كيف سطع نجم ميخايلو مودريك بعدما ذاق المعاناة في شاختار؟

الجناح الأوكراني لم يحتج وقتاً للتأقلم مع تشيلسي كي يتألق ويثبت نفسه

قدّم مودريك أداء رفيعاً في أول ظهور له مع تشيلسي (د.ب.أ)
قدّم مودريك أداء رفيعاً في أول ظهور له مع تشيلسي (د.ب.أ)
TT

كيف سطع نجم ميخايلو مودريك بعدما ذاق المعاناة في شاختار؟

قدّم مودريك أداء رفيعاً في أول ظهور له مع تشيلسي (د.ب.أ)
قدّم مودريك أداء رفيعاً في أول ظهور له مع تشيلسي (د.ب.أ)

لم يكن هناك الكثير مما يدعو للإثارة في تعادل تشيلسي بدون أهداف مع ليفربول في الجولة الماضية من مسابقة الدوري، لكن مشاركة اللاعب الجديد ميخايلو مودريك في الشوط الثاني أزالت ملل المباراة. وأظهر الجناح الأوكراني، الذي بدا متجها إلى آرسنال قبل اختيار تشيلسي، بعض المهارات الرائعة خلال مشاركته القصيرة وبدا أنه اللاعب الأقرب لتسجيل هدف الفوز في صفوف تشيلسي على ملعب أنفيلد. وأبدى المدرب غراهام بوتر إعجابه بأداء مودريك البالغ من العمر 22 عاماً بينما قال المحلل في قناة سكاي سبورتس غاري نيفيل «رؤية مودريك لمدة عشر دقائق، لا أود أن ألعب ضده!».
وقبل انتقال مودريك إلى تشيلسي، كان اللغز الذي يواجه مسؤولي نادي شاختار دونيتسك الأوكراني يتمثل في أن مودريك لم يحصل على فرصة كافية للعب مع الفريق الأول، بالنسبة للاعب في مثل عمره. كان ذلك في صيف عام 2021. ولم يكن المديران الفنيان السابقان للفريق، باولو فونسيكا ولويس كاسترو، مقتنعين بأنه يستحق الحصول على فرصة المشاركة مع الفريق الأول. لكن في المقابل، كان مجلس إدارة النادي ينظر إلى مودريك على أنه لاعب يمتلك قدرات وفنيات هائلة تؤهله للحصول على جائزة أفضل لاعب في العالم يوما ما! وفي ملعب التدريب، كان ينظر إلى مودريك دائما على أنه لاعب سريع للغاية ويمتلك مهارات كبيرة، ولا يمكن لأي شخص على الإطلاق أن يتوقع ما سيقوم به. ورغم أن عيد ميلاده العشرين كان قد مر منذ فترة طويلة، لكنه لم يلعب سوى سبع مباريات فقط مع شاختار دونيتسك، و21 مباراة أخرى على سبيل الإعارة، ولم يسجل بعد أي هدف مع الفريق الأول.

أثبت مودريك للجميع أن دوري الأبطال هو بطولته المفضلة (غيتي)

وأخيرا، وجد شاختار دونيتسك ضالته في المدير الفني الإيطالي روبرتو دي زيربي، الذي تمكن أخيرا من استغلال الموهبة الكبيرة لهذا اللاعب الشاب، فلم يستغرق الأمر وقتا طويلا حتى اقتنع دي زيربي تماما بأن مودريك لاعب رائع وسيكون له مستقبل كبير، وأخبر اللاعب الشاب بأنه يثق به تماما. كان دي زيربي قد دفع بمودريك في التشكيلة الأساسية لشاختار دونيتسك في مباراتين في الدوري الأوكراني الممتاز، قبل أن يشركه كبديل في المباراة الحاسمة أمام موناكو في ملحق الصعود لدوري أبطال أوروبا. لم يكن أمام مودريك سوى ثماني دقائق من الوقت الأصلي للمباراة، بالإضافة إلى الوقت الإضافي، لكي يحدث الفارق، لكنه تمكن خلال هذا الوقت القصير من خلق الكثير من المشاكل والمتاعب للنادي الفرنسي من الجهة اليسرى، وكان صاحب التمريرة العرضية التي اصطدمت بمدافع موناكو، روبن أغويلار، ودخلت المرمى، ليقود فريقه للتأهل إلى دور المجموعات لدوري أبطال أوروبا.
وبعد سبعة عشر شهرا فقط، انتقل مودريك إلى تشيلسي مقابل 89 مليون جنيه إسترليني، لتكون هذه واحدة من أكثر رحلات الصعود إلى القمة إثارة في تاريخ كرة القدم. لقد استغل مودريك الفرصة التي منحها له دي زيربي، الذي لم يستمر طويلا في قيادة النادي بسبب الغزو الروسي لأوكرانيا، ولم يستسلم أبدا. وبعد إحدى مباريات شاختار دونيتسك في دوري أبطال أوروبا الخريف الماضي، قال أحد لاعبي الفريق المنافس إن مودريك أفضل لاعب واجهه على الإطلاق.
لقد أصبح الأمر مختلفا تماما عما كان عليه في موسم 2020 - 2021، عندما رحل مودريك عن شاختار على سبيل الإعارة للمرة الثانية. أمضى مودريك النصف الأول من ذلك الموسم مع نادي ديسنا تشيرنيهيف، الذي يلعب في الدوري الأوكراني الممتاز. لم يخسر ديسنا تشيرنيهيف سوى مباراتين فقط خلال الفترة التي لعبها معه مودريك، وكان من الواضح للاعبي هذا الفريق أن مودريك يمتلك قدرات وفنيات هائلة.
يقول إيهور ليتوفكا، حارس مرمى ديسنا في ذلك الوقت: «لقد كان يركز بشكل كامل على كرة القدم. وكان يتدرب حتى في يوم العطلة؛ وكان يتدرب بمفرده بعد نهاية الحصص التدريبية. كان ينزل إلى أرض الملعب بمفرده ويأخذ الكرات معه ويتدرب على التسديد والمراوغة. وبعد ذلك، كان يذهب إلى المدير الفني ويطلب منه أن يخبره عن رأيه فيما قدمه في المباراة السابقة، ويراجع الإحصائيات. كان ذلك مهما جدا بالنسبة له». وبعد عام من عودة مودريك إلى شاختار، أصبح ديسنا ضحية للعدوان الروسي، حيث دمر ملعب الفريق بالكامل تقريباً. يقول ليتوفكا، الذي يحاول استئناف مسيرته الكروية في كرواتيا، عن مودريك: «إنه يمتلك سرعة مذهلة، ويجيد المراوغة بطريقة تذكرني برونالدينيو».
ويأمل تشيلسي أن يواصل مودريك التألق في صفوفه، خاصةً أنه طور أداءه بشكل لافت للأنظار وأصبح يجيد إحراز الأهداف أيضاً، حيث سجل هدفين في مرمى سلتيك وهدفا في مرمى لايبزيغ في دور المجموعات بدوري أبطال أوروبا هذا الموسم. كما تألق في مباراتي فريقه أمام ريال مدريد، وقدم نفس المستويات القوية التي جعلت جمهور النادي الملكي يصفق له على ملعب «سانتياغو برنابيو» في الموسم السابق. كان ذلك بعد 10 أسابيع من مباراة موناكو، وأثبت مودريك للجميع أن دوري أبطال أوروبا هو بطولته المفضلة التي يقدم فيها أفضل مستوياته.
وفي حين كان المديرون الفنيون لشاختار يتسمون بالبطء فيما يتعلق بمنح مودريك التقدير الذي يستحقه، شعر المحيطون بمودريك لبعض الوقت بأن نفس الشيء ينطبق أيضاً على من هم بالخارج. لقد كانت أندية الدوري الإنجليزي الممتاز تعرف كل شيء عنه وعن فنياته الهائلة، لكن برينتفورد كان النادي الإنجليزي الوحيد الذي حاول بقوة أن يضمه إلى صفوفه قبل تطور مستواه بهذا الشكل المذهل. وكان برينتفورد مستعدا للتعاقد مع اللاعب في صفقة قياسية في تاريخ النادي الصيف الماضي، لكن شاختار، الذي كان مستعدا لبيع اللاعب بنحو 30 مليون جنيه إسترليني قبل ستة أشهر، لم يستسلم وظل متمسكا باللاعب.
لقد كان شاختار يعلم جيدا أن قيمة مودريك سترتفع كثيرا، وكان النادي محقا تماما في ذلك، خاصةً بعد المستويات التي قدمها اللاعب والتي كانت تفوق مستوى الدوري الأوكراني الممتاز، فضلا عن تألقه اللافت في مباريات دوري أبطال أوروبا. تقدم آرسنال بعرض لضم اللاعب في فترة ما قبل انطلاق الموسم الجديد، ووجد أن مهمته ازدادت تعقيدا بسبب اهتمام العديد من الأندية الأخرى بالحصول على خدمات اللاعب. لقد شعر مسؤولو شاختار أن مودريك يستحق الانتقال بمقابل مادي كبير، خاصةً في ضوء المبالغ المالية الهائلة التي دفعت للتعاقد مع لاعبين مثل جاك غريليش وأنتوني، حتى لو كانت هناك نقطة سلبية تتعلق بمودريك وهي قلة مشاركته في المباريات. وفي النهاية، كان آرسنال على وشك الاتفاق على الصفقة، لكن كان تشيلسي حسم الصفقة في نهاية المطاف.
لقد أعلن مودريك على الملأ أنه يرغب في الانتقال إلى آرسنال، لكنه كان يعلم جيدا أن الأمر برمته عبارة عن صفقة تجارية. لقد كان يرغب في الانتقال إلى أي نادٍ آخر خلال هذا الشهر، لأن شاختار خرج من دوري أبطال أوروبا، ولا توجد بطولات دولية هذا الصيف، وبالتالي فلم تكن هناك فرصة لارتفاع سعره. بالإضافة إلى ذلك، كانت هذه الصفقة هي الأفضل بالنسبة لجميع الأطراف، فمودريك الآن يلعب في أحد أندية القمة في الدوري الإنجليزي الممتاز وأتيحت له فرصة اللعب تحت قيادة غراهام بوتر، الذي تبدو طريقته في العمل وإدارة المباريات مناسبة تماما للاعب الشاب. ويعتقد أحد الأشخاص الذين عملوا مع مودريك عن كثب أن اللاعب لم يقدم سوى 50 في المائة فقط من إمكانياته حتى الآن.
من المؤكد أن الضغوط ستكون كبيرة على مودريك من أجل تقديم مستويات جيدة بسرعة، لكن اللاعب يمتلك بالفعل القدرات والإمكانيات التي تؤهله للتألق على أعلى المستويات. يقول ليتوفكا: «هذا الرجل يعمل فقط، ويركز بشكل كامل على كرة القدم، وقد انتقل الآن إلى تشيلسي، وهو الأمر الذي يمكن أن يكون حافزا لجميع الشباب الذين يتدربون في أوكرانيا الآن. هذه التجربة تؤكد لهم أن كل شيء ممكن».


مقالات ذات صلة

الحكم بسجن الدولي الإيطالي إيتزو لتواطئه مع «المافيا»

الرياضة الحكم بسجن الدولي الإيطالي إيتزو لتواطئه مع «المافيا»

الحكم بسجن الدولي الإيطالي إيتزو لتواطئه مع «المافيا»

أصدرت محكمة في نابولي حكماً بالسجن، في حق مُدافع فريق «مونتسا» الدولي أرماندو إيتزو، لمدة 5 أعوام؛ بسبب مشاركته في التلاعب بنتيجة مباراة في كرة القدم. وقال محاموه إن إيتزو، الذي خاض 3 مباريات دولية، سيستأنف الحكم. واتُّهِم إيتزو، مع لاعبين آخرين، بالمساعدة على التلاعب في نتيجة مباراة «دوري الدرجة الثانية» بين ناديه وقتها «أفيلينو»، و«مودينا»، خلال موسم 2013 - 2014، وفقاً لوكالات الأنباء الإيطالية. ووجدت محكمة في نابولي أن اللاعب، البالغ من العمر 31 عاماً، مذنب بالتواطؤ مع «كامورا»، منظمة المافيا في المدينة، ولكن أيضاً بتهمة الاحتيال الرياضي، لموافقته على التأثير على نتيجة المباراة مقابل المال.

«الشرق الأوسط» (ميلانو)
الرياضة الدوري «الإسباني» يتعافى «مالياً» ويرفع إيراداته 23 %

الدوري «الإسباني» يتعافى «مالياً» ويرفع إيراداته 23 %

أعلنت رابطة الدوري الإسباني لكرة القدم، اليوم (الخميس)، أن الأندية قلصت حجم الخسائر في موسم 2021 - 2022 لأكثر من ستة أضعاف ليصل إلى 140 مليون يورو (155 مليون دولار)، بينما ارتفعت الإيرادات بنسبة 23 في المائة لتتعافى بشكل كبير من آثار وباء «كوفيد - 19». وأضافت الرابطة أن صافي العجز هو الأصغر في مسابقات الدوري الخمس الكبرى في أوروبا، والتي خسرت إجمالي 3.1 مليار يورو، وفقاً للبيانات المتاحة وحساباتها الخاصة، إذ يحتل الدوري الألماني المركز الثاني بخسائر بقيمة 205 ملايين يورو. وتتوقع رابطة الدوري الإسباني تحقيق صافي ربح يقل عن 30 مليون يورو في الموسم الحالي، ورأت أنه «لا يزال بعيداً عن المستويات قب

«الشرق الأوسط» (مدريد)
الرياضة التعاون يوقف قطار الاتحاد... ويمنح النصر «خدمة العمر»

التعاون يوقف قطار الاتحاد... ويمنح النصر «خدمة العمر»

منح فريق التعاون ما تبقى من منافسات دوري المحترفين السعودي بُعداً جديداً من الإثارة، وذلك بعدما أسقط ضيفه الاتحاد بنتيجة 2-1 ليلحق به الخسارة الثانية هذا الموسم، الأمر الذي حرم الاتحاد من فرصة الانفراد بالصدارة ليستمر فارق النقاط الثلاث بينه وبين الوصيف النصر. وخطف فهد الرشيدي، لاعب التعاون، نجومية المباراة بعدما سجل لفريقه «ثنائية» في شباك البرازيلي غروهي الذي لم تستقبل شباكه هذا الموسم سوى 9 أهداف قبل مواجهة التعاون. وأنعشت هذه الخسارة حظوظ فريق النصر الذي سيكون بحاجة لتعثر الاتحاد وخسارته لأربع نقاط في المباريات المقبلة مقابل انتصاره فيما تبقى من منافسات كي يصعد لصدارة الترتيب. وكان راغد ال

الرياضة هل يكرر الهلال إنجاز شقيقه الاتحاد «آسيوياً»؟

هل يكرر الهلال إنجاز شقيقه الاتحاد «آسيوياً»؟

يسعى فريق الهلال لتكرار إنجاز مواطنه فريق الاتحاد، بتتويجه بلقب دوري أبطال آسيا بنظامها الجديد لمدة عامين متتاليين، وذلك عندما يحل ضيفاً على منافسه أوراوا ريد دياموندز الياباني، السبت، على ملعب سايتاما 2022 بالعاصمة طوكيو، بعد تعادل الفريقين ذهاباً في الرياض 1 - 1. وبحسب الإحصاءات الرسمية للاتحاد الآسيوي لكرة القدم، فإن فريق سوون سامسونغ بلو وينغز الكوري الجنوبي تمكّن من تحقيق النسختين الأخيرتين من بطولة الأندية الآسيوية أبطال الدوري بالنظام القديم، بعد الفوز بالكأس مرتين متتاليتين موسمي 2000 - 2001 و2001 - 2002. وتؤكد الأرقام الرسمية أنه منذ اعتماد الاسم الجديد للبطولة «دوري أبطال آسيا» في عا

فارس الفزي (الرياض)
الرياضة رغد النعيمي: لن أنسى لحظة ترديد الجماهير اسمي على حلبة الدرعية

رغد النعيمي: لن أنسى لحظة ترديد الجماهير اسمي على حلبة الدرعية

تعد الملاكمة رغد النعيمي، أول سعودية تشارك في البطولات الرسمية، وقد دوّنت اسمها بأحرف من ذهب في سجلات الرياضة بالمملكة، عندما دشنت مسيرتها الدولية بفوز تاريخي على الأوغندية بربتشوال أوكيدا في النزال الذي احتضنته حلبة الدرعية خلال فبراير (شباط) الماضي. وفي حديث لـ«الشرق الأوسط»، قالت النعيمي «كنت واثقة من فوزي في تلك المواجهة، لقد تدربت جيداً على المستوى البدني والنفسي، وعادة ما أقوم بالاستعداد ذهنياً لمثل هذه المواجهات، كانت المرة الأولى التي أنازل خلالها على حلبة دولية، وكنت مستعدة لجميع السيناريوهات وأنا سعيدة بكوني رفعت علم بلدي السعودية، وكانت هناك لحظة تخللني فيها شعور جميل حينما سمعت الج


صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.