ميلانو احتفلت... وباريس تألقت... والرجل فاز بتصاميم أنيقة

العقلانية والابتعاد عن إحداث الصدمة سادا أسابيع الموضة الرجالية لخريف وشتاء 2023 ـ 2024

المصمم جيورجيو أرماني يتوسط العارضين المشاركين في عرضه لخريف 2023 وشتاء 2024 (خاص)
المصمم جيورجيو أرماني يتوسط العارضين المشاركين في عرضه لخريف 2023 وشتاء 2024 (خاص)
TT

ميلانو احتفلت... وباريس تألقت... والرجل فاز بتصاميم أنيقة

المصمم جيورجيو أرماني يتوسط العارضين المشاركين في عرضه لخريف 2023 وشتاء 2024 (خاص)
المصمم جيورجيو أرماني يتوسط العارضين المشاركين في عرضه لخريف 2023 وشتاء 2024 (خاص)

أخيراً تنفس صناع الموضة الصعداء. الكل متفائل بمستقبل الموضة الرجالية تحديداً بعد سنتين عجاف زعزعتا أركان هذا القطاع وغيرتا بعض قناعاته. حتى الحرب الأوكرانية التي أثارت بعض القلق في بدايتها بسبب ما يمكن أن يترتب عنها من أزمات على سلسلة التوريد والإنتاج وغيرها، لم تُؤثر عليها بالحجم الذي كان صناع الموضة يتخوفون منه. بالعكس، سجّلت الأزياء الإيطالية في عام 2022 زيادة في الإيرادات بنسبة 16 في المائة لتصل إلى 96. 6 مليار يورو. كما سجلت بيوت أزياء مثل «سان لوران» و«غوتشي» و«جيفنشي» إيرادات مهمة في مجال الأزياء الرجالية أهم من تلك المُسجلة في مجال الأزياء النسائية. هذا الانتعاش أكدته عروض الموضة التي جرت مؤخرا في كل من ميلانو وباريس لخريف وشتاء 2023.

من عرض «غوتشي» (رويترز)

أهم ما لفت الأنظار فيها أنها عادت إلى سابق عهدها: حية، مركزة وبأعداد كبيرة. والطريف أن رياح التغيير الأخيرة التي تميزت بعودة قوية إلى السفر وتنظيم العروض المُبهرة بعد سنتين من العروض الافتراضية والرقمية قوبلت بترحيب. لم يخطر على بال أحد من المتابعين أن يُحاسب المسؤولون من صناع الموضة على عدم إيفائهم بالوعود التي تبرعوا بها خلال سنوات الجائحة، مثل التخفيف من عدد العروض، وعدم السفر إلى أماكن بعيدة؛ حفاظاً على البيئة، وما شابه من وعود إنسانية. ففي زمن تبدو فيه المحاسبة على أبسط الأشياء هي المعمول بها على منصات التواصل الاجتماعي وغيرها، كانت الرغبة في العودة إلى الحياة كما تعودنا عليها من قبل أقوى من المبادئ والقناعات. ما أكدته فترة الجائحة أن لا شيء يعوض عن تجربة العروض الحية وما يصاحبها من حماس وترقب وأضواء وموسيقى، وغيرها من العناصر التي تُدغدغ الحواس وتثير المشاعر. أسبوع باريس مثلا شهد ما لا يقل عن خمسين عرضاً حياً منها عرض «سان لوران» الذي افتتح به الأسبوع مساء يوم الثلاثاء الماضي، مع العلم أنه أول عرض أزياء رجالي للدار الفرنسية في باريس منذ أن تولّى البلجيكي أنطوني فاكاريللو منصب المدير الفني فيها عام 2016، حيث كان يفضل العرض في عواصم عالمية أخرى لكي تخلو له الساحة. دار «جيفنشي» أيضا استغنت عن خط «الهوت كوتور» لصالح خط رجالي يُشرف عليه حاليا المصمم الأميركي ماثيو ويليامز الذي قدم يوم الأربعاء مجموعة من الإطلالات لعب فيها على مفهوم الطبقات المتعددة، حيث جمع فيها بين سترات مفصلة وكنزات بقلنسوات وبنطلونات واسعة وقصيرة.

من عرض «سان لوران» (خاص)

في ميلانو، قدمت دار غوتشي بدورها عرضاً حياً بعد غياب ثلاث سنوات. كان وراء هذا الغياب قرار اتخذه مصممها الفني السابق أليساندرو ميكيلي، حين أعلن منذ سنتين تقريباً عدم ضرورة الالتزام بالبرنامج الرسمي لأسابيع الموضة. في المقابل قرر السفر إلى أماكن جديدة لتقديم عروضه. كان عرض الدار بسيطاً وبعيداً عن الأسلوب الصارخ، بالألوان المتضاربة والنقشات المتناقضة، الذي ابتدعه ميكيلي. قالت غوتشي إنها تحتفل فيه بـ«الجمال العفوي». كانت الكلاسيكية هي السمة الغالبة من دون أن تغيب اللمسة الجريئة كُليا. فهذه الأخيرة ظهرت في المزج بين المواد والألوان المعدنية، وبين الجينز الباهت والقمصان المزينة بالترتر، والأحذية المستوحاة من موضة السبعينات. كما ضمت التشكيلة معاطف طويلة مزركشة تم تنسيقها مع بنطلونات واسعة. كان واضحا أن الدار تريد أن تتخلص من الأسلوب السابق بالتدريج حتى لا تُسبب صدمة لمعجبيها من الشباب.

من عرض «جيفنشي» في باريس (رويترز)

هذه الكلاسيكية طبعت أغلب عروض ميلانو وباريس تقريباً، حيث تميزت بالعقلانية والابتعاد عن التعقيدات والجنوح نحو الجنون أو التأنيث المبالغ فيه للرجل. السبب شرحته المصممة ميوتشا برادا بقولها: «في الأوقات العصيبة، يجب أن يعمل الواحد منا بجدية ومسؤولية. ليس هناك مكان لشطحات لا داعي لها. أما الابتكار فيكتسب مفهومه الإبداعي ومكانته الحقيقية فقط عندما يرتبط باكتشاف أشياء جديدة».

من اقتراحات «تودز» (خاص)

بالفعل، ففي أوقات الأزمات، يمكننا توقع أي شيء في المجالات الإبداعية. قد تميل الكفة إلى رغبة محمومة في إثبات الذات وإطلاق موجات جديدة وإن كانت سريالية، أو إلى رغبة في الهدوء إلى أن تمر العاصفة بسلام. ما كان واضحاً خلال أسبوعي ميلانو وباريس الأخيرين أن الكفة الثانية كانت أرجح. فالجائحة كان لها تأثير إيجابي على خزانة الرجل العادي، تجسد في أزياء أنيقة بعيدة عن الصرعات الموسمية. يمكن القول: إن أغلب التشكيلات التي طُرحت، كانت تتمتع بكلاسيكية في التفصيل والألوان وبساطة في التفاصيل إلى جانب تنوع جعلها تخاطب معظم الأذواق. قد يأخذ عليها البعض أنها تجارية وتفتقد إلى الجديد بمفهومه الثوري، لكن ما يشفع لها أن كلاسيكيتها جاءت مطعمة بلمسات شبابية منطلقة، تتوق أن تعيد للرجل شكله الذكوري. فحتى النعومة التي سادت في بعض العروض كانت بجرعات أخف مما كانت عليه في المواسم الأخيرة. البدلات المفصلة والمعاطف الأنيقة إلى جانب قطع منفصلة أخرى تخدم الرجل أياً كانت أهواؤه وميوله ومناسباته، هي التي سرقت الأدوار البطولية. في عرض «برادا» مثلاً كانت الصورة عصرية وبسيطة للغاية. لم يكن فيها أي جديد يُذكر ومع ذلك كانت مُنعشة للنظر، متوازنة في أحجامها. في باريس لم تختلف القصة والقصات عما تم تقديمه في ميلانو. افتتحت المصممة البريطانية غرايس ويلز بونر (31 عاماً) الأسبوع الرجالي بأول عرض لها ضمن الحدث. بونر التي يُرشحها البعض لخلافة فيرجيل أبلوه في دار «لويس فويتون»، تمزج في تصاميمها بين تقنيات خياطي سافيل رو في لندن واللمسات الأفريقية والكاريبية. وحظيت المصممة المولودة لأم بريطانية وأب جامايكي بعدة جوائز لما تتضمنه تصاميمها من إيحاءات لرموز من أصحاب البشرة السوداء وللتاريخ الاستعماري، بالإضافة إلى الراحة التي توفّرها ملابسها.

من عرض «برادا» في ميلانو (إ.ب.أ)

في فندق «إيفرو» الواقع في ساحة فاندوم الشهيرة، قدمت عرضا تضمن بدلات رسمية مصنوعة من الحرير ومعاطف من قماش التويد وسراويل مخملية قصيرة. شرحت المصممة بعد العرض أنها استوحته من شخصيتين أثرتا على ثقافة السود، هما الكاتب جيمس بادوين والراقصة جوزفين بايكر اللذان أقاما في باريس في القرن العشرين. شرحت اختيارها هذا بقولها إنّ «حرية التعبير التي وفّرتها لهما باريس هي أكثر ما أثار اهتمامي».»سان لوران» Saint Laurent
في اليوم نفسه قدمت دار «سان لوران» عرضا غلبت عليه تصاميم موجهة للمساء والسهرات، غلبت عليها معاطف داكنة بأكتاف بارزة وقمصان بيضاء، بعضها من الموسلين، تُلف حول العنق على شكل فيونكات، إضافة إلى قمصان مفتوحة تظهر جزءاً من الصدر. كان واضحاً أن الغرض الأساسي منها هو إبراز التفاصيل الدقيقة من كل جانب. الأمر نفسه يمكن أن يقال عن السترات المحبوكة والمعاطف الطويلة. ما يُحسب لفاكاريللو في هذه التشكيلة أنه ظل وفياً لأسلوب الدار الذي يتميز بالتصاميم الرشيقة عند الخصر والصدر، والتي يمكن أن تخاطب المرأة والرجل على حد سواء، مع إضافته بصمته الخاصة التي تمثلت في تبنيه الأسلوب الانسيابي مع بعض الهندسية التي تجسّدت في إبراز الأكتاف بشدها إلى أعلى.

من عرض «فندي» (خاص)

«فندي» Fendi
جاءت التشكيلة التي صممتها سيلفيا فينتوريني فندي دافئة وأنيقة تضمنت بعض البريق الذي لعب على خُدع بصرية أبدعتها أنامل حرفيين متمرسين في مقرها الرئيسي بروما. تقول الدار إنها أرادت هنا «استكشاف صخب المدينة والأضواء التي تُنير وتتلألأ بعد حلول الظلام، وهو ما تجسد في تلاشي الخطوط الصارمة التي كانت تطبع الأزياء الرجالية التقليدية لتمنح التصاميم الجديدة جاذبية بنكهة مختلفة». في السياق ذاته، أضفى عدم التناسق في الأحجام حركة هندسية مميزة على القمصان المفككة والعباءات المحبوكة بالكشمير المضلع كما على السترات المنسدلة عند الأكتاف. ربما تكون السراويل المنسابة وكأنها تنورات درابية هي الأكثر جُرأة لكن المعاطف مُزدوجة الصدر والمزينة بطيات من الساتان وشراشيب عند الحواف جعلتها تبدو عصرية وحداثية. أما الخامات الغالبة في التشكيلة فكانت الكشمير ذا الوجهين، والجلود المصممة هندسياً وحرير الجاكار الذي تتخلله ألوان براقة شكلت لوحة تتماوج بين ظلال من الرمادي الأنيق ولون الشوفان والأصفر المحترق والموكا والبنفسجي والأزرق بالدرجات المختلفة.

تودز TOD’S
كانت «تودز» من بين بيوت الأزياء القليلة التي اختارت معرض عوض عرض ضخم. ما لم تتنازل عنه هو أسلوبها الإيطالي الذي عودتنا عليه. فهو جُزء من شخصيتها وجيناتها، لكن ما قامت به لخريف وشتاء 2023 أنها ركزت على لغة شبابية أرادت بها أن تخاطب رجلا يتعرف عليها للتو. أخذته في رحلة اكتشاف لجوهر الأسلوب الإيطالي من خلال مجموعة أزياء كلاسيكية وعملية في الوقت ذاته مستعملة لوحة ألوان بدرجات دافئة، تتباين بين البني والكراميل والبيج، تتقاطع بين القطعة والأخرى بالرمادي والأبيض. أقيم العرض في فيلا نيتشي Villa Necchi، حيث تلتقي التقاليد والحداثة في المعمار والديكورات، وهو ما انعكس على تصاميم تميزت بلمسات رياضية وعصرية بقيت فيها الأساسات كلاسيكية، لا سيما في سترة «باش» Pash Jacket التي «ابتُكرت في مختبرات تودز من أقمشة معالجة وتفاصيل صُنّعت يدوياً بحرفيّة وتقنيات من الشمع تُضفي عليها لمعانا وطلة ثلاثية الأبعاد» حسب قول الدار. بيد أن هذه لم تكن السترة الوحيدة التي جذبت الأنظار. فقد كانت هناك مجموعة لا تقل أناقة من جلود النابا والغزال تُذكرنا بأن «تودز» تأسست على تطويع الجلود أساسا، وأنها انطلقت كدار متخصصة في صناعة الأحذية. هذه الرغبة في تذكيرنا بهذا التاريخ كان واضحا في الأحذية الرجالية المتنوعة التي صاحبت الأزياء.
«زينيا» zegna
مثل أغلب بيوت الأزياء الميلانية التي حرصت على العودة إلى الجذور، ركزت علامة «زينيا» على مكمن قوتها: الكشمير. من هذا المنظور أخذت ضيوفها في رحلة لاكتشاف أهم مرحلة في عملية صناعة البدلات الرجالية ألا وهي إنتاج هذه الخامة المترفة قبل أن تُغزل وتُنسج لتتحول إلى قطع أنيقة. أطلقت على المجموعة «واحة الكشمير» وزينت قاعة بالكامل بألياف هذه الخامة بلونها الأبيض. مصمم الدار أليساندرو سارتوري شرح هذا الاهتمام أنه منذ التحاقه بـ«زينيا»: «حظيتُ بفرصة غير مسبوقة لابتكار الأقمشة من نقطة الصفر، بدءاً من النسج وصولاً إلى وضع اللمسات النهائية، مما يمثّل تحدّياً كبيراً بالنسبة إلى المصنّعين الذين نتعامل معهم وحافزاً يدفعهم إلى استكشاف المجهول». والنتيجة حسب قوله: «تصاميم متكاملة وعصرية تخاطب الروح». أكثر ما ميز هذه التشكيلة السترات القصيرة والمنفوخة بعض الشيء، وأخرى بحياكة خفيفة أقرب إلى كنزة مفتوحة منها إلى سترات مفصلة. كانت هناك مجموعة من المعاطف ذات القصّات الرشيقة وأخرى واقية من المطر. بيد أن الملاحظ رغم عنوان التشكيلة «واحة الكشمير» هو حضور خامات أخرى؛ مثل جاكار ميلتون الفاخر الذي يمكن ارتداؤه على الوجهَين، ونسيج البوكليه المطلي وغير المطلي، وقماش الجاكار المجعّد، واللبّاد، والجيرسيه وصوف الألبكة، ومزيج قطني من قماش الكوردروي، ونسيج من التويل والصوف الناعم.


مقالات ذات صلة

خلال عيد الحب... «ميسيكا» تكشف عن توأم روحها بالألماس في «لابيروز» الباريسي

لمسات الموضة قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)

خلال عيد الحب... «ميسيكا» تكشف عن توأم روحها بالألماس في «لابيروز» الباريسي

«ميسيكا» تقدم إصدارها الجديد من خاتم «ماي توين توي آند موي My Twin Toi & Moi» بالألماس بمطعم «لابيروز» التاريخي حيث يلتقي الفن الباريسي بالتاريخ والجمال الخالد.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة كانت تشكيلة آندرسون لـ«ديور» طبقاً دسماً من الأشكال المبتكرة (رويترز)

كيف تواصل المصممون الجدد مع إرث بيوت الأزياء العريقة؟

الـ«هوت كوتور» لا يُبنى على «الجمال السهل»، بل على إرباك المتلقي ودفعه لإعادة النظر فيما اعتاده؛ لأن الأفكار، لا الصيغ الجاهزة، هي التي تصنع القيمة طويلة الأمد.

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة المشهد هذا العام يعطي الانطباع بأن عروض الأزياء ثانوية مقارنة بوجود النجوم (أ.ب)

أسبوع باريس للهوت كوتور ربيع وصيف 2026... النجمات يصنعن البريق في باريس

لا يزال أسبوع الهوت كوتور لربيع وصيف 2026 بباريس مستمراً في إتحاف عشاق الموضة بأجمل الأزياء وأكثرها ابتكاراً. فهذا الموسم يختلف عما تابعناه لسنوات، بفضل دخول…

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة سعود عبد الحميد في لقطة من حملة لعلامة «وجوه» التي تملكها المجموعة وتجمع بين الجمال وكرة القدم وتكرّم الهوية السعودية المتجددة (مجموعة شلهوب)

باتريك شلهوب وإدارة الترف في زمن الأزمات

في هذا المناخ المرتبك لم يعد النجاح مرهوناً بحجم الإبداع، أو التوسع وحدهما، بل بالقدرة على اتخاذ قرارات صحيحة تقرأ الحاضر، وتستبق المستقبل رغم ضبابية اللحظة.

جميلة حلفيشي (لندن)
لمسات الموضة المصممة ڤيرا زولوتاريڤا (فيرا)

المصممة ڤيرا زولوتاريڤا... نشأة روسية وقلب مصري

مرت مصممة الأزياء الروسية ڤيرا زولوتاريڤا برحلة طويلة بداية من سيبيريا المتجمدة في روسيا وحتى استقرارها في مصر. تقول: «قصتي مع التصميم بدأت من عمر الثالثة،…

مروى صبري (القاهرة )

خلال عيد الحب... «ميسيكا» تكشف عن توأم روحها بالألماس في «لابيروز» الباريسي

قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)
قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)
TT

خلال عيد الحب... «ميسيكا» تكشف عن توأم روحها بالألماس في «لابيروز» الباريسي

قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)
قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)

بين بريق المجوهرات وقصة حب وراء إبداعها، وأروقة مطعم أيقوني يحمل بين جدرانه تاريخاً وقصصاً لا تُنسى، صُوّرت مجموعة «ميسيكا» و«لابيروز» الجديدة لتغذي كل الحواس وتوقظ الذاكرة بمناسبة «عيد الحب». ورغم أن «ميسيكا» علامة شابة وُلدت منذ نحو 21 عاماً، و«لابيروز» مطعم باريسي يعود عمره إلى 260 عاماً، فإنه حدث بينهما تناغم عجيب والتحام يجمع التاريخ والحداثة.

نسجت فاليري خيوطاً بين الماضي والحاضر عبر علاقة حب طويلة بالألماس (ميسيكا)

بمناسبة «عيد الحب»، اختارت «ميسيكا» أن تقدم نسختها الجديدة والحصرية من خاتم «ماي توين توي آند موي (My Twin Toi & Moi)»، في مطعم «لابيروز»؛ والسبب أن المطعم يتعدى أنه مكان فاخر لتناول أشهى الأطباق، إلى ما هو أكثر. فإلى جانب أنه رمز للفن الباريسي في العيش، فقد اشتهر عبر الأجيال بخصوصية أجوائه التي احتضنت قصص الحب وأسراره على مدى قرون.

بدأت قصة «لابيروز» عام 1766 عندما تأسس في عهد لويس الـ15، وسرعان ما ترسّخ في ذاكرة المجتمع الباريسي مكاناً فريداً من نوعه، وعنواناً للقاء الأحبة. وفي عام 1850، وتحت إدارة جول لابيروز، أصبح من أوسع وجهات «لوتو باريس» رواجاً، مستقطباً أسماء لامعة مثل موباسان، وزولا، وفيكتور هوغو، ورودان، وسارة برنار. وهذا العام انضمت فاليري ميسيكا إلى هذه الباقة من المبدعين. هي أيضاً تعشق الأساطير وقصص التاريخ وتتقن صياغتها بلغتها الخاصة.

فاليري تخدش المرآة بخاتم «كونكورد» المرصع بماسة سوليتير بوزن 6 قراريط (ميسيكا)

اكتشفت فاليري أن في صالونات هذا المطعم الخاصة تُروى أسطورة تعود إلى القرن الـ19 مفادها بأن النساء كن يتعمدن خدش المرايا بالأحجار الكريمة، وتحديداً الألماس؛ لاختبار أصالتها. هذه الخدوش لا تزال شاهدة على تلك اللحظات حتى اليوم، وكان من الطبيعي أن تُحفّز خيال المصممة.

يحمل خاتم «ماي توين» الجديد نقشاً خاصاً «Messika x Lapérouse» ليُخلّد هذه الشراكة الفريدة بالذهب والألماس (ميسيكا)

وهكذا وُلدت فكرة استحضار الرابط الأبدي الذي يجمع بين المرأة والألماس من خلال إصدار جديد من تصميم «ماي توين» الأيقوني. جاء هذه المرة مصنوعاً من الذهب الوردي ويجمع بين حجرين من الألماس يزن كلّ منهما 0.60 قيراط؛ أحدهما مقطوع على شكل الكمثرى، والآخر على شكل الزمرد، موضوعين وجهاً لوجه في تناغم عصري يعبّر عن مفهوم «تُوَا إيْ مُوَا (أنت وأنا)». يستمد الخاتم طابعه الرومانسي من امتزاج شكلين متناقضين يكمل كلاهما الآخر، وتحيط بكل حجر هالة من الياقوت الأحمر، في تباين لوني جريء يُجسّد قوة الحب والترابط. كما يعبّر التصميم عن فلسفة «ميسيكا» في الانسجام عبر التناقض بدل التماثل.

نغمات من الأحمر العميق وأطباق شهية شكلت خلفية للألماس (ميسيكا)

تقول فاليري عن هذه الخطوة: «(لابيروز) يلمس قلبي منذ زمن طويل، فهو يجسّد وجهاً من وجوه باريس؛ تلك المدينة التي يسطع فيها الضوء كأنّه صندوق مجوهرات. ما يزيد من أهميته بالنسبة إليّ كيف تُشكّل الألماسات جزءاً من روحه. هذا إضافة إلى أن تاريخه يحمل طابعاً من الحرية والجرأة المبطّنة، وهو ما يتناغم تماماً مع هوية دار (ميسيكا). أردت عبر هذا التصميم أن أنسج خيوطاً بين الماضي والحاضر، وأن أُحيي هذا الطقس الرمزي للحب والألماس الذي خلّف أثره على مرآة الحُب بإحساس بالغ بالرهافة».

الألماس والحب... علاقة أبدية لعبت عليها المصممة (ميسيكا)

لتجسيد هذه المشاعر تعاونت مع المصوّرة أوليفيا هودري لكي تتواصل هذه القصة عبر سلسلة من الصور مستوحاة من عالم «لابيروز» برومانسيته وغموضه، وهو ما يُفسِر الخلفية التي تغلب عليها نغمات الأحمر العميق والعناصر الحسيّة.


كيف تواصل المصممون الجدد مع إرث بيوت الأزياء العريقة؟

كانت تشكيلة آندرسون لـ«ديور» طبقاً دسماً من الأشكال المبتكرة (رويترز)
كانت تشكيلة آندرسون لـ«ديور» طبقاً دسماً من الأشكال المبتكرة (رويترز)
TT

كيف تواصل المصممون الجدد مع إرث بيوت الأزياء العريقة؟

كانت تشكيلة آندرسون لـ«ديور» طبقاً دسماً من الأشكال المبتكرة (رويترز)
كانت تشكيلة آندرسون لـ«ديور» طبقاً دسماً من الأشكال المبتكرة (رويترز)

عُشاق الموضة، كما في أغنية عبد الحليم حافظ، «حائرون... يفكرون... يتساءلون في جنون»: أي عرض كان أفضل من غيره في الأسبوع الماضي؟ ما بين عرض «سكياباريللي»، الذي بلغ فيه دانييل روزبيري أقصى درجات السريالية، وأول تشكيلة «هوت كوتور» لماثيو بلايزي في «شانيل» مطبوعة بالخفة والنعومة، وصولاً إلى «ديور» حيث اجتمع الإبداع بالوفاء.

مزيح مُتنوع بدا فيه «الأسبوع» كأنه سباق أفكار أكثر منه عروضاً لفساتين وإكسسوارات تستعرض أساليب جديدة تحترم جينات كل دار... بل كشف عن ثنائية واضحة هيمنت على «الأسبوع»: سريالية كما في «سكياباريللي« في مقابل رومانسية كما تجلّت في «ديور». وفي كل الحالات، يبدو هذا الموسم كأنه يبحث عن معنى الاستمرارية.

أحجام كبيرة لكن مدروسة وتفاصيل تحفز الحواس وتوقظها كانت أكثر ما ميز تشكيلة جوناثان آندرسون (ديور)

اختلاف الأساليب جعل «أسبوعاً» كان إلى عهد قريب يخاطب شريحة قليلة جداً من النساء وراهن البعض على نهايته منذ عقد من الزمن يغلي بالأفكار... وهذا ما جعله يصمد في وجه الأزمات الاقتصادية التي مرت عليه... تجعله أحياناً يخفت، لكن جذوته لا تنطفئ. الفضل يعود هنا إلى مصممين مسكونين برغبة جامحة في الابتكار وزبونة جديدة تتوق إلى فرض ثرائها بأي ثمن.

باقة قدمها غاليانو إلى آندرسون أطلقت شرارة الإبداع في الأشكال والألوان (أ.ف.ب)

في التسعينات من القرن الماضي كانت هذه الزبونة تتوق إلى التفرد أكثر مما تتوق إلى استعراض جاهها؛ مما فتح الأبواب أمام مصممين بريطانيين لدخول الساحة الباريسية، مثل جون غاليانو والراحل ألكسندر ماكوين، وفيبي فيلو... وغيرهم. الخَضّة الفنية التي حدثت في تلك الحقبة شبيهة بما يحدث في الموسم الحالي. فنحن هنا نتابع دخول مصممين شباب بيوت أزياء كبيرة كانت في أمسّ الحاجة إلى دمائهم الفائرة لِخَضّها وإعادة الحيوية إليها، من ماثيو بلايزي في دار «شانيل» إلى جوناثان أندرسون في دار «ديور»، من دون أن ننسى الأميركي دانييل روزبيري، الذي نجح منذ أكثر من 6 سنوات في وضع بصمته على دار «سكياباريللي». فكما فعل غاليانو وماكوين في التسعينات، يتعامل روزبيري مع «سكياباريللي»، وجوناثان آندرسون وماثيو بلايزي وغيرهما مع الـ«هوت كوتور» بوصفه منصة لتفجير المخيلة. ليس من الضروري أن تقدم أزياء تقوم على الجمال وحده؛ بل بإمكانها أن توقظ مشاعر مربكة تستفز الناظر وتجعله يُفكِر أيضاً.

عهد جوناثان آندرسون الجديد

متابعة لما اقُترح خلال «الأسبوع»، ستجعل ما عُرض لـ«ربيع وصيف 2026» باقياً محفوراً في الذاكرة بوصفه من أعلى المواسم دسماً من ناحية الإبداع، أو على الأقل هذا ما يقوله كثيرون بعد عرض أول تشكيلة من هذا الخط لجوناثان آندرسون، المدير الإبداعي لـ«ديور»... كانت أقرب إلى سيمفونية تغذي كل الحواس؛ لم يخرج فيها عن الإيقاع التاريخي للدار، وفي الوقت ذاته لم يتقيد به حرفياً.

لم يخرج المصمم عن الإيقاع التاريخي للدار وفي الوقت ذاته لم يتقيد به حرفياً (ديور)

يذكر أن الإعجاب به هنا لم يقتصر على الأزياء والإكسسوارات فقط، بل كسب القلوب وامتنان شريحة كبيرة من عشاق الموضة؛ لأنه أعاد الاعتبار إلى المصمم جون غاليانو... صرَح بأنه ملهمه وقدوته وأستاذه. أما سبب الامتنان؛ فيعود إلى أن الحنين إلى عهد غاليانو هو في جوهره حنين إلى الجرأة الإبداعية والخيال الجامح. بالنسبة إلى كثيرين، دخلت «ديور» بعد خروجه في عام 2011 مغضوباً عليه، حالة استقرار تجاري، لكنها فقدت تلك الصدمة البصرية التي تعيد تعريف الـ«هوت كوتور» بوصفه مساحة للسرد التاريخي والمغامرة.

في بودكاست أجراه جوناثان آندرسون مع عمران أميد، مؤسس موقع «بيزينس أوف فاشون (Business Of Fashion)»، قال إن جون غاليانو كان ولا يزال بالنسبة إليه نجماً ساطعاً، بدليل أن اسمه كان في مرحلة من المراحل مرادفاً لاسم الدار. أما على المستوى الشخصي، فعلّق بأن غاليانو علّمه، وهو لا يزال طالباً، أن «يحلم بالحجم الكبير». بعد التخرج استمات باحثاً عن رقم هاتفه على أمل أن يتدرّب لديه. في ذلك الوقت، كان غاليانو في ذروة مجده، فيما كان هو مجرد شاب في بداية الطريق، يراقب من بعيد ويختزن تلك التجربة في ذاكرته المهنية.

كانت تشكيلته لـ«ربيع وصيف 2026» أقرب إلى سيمفونية تغذي كل الحواس (ديور)

نجح التلميذ ولم ينس مُلهمه، لا سيما أنه بات يتنفس إرثه في كل مكان داخل «ديور». عندما انتهى من تصميم مجموعته الأولى من خط الأزياء الجاهزة في العام الماضي، دعاه للأتولييه، ليعرضها أمامه ويسمع رأيه فيها. لم يتأخر غاليانو. حضر وأحضر معه كيساً مليئاً بالحلويات والسكريات من محل «تيسكو» الشعبي، وباقة سيكلامين، أو زهور «بخور مريم» مشبوكة بشريط أسود. هذه الباقة تحوَلت إلى الشرارة التي أشعلت كل شيء في مجموعة الدار لـ«ربيع وصيف 2026».

الإبداع والوفاء

باقة قدمها غاليانو لآندرسون أطلقت شرارة الإبداع في الأشكال والألوان (ديور)

يشرح جوناثان، وفق ما جاء في البيان الصحافي الذي وزعته الدار، أن مجموعته لـ«ربيع وصيف 2026»، بألوانها والتواءاتها والتفافاتها حول الجسم، ليست حنيناً أو اقتباساً حرفياً من الماضي، بل هي «عدسة تفسيرية يعاد من خلالها تفكيك الحاضر وإعادة تجميع عناصره لفتح احتمالات جديدة لتخيله»، مشيراً إلى أنه لا يحاول أن يكون بديلاً لقدوته، بل أن يكون استمراراً له. فـ«ديور»، وفق قوله، «ضخمة لا يمكن وضعها ضمن قالب نهائي، بل يجب التعامل معها على أنها عملية إبداعية مستمرة، تتغير وتتطور مع كل مصمم».

الحب بالورود والأزهار

من هذا المنظور يبدو استحضار الورود امتداداً طبيعياً لذاكرة الدار وليس مجرد خيار جمالي، إذا أخذنا في الحسبان علاقة المؤسس كريستيان ديور بالورود والأزهار. وحتى إذا نسينا، فإن عطور الدار تُذكرنا بهذه العلاقة الأبدية، كذلك أول عرض قدمه راف سيمونز للدار بعد توليه قيادتها الإبداعية بعد خروج غاليانو. غرس مليون وردة في جدران وسقف «متحف رودان» وامتدت هذه الورود إلى التصاميم التي أخذت أشكال ورود متفتحة ومُلتفة من كل الجوانب.

استحضار الورود كان امتداداً طبيعياً لذاكرة الدار وليس مجرد خيار جمالي (ديور)

أعاد سيمونز التجربة في تشكيلته لـ«ربيع وصيف 2016»، حيث صمم ديكورها على شكل تلة علوّها نحو 59 قدماً وغطتها نحو 300 ألف وردة ديلفينيوم باللون الأزرق البنفسجي.

وفق «ديور»، فـ«إننا عندما نستلهم من الطبيعة، فإنها تُعلِمنا أنها لا تُقدّم خلاصات نهائية قاطعة، بل تكشف عن أنظمة في حركة دائمة؛ تتطوّر، وتتكيّف، وتتواصل عبر الزمن». ووفق هذا المنطق، تأتي الأزياء الراقية مختبراً للأفكار وللحرفية على حد سواء، بحيث تتحوّل التقنيات العريقة من ذاكرة الماضي إلى معرفة حيّة نابضة.

فساتين تتراقص بشكل دائري كأنها أزهار تؤدي رقصات صوفية أو اشتاقت إلى أن تُحكى من جديد في انسجام تام بين الجسد والأنا (ديور)

أما كيف ترجم آندرسون هذه الأفكار، فمن خلال فساتين تتراقص بشكل دائري كأنها أزهار تؤدي رقصات صوفية، أو اشتاقت إلى أن تُحكى من جديد، في انسجام تام بين الجسد والأنا. ومع كل حركة، تفتتح حواراً آخر مع أعمال فنانة الخزف ماغدالين أودوندو، التي تعاون معها المصمم لخلق أشكال باستدارات جديدة، ستشكل إضافة لمفردات الدار من دون المساس بأسسها الراسخة.

جون غاليانو... الحاضر بقوة

حضور غاليانو العرض وجلوسه جنب آنّا وينتور؛ عرابة الموضة، كان كافياً لإعادة النقاش بشأن الإرث والمسؤولية وإمكانية البناء على الماضي بدل تفكيكه بنية إعادة بنائه من الصفر، لمجرد استعراض المهارات. فأشكال الورود هنا لم تكن مجرد زخرفة، بل لغة حب، تلخصت في باقة صغيرة قدمها أستاذ لمعجب، وجعلت حضوره جزءاً مؤثراً في سردية هذه اللحظة المؤثرة من تاريخ الدار.

أثره وتأثيره ظهرا أيضاً في الفلسفة العامة لمجموعة أظهر فيها آندرسون أنه يتشارك مع غاليانو قناعة أساسية مفادها بأن الـ«هوت كوتور» لا يُبنى على «الجمال السهل»، بل على فكرة قادرة على إرباك المتلقي ودفعه إلى إعادة النظر فيما يعرفه واعتاده. فوفق رأي آندرسون، يمكن أن تكون الصدمة أداة للبيع؛ لأن الأفكار، لا الصيغ الجاهزة، هي التي تصنع القيمة طويلة الأمد للدار.

«سكياباريللي» تعود للإحساس

بينما اختار آندرسون مساراً عاطفياً يميل إلى الحلم أكثر، تعامل دانيال روزبيري، المدير الإبداعي في دار «سكياباريللي»، مع مفهوم الصدمة في خط الـ«هوت كوتور» بشكل دخل فيه مناطق الألم والنشوة.

يقول روزبيري إنه كثيراً ما يُسأل عن جدوى هذا الخط، «وردِّي ببساطة أنه ليس للحياة اليومية؛ بل هو مساحة تتيح لي التواصل مع ذلك الشاب بداخلي الذي اختار الخيال على الطرق المضمونة... فهو بالنسبة إليّ دعوة إلى التوقف عن التفكير العقلاني، والعودة إلى الإحساس».

نحتت طبقات التول الملون تحت الدانتيل عمقاً بصرياً وضبابية لونية (سكياباريللي)

بين الألم والنشوة

أطلق على هذه المجموعة لـ«ربيع وصيف 2026» عنوان «الألم والنشوة»... ألم الولادة ونشوة الاكتشاف، مما انعكس في «كل تفصيل فتحه المصمم على بوابات الإحساس عندما تقع العين على الفن وتتأمله» وفق ما جاء في البيان الصحافي للدار.

في أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي، وخلال زيارة خاصة إلى «كنيسة سيستينا (Sistine Chapel)» في روما، عاش المصمم لحظة تجلٍّ وهو يرفع عينيه إلى السقف.

شدّته رسومات أنجزها حشد من الفنانين، ثم يأتي مايكل أنجلو في عام 1508 ليضع لمساته ويُغير كل شيء... «في تلك اللحظة»؛ يقول روزبيري، «توقف التفكير وبدأ الإحساس، فبعد 40 عاماً، جاء أنجلو برؤية جامحة وصاخبة بصرياً ليقلب مسار الفن إلى الأبد. كانت أيضاً هشّة ورومانسية بامتياز، يمتزج فيها الألم بالنشوة، امتزاجاً مروّعاً وبديعاً. فمايكل أنجلو لم يشرح؛ فقط أذن للناظرين بفتح باب الإحساس عند تأمّل الفن».

الصحوة الإبداعية

صحوة المصمم الإبداعية ظهرت في ذيول عقارب وإبر سامة وأسنان أفاعٍ... اندمجت في تصاميم تثير التوتر وتحفز على التفكير (سكياباريللي)

في لحظة التجلي هذه، قرر المصمم، ولأول مرة منذ سنوات، أن يتوقف عن التفكير في كيف يجب أن يبدو الشيء... «بدأت أُنصت إلى ما أشعر به في لحظات الإبداع. لم يعد النبض العاطفي يتمحور حول الشكل، بل حول الإحساس: كيف نشعر ونحن نعمل على إنجازه؟ يا لها من راحة... ويا لها من صحوة إبداعية» ظهرت في خطوط حادة تحولت إلى ذيول عقارب وإبر سامة وأسنان أفاعٍ اندمجت في تصاميم تثير التوتر وتحفز على التفكير.

استلهم روزبيري الألوان من طيور الجنة: الوردي والأزرق والزعفراني... وكذلك بعض الأشكال (سكياباريللي)

لكن المصمم يُؤكد أنها ليست تمرداً مطلقاً على الواقع؛ بل هي أيضاً احتفال بالمهارة الجماعية في المشاغل، وحرفية جسّدت ذروة الخيال والمهارة. الدانتيل المقصوص مثلاً نُفِذ بأسلوب نحتي ثلاثي الأبعاد، والريش، بنوعيه الحقيقي والاصطناعي، لُوّن وغُمِس في الراتينغ قبل أن يزين بالكريستال، فيما منحت طبقات التول الملون تحت الدانتيل عمقاً بصرياً وضبابية لونية. أما الألوان فمُستلهمة عموماً من ألوان طيور الجنة؛ الوردي، والأزرق، والزعفراني. بالنسبة إلى الإكسسوارات، وهي من العناصر القوية التي تفخر بها الدار وتميزها، فجاءت برؤوس طيور اصطناعية مصنوعة من ريش حريري، ومناقير راتينغية، وعيون لؤلؤية، إلى جانب رموزها الأيقونية مثل ثقب المفتاح.

ما نجح فيه روزبيري، وجوناثان آندرسون في «ديور»، أنهما لم يجعلا الصدمة، باختلاف لغتها، نقيضاً للحلم، بل جعلاها طريقاً للوصول إلى القلب.


أسبوع باريس للهوت كوتور ربيع وصيف 2026... النجمات يصنعن البريق في باريس

المشهد هذا العام يعطي الانطباع بأن عروض الأزياء ثانوية مقارنة بوجود النجوم (أ.ب)
المشهد هذا العام يعطي الانطباع بأن عروض الأزياء ثانوية مقارنة بوجود النجوم (أ.ب)
TT

أسبوع باريس للهوت كوتور ربيع وصيف 2026... النجمات يصنعن البريق في باريس

المشهد هذا العام يعطي الانطباع بأن عروض الأزياء ثانوية مقارنة بوجود النجوم (أ.ب)
المشهد هذا العام يعطي الانطباع بأن عروض الأزياء ثانوية مقارنة بوجود النجوم (أ.ب)

لا يزال أسبوع الهوت كوتور لربيع وصيف 2026 بباريس مستمراً في إتحاف عشاق الموضة بأجمل الأزياء وأكثرها ابتكاراً. فهذا الموسم يختلف عما تابعناه لسنوات، بفضل دخول مصممين شباب إلى بيوت أزياء كبيرة بدأوا يضخونها بديناميكية غابت عن الساحة طويلاً. من ماثيو بلايزي في دار «شانيل» إلى جوناثان أندرسون في «ديور» وهلم جرا من الأسماء الشابة، التي أكدت لحد الآن قدرتها على إبداع قطع تحاكي اللوحات الفنية، معتمدين على مهارات ورغبة في التميز عوض الاعتماد على إحداث الصدمات لمجرد خلق الجدل.

سفيرات دار «شانيل» بينلوبي كروز شارلوت أوف موناكو ونيكول كيدمان (شانيل)

لكن الملاحظ أن هذا الأسبوع، ومنذ انطلاقه، شهد غزواً غير مسبوق لنجمات وسيدات المجتمع، مثل ريهانا ونيكول كيدمان وبنيلوبي كروز ولورين سانشيز، زوجة الملياردير جيف بيزوس وهلم جرا.

قد يقول البعض إن الأمر عادي بحكم أن بيوت الأزياء تستضيف هؤلاء للحصول على مزيد من البريق في أسبوع قائم أساساً على البريق والتميز. وهذا صحيح لكن الجديد هذه المرة أن التغطيات الصحافية تكاد تتجاهل ما يجري على منصات عروض الأزياء في كثير من الأحيان لتُسلط الضوء على ما يجري خارجها أو في الصفوف الأمامية، بدليل التغطيات على وسائل التواصل تحديداً.

أصبح وجود نجمات في الصفوف الأمامية مسألة وجودية بالنسبة لبيوت الأزياء الكبيرة خاصة (رويترز)

النادي النخبوي يفتح أبوابه للعالم

هذا المشهد يعكس سؤالاً قديماً متجدداً: هل وجود النجمات يطغى على أهمية عروض الأزياء أم أنه يُغذيها ويمنحها حياة أبعد من المنصة؟ الجواب عن هذا السؤال يمكن أن نجده في تغير الزمن من جهة، وثقافة «الهوت كوتور» من جهة أخرى. فرغم الطابع النخبوي لهذا الخط وعدد زبوناته المحدود، فإنه لم يعد حدثاً مغلقاً كما كان عليه في السابق. فقد تبنى منذ سنوات استراتيجية التواصل مع جمهور أكبر عبر المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي، بعد أن انتبه صناع الترف أن صورة واحدة لشخصية مشهورة وهي تصل إلى العرض أو تجلس في الصف الأمامي قد تحقق انتشاراً يفوق تأثير عرض كامل.

المصممون تقبلوا هذا الأمر أيضاً، فالحرفية العالية واحترام معايير الإبداع والاستثمارات الكبيرة التي يتطلبها هذا الخط، لا تساوي شيئاً إذا لم تصل ثمراتها إلى جمهور يحلم بها ويرغب في اقتنائها، أو على الأقل الانتماء على نادي التميز ولو من خلال عطر أو أحمر شفاه أو حقيبة يد.

لورين سانشيز رفقة زوجها جيف بيزوس مؤسس شركة «أمازون» لدى وصولهما عرض «سكياباريللي» (غيتي)

من هذا المنظور، فإن هذا الغزو المكثف هذا الموسم جزء من خطة مدروسة، تتداخل فيها الأدوار بين السفيرة الرسمية للدار مثل نيكول كيدمان والأميرة شارلوت أوف موناكو والنجمة الإسبانية بنيلوبي كروز كسفيرات لدار «شانيل» وبين الزبونة الجديدة مثل لورين سانشيز التي باتت تفرض حضورها في هذه العروض، وبين النجمة المؤثرة مثل ريهانا. هذه الأخيرة مثلاً اضطرت إلى تأخير عرض «ديور» ما يقرب الساعة انتظاراً لوصولها.

للزمن الجديد متطلباته

النجمة ديمي مور في عرض «سكياباريللي» (سكياباريللي)

هذا الكم من النجوم والاهتمام المتزايد بهم في هذا الموسم يتزامن مع التغيرات التي تشهدها الموضة ككل. فدار «فالنتينو» تقدم أول عرض لها بعد رحيل مؤسسها فالنتينو غارافاني، بينما قدَّمت دار «جيورجيو أرماني» عرضاً ذكَّر الكل بغيابه وكأنهم كانوا قبل ذلك يقاومون الإحساس بفقده. إضافة إلى كل هذا، فإن تصدر مصممين شباب المشهد في وقت عصيب بسبب تراجع الإيرادات، يُحتِم تقبل أن هذه الشخصيات بكل ما تثيره من ضجيج إعلامي ضرورية، كونها تلعب دور الوسيط بين الرؤية الإبداعية وبين جمهور واسع. لذلك فإن الاستثمار في حضور أسماء لامعة هو جزء من استراتيجية تعزز الصورة على المدى البعيد.