة للجماعة تأييداً لإيران (رويترز)

وتتردد في أوساط اليمنيين تعليقات متكررة تنتقد أولويات الجماعة الحوثية في ظل الأزمة المعيشية، فبينما ينتظر غالبية الموظفين العمومين الرواتب منذ سنوات، تتحول النقاشات توقعات ردود الفعل بعد إطلاق الصواريخ بعيدة المدى التي يستنكر الغالبية حضورها بينما تنقطع الكهرباء ويختفي الغاز وغالبية الخدمات ويتأجل الحديث عن الرواتب المنقطعة منذ قرابة عقد.

يشير جمال مصطفى، وهو موظف عمومي آخر ممن انقطعت رواتبهم منذ سنين، إلى أن التهكم في حد ذاته أصبح قاسياً ومريراً. ويوضح لـ«الشرق الأوسط»، أن اليمنيين، وبينما يخشون من التأثيرات الاقتصادية للحرب وتداعيات استهداف منشآت الطاقة، يجدون أنفسهم عُرضة لأن يكونوا أكثر من يدفع ثمن صراع أكبر منهم.

مغامرة غير محسوبة

وتتفاوت تقديرات المتابعين لمدى فاعلية ومساهمة المشاركة الحوثية في المواجهة الجارية في المنطقة، خصوصاً أن صواريخها ومسيّراتها التي استهدفت إسرائيل سابقاً لم تكن مؤثرة عسكرياً، مقابل هجماتهم السابقة في البحر الأحمر التي عطلت الملاحة الدولية وتسببت بخسائر كبيرة في الاقتصاد والتجارة العالميين ورفعت تكلفة النقل والتأمين البحري.

الجماعة الحوثية تحشد أنصارها وتفعّل خطاباً تعبوياً للتصعيد رغم مخاوف السكان على معيشتهم (رويترز)

يذهب فارس البيل، الأكاديمي والباحث السياسي اليمني، إلى أن التدخل الحوثي المؤجل منذ بداية المواجهة كان مفروضاً على الجماعة، لكنه جاء في توقيت غير محسوب، فبعد أن كانت إيران تتوقع أن يؤثر الحوثيون في المعركة، فإن الضربات الأميركية - الإسرائيلية فككت قدرات النظام الإيراني وجعلت المساهمة الحوثية هشة وبلا مبرر، خلافاً للشروط التي وضعتها الجماعة قبل هجماتها.

ويضيف البيل، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن لا تأثير لدخول الحوثيين في حماية إيران أو تهديد إسرائيل عسكرياً، سوى أنه سيجلب على اليمنيين دمار بنيتهم التحتية، لكنه في الآن ذاته كتب على الحوثي النهاية، وسيفتح الباب لدخول أطراف جديدة لحماية الملاحة في البحر الأحمر؛ ما سيكون سبباً لخلاص اليمن والمنطقة من الجماعة.

المزاج الشعبي

ويبدو المزاج الشعبي في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية معزولاً عن خطابها التعبوي، فبينما يخشى كثيرون من تبعات مغامراتها، ينتظر غيرهم أن تعجّل جميع ممارساتها بإنهاء نفوذها.

يقول باحث يمني أكاديمي في السياسة والإعلام، إن قطاعاً من السكان باتوا يتوقعون أن تكون نهاية الأزمة اليمنية مرتبطة بالتصعيد الذي تشهده المنطقة، وإن مشاركة الجماعة الحوثية في المواجهة الحالية بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، يمكن أن تؤدي إلى حل غير متوقع للصراع في اليمن.

الشارع اليمني متخوف من تبعات دخول الحوثيين في الحرب إلى جانب إيران (غيتي)

وحسب ما ينقله الباحث، الذي تتحفظ «الشرق الأوسط» على هويته لإقامته في صنعاء، فإن أصحاب هذا الرأي لا ينتمون إلى طبقة أو فئة اجتماعية محددة، وإنهم موجودون في كل المستويات الاجتماعية والعلمية والثقافية. ويفسر آراءهم بأنها تأتي نتيجة الضبابية والغموض في مستقبل الأزمة اليمنية، وصعوبة توقع حل سلمي لها، خصوصاً مع تعنت الجماعة الحوثية، واستعداداتها الدائمة لمعارك لا تنتهي.

استنزاف داخلي

يتفق كثير من المراقبين على أن ارتباط الأزمة اليمنية بالحرب الإقليمية الحالية من التدخل الحوثي، سيمنحها مساراً جديداً، لكنهم يختلفون في طبيعته وتفاصيله.

فوقاً لما يورده الباحث، هناك من يرى أن الحوثيين - بقدر ما يعرّضون البلد للمزيد من الخراب وتدمير البنية التحتية ويهدّدون حياة وسلامة السكان، إذا ما قررت الولايات المتحدة وإسرائيل الرد على هجماتهم - يعرّضون أنفسهم بالمقابل لاستنزاف كبير، خصوصاً إذا طالت المواجهة، وهذا يسهِم في إضعافهم، ويعزز من إمكانية التمرد عليهم.

دخان غارة إسرائيلية وسط صنعاء في سبتمبر الماضي (أ.ف.ب)

وعلى جانب آخر، يرجّح آخرون أن يؤدي إضعاف الجماعة عسكرياً واستنزافها اقتصادياً إلى قبولها مستقبلاً بعملية سلام فعلية، بعد أن يجري تجريد النظام الإيراني من أدواته ووسائل دعم أذرعه في المنطقة، وفي هذه الحالة ستتعاطى بانتهازية لتجنب نفسها الانهيار الداخلي وصراع الأجنحة الذي ستتسبب به محدودية الموارد والنفوذ.

وطبقاً لتوقعات أخرى، فإن مغامرة الجماعة قد تؤدي إلى زيادة حظوظها في السيطرة والنفوذ في حال خروج إيران من المواجهة دون هزيمة كاملة تنهي قدرتها على التدخل في شؤون دول المنطقة؛ وهو ما سيعزز من خطاب الجماعة الذي يزعم قدرتها على فرض نفسها كقوة إقليمية، وسيقابله تفاقم معاناة السكان تحت سيطرتها.

ويرى أصحاب هذا التوقع أن ذلك سيفرض على اليمنيين مواجهة مباشرة وحاسمة مع الجماعة التي ستتوقع أنها فرضت نفوذها إلى الأبد، بينما هي عرضت نفسها لاستنزاف قدراتها وإمكانات سيطرتها، وضاعفت من غضب السكان عليها، كما حدث لنظام الأسد في سوريا أواخر العام قبل الماضي.