غياب التنافس يعوق تحويل الأدب السردي إلى مُنتَج درامي عربي

مشهد من مسلسل «ضرب الرمل»
مشهد من مسلسل «ضرب الرمل»
TT

غياب التنافس يعوق تحويل الأدب السردي إلى مُنتَج درامي عربي

مشهد من مسلسل «ضرب الرمل»
مشهد من مسلسل «ضرب الرمل»

أكثر من مائة وثلاثين رواية وكتاباً «كوميكس» وروايات مُصَوَّرة وكتبٍ عن أحداث حقيقية وجرائم، تتحول إلى مسلسلات درامية ستبثها شبكات التلفزيون التقليدية (تلفزيون الكيبل) ومنصات البث التدفقي الأميركية، وفقاً لتقرير نُشر في موقع «الطماطم الفاسدة».
دشنت منصة البث التدفقي «هولو» هذه القائمة الطويلة من المسلسلات بعرض الموسم الأول من مسلسل «أقرباء (Kindred)» في الثالث عشر من ديسمبر (كانون الأول) الماضي. المسلسل تكييف وإعداد عن رواية «أقرباء» (1979) لكاتبة الخيال العلمي، الروائية أوكتافيا إِ. بتلر. تتبعها «نتفلكس» في الرابع من يناير (كانون الثاني) 2023 بمسلسل باللغة الإيطالية عن رواية بالعنوان نفسه صدرت في عام 2019 للروائية الإيطالية إيلينا فيرانتي، وترجمها إلى العربية معاوية عبد المجيد، وصدرت عن «دار الآداب» في بيروت في 2020.
وتفصل ساعات قليلة بين مسلسل «نتفلكس» ومسلسل «ساحرات مايفير» لشبكة «إي إم سي»، الذي يبدأ عرضه في الخامس من الشهر نفسه. وستتوالى العروض الجديدة خلال عام 2023.
مائة وثلاثون مسلسلاً وزيادة، مقتبسة ومستلهمة من كتب... عدد كبير ومدهش بضخامته حتى بالمعايير الأميركية، فما بالك عندما ينظر إليه بعيون من يعيشون في واقع تُنَظَّمُ فيه الندوة بعد الندوة، وتُنْشَرُ المقالة تلو الأخرى، التي تناقش ضعف الإقبال، أو بالأحرى عزوف منتجي الدراما وصُنّاع الأفلام عن الأعمال السردية المحلية أو العربية، باعتبارها مواد جاهزة ومتوفرة للتكييف والإعداد للإنتاج الدرامي التلفزيوني أو السينمائي.
يكمن وراء تدافع وإقبال شبكات التلفزة الأميركية غير المسبوقين كَمياً عوامل عدة في مقدمتها، من وجهة نظري، التنافس الشديد والمحموم بينها على الظفر بأكبر عدد ممكن من المشاهدين والمشتركين في الداخل وعبر العالم، خصوصاً من جانب منصات البث التدفقي متعدد وسائط الإرسال والاستقبال. وتلعب عوامل أخرى كالإمكانات المادية والخبرات الفنية والتقنية والتطورات التكنولوجية دوراً حاسماً يذكي روح المنافسة ويطيل أمدها.
تظهر هذه المنافسة بأنصع حالاتها في حرص تلك الشبكات على إغراء الزبائن المشتركين والمشاهدين من كل الفئات العمرية (الأطفال، والمراهقين، والكبار)، ومن الشرائح الاجتماعية والعرقية المختلفة؛ وعلى تقديم ما يرضي ويشبع الرغبات والميول لدى المشاهدين المستهدفين والمحتملين، كما تظهر في تعدد أنواع الأعمال السردية التي حُوِّل بعضها إلى أعمال درامية بدأ عرضها، والبعض الآخر في مرحلة التحضير أو الإنجاز: دراما، أو دراما/ كوميديا «dramedy»، ومسلسلات إثارة وتشويق، ورعب وغموض وتاريخية... إلخ، منتقاة من فترات زمنية وثقافات مختلفة.
أعتقد أنه بالإمكان إضافة هذا التنافس غير المسبوق إلى الملامح المميزة لصناعة الدراما في القرن الواحد والعشرين، الذي تعيش فيه الدراما عصرها الذهبي الثالث، حسب إيمي إم. داميكو، وسارا إِ. كِويي في كتابهما الموسوم «الدراميات التلفزيونية في القرن الواحد والعشرين: استكشاف العصر الذهبي الجديد، 2016». إنه، في حقيقة الأمر، تَنافسٌ ينتج عنه تنافسٌ آخر، فالتنافس على المُشَاهِد يُوَلِّدُ تنافساً على الأعمال الأدبية السردية وتسابُقاً إليها، وإلى أي كتب أخرى يمكن استغلالها واستثمارها في صناعة أعمال درامية. فما الذي يدفعُ شبكةً ما إلى الرجوع للقرن الثامن عشر، إلى رواية «توم جونز» للروائي الإنجليزي هنري فيلدنغ، أو شبكات أخرى إلى شراء الحقوق الفكرية لروايات هندية، وإيطالية، أو لروايات فازت بجوائز أو حققت أرقام مبيعات مرتفعة؟ ليس سوى التنافسِ محركاً لهذا التسابق إلى النص الأدبي.
وأعتقد أيضاً أن التنافسَ، أو بالتعبير الصحيح والدقيق غياب التنافس، أحد المفاتيح إلى فهم ظاهرة مجافاة الدرامي للمنجز الإبداعي السردي محلياً، وحتى عربياً، فليس الحال أفضل في المنطقة العربية كلها. وستستمر المجافاة ما دام التنافسُ مستمراً في غيابه؛ وإن كان هذا لا يحول دون حدوث الاستثناء بمشروعات قليلة ومتباعدة زمنياً لتحويل بعض الروايات والقصص إلى مسلسلات أو أفلام. فعلى المستوى المحلي، على سبيل المثال، شهدنا في 2020، تحويل ثلاثية «ضرب الرمل» للروائي السعودي محمد المزيني إلى مسلسل «ضرب الرمل»، لكن لسوء الحظ، عُرِضَ «ضرب الرمل» على شاشة قناة لا أظنها تستطيع الادعاء بأنها تحظى بدرجةِ مُشَاهَدَةٍ عالية. لكنها كانت خطوة جديرة بالتقدير والالتفات إليها عند التحدث أو البحث في موضوع الرواية والقصة القصيرة في السعودية على الشاشتين الصغيرة والكبيرة. أما على المستوى العربي، فالوضع ليس مختلفاً تماماً وليس وردياً كما يقال، فالتنافسُ على النص الأدبي معدوم تماماً. ويمكن القول إن شبكة «إم بي سي» السعودية تنفرد في ميدان الإنتاج والبث دون منافسٍ يشكل وجوده تحدياً لها؛ فهي المنتج الأقوى حالياً، والمنصة الأولى بكثافة البث الدرامي بغض النظر عن الكيف والجودة.
وليس ثمة ما يدل، أيضاً، على احتمال اهتمامها والتفاتها، بشكل كبير، إلى الرواية والقصة في السعودية، أو في الوطن العربي مصدراً لموضوعات وثيمات لمشروعات درامية. وهذا ما يثير الاستغراب من شبكةٍ أنتجت وعرضت من البرامج ما يؤكد ميلها إلى محاكاة التلفزة الأميركية واستنساخ برامجها، لكنها لم تبادر، لأسباب غير واضحة، إلى المتح من معين الأدب السردي العربي، وإن على سبيل الاقتداء بالشبكات الأميركية، كما فعلت في تقديم نُسَخٍ من برامج أميركية مثل مسابقات المواهب، والمسابقات المعلوماتية، أو في تجربة مسلسل «الميراث»، وأخيراً المسلسل المقبل «قيامة الساحرات» الذي سيسبقه إلى الشاشة الصغيرة في الخامس من يناير 2023 مسلسل الشبكة الأميركية (إي إم سي) «ساحرات مايفير» الذي تشارك هيفاء المنصور في إخراج عدد من حلقاته.
لحسن المصادفة كان هنالك كاتب سعودي اسمه أسامة المسلم، وله سلسلة روايات أعد منها «سكريبت» مسلسل يمثل حلقة جديدة من حلقات المحاكاة.
وعلى الرغم من أنني قد أبدو مبالغاً كثيراً، فإني لا أستبعد أنه حتى مسلسل «رشاش» كان محاكاة للدراما الأميركية بتقديم «رشاش» نقيضاً للبطل (antihero).
إن «نقيض البطل» أحد الملامح البارزة للدراما الأميركية في عصرها الذهبي الثالث الذي أُستهل، في 1999، بمسلسل قدّمَ أول «نقيض بطل» في العصر الجديد: توني سوبرانو في مسلسل «آل سوبرانو». وتكرر «نقيض البطل»، كمثال آخر، في شخصية والتر رايت في مسلسل «الانحراف (Breaking bad)».
ربما يكون «قيامة الساحرات» بداية التفات «إم بي سي» إلى الأعمال السردية المحلية والعربية. أقول ربما لأنني لست متفائلاً بذلك، وكما أنه لا يمكن التعويل على «إم بي سي» في هذا الشأن، لا يمكن التعويل، أيضاً، على قطاعات ومؤسسات الإنتاج الدرامي في الوطن العربي. فقطاع الإنتاج الدرامي في مصر، مثلاً، خارج المنافسة كونه ينوء تحت ثقل أزمة في الإنتاج أدت أخيراً إلى إلغاء عدد من مسلسلات موسم الدراما الرمضانية المقبل، وإلى تخفيض حلقات بعضها حسب أحمد جمال (العرب، 23/12/2022). وحال الإنتاج أشد سوءاً في الأردن الذي يشهد هجرة الفنانين إلى الدول المجاورة (العرب،23/12/2022).
لم أتطرق إلى مؤسسات الإنتاج التي يملكها فنانون وفنانات في المملكة والخليج العربي؛ لأنه من الخطأ مطالبتها بتوجيه اهتمامها إلى النص الأدبي. يكفيها البحث عن قصص تُكْتَبُ وتُفَصَّل على مقاسات مُلاّكِها، وحسب أمزجتهم، لتهيئ لهم أدوار البطولة الدائمة والمتكررة في مسلسلاتها في كل موسم درامي رمضاني.
* كاتب وناقد سعودي


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

صوَّر السماء فأذهل الملايين... واتُّهم بالذكاء الاصطناعي

 ليلٌ يزدحم بأشياء لا تعرف الظلام (فيسبوك المصوِّر)
ليلٌ يزدحم بأشياء لا تعرف الظلام (فيسبوك المصوِّر)
TT

صوَّر السماء فأذهل الملايين... واتُّهم بالذكاء الاصطناعي

 ليلٌ يزدحم بأشياء لا تعرف الظلام (فيسبوك المصوِّر)
ليلٌ يزدحم بأشياء لا تعرف الظلام (فيسبوك المصوِّر)

قضى المصوِّر بريندان لارسن ساعات طويلة في التقاط مئات الصور للسماء فوق أحد الجبال في نيوزيلندا. وتجلَّت ثمرة هذا المجهود في صورة تظهر فيها آلاف المسارات التي خلّفتها الأقمار الاصطناعية، وهي تتقاطع في سماء الليل، إلى درجة جعلت الصورة تبدو استثنائية جداً، ودفعته إلى خوض معركة للدفاع عن عمله ضدّ اتّهامات بأنه صُنِع بالذكاء الاصطناعي.

وذكرت «الغارديان» أنه لإنتاج هذه الصورة المذهلة، التي شاهدها ملايين الأشخاص عبر الإنترنت، قضى لارسن (51 عاماً) ساعتين خلال سبتمبر (أيلول) الماضي، يلتقط مئات الصور لسماء الليل فوق جبل تاراناكي في الجزيرة الشمالية.

وقال إنه ضبط كاميرته لالتقاط عدد غير محدود من الصور، مدّة كل منها 8 ثوانٍ، مع فاصل زمني مدته ثانيتان بين كلّ صورة وأخرى. وأضاف: «تركتُ الكاميرا تعمل لمدة ساعتين، والتقطت 578 صورة... وكان ذلك الجزء السهل».

أما الجزء الصعب فجاء لاحقاً، عندما قضى لارسن نحو 40 ساعة في دمج الصور الفردية بعضها فوق بعض، باستخدام برنامج «أدوبي فوتوشوب»، وأمضى وقتاً طويلاً في محو النجوم بعناية لإظهار مسارات الأقمار الاصطناعية.

وقال: «بدأتُ أرى النمط يتشكّل، وقلتُ في نفسي: (يا له من أمر رائع!)، وكنت أعلم أنه كلما واصلت العمل، سيبدو الأمر أفضل وأكثر إبهاراً لجهة عدد الأقمار الاصطناعية».

وتُظهر الصورة السماء وقد امتلأت بمسارات نحو 1400 قمر اصطناعي، بلغ عددها نحو 14 ألف مسار، شكّلت نمطاً متشابكاً وكثيفاً فوق الجبل.

منح ساعتين من الليل في صورة (فيسبوك المصوِّر)

وعندما نشر لارسن الصورة على حساباته في وسائل التواصل الاجتماعي، منتصف أكتوبر (تشرين الأول)، انتشرت بسرعة فائقة، وأكسبته 15 ألف متابع جديد، وحصدت عشرات الملايين من المشاهدات، وأثارت آلاف التعليقات.

وكانت المفاجأة أن بعض المشاهدين شكّكوا في حقيقة الصورة، معتبرين إياها من صنع الذكاء الاصطناعي. ومع ذلك، تقبّل لارسن الأمر، قائلاً إن برمجيات توليد الصور بالذكاء الاصطناعي أصبحت شديدة التطوّر، إلى درجة يصعب معها التمييز بين الصور الحقيقية والزائفة، خصوصاً لمَن لا يعرفون المكان أو لا يملكون دراية بالتصوير الفلكي، مؤكداً في الوقت ذاته أن الأمر «محبِط».

وأوضح كذلك أنه يشعر بالاستياء عندما يرى صورته تُحمَّل ويُعاد إنتاجها باستخدام الذكاء الاصطناعي، مع ظهور عيوب واضحة فيها.

وتحسّباً لموجة الاتّهامات وردود الفعل الغاضبة، وثَّق لارسن عملية إنتاج صورته في مقطع فيديو، ويأمل في أن يمكّن ذلك المشاهدين من بناء ارتباط عاطفي بالمشهد الطبيعي الظاهر فيها.

في طفولته، كان لارسن مندهشاً جداً من عدد النجوم التي تملأ السماء في أجزاء من الريف النيوزيلندي، لكنه لاحظ زيادة في التلوث الضوئي وعدد الأقمار الاصطناعية خلال الأعوام الستة التي قضاها في تصوير السماء.

وقال: «من المثير والمذهل رؤية الأقمار الاصطناعية، لكنه أمر يبعث على القلق»، مضيفاً: «لدي نحو 10 آلاف تعليق على صفحتي في (فيسبوك)، و9 من كلّ 10 تعليقات تقول: (يا لها من صورة بديعة، لكنه أمر مرعب ومخيف ويثير القلق حقاً حيال ما يحدث لسماء الليل)».

يُذكَر أن نحو 16 ألف قمر اصطناعي عامل تدور حول كوكب الأرض، إلى جانب عشرات الآلاف من المركبات الفضائية المُعطّلة وأجزاء الصواريخ والحطام الناتج عن تفكّك الحمولات الفضائية.

وقد حذَّرت دراسات بالفعل من أن جزيئات المعادن الناتجة عن الأنشطة الفضائية، مثل عمليات إطلاق الصواريخ وعودة الأقمار الاصطناعية إلى الغلاف الجوّي، قد تؤثر في كيمياء الغلاف الجوي وطبقة الأوزون، بينما حذَّرت الأمم المتحدة من أن زيادة الأنشطة الفضائية تشكّل مخاطر على السلامة على الأرض وظلام السماء والرصد الفلكي.

وفي حين أن الأقمار الاصطناعية لا تملأ السماء تماماً للعين المجرّدة حتى الآن، يساور لارسن القلق إزاء الحالة المستقبلية لسماء الليل، ويأمل في أن تثير صورته نقاشات وتأملات حول كيفية استخدام الأقمار الاصطناعية بمسؤولية.

وختم: «يمكننا تعزيز الوعي، ومن خلال ذلك نحقّق زخماً شعبياً لدعم الجهود الرامية إلى حماية سماء الليل».


«وهم المركز»... رؤية تشكيلية فلسفية للقيود التي يواجهها الإنسان

تعيد لوحات محمد الجنوبي النظر في مفهوم المركز والهامش (الشرق الأوسط)
تعيد لوحات محمد الجنوبي النظر في مفهوم المركز والهامش (الشرق الأوسط)
TT

«وهم المركز»... رؤية تشكيلية فلسفية للقيود التي يواجهها الإنسان

تعيد لوحات محمد الجنوبي النظر في مفهوم المركز والهامش (الشرق الأوسط)
تعيد لوحات محمد الجنوبي النظر في مفهوم المركز والهامش (الشرق الأوسط)

ماذا لو أزحنا الإنسان عن مركز اللوحة الفنية، وأفسحنا مكانه لفراغ واسع تتوزع حوله أشكال وخطوط وعناصر تبدو للوهلة الأولى هامشية؟ وإلى أي مدى يمكن لهذا التحول أن يعكس واقع مجتمعات يتقدّم فيها حضور الجماعة على إرادة الفرد واختياراته؟

من هذا السؤال يبدأ الفنان التشكيلي المصري محمد الجنوبي تجربته في معرضه «وهم المركز... التحرك أسفل اللوحة»، المقام حتى 12 نوفمبر (تشرين الثاني) في «مركز الجزيرة للفنون» بالقاهرة، مستكشفاً عبر التكوينات البصرية علاقة الفرد بالجماعة، وما تفرضه من قيود على حريته واستقلاله، في تطلع إلى مجتمع يمتلك فيه الإنسان حق الاختيار وتقرير مصيره؛ حيث ينقل الجنوبي إلى مساحة التصوير تساؤلات تتعلق بموقع الفرد داخل المجتمع، وهيمنة الجماعة على اختياراته، وما يترتب على ذلك من تراجع استقلاليته وحريته.

وعلى امتداد نحو 80 عملاً، موزعة على 3 قاعات تحمل أسماء الفنانين أحمد صبري وراغب عياد والحسين فوزي، بالمركز، يقدم الجنوبي مشروعاً تشكيلياً فلسفياً عمل عليه طوال 4 سنوات، محاولاً من خلاله إعادة النظر في مفهوم المركز والهامش، انطلاقاً من قراءة ثقافية وتاريخية لطبيعة المجتمعات الشرقية، وما يميزها من حضور قوي للعائلة والعشيرة والجماعة في تشكيل حياة الفرد.

ويقول الجنوبي لـ«الشرق الأوسط»: «الأساس في الفن أن الإنسان يكون مركز اللوحة، لكنني أزحته من هذا الموقع ووضعته في الهامش، وتركت المركز فراغاً لونياً أو خطوطاً وأشكالاً هندسية».

يغيب الإنسان عن المساحة الرئيسية في رمز لهيمنة الجماعة (الشرق الأوسط)

ويتابع: «أردت أن أتأمل الفكرة من منظور ثقافتنا؛ فالإنسان الفرد لم يكن دائماً مركز الحياة في مجتمعاتنا، إذ لعبت العائلة والعشيرة والجماعة الدور الأكبر في تشكيل وجوده وفكره، فيما اتخذ الإنسان موقع المركز في الثقافة الغربية، قبل أن تبدأ الحداثة وما بعدها مساءلة هذه الفكرة».

ويضيف الجنوبي: «أنا مع أن يكون الإنسان في المركز، لكنني أريد أن يصل إلى هذا الموقع فعلياً، وأن يمتلك حقوقه وحرياته واستقلاله؛ فالمسألة تتعلق بمدى قدرته على اتخاذ قراراته، واختيار حياته ومستقبله واتجاهاته الفكرية والثقافية. وإلى أن يتحقق ذلك، سأظل أرسمه في الهامش أو أسفل اللوحة».

بهذا المعنى يتخذ عنوان المعرض دلالته الأساسية؛ فـ«وهم المركز» يحيل إلى تصور ثقافي واجتماعي يمنح الجماعة سلطة واسعة على الفرد الذي تظل استقلاليته محدودة.

ويؤكد الفنان أن انشغاله بالهامش لا ينطلق من مقاربة سياسية، وإنما من محاولة فهم جذور هذه العلاقة في التاريخ والثقافة، وكيف يمكن لهيمنة الجماعة أن تحد من ظهور الشخصيات المستقلة وأصحاب الرؤى المختلفة والمبدعة.

ولا يقتصر حضور الهامش على بنية اللوحة، وإنما يمتد إلى الشخصيات والحكايات التي يستحضرها الفنان. فتظهر المرأة في عدد من الأعمال باعتبارها موضوعاً لحكايات يرويها الشريط السفلي، في محاولة لإبراز أدوارها وما تعرضت له ـ رغم ذلك ـ لتهميش داخل بعض الأنساق الاجتماعية والثقافية، وهو ما يتيح قراءة إضافية للعلاقة بين الحضور الفعلي للشخصيات ومكانتها في الذاكرة الجمعية.

تفاصيل لونية وهندسية من تجربة محمد الجنوبي في معرض «وهم المركز» (الشرق الأوسط)

وتحضر الطبيعة بدورها في بعض التكوينات، من خلال نباتات ضخمة تتجاوز أحجامها المعتادة، ويضعها الفنان في علاقة متوترة مع البيئة العمرانية.

ويشرح أن هذه النباتات تبدو في حالة غضب من العشوائيات التي تزاحم المكان وتحتل مساحاته، في إشارة إلى اختلال التوازن بين الطبيعة، وما يطرأ على البيئة من تغيرات.

أما الأشكال الهندسية والتجريدية، فتؤدي دوراً أساسياً في ضبط التكوين، خصوصاً مع اتساع المساحات الخالية وتراجع العناصر البشرية.

ويوضح الجنوبي أن طبيعة المشروع فرضت عليه البحث عن حلول بصرية تحفظ توازن اللوحة؛ بحيث لا يبتلع الفراغ بقية عناصرها، ولا تفقد الأشكال المحدودة قدرتها على بناء إيقاع متماسك.

وتكشف الألوان عن صلة واضحة بذاكرة المكان الذي نشأ فيه الفنان بأسوان؛ إذ تتقدم الدرجات الترابية والبنيات الداكنة، إلى جانب الأصفر ولمسات محدودة من الأخضر.

الفنان محمد الجنوبي داخل معرضه (الشرق الأوسط)

ويقول: إن «طبيعة الجنوب، بما تحمله من صحراء وجبال وبيئة خشنة، تركت أثرها في اختياراتي اللونية، كما انعكست في بعض المفردات التي أستحضرها».

ومع ذلك لا يعد الفنان أن المعرض يُمثل نهاية مشروعه؛ فهو لا يزال يعمل على تطوير التجربة، ويتركها مفتوحة لمزيد من البحث والتجريب.


تمساح يقتحم مخبزاً... وصاحبه: لم أتوقَّع هذا ولو بعد مليون عام

دخل المخبز ولم يكن الخبز قضيّته (فيسبوك)
دخل المخبز ولم يكن الخبز قضيّته (فيسبوك)
TT

تمساح يقتحم مخبزاً... وصاحبه: لم أتوقَّع هذا ولو بعد مليون عام

دخل المخبز ولم يكن الخبز قضيّته (فيسبوك)
دخل المخبز ولم يكن الخبز قضيّته (فيسبوك)

تسلّل تمساح صغير الحجم إلى مخبز في ولاية كارولاينا الشمالية الأميركية، ممّا أثار حالة من الهلع بين العاملين والزبائن.

ووفق صحيفة «نيويورك بوست»، دخل تمساح يبلغ طوله نحو 3 أقدام (91 سنتيمتراً)، مخبز «باجل دوك إكسبريس» بمدينة ساوثبورت عبر باب خلفي كان مفتوحاً.

ورصدته كاميرات المراقبة وهو يتجوَّل في غرفة التخزين، ثم يمرّ بالمطبخ وصولاً إلى المنطقة الأمامية للمخبز، قبل أن يستقرّ خلف منضدة البيع. وما إن لمح مالك المخبز جيسي دريسكول الزائر غير المتوقَّع، حتى انتفض مذعوراً وهرع إلى الخارج، ليعود سريعاً مصطحباً رجلاً آخر ليريه المشهد الصادم.

وقال دريسكول لشبكة «دبليو دبليو إيه واي» الإخبارية: «إنه أمر خارج عن المألوف تماماً بالنسبة إلى مخبز. يمكنك أن تتوقَّع رؤية كثير من الأشياء، مثل دخول الزبائن أو الأصدقاء لإلقاء التحية، لكنني لم أتخيّل طوال حياتي أن أرى تمساحاً هنا، ولو بعد مليون عام».

زائرٌ بأنياب لا تصلح لابتسامة الصباح (فيسبوك)

وأوضح مالك المخبز أنه سارع إلى الاتصال برقم الطوارئ، فتدخّلت شرطة ساوثبورت بالتعاون مع خدمات حماية الحيوانات، ونجحت في الإمساك بالتمساح ونقله بأمان إلى مكان آخر، من دون وقوع إصابات.

ونشرت شرطة ساوثبورت صوراً للزاحف الصغير عبر وسائل التواصل الاجتماعي، مرفقة بتعليق طريف عن وجود تمساح في الممر الأول.

وأشار دريسكول إلى أنه كان منشغلاً بتركيب فرن جديد عندما تسلّل هذا الدخيل المغطَّى بالحراشف إلى المخبز.

بدوره، علّق المخبز مازحاً عبر وسائل التواصل الاجتماعي بأن أخبار المخبوزات الطازجة التي يقدّمها وصلت، على ما يبدو، إلى المستنقعات، مضيفاً أنّ الحادثة انتهت من دون إصابات، وإنما بزيارة زبون غير مألوف.

وفي سياق متصل، ذكرت صحيفة «الغارديان» أنّ لجنة موارد الحياة البرّية في كارولاينا الشمالية سبق أن حذّرت السكان والزائرين في المناطق الساحلية من إطعام التماسيح أو الاقتراب منها، في ظل ازدياد اللقاءات بينها وبين البشر.

وأوضح عالم الأحياء جون هنري هارلسون أنّ إطعام التماسيح يجعلها تربط وجود البشر بالحصول على الطعام، وقد يفقدها خوفها الطبيعي منهم، ممّا يزيد احتمالات وقوع مواجهات خطرة. وتوصي السلطات بعدم محاولة الإمساك بهذه الحيوانات أو التعامل معها، وتوخّي الحذر قرب المسطحات المائية.