ماريا كازاريس وألبير كامو: الحب العاصف الذي جعل العالم مكاناً أكثر رحابة

علاقتهما العاطفية استمرت 15 عاماً وانتهت بحادثة سير مفجعة

ماريا كازاريس وألبير كامو
ماريا كازاريس وألبير كامو
TT

ماريا كازاريس وألبير كامو: الحب العاصف الذي جعل العالم مكاناً أكثر رحابة

ماريا كازاريس وألبير كامو
ماريا كازاريس وألبير كامو

إذا كان الحب بأشكاله المختلفة تعبيراً بالغ الدلالة عن حاجة البشر إلى ظهير عاطفي يشد أزرهم في مواجهتهم القاسية مع الزمن والوحشة والموت، فإن الحاجة إليه تصبح أكثر إلحاحاً في أزمنة الحرب والأوبئة الفتاكة والكوارث الطبيعية؛ حيث يجهد الكائن الإنساني في البحث عن كنف وملاذ ملائم للاحتماء من هول الواقع وجحيمه الكارثي. ورغم أن الحاجة إلى الآخر المعشوق تنسحب على البشر العاديين بمختلف شرائحهم، فإنها تتخذ مع الكتّاب والمبدعين طابعاً أكثر ضراوة، وبخاصة في زمن الحرب حيث تصبح الذات النرجسية عرضة للتهديد والتشظي الكامل. ولعلنا نستطيع في ضوء هذه الملاحظة أن نقف على الأسباب الفعلية التي جعلت معظم كتاب الغرب ومبدعيه يندفعون أثناء حربي القرن الفائت العالميتين، للدخول في علاقات غرامية عاصفة لم يكن السرير الزوجي مسرحها الوحيد. ولم تكن العلاقة الجامحة التي جمعت بين ألبير كامو وماريا كازاريس، سوى واحدة من عشرات العلاقات المماثلة التي رسمت الأقدار لبعضها مصائر ومآلات أكثر مأساوية من الحرب نفسها.
على أن أي مقاربة عميقة لشخصية كامو وأدبه وتكوينه النفسي والعصبي، لا يمكن أن تتم بمعزل عن يتمه المبكر وحرمانه العاطفي وظروف نشأته القاسية. فكامو الذي ولد في قرية صغيرة، شرق الجزائر عام 1913، لم يكن يتجاوز عامه الأول حين سقط أبوه قتيلاً في معركة المارن، مع بداية الحرب العالمية الأولى. كما أن لجوء أمه الإسبانية المصابة بالصمم، إلى العمل في خدمة المنازل، لإعالة الأسرة التي تضمه مع أخيه وجدّته وعمه الكسيح، لم يكن بالأمر العادي الذي تمكن الطفل من تجاوزه بسهولة، بل كانت له آثاره العميقة في سلوكه ومواقفه السياسية وأعماله الروائية. ورغم أن نظام التعليم الفرنسي مكّنه من إنهاء دراساته العليا في جامعة الجزائر، ووفّر له سبل الاطلاع على تراث بلاده الأدبي وثقافة عصره، فإن إصابته بمرض السل، التي رسخت يقينه المزمن بعبثية الوجود وقسوته، لم تثنِه مع ذلك عن مقارعة أقداره الصعبة عبر 3 أسلحة متلازمة. هي قوة الحب وصلابة الموقف وسطوة اللغة.
ولعل مكابدات كامو الشاقة وأزماته الصحية والنفسية والمعيشية، هي التي تفسر انضمامه إلى الحركات المناهضة للفاشية، وانخراطه شاباً في صفوف الحزب الشيوعي الفرنسي، الذي انفصل عنه بعد 3 سنوات من التحاقه به. إلا أن كونر أوبراين يرى في كتابه عن كامو أن هذا الأخير لم يتفاعل مع التجربة الشيوعية، ولا مع فلسفة كارل ماركس، بقدر ما تفاعلت أفكاره مع كتابات نيتشه وأندريه جيد وأندريه مالرو. أما اعتناقه للفلسفة الوجودية التي نادى بها سارتر في تلك الحقبة فلم يدم طويلاً، ليس فقط بسبب اعتناقه اللاحق لفلسفة العبث والتمرد، بل لخلافات بين الطرفين، بعضها شخصي، وبعضها تسبب به ولاء سارتر المطلق للنموذج الشيوعي السوفياتي، وصولاً إلى سكوته التام عن الاستبداد الستاليني المفرط في دمويته. ومع أن العبث عند صاحب «الغريب» لم يكن يفضي إلى العدمية والفوضى، بل إلى التمرد على الواقع والسعي إلى تغييره والانحياز إلى قضايا الشعوب العادلة، فإن ما لم يغفره له كثيرون هو إصراره الحاسم على اعتبار الجزائر جزءاً من الأرض الفرنسية. ولم تكن دعوته لإنصاف الطبقات المحرومة والتخفيف من عنف السلطة الفرنسية الحاكمة وقبضتها الصارمة على الشعب الجزائري، لتلقى التفهم والقبول اللازمين من قبل ملايين المدافعين عن حق الشعوب في تقرير مصيرها، أو من قبل الجزائريين المنادين بالاستقلال.
أما على المستوى العاطفي، فقد كان لغياب الأب المبكر ومشاغل الأم التعيسة، الأثر الأكبر في دفع كامو المفتقر إلى الرعاية والحدب، للبحث عن ملاذ دافئ يجنبه صقيع الحياة ووحشتها. وهو ما يفسر ولعه المفرط بالنساء وتعدد علاقاته الغرامية التي وفرتها له جاذبيته الشخصية من جهة، وانخراطه في عالم المسرح ومناخاته المنفتحة من جهة أخرى. ومع ذلك فقد آل زواجه المتسرع من الممثلة سيمون هيي إلى فشل ذريع، ليس فقط بسبب إدمانها على المخدرات، بل بسبب خيانتها له مع طبيبها المعالج. وبعد انفصاله عن زوجته الأولى بـ5 سنوات، التقى كامو في باريس بفرانسين فور، عازفة البيانو ومدرسة الرياضيات والمولودة مثله في الجزائر. ورغم أنه كان في تلك الفترة عاطلاً عن العمل، فلم يتوانَ الكاتب الشغوف بالسباحة وكرة القدم عن الزواج من فرانسين عام 1940، إلا أن قدر الزوجين الصعب شاء لهما أن يغادرا فرنسا إلى الجزائر، إثر الاجتياح النازي الصاعق للعاصمة الفرنسية في مطالع الحرب العالمية الثانية. غير أن كامو ما لبث أن عاد ثانية إلى بلاده لينخرط في صفوف المقاومة، ويشارك في إصدار جريدة «المعركة»، معلناً آنذاك أن الهدف من المقاومة ليس تحرير الأمة فحسب، بل إعادة اختراعها في الوقت ذاته.
كان كامو في الثلاثين من عمره، حين قدّم له ميشيل ليريس، ربيع العام 1944، زميلته في التمثيل ماريا كازاريس، ابنة سانتياغو كازاريس، رئيس حكومة الجمهوريين الإسبان، المنفي إلى فرنسا. وقد أدرك صاحب «الطاعون» أن شيئاً ما في شخصية الفتاة، ساحراً وغير قابل للتفسير، قد نفذ إلى صميم قلبه، وانتابه إحساس غريزي بأن هذا اللقاء، الذي تم أثناء إقامة زوجته في الجزائر، سينعطف بحياته نحو مسارات دراماتيكية عاصفة لم تكن في الحسبان. وإذا كانت الصدف المجردة قد شاءت أن يعترف كل من الطرفين بحبه للآخر، في 6 يونيو (حزيران) عام 1944، أي في اليوم نفسه الذي بدأ فيه الحلفاء بإنزال جيوشهم في النورماندي، فإن ما حدث بدا نوعاً من الظفر الاستثنائي، الذي شعر الكاتب المقاوم أنه كوفئ به على الصعيد الشخصي، بفعل ما قدّمه لبلاده في سنواتها العجاف من جهود وتضحيات.
لم تكن الكيمياء وحدها هي التي وضعت كلاً من ماريا وكامو في طريق الآخر، بل كانت هناك قواسم كثيرة مشتركة، بينها تعلقهما المصيري بأهداب الكتابة والفن، ورزوحهما الثقيل تحت وطأة الاحتلال والاستبداد. وفيما بدت الأشهر الأولى من علاقة الطرفين أشبه ببركان من الشغف المحموم والرغبات المشتعلة، كانت لدى كامو مخاوف دائمة من أن تعمد ماريا بذريعة أو بأخرى إلى قطع علاقتها به. وإذ كان يخشى من أن يكون حبها له نوعاً من الملاذ المؤقت الذي يعصمها من هول الحرب، يخاطبها بعد أقل من شهرين على بداية علاقتهما بالقول: «لا أعتقد أن نهاية الحرب تعني أن علينا نحن أيضاً أن ننتهي. على الحبيبين يا ماريا أن يبنيا حياتهما، ليس فقط ضد الظروف، بل ضد كل ما يحدّهما. ولذا لا أريدك أن تهجريني، وأن تغوصي في الرفض الواهم».
واللافت في الأمر أن حدس كامو الاستشرافي بهجران حبيبته له قد وجد طريقه إلى التحقق في غضون أسابيع؛ حيث إن نهاية الحرب بالذات هي التي سمحت لمئات آلاف الفرنسيين المهاجرين بالعودة إلى وطنهم الأم، وكانت فرانسين التي عادت من الجزائر لتلتحق ببيتها العائلي واحدة من هؤلاء، الأمر الذي أحرج ماريا وجعلها تقطع علاقتها بكامو. لكن أقدار العاشقين أبت إلا أن تضع أحدهما مرة ثانية في طريق الآخر، حيث التقيا عن طريق الصدفة في الذكرى الرابعة للقائهما الأول، وظلت علاقتهما في تصاعد مستمر حتى لحظة الرحيل المأساوي للكاتب الشهير.
على أن العلاقة الوطيدة التي جمعت بين الطرفين لم يكن لها أن تُعرف على نطاق عالمي، لولا الدور الإيجابي المتفهم الذي لعبته كاترين، ابنة كامو، لا في دفع الرسائل التي يربو عدد صفحاتها عن الألف إلى النشر فحسب، بل في دفاعها عن العلاقة الغرامية المتأججة التي أقامها كامو خارج المؤسسة الزوجية، ومسامحتها لأبيها في الوقت نفسه على ما تسبب به لأمها من آلام. وإذ عملت كاترين على كسب ودّ ماريا، التي كانت قد اعتزلت الوسط الفني، وأصرت على الاحتفاظ برسائلها المتبادلة مع كامو في الأدراج، رغم العروض السخية المقدمة لها من قبل الناشرين، لم تتردد الأخيرة في تسليمها مئات الرسائل التي تبادلها العاشقان على امتداد عقد ونصف عقد من الزمن. ولم تكتفِ الابنة المثقفة بدفع الرسائل إلى النشر، كاشفة النقاب عن بعض أجمل نصوص الحب والوله في القرن العشرين وأكثرها اتصالاً بشغاف القلب ولهب الشعر، بل تولت بنفسها وضع توطئة مؤثرة للنصوص المنشورة، تقول فيها: «رسائلهما جعلت العالم أوسع والفضاء أكثر إشراقاً والهواء أكثر عذوبة، لأنهما ببساطة كانا عاشقين».
والواقع أن أي قراءة متأنية لرسائل كامو وماريا، تجعلنا ندرك تمام الإدراك أن ما كتبته كاترين عن تلك النصوص لا يتضمن أي قدر من المبالغة ولا يجافي الحقيقة بشيء. يكفي أن نقرأ نصاً من مثل «لو أنكِ فقط ترفعين عينيك إلى عنان السماء هذه الليلة، لكانت خبّرتكِ عن النار والصقيع، عن السهام والمخمل والعشق، كي تظلي إلى حين عودتي واقفة بلا حراك، نائمة ما عدا قلبك، ثم آتي لأوقظك مرة أخرى»، لكي نقف على ما تعكسه الرسائل برمتها من شاعرية عالية تتدفق رقة وحماساً. وفيما تصف كازاريس العلاقة بأنها «حب متأجج وشديد من البلور الخالص»، يطغى على رسائل ما بعد العودة عام 1948 نوع من الفرح الاحتفالي باستعادة كل من العاشقين للآخر، مصحوباً بتدفق مطرد للصور والمجازات، كما يظهر في مخاطبة الكاتب لحبيبته الغائبة بالقول: «سأختنق فاغر الفاه كسمكة خارج الماء، بانتظار الموجة ورائحة الليل وملح شعرك». ومع أن كامو كان يشعر في تلك الفترة بأن حياته قد بدأت ترسو على برّ الطمأنينة والثبات، على المستويين العائلي والعاطفي، فإن الأمر لم يكن كتلك بالنسبة للزوجة المحبطة التي ثبت فيما بعد أنها عانت من اضطرابات عصبية شديدة، وصولاً إلى تفكيرها الجديّ بالانتحار. وهذا الوضع المأساوي للزوجة يؤكده قول كامو في إحدى رسائله لماريا: «الوضع تفاقم هنا لدرجة أنّ عليّ أن أراقب فرانسين بطريقة دائمة. بالأمس تركتها بمفردها لثانية واحدة فأسرعتْ إلى الشرفة، ولو لم أتمكن من إمساكها في اللحظة الأخيرة، لكانت ألقت بنفسها إلى الأسفل، لأنها في حالة انهيار كامل».
كما تكشف الرسائل المتبادلة بين الحبيبين عن انقلاب نسبي في موازين العلاقة في حقبة الخمسينات؛ حيث تعبّر ماريا عن مخاوفها المتصاعدة من أن تكون مشاعر كامو تجاهها قد تبخرت، فيما يرد الأخير نافياً ومطمْئناً: «لا تترجيني أن أحبك، فأنا أحبك وأنتظرك»، ليعود ويذكّرها بأيام غرامهما الأولى، وبتوسله لأندريه جيد كي يوفر لهما في شقته، ولو لساعات قليلة، سبل الاختلاء. إلا أن حبه لها لم يمنعه حين فاتحته بموضوع الزواج، من القول على نحو صريح: «أنا أيضاً أحلم بحياة معك، لكنني وجدت نفسي في طريق غير نافذ. لذلك حلمت بعهد أسمى، وبنوع من الزواج السري الذي سيوثق رباطنا أنا وأنت، ولن نتوقف عن تعزيزه، واثقين من حب أحدنا للآخر حتى الممات».
ومع ذلك، فإن لحظات التشكيك والعتاب وسوء التفاهم بين الحبيبين، كانت أقل بكثير من لحظات الشغف المشبوب أو الهناءة الوادعة. كما أن حصول كامو على جائزة نوبل للآداب عام 1957 لم يزده إلا تعلقاً بكازاريس التي اعتبرها هدية السماء إليه، وجائزة وجوده الأثمن على الكوكب الأرضي. أما الرسالة الأخيرة التي عثر عليها بحوزته، إثر حادث السير المفجع الذي أودى بحياته في اليوم ما قبل الأخير من العام 1960، فقد عكست تلهفه الشديد للقاء المرأة الألصق بقلبه وروحه، التي قدّر لحياتها من بعده أن تطول حتى العام 2003؛ حيث كتب لها ممنياً نفسه بلقائها المرتقب: «أرسل إليك آلاف الأماني الرقيقة لرأس السنة، وأتمنى أن تتدفق الحياة عبرك خلال العام، كي تعطيك هذا الوجه العزيز الذي أحببته على مر السنين. إنني أطوي معطفك الخاص بالمطر، وأُرفق معه كل شموس قلبي. أقبّلك وأضمك بانتظار يوم الثلاثاء، حيث سأحتضنك مجدداً». لكن يوم الثلاثاء ذاك لم يأتِ أبداً، ولم يقدّر للأمنيات الموعودة أن تتحقق، حيث في السباق التراجيدي المتواصل بين الحب والموت، كان الثاني أسرع من الأول في احتضان جسد كامو المعطوب، وقلبه المتوقف عن الخفقان.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

وجه «مصّاص دماء» يظهر للمرة الأولى منذ أكثر من 400 عام

رؤية ملامح وجه المتوفى بعدما أعاد العلماء بناء صورته (فريق الآثار الكرواتي)
رؤية ملامح وجه المتوفى بعدما أعاد العلماء بناء صورته (فريق الآثار الكرواتي)
TT

وجه «مصّاص دماء» يظهر للمرة الأولى منذ أكثر من 400 عام

رؤية ملامح وجه المتوفى بعدما أعاد العلماء بناء صورته (فريق الآثار الكرواتي)
رؤية ملامح وجه المتوفى بعدما أعاد العلماء بناء صورته (فريق الآثار الكرواتي)

للمرة الأولى منذ أكثر من أربعة قرون، ظهر وجه رجل وُصف بأنه «مصّاص دماء»، بعدما تعرّضت رفاته لتشويه متعمّد بعد وفاته، في محاولة لمنع عودته من الموت، وفق معتقدات كانت سائدة آنذاك، حسب «سكاي نيوز» البريطانية.

وعُثر على الجثة في قبر داخل قلعة راتشيسا، في شرق كرواتيا، حيث جرى نبشها وقُطعت رأسها، ثم أُعيد دفنها مقلوبة على وجهها تحت حجارة ثقيلة. وبما أن هذا التدنيس لا يمكن تفسيره بعوامل بيئية، فإن خبراء يعتقدون أنه نُفّذ لمنع الرجل من العودة باعتباره «مصّاص دماء».

وللمرة الأولى منذ قرون، بات الآن بالإمكان رؤية ملامح وجه المتوفى بعدما أعاد العلماء بناء صورته اعتماداً على جمجمته.

وقالت عالمة الآثار ناتاشا ساركيتش، وهي عضوة في فريق التنقيب، إن الخوف الذي أثاره الرجل بعد موته قد يكون امتداداً للخوف الذي بثّه في حياته. وأضافت: «أظهرت التحاليل البيوأثرية أن هذا الرجل شارك مراراً في نزاعات عنيفة، وأنه لقي حتفه في حادث عنف، فضلاً عن تعرّضه خلال حياته لما لا يقل عن ثلاث حوادث خطيرة بسبب العنف بين الأفراد».

وأوضحت أن «إحدى تلك الهجمات خلّفت تشوّهاً في وجهه، ما قد يكون أثار الخوف والنفور وأدى إلى نبذه اجتماعياً. وقبل أن يتعافى حتى من الصدمة قبل الأخيرة، تعرّض لهجوم أخير أودى بحياته».

وتابعت: «كان يُعتقد أن الأفراد الذين يموتون ميتة عنيفة، أو يمارسون العنف في حياتهم، أو يُنظر إليهم بوصفهم آثمين أو منحرفين اجتماعياً، معرّضون لخطر التحول إلى مصّاصي دماء. وربما اعتُبر هذا الرجل (مصّاص دماء) أو تهديداً خارقاً للطبيعة، بسبب تشوّه وجهه ونمط حياته الهامشي، الذي اتسم بتكرار العنف».


سوريا ضيف شرف «معرض الرياض الدولي للكتاب 2026»

الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان لدى لقائه محمد ياسين صالح وزير الثقافة السوري («الإخبارية» السعودية)
الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان لدى لقائه محمد ياسين صالح وزير الثقافة السوري («الإخبارية» السعودية)
TT

سوريا ضيف شرف «معرض الرياض الدولي للكتاب 2026»

الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان لدى لقائه محمد ياسين صالح وزير الثقافة السوري («الإخبارية» السعودية)
الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان لدى لقائه محمد ياسين صالح وزير الثقافة السوري («الإخبارية» السعودية)

أعلن الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي ورئيس مجلس إدارة هيئة الأدب والنشر والترجمة، اختيار سوريا ضيفَ شرف للدورة المقبلة من «معرض الرياض الدولي للكتاب 2026»، المقرر تنظيمها في شهر أكتوبر (تشرين الأول) المقبل.

وأوضح أن اختيار سوريا يعكس عمق العلاقات الثقافية بين البلدين، القائمة على الشراكة والاحترام المتبادل، ويأتي في إطار حرص المملكة على تعزيز التبادل الثقافي، بوصفه أحد مستهدفات الاستراتيجية الوطنية تحت مظلة «رؤية المملكة 2030»، التي أولت الوزارة من خلالها اهتماماً خاصاً بمواصلة الحوار الخلّاق بين الشعوب، وتبادل المعرفة والخبرات، وترسيخ الحضور الثقافي الفاعل للمملكة على المستويين العربي والدولي.

الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة السعودي (الشرق الأوسط)

ونوّه الأمير بدر بثراء الثقافة السورية وتنوعها، مؤكداً أن مشاركتها ستسهم في إثراء فعاليات المعرض وبرامجه. وأضاف أن استضافة سوريا بوصفها ضيفَ شرف ستوفر مساحة تفاعلية واسعة بين الجمهورين السعودي والسوري، وبين المثقفين في البلدين، وإنتاجاتهم الفكرية والإبداعية.

ومن المنتظر إقامة المعرض في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، بإشراف وتنظيم هيئة الأدب والنشر والترجمة، وفق رؤية تهدف إلى تعزيز مكانته بوصفه أكبر معرض كتاب في المنطقة من حيث عدد الزوار، وحجم المبيعات، وتنوع برامجه الثقافية.


بيرلا حرب: الثقة بالنفس أقوى من تنمّر المنصات

تستعد لإطلاق حملات تعزز صورة المرأة في العالم الرقمي (بيرلا حرب)
تستعد لإطلاق حملات تعزز صورة المرأة في العالم الرقمي (بيرلا حرب)
TT

بيرلا حرب: الثقة بالنفس أقوى من تنمّر المنصات

تستعد لإطلاق حملات تعزز صورة المرأة في العالم الرقمي (بيرلا حرب)
تستعد لإطلاق حملات تعزز صورة المرأة في العالم الرقمي (بيرلا حرب)

تضع ملكة جمال لبنان، بيرلا حرب، تعزيز صورة المرأة في العصر الرقمي نصب عينيها. وقد اختارت هذا الموضوع عنواناً لحملات برنامج ولايتها الممتدّة على مدى عام كامل. وبالتعاون مع مؤسسات إعلامية واجتماعية، ستعمل على نشر ثقافة جديدة في هذا المجال، لا سيَّما بشأن الأذى الذي تتعرض له المرأة عبر وسائل التواصل الاجتماعي. كما ستسعى إلى تسويق مفهوم الجمال الطبيعي عبر المنصات الإلكترونية، مبرمجة نشاطاتها ضمن إطار حملات توعوية هادفة.

تنصح من يمر بتجربة سلبية على الـ«سوشيال ميديا» بغض الطرف (بيرلا حرب)

وكانت بيرلا قد تعرَّضت، بعد انتخابها «ملكة جمال لبنان» في أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2025، لحملة تنمّر طالتها بتعليقات سلبية شكَّكت في مستوى جمالها. وتعلّق لـ«الشرق الأوسط»: «تعرضت لحملات مؤذية شكّكت في جمالي. بعضهم راح ينتقدني مدعياً أنني خضعت لعمليات تجميل، لكن هذا الأمر زادني قوة». وتتابع: «التنمُّر ظاهرة منتشرة في عالمنا الرقمي. واخترت ألّا أتأثر بالتعليقات السلبية. كما تعلمت الإصغاء إلى صوتي الداخلي، مؤمنة بأن كل تجربة تحمل درساً. هذا ما حفَّزني لأكون داعمة لكل من يخوض تجربة مماثلة. فشخصياتنا لا تُحدِّدها وسائل التواصل الاجتماعي ولا آراء الآخرين، بل ثقتنا بأنفسنا».

وعن النصيحة التي تقدّمها تقول: «لكلّ شخص أسلوبه في التعامل مع هذا النوع من الأذى؛ فهناك من يختار إغلاق هاتفه طلباً للهدوء، وهناك من ينجرّ إلى دوامة الرد والرد المضاد. أما أنا، فاعتمدت تجاهل التعليقات السلبية تماماً، لا أقرأها ولا أمنحها أي اهتمام. وأنصح كل من يمرّ بتجربة مماثلة باللجوء إلى شخص داعم يثق به».

وتتابع: «لا تسمحوا لأشخاص يختبئون خلف الشاشات بأن يؤثّروا فيكم. إنهم يفتقرون إلى الشجاعة، ويتخذون من وسائل التواصل مساحة لإيذاء الآخرين. تجاهلوهم ولا تمنحوا آراءهم أي وزن».

تجد الجمال الطبيعي عند المرأة نعمة يجب عدم التفريط فيها (بيرلا حرب)

وتشير بيرلا إلى أنّ اهتمامها بـ«تعزيز صورة المرأة في العصر الرقمي ينبع من قناعة راسخة بأن التوعية أصبحت ضرورة ملحّة، في ظلّ تصاعد خطاب الكراهية، والابتزاز، والتحرّش، والإساءة النفسية عبر التطبيقات الإلكترونية». وتضيف أنّ من مسؤوليتها أيضاً «توعية الأهل بطرق متابعة أبنائهم، وتسليط الضوء على وسائل حماية الحسابات والبيانات، مع التشديد على حماية القاصرين بوصفهم الفئة الأكثر عرضة للأذى. فكلّما طُرحت هذه القضايا للنقاش ووُضعت تحت المجهر، اتَّسعت دائرة الوعي وتراجعت احتمالات وقوع الضحايا».

وعمّا إذا كانت تمنّت يوماً أنها وُلدت في زمن بعيد عن وسائل التواصل الاجتماعي، تقول إن «لهذه المنصّات وجهين؛ سلبي وإيجابي»، لكن أثرها الإيجابي في تقارب الناس ودعم القضايا الإنسانية يجعلها تشعر بأنها تعيش في الزمن المناسب، مشيرةً إلى «مبادرات علاجية وإنسانية نجحت عبر حملات إلكترونية».

وتستعد ابتداءً من الأسبوع المقبل لإطلاق حملة توعوية بالتعاون مع مؤسسة اجتماعية، تتضمن فيديوهات إرشادية بشأن الحماية في العالم الرقمي، إلى جانب سلسلة مصوّرة عبر شاشة «إل بي سي آي» لمواجهة ترِنْد الجمال المصطنع. وتؤكد أن معايير الجمال المروّجة رقمياً غير واقعية، وأن الجمال الحقيقي يكمن في الاختلاف لا في التشابه.

لقب «ملكة جمال لبنان» لم يبدّل تصرفاتها وشخصيتها الحقيقية (بيرلا حرب)

وتُشدد على أن الجمال الطبيعي هو ما يمنح كل امرأة تميّزها، محذّرة من تأثير تقليد النماذج الرائجة وما يسببه ذلك من إحباط، ومعلنة أنها ستواصل حملات تؤكد من خلالها قيمة الخصوصية والاختلاف.

وتلفت إلى أن لقب «ملكة جمال لبنان» لم يُغير حياتها جذرياً، باستثناء اتساع حضورها الرقمي، لكنه زاد إحساسها بالمسؤولية، ودفعها إلى التعمّق في قضايا العالم الرقمي. وتؤكد تمسّكها بقيمها وسعيها لتقديم تأثير فعلي، ولو كان محدوداً في العدد.

وتُعبر بيرلا عن حماسها لتمثيل لبنان في مسابقة «ملكة جمال العالم» يوم 26 فبراير (شباط) الحالي في فيتنام، مركّزة على إبراز صورة بلدها، وثقافته، وقوة المرأة فيه.

وتختم بالقول إن رسالتها لن تتوقف بانتهاء ولايتها، مع عزمها على متابعة دراساتها العليا والبقاء منفتحة على الفرص المقبلة.

Cannot check text—confirm privacy policy first