«الأمير الصغير»... قصّة للأطفال أم رواية فلسفية؟

الأوساط الثقافية الفرنسية تحتفي بمرور ثمانين سنة على صدورها

أنطوان دو سانت إكزوبري في طائرته - غلاف رواية الأمير الصغير
أنطوان دو سانت إكزوبري في طائرته - غلاف رواية الأمير الصغير
TT

«الأمير الصغير»... قصّة للأطفال أم رواية فلسفية؟

أنطوان دو سانت إكزوبري في طائرته - غلاف رواية الأمير الصغير
أنطوان دو سانت إكزوبري في طائرته - غلاف رواية الأمير الصغير

تبدو في الوهلة الأولى كتاباً للأطفال برسوماتها المرحة وأسلوبها السردي البسيطـ لكن القارئ لرواية «الأمير الصغير»، سرعان ما يكتشف أنها رواية عميقة شاعرية عن المنفى والطفولة والحب والتضحية ومعانٍ أخرى عميقة وجدت صداها في كل ثقافات العالم. ورغم إجماع الكّل على القيمة الأدبية لهذا العمل فإن الآراء اختلفت حول تصنيفها فمن يعتبرها قصّة للأطفال أو رواية فلسفية، وحتى رواية سياسية، أو كتابة تحليلية تغوص في أعماق نفسية الطفل الذي يوجد بداخل كل واحد فينا. هذا الاختلاف جعل الرواية مرتعاً خصباً للبحوث والدراسات بدأ بالغلاف ودلالات رسوماته وأشكاله الهندسية والعنوان وإلى غاية الإيحاءات الرمزية التي تمثلها عناصر الرواية كالوردة والكوكب والخروف والثعلب.
الرواية التي تحتفل الأوساط الثقافية بمرور ثمانين سنة على ظهورها، هي من أشهر أعمال الأديب الفرنسي أنطوان دو سانت إكزوبري وأكثر الروايات انتشاراً في العالم، حيث بيع منها أكثر من ثمانين مليون نسخة، وترجمت لأكثر من مائتي لغة (وهي الرواية الأكثر ترجمة بعد الإنجيل) كما أن صحيفة لوموند اختارتها كواحدة من أفضل الأعمال الأدبية التي ميزت القرن العشرين. الرواية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بأسطورة «الكاتب الطيار»، وهي جزء من أدب أنطوان دو سانت إكزوبري. فكتابه «ريح ورمال ونجوم» تناول الطيران كمغامرة، وفي «أرض الرجال» كتب عن بسالة وتضحيات الطيارين الفرنسيين في مواجهة الاحتلال النازي. أما رواية «طيران في الليل»، فقد استقاها من تجاربه في الطيران التجاري في أميركا الجنوبية، إلى غاية «الأمير الصغير»، التي يظهر فيها البطل كطيار سقطت طائرته في مكان ما من صحراء شمال أفريقيا، وهي الأسطورة التي رافقت الكاتب الفرنسي إلى آخر أيامه، حيث وافته المنية وهو على متن طائرته صيف 1944. الرواية مرتبطة أيضاً بالمنفى الأميركي للكاتب الذي كان قد لجأ إليه بعد هزيمة فرنسا، آملاً في لعب دور في عودة الحلفاء إلى الأرض الأوروبية وإنقاذها من العدو النازي، وقد كان سانت إكزوبري آنذاك، مقارنة بالمثقفين الفرنسيين الآخرين الذين هاجروا إلى أميركا هرباً من النازيين أمثال أندريه بروتون وليفي ستراوس، الأكثر شهرة وشعبية على الإطلاق. المعروف أيضاً أن فكرة الرواية ولدت في نيويورك عام 1942 وجاءت من ناشره الأميركي، وتحديداً من زوجة هذا الناشر، التي حاولت شغله بالكتابة بعد أن لاحظت عليه بوادر الكآبة بسبب معاناته من العزلة في منفاه البعيد، وهي الإشكالية التي ظهرت بشكل واضح في عمل الكاتب، فكلا الشخصيتين: الطفل والطيار بعيد عن موطنه ومشتاق إلى العودة إليه. وقد كان الباحث الأميركي جاكوب غرييل قد قدم في كتابه «العلوم السياسية للأمير الصغير» (دار نشر بوكس) هذه الرواية على أنها «دليل ممتاز لفن الحكم السياسي»، مقارناً إياها بكتاب «الأمير» لمكيافيللي. فكلاهما كما يقول الكاتب الأميركي، يتضمن دروساً للكبار، ما عدا أن «الأمير الصغير» يبحث عن الآخرين لا لفرض سلطته عليهم بالخوف، بل للاستفادة من رفقتهم وحديثهم. ففي إحدى فقرات القصّة يقف الأمير الصغير على قمة الجبل صارخاً: «كونوا أصدقائي..... أنا تعيس...».
سؤال آخر يعود مراراً بخصوص هذه الرواية: هل هي موجهة للأطفال أم للكبار؟ والاستفهام مبرر إذا علمنا أن سانت إكزوبري قد وجّه في مقدمة عمله إهداء لصديقه العزيز ليون فيرس موضحاً: «أقدم اعتذاري للأطفال لأني أهديت هذا الكتاب لواحد من الكبار، لكن لي عذر جاد، وهو أن هذا الشخص من الكبار هو أفضل صديق لي في هذا العالم، ولي عذر آخر هو أن هذا الشخص يستطيع فهم كل شيء حتى كتب الأطفال... وإن لم تكن كل هذه الأعذار كافية، فسأهدي هذا الكتاب إلى الطفل الّذي كانه هذا الشخص الراشد. كل الأشخاص الكبار كانوا أطفالاً صغاراً، ولكن قليلاً منهم من يتذكر ذلك، أصحّح إهدائي وأقول إلى ليون عندما كان... صغيراً»، فهل كتب سانت إكزوبري الرواية مخاطباً بها الطفل أم الراشد الذي حافظ على روح الطفل بداخله؟ حين سئل الفيلسوف الألماني المعروف مارتن هايدغر صاحب كتاب «دروب موصّدة» عن أهم كتاب قرأه في حياته أجاب دون تردّد «الأمير الصغير»، مضيفاً بأنه «ليس كتاباً موجهّاً للأطفال... بل هو رسالة شاعر عظيم يخفف عنا كل أشكال الوحدة وهو الذي يقودنا إلى فهم الأسرار العظيمة لهذا العالم»... وفي كتابها «الأمير الصغير، لغز الوردة» (دار نشر لارماتان) تكتب الفيلسوفة الفرنسية لورانس فانان ما يلي: «(الأمير الصغير) رواية فلسفية استثنائية تحت ستار نص شعري مكتوب للأطفال لكنها تستهدف الراشدين» لورانس فانان تذهب لغاية دعوتنا بعدم ترك الرواية في أيدي الأطفال، ولا سيما الصغار سناً لأنهم ليسوا ناضجين وليسوا مستعدين بما فيه الكفاية لاستيعاب دقتها الرائعة. أستاذ الأدب الفرنسي والحاصل على جائزة «غونكور» للسيرة الذاتية فيليب فورست يقدم إجابة أكثر تعقيداً حيث يكتب: «(الأمير الصغير) مواجهة بين طفل وشخص راشد ودمج لقصّة للأطفال داخل رواية للكبار هذه الازدواجية تمنح الرواية خصوصية، وهي أننا نستطيع قراءتها من منظور الشخص الراشد، ولكن أيضاً من منظور الطفل وكأن أعظم إنجاز لسانت إكزوبري هو هذه الكتابة العبقرية التي تسمح بهذه القراءة المزدوجة والمتكاملة». ومن الناحية السّردية، يواصل الباحث: «تقع الرواية في مفترق الطرق بين جنسين أدبيين هما رواية المغامرة الخيالية والفانتازيا، فالقارئ أمام خيارين فإما أن يقتنع بقصّة الصداقة التي تجمع بين الأمير الصغير والطيار وإما أن يسلم بأن لقاء الشخصيتين هو نتيجة هلوسات طيار ضائع ومرهق وسط صحراء قاحلة». وإن لم تكن «الأمير الصغير» رواية للأطفال فهي على الأقل، حسب الباحث الفرنسي فيليب فورست، كتابة سردية حول عالم الطفولة والبراءة والخيال الجامح مثل ما كانت عليه رواية «بيتر بان» لجيمس ماثيو باري أو «أليس في بلاد العجائب» للويس كارول. البعض يذهب إلى غاية تصنيفها بالسيرة الذاتية، فالقصّة حسب بعض المحللّين النفسانيين استحضار لصدمات الطفولة البعيدة التي عاشها أنطوان دو سانت إكزوبري، ولا سيما بعد وفاة أخيه الأصغر فرنسوا وهو في سن الرابعة عشر بمرض عضال. كما أن القصّة تترك أيضاً انطباعاً بأن الكاتب يحتفل بخيال الأطفال وفضولهم. فالشخص الراشد (الراوي) هو في الواقع طفل اصطدم بعمى عقول وعيون الكبار، فاختار الطائرة بديلاً عن ريشة الرسام... واختار السماء عوضاً عن الأرض... حيث يكتب الراوي مدافعاً عن موقف الأطفال ضد الراشدين بأن الكبار نصحوه بترك الرسم، والاتجاه لدراسة الجغرافيا، والتاريخ والحساب، وقواعد اللغة. ولذلك في عمر ست سنوات اعتزل بطلنا الرسم، واتجه لاختيار مهنة أُخرى. يقول عن ذلك: «لقد عشت كثيراً وسط الأشخاص الكبار، فرأيتهم عن كثب.
ولم يغير هذا الاحتكاك من موقفي الشيء الكثير، لما كنت أصادف أحدهم وأتوسم فيه قدراً من الذكاء، كنت أختبره برسمي رقم 1 لكنه كان يجيب (إنها قبعة) فلا أحدثه بعدها لا عن ثعبان البوا ولا عن الغابة العذراء ولا عن النجوم، وكنت أجاريه وأحدثه عن لعبة البريدج أو الغولف، أو عن السياسة أو ربطات العنق ويحس هذا الشخص الراشد بالسرور لأنه تعرف على إنسان بهذا القدر من الحصافة». في الفقرة الأولى من روايته، يوحي إكزوبري أن الكبار قد فقدوا القدرة على التخيل، وهم لا يفهمون أفكار الصغار، وأحلامهم ولغتهم. وهم دائماً يحاولون إبعاد أطفالهم عن الخيال، وسحبهم لأرض الواقع.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

مصر تطلق منصة رقمية لمواجهة الشائعات باستخدام الذكاء الاصطناعي

المنصة الخاصة بمواجهة الشائعات (رئاسة مجلس الوزراء)
المنصة الخاصة بمواجهة الشائعات (رئاسة مجلس الوزراء)
TT

مصر تطلق منصة رقمية لمواجهة الشائعات باستخدام الذكاء الاصطناعي

المنصة الخاصة بمواجهة الشائعات (رئاسة مجلس الوزراء)
المنصة الخاصة بمواجهة الشائعات (رئاسة مجلس الوزراء)

أعلن المركز الإعلامي لمجلس الوزراء المصري عن إطلاق منصة «شات EGYPT» لمواجهة الشائعات، ضمن فعاليات «منتدى مصر 2026»، بوصفها أكبر منصة رقمية وتفاعلية موحدة لمواجهة الشائعات باستخدام الذكاء الاصطناعي، موضحاً أن المنصة أداة ذكية للتحقق من المعلومات، وتعزيز إتاحة الحقيقة من مصدرها الرسمي.

ووفق ما ذكره مركز المعلومات على صفحته، الاثنين، «تمثل المنصة أداة متكاملة لرصد الشائعات والتحقق منها والرد عليها، اعتماداً على منهج مؤسسي يضمن إتاحة المعلومة الصحيحة من مصدرها الرسمي وفي التوقيت المناسب».

وتضم المنصة 4 أقسام رئيسية، هي: «ركن الأخبار، والتوعية، والإحصائيات، واستفسارات المواطنين».

وتعتمد المنصة على تقنيات الذكاء الاصطناعي لتحليل النصوص والصور ومقاطع الفيديو، وربطها بالسياق الزمني والمعلوماتي الصحيح، بما يساعد على اكتشاف المحتوى المضلل والتلاعب بالمعلومات مبكراً، وفق ما نشره مركز معلومات مجلس الوزراء، مؤكداً أنه تم إدخال أكثر من 21 ألف عنصر بياني على المنصة حتى الآن، بالإضافة إلى التصريحات اليومية للمسؤولين في وسائل الإعلام.

وتعتمد المنصة على التكامل والتنسيق المؤسسي بين الوزارات والهيئات والمحافظات، من خلال نظام عمل لا مركزي يتيح لكل جهة رسمية إدراج البيانات والمعلومات المعتمدة الخاصة بها وفقاً لاختصاصاتها، بما يضمن سرعة تصحيح المعلومات المتداولة.

ووفق المتخصصة في الإعلام الرقمي وعضو مجلس إدارة مركز أبحاث ودراسات الرأي العام بكلية الإعلام جامعة القاهرة الدكتورة سارة فوزي فإن «منصة Chat Egypt لمكافحة الشائعات التي أطلقها المنتدى خطوة مهمة نحو توظيف التكنولوجيا في خدمة الوعي ودعم التحقق من المعلومات، ومواجهة المحتوى المضلل، وتعزيز قدرة المواطن على الوصول إلى معلومات أكثر دقة وموثوقية».

وتضيف فوزي لـ«الشرق الأوسط»: «أعتقد أن المعركة الحقيقية مع الشائعة لا تبدأ بعد انتشارها، بل قبل ذلك من خلال بناء مناعة معرفية ورقمية لدى الجمهور؛ لأن حماية الوعي تبدأ من حماية الحقيقة، ومواجهة الشائعة تبدأ بمُواطن يعرف كيف يسأل ويتحقق قبل أن يصدق أو يشارك المعلومة، فيتحول هنا المواطن إلى مدقق معلومات بصورة استباقية بدلاً من تورطه في نشر الشائعة».

وتعد منصة «شات EGYPT» خطوة جديدة نحو سرعة رصد الشائعات، والتحقق منها، والرد عليها، بما يحد من انتشارها قبل اتساع نطاق تداولها، وفق ما ذكره مركز المعلومات.

ويرى الخبير في الإعلام الرقمي و«السوشيال ميديا» محمد فتحي أن منصة «شات EGYPT» خطوة مهمة لمواجهة الشائعات، ونقل الأمر من منطق رد الفعل المتأخر إلى منطق الإتاحة الفورية للمعلومة الرسمية، في بيئة تنتشر فيها الشائعة أسرع من التصحيح.

مركز معلومات مجلس الوزراء يبرز منصة مكافحة الشائعات (فيسبوك)

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «نجاح المنصة مرهون بعدة عوامل، أولها الدقة والتحديث المستمر، وكذلك الشفافية، وذكر المصدر في كل معلومة، والاعتراف بحدود ما تعرفه المنصة بدلاً من التخمين لمجرد الرد والاستجابة، وأيضاً سرعة الاستجابة نفسها وكذلك الانتشار والتوعية؛ فالمنصة لن تكون مفيدة ما لم تصل إلى الشباب على المنصات التي يستخدمونها بالفعل، كما أن مواجهة الشائعات لا تقتصر على الأدوات التقنية، بل تحتاج إلى تعزيز الثقافة الإعلامية لدى الجمهور، وإلى سياسة اتصال حكومي تتيح المعلومات استباقياً، فالمنصة أداة قوية، لكنها جزء من منظومة».

وكان مجلس الوزراء قد ناقش في ديسمبر (كانون الأول) ضرورة أن تكون هناك وحدات رصد مبكر في جميع الوزارات لرصد الشائعات وبحثها، والرد عليها وتفنيدها في مهدها؛ حتى يتم وضع حد مبكر لانتشارها.

وعدّت صاحبة مبادرة «ثورة الذكاء الاصطناعي» إيمان الوراقي هذه المنصة «خطوة مهمة؛ لأنها تنقل مواجهة الشائعات من ردود الفعل المتأخرة إلى التحقق السريع، وتمنح المواطن طريقاً مباشراً إلى المعلومة الموثوقة من مصدرها». وتضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «الاختبار الحقيقي لهذه المنصة لن يكون مع إطلاقها بل عند أول شائعة كبرى تنتشر أسرع من قدرة المؤسسات على الرد عليها».

وأضافت الوراقي: «التحدي الحقيقي هو أن تقدم المنصة للمواطن (الحقيقة من مصدرها) بصورة سريعة، واضحة، ومسنودة بالأدلة، لا أن تكتفي بنفي ما يتم تداوله، كما أن مواجهة الشائعات لا تعني مطاردة كل منشور كاذب، فالأهم هو معالجة البيئة التي تجعل الشائعة قابلة للتصديق والانتشار، وفي مقدمتها غياب المعلومة أو تأخرها أو غموضها».

وتناول الاجتماع المشار إليه آنفاً لمجلس الوزراء «العمل على إعداد مشروع قانون ينظم إتاحة وتداول البيانات امتثالاً لحكم المادة (68) من الدستور، بما يحقق التوازن بين تحقيق الشفافية، وتوافر المعلومات والبيانات والإحصاءات، وحماية المعلومات والبيانات السرية، وبين تحقيق الردع والتصدي الفعال للشائعات والأخبار الكاذبة».


«بومة»... امرأة تنتزع نفوذها بالعنف وتختبر الأمومة

الفيلم يشارك في مهرجان الجونة السينمائي (إدارة المهرجان)
الفيلم يشارك في مهرجان الجونة السينمائي (إدارة المهرجان)
TT

«بومة»... امرأة تنتزع نفوذها بالعنف وتختبر الأمومة

الفيلم يشارك في مهرجان الجونة السينمائي (إدارة المهرجان)
الفيلم يشارك في مهرجان الجونة السينمائي (إدارة المهرجان)

يقترب الفيلم الأردني «بومة»، الذي عُرض ضمن فعاليات مهرجان «الجونة السينمائي»، من حياة امرأة دفعتها نشأتها القاسية إلى انتزاع مكانتها داخل عالم تحكمه سطوة الرجال. ومن خلال بطلة تتوسل العنف لحماية نفسها، يفتح المخرج زيد أبو حمدان أسئلة عن الوصم والانتماء وحدود الخيارات المتاحة للنساء في بيئة اجتماعية تضيق فيها فرص الحماية والاستقلال، متتبعاً صراعها حين توقظ علاقتها بطفلين حاجتها إلى العائلة، وتضعها أمام مسؤولية الرعاية بعدما اعتادت مواجهة الحياة وحيدة.

وتؤدي الممثلة ركين سعد شخصية تحمل آثار الإقصاء في علاقتها بنفسها وبالآخرين؛ إذ نشأت من دون اسم عائلة يوفر لها الحماية، في بيئة يرتبط فيها الاعتراف الاجتماعي بالنسب وشبكات القرابة. ويصبح البحث عن مكان داخل هذا المجتمع معركة مستمرة، وتغدو قدرتها على فرض حضورها تعويضاً عن غياب السند. ومن هنا تنشأ المفارقة التي تحكم حياتها: كلما اتسعت مساحة نفوذها، ظل إحساسها بالأمان مهدداً، وبقي عليها أن تثبت قوتها من جديد.

وتدور أحداث الفيلم في أحياء مهمّشة من عمّان، حيث تعيش بومة داخل عالم تتداخل فيه الجريمة مع تدبير شؤون الحياة اليومية، وتتحكم في علاقاته المصالح والخوف. وتبني لنفسها نفوذاً في مواجهة رجال العصابات وتجار المخدرات، قبل أن يدخل طفلان إلى حياتها، فتجد نفسها أمام أسئلة تتعلق بالأمومة والانتماء. وبالتزامن مع هذه العلاقة، تصعد قوة إجرامية أكثر تنظيماً تهدد موقعها، وتدفعها إلى المفاضلة بين الحفاظ على سلطتها وحماية المقربين منها.

وتنبع صعوبة وضعها من أن العنف الذي تستخدمه يحفظ لها مكانتها، لكنه يربطها أيضاً بمصدر الخطر. فقد تعلّمت قواعد الشارع وتبنّت أساليب الرجال المسيطرين عليه، حتى أصبحت القسوة جزءاً من الطريقة التي تقدم بها نفسها وتتعامل بها مع محيطها. ولهذا تبدو قدرتها على المواجهة محمّلة بثمن نفسي، فهي مطالبة بإخفاء ضعفها باستمرار.

ويمنح دخول الطفلين إلى حياتها هذا الصراع وجهاً أكثر خصوصية؛ إذ يضعها أمام احتياجات لا تستطيع تلبيتها بمجرد فرض النفوذ. فالرعاية تقتضي الصبر والثقة والقدرة على الاقتراب، وهي أمور يصعب على امرأة تشكّلت خبرتها عبر الخذلان أن تمنحها بسهولة. وتصبح علاقتها بهما اختباراً لما تستطيع تقديمه خارج حدود الحماية بالقوة، ويكتسب التفكير في المستقبل معنى مختلفاً بعدما صار لقراراتها أثر مباشر في حياة طفلين يعتمدان عليها.

ويرى الناقد السينمائي المصري طارق الشناوي أن المخرج زيد أبو حمدان راهن في فيلم «بومة» على شخصية استثنائية، تفرض قانونها الخاص على المكان الذي تعيش فيه، وتستمد سلطتها من قدرتها على إخضاع الآخرين لقواعدها، بعيداً عن القانون العام الذي يُفترض أن ينظم حياة الجميع.

صُوِّر الفيلم في مواقع أردنية عدَّة (حساب ركين سعد على «فيسبوك»)

ويضيف الشناوي لـ«الشرق الأوسط» أن «هذه الظاهرة موجودة في مجتمعات مختلفة حول العالم، بينما تأتي خصوصية المعالجة من إسناد هذه القوة المفرطة إلى امرأة تمارس سطوتها على محيطها».ويؤكد أن «ركين سعد تعاملت مع الشخصية بجدية واضحة»، مشيراً إلى أن الخط الإنساني يمثل جانباً مهماً في بنائها؛ لأنه يكشف مواضع الضعف داخل امرأة تبدو قادرة على السيطرة وفرض إرادتها. ويلفت إلى أن الجانب العاطفي الكامن فيها يجعلها تفقد قدراً من سطوتها، ويمنح الصراع بُعداً يتصل بما يحدث داخل الشخصية حين تصبح مشاعرها مؤثرة في قراراتها وقدرتها على الاحتفاظ بنفوذها.

ومع تبدّل موازين القوة حولها، تتكشف هشاشة الموقع الذي انتزعته بسنوات من المواجهة؛ فالنفوذ الشخصي يصبح معرّضاً للتراجع أمام منظومة إجرامية أوسع تنظيماً، بينما يضاعف ارتباطها بالطفلين إحساسها بالخطر. وتزداد المفاضلة تعقيداً لأن التخلي عن السلطة قد يعيد إليها شعورها القديم بالعجز، في حين أن التشبث بها يطيل بقاءها داخل دائرة التهديد. أما احتمال الرحيل، فيحمل سؤالاً عما تستطيع أن تكونه بعيداً عن المكان الذي صنع اسمها.

ويأخذ الشناوي على الفيلم «ارتفاع حدة التعبير على مستويات متعددة؛ فالموسيقى والأداء والأحداث، إلى جانب الصوت والصورة، تتضافر في صناعة حالة متواصلة من الصخب». ويؤكد أنه كان يتمنى مساحة أكبر من الهدوء الدرامي تسمح بتخفيف هذه الحدة، «لأن رسالة الفيلم وصلت بالفعل، لكن كان بالإمكان إيصالها بدرجة أقل من الصخب، مع الحفاظ على مضمونها وتأثيرها الإنساني».

فيلم «بومة» من تأليف زيد أبو حمدان وإخراجه، وبطولة ركين سعد، وجوانا عريضة، ومجد عيد، ونبيل الراعي، وفرح بسيسو، وحنان حلو.


قميص صلاح يجدد «دبلوماسية كرة القدم» بين القاهرة وأنقرة

رئيس الوزراء المصري خلال افتتاح معرض «تراثنا» (إكس)
رئيس الوزراء المصري خلال افتتاح معرض «تراثنا» (إكس)
TT

قميص صلاح يجدد «دبلوماسية كرة القدم» بين القاهرة وأنقرة

رئيس الوزراء المصري خلال افتتاح معرض «تراثنا» (إكس)
رئيس الوزراء المصري خلال افتتاح معرض «تراثنا» (إكس)

جددت لفتة من مسؤول تركي دبلوماسية كرة القدم، بإهدائه رئيس الوزراء المصري قميص نادي طرابزون التركي الذي يلعب لصالحه قائد منتخب مصر محمد صلاح.

وتجسدت دبلوماسية كرة القدم في مواقف عدة وأحداث سابقة ربطت بين كرة القدم والسياسة، كان من بينها أنباء نشرتها صحف تركية قبل شهر عن ترحيب الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بلقاء محمد صلاح في القصر الرئاسي بأنقرة، بعد استقراره في النادي التركي، وفق ما ذكره رئيس النادي، دون تحديد موعد محدد للَّقاء المرتقب.

وفي الأيام الماضية، خطف الاهتمام مشهد مسؤول بالجناح التركي في معرض «تراثنا» الذي يقام في القاهرة وتشارك فيه دول كثيرة، وهو يهدي رئيس الوزراء المصري، الدكتور مصطفى مدبولي، نسخة من قميص نادي طرابزون سبور التركي، وقد كُتب عليها اسم محمد صلاح، في لفتة طريفة حظيت باهتمام وانتشار واسع في وسائل الإعلام التركية والعربية.

جاء ذلك على هامش افتتاح مدبولي الدورة الثامنة لمعرض «تراثنا 2026» لدعم الحرف اليدوية والتراثية، تحت شعار «أصل الحكاية»؛ إذ تفقَّد الجناح التركي بالمعرض في مشهد حظي باهتمام لافت؛ خصوصاً مع ظهور علامات السعادة على وجه مدبولي ومرافقيه من الوزراء والمسؤولين، لدى تسلمه القميص المميز للفريق التركي الذي يحمل اسم قائد منتخب مصر محمد صلاح.

يذكر أن المعرض المقام في مركز مصر الدولي للمعارض، خلال الفترة من 17 إلى 24 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي يحظى بمشاركة تركية هي الأولى من نوعها.

كما زار مدبولي جناح المملكة المغربية (ضيف شرف المعرض)، وجناح دولة الإمارات العربية المتحدة، وجناح جمهورية الجزائر. ولدى تفقده الجناح التركي اطَّلع مدبولي على جانب متميز من الحرف والفنون التي تعكس عراقة التراث التركي، بينما أكد القائمون على الجناح أهمية معرض «تراثنا» كنافذة إقليمية ودولية ملهمة لإبراز هذه الفنون والتقاليد الأصيلة، ومد جسور التواصل والتقارب الثقافي.

ويرى الناقد الرياضي المصري أيمن أبو عايد أن «العلاقات المصرية التركية قديمة وممتدة خلال عصر الدولة المصرية الحديثة، وهناك علاقات مصاهرة كثيرة بين البلدين امتدت عقوداً طويلة. وكان الاستقبال الأسطوري الذي حظي به صلاح بعد انتقاله إلى الدوري التركي معبراً عن عمق تلك العلاقات، مكرراً ما حظي به من قبل في ليفربول مع الجماهير الإنجليزية. ولفتة المسؤول التركي أكدت أن الرياضة وصلاح من أدوات قوة مصر الناعمة التي تساعد في امتداد علاقاتها وتجديدها».

محمد صلاح في نادي طرابزون التركي (فيسبوك)

ومنذ انتقاله إلى صفوف طرابزون سبور في أغسطس (آب) الماضي، يحظى اللاعب المصري محمد صلاح باهتمام إعلامي واسع في تركيا، وأشار البعض إلى إمكانية انعكاس هذا الاهتمام على شعبية النادي، وعلى مكانة المدينة وتأثيرها على مستوى الرياضة والسياحة.

ويضيف أبو عايد لـ«الشرق الأوسط»: «طبعاً المسؤول التركي يعلم أهمية صلاح وشعبيته الكبيرة في مصر، وإهداء قميصه إلى رئيس الوزراء يعد تعبيراً عن سعادة تركيا، مسؤولين وجماهير، بانتقال صلاح للَّعب في طرابزون سبور التركي؛ حيث كان لوجوده دور في الدعاية والترويج للمدينة».

وامتد الاهتمام بصلاح في تركيا إلى الإعلان عن إطلاق اسمه على الشارع الذي يقيم فيه، كما شهدت مدينة طرابزون رسم جدارية ضخمة تحمل صورته بقميص النادي.