غياب التنافس يعوق تحويل الأدب السردي إلى مُنتَج درامي عربي

مشهد من مسلسل «ضرب الرمل»
مشهد من مسلسل «ضرب الرمل»
TT

غياب التنافس يعوق تحويل الأدب السردي إلى مُنتَج درامي عربي

مشهد من مسلسل «ضرب الرمل»
مشهد من مسلسل «ضرب الرمل»

أكثر من مائة وثلاثين رواية وكتاباً «كوميكس» وروايات مُصَوَّرة وكتبٍ عن أحداث حقيقية وجرائم، تتحول إلى مسلسلات درامية ستبثها شبكات التلفزيون التقليدية (تلفزيون الكيبل) ومنصات البث التدفقي الأميركية، وفقاً لتقرير نُشر في موقع «الطماطم الفاسدة».
دشنت منصة البث التدفقي «هولو» هذه القائمة الطويلة من المسلسلات بعرض الموسم الأول من مسلسل «أقرباء (Kindred)» في الثالث عشر من ديسمبر (كانون الأول) الماضي. المسلسل تكييف وإعداد عن رواية «أقرباء» (1979) لكاتبة الخيال العلمي، الروائية أوكتافيا إِ. بتلر. تتبعها «نتفلكس» في الرابع من يناير (كانون الثاني) 2023 بمسلسل باللغة الإيطالية عن رواية بالعنوان نفسه صدرت في عام 2019 للروائية الإيطالية إيلينا فيرانتي، وترجمها إلى العربية معاوية عبد المجيد، وصدرت عن «دار الآداب» في بيروت في 2020.
وتفصل ساعات قليلة بين مسلسل «نتفلكس» ومسلسل «ساحرات مايفير» لشبكة «إي إم سي»، الذي يبدأ عرضه في الخامس من الشهر نفسه. وستتوالى العروض الجديدة خلال عام 2023.
مائة وثلاثون مسلسلاً وزيادة، مقتبسة ومستلهمة من كتب... عدد كبير ومدهش بضخامته حتى بالمعايير الأميركية، فما بالك عندما ينظر إليه بعيون من يعيشون في واقع تُنَظَّمُ فيه الندوة بعد الندوة، وتُنْشَرُ المقالة تلو الأخرى، التي تناقش ضعف الإقبال، أو بالأحرى عزوف منتجي الدراما وصُنّاع الأفلام عن الأعمال السردية المحلية أو العربية، باعتبارها مواد جاهزة ومتوفرة للتكييف والإعداد للإنتاج الدرامي التلفزيوني أو السينمائي.
يكمن وراء تدافع وإقبال شبكات التلفزة الأميركية غير المسبوقين كَمياً عوامل عدة في مقدمتها، من وجهة نظري، التنافس الشديد والمحموم بينها على الظفر بأكبر عدد ممكن من المشاهدين والمشتركين في الداخل وعبر العالم، خصوصاً من جانب منصات البث التدفقي متعدد وسائط الإرسال والاستقبال. وتلعب عوامل أخرى كالإمكانات المادية والخبرات الفنية والتقنية والتطورات التكنولوجية دوراً حاسماً يذكي روح المنافسة ويطيل أمدها.
تظهر هذه المنافسة بأنصع حالاتها في حرص تلك الشبكات على إغراء الزبائن المشتركين والمشاهدين من كل الفئات العمرية (الأطفال، والمراهقين، والكبار)، ومن الشرائح الاجتماعية والعرقية المختلفة؛ وعلى تقديم ما يرضي ويشبع الرغبات والميول لدى المشاهدين المستهدفين والمحتملين، كما تظهر في تعدد أنواع الأعمال السردية التي حُوِّل بعضها إلى أعمال درامية بدأ عرضها، والبعض الآخر في مرحلة التحضير أو الإنجاز: دراما، أو دراما/ كوميديا «dramedy»، ومسلسلات إثارة وتشويق، ورعب وغموض وتاريخية... إلخ، منتقاة من فترات زمنية وثقافات مختلفة.
أعتقد أنه بالإمكان إضافة هذا التنافس غير المسبوق إلى الملامح المميزة لصناعة الدراما في القرن الواحد والعشرين، الذي تعيش فيه الدراما عصرها الذهبي الثالث، حسب إيمي إم. داميكو، وسارا إِ. كِويي في كتابهما الموسوم «الدراميات التلفزيونية في القرن الواحد والعشرين: استكشاف العصر الذهبي الجديد، 2016». إنه، في حقيقة الأمر، تَنافسٌ ينتج عنه تنافسٌ آخر، فالتنافس على المُشَاهِد يُوَلِّدُ تنافساً على الأعمال الأدبية السردية وتسابُقاً إليها، وإلى أي كتب أخرى يمكن استغلالها واستثمارها في صناعة أعمال درامية. فما الذي يدفعُ شبكةً ما إلى الرجوع للقرن الثامن عشر، إلى رواية «توم جونز» للروائي الإنجليزي هنري فيلدنغ، أو شبكات أخرى إلى شراء الحقوق الفكرية لروايات هندية، وإيطالية، أو لروايات فازت بجوائز أو حققت أرقام مبيعات مرتفعة؟ ليس سوى التنافسِ محركاً لهذا التسابق إلى النص الأدبي.
وأعتقد أيضاً أن التنافسَ، أو بالتعبير الصحيح والدقيق غياب التنافس، أحد المفاتيح إلى فهم ظاهرة مجافاة الدرامي للمنجز الإبداعي السردي محلياً، وحتى عربياً، فليس الحال أفضل في المنطقة العربية كلها. وستستمر المجافاة ما دام التنافسُ مستمراً في غيابه؛ وإن كان هذا لا يحول دون حدوث الاستثناء بمشروعات قليلة ومتباعدة زمنياً لتحويل بعض الروايات والقصص إلى مسلسلات أو أفلام. فعلى المستوى المحلي، على سبيل المثال، شهدنا في 2020، تحويل ثلاثية «ضرب الرمل» للروائي السعودي محمد المزيني إلى مسلسل «ضرب الرمل»، لكن لسوء الحظ، عُرِضَ «ضرب الرمل» على شاشة قناة لا أظنها تستطيع الادعاء بأنها تحظى بدرجةِ مُشَاهَدَةٍ عالية. لكنها كانت خطوة جديرة بالتقدير والالتفات إليها عند التحدث أو البحث في موضوع الرواية والقصة القصيرة في السعودية على الشاشتين الصغيرة والكبيرة. أما على المستوى العربي، فالوضع ليس مختلفاً تماماً وليس وردياً كما يقال، فالتنافسُ على النص الأدبي معدوم تماماً. ويمكن القول إن شبكة «إم بي سي» السعودية تنفرد في ميدان الإنتاج والبث دون منافسٍ يشكل وجوده تحدياً لها؛ فهي المنتج الأقوى حالياً، والمنصة الأولى بكثافة البث الدرامي بغض النظر عن الكيف والجودة.
وليس ثمة ما يدل، أيضاً، على احتمال اهتمامها والتفاتها، بشكل كبير، إلى الرواية والقصة في السعودية، أو في الوطن العربي مصدراً لموضوعات وثيمات لمشروعات درامية. وهذا ما يثير الاستغراب من شبكةٍ أنتجت وعرضت من البرامج ما يؤكد ميلها إلى محاكاة التلفزة الأميركية واستنساخ برامجها، لكنها لم تبادر، لأسباب غير واضحة، إلى المتح من معين الأدب السردي العربي، وإن على سبيل الاقتداء بالشبكات الأميركية، كما فعلت في تقديم نُسَخٍ من برامج أميركية مثل مسابقات المواهب، والمسابقات المعلوماتية، أو في تجربة مسلسل «الميراث»، وأخيراً المسلسل المقبل «قيامة الساحرات» الذي سيسبقه إلى الشاشة الصغيرة في الخامس من يناير 2023 مسلسل الشبكة الأميركية (إي إم سي) «ساحرات مايفير» الذي تشارك هيفاء المنصور في إخراج عدد من حلقاته.
لحسن المصادفة كان هنالك كاتب سعودي اسمه أسامة المسلم، وله سلسلة روايات أعد منها «سكريبت» مسلسل يمثل حلقة جديدة من حلقات المحاكاة.
وعلى الرغم من أنني قد أبدو مبالغاً كثيراً، فإني لا أستبعد أنه حتى مسلسل «رشاش» كان محاكاة للدراما الأميركية بتقديم «رشاش» نقيضاً للبطل (antihero).
إن «نقيض البطل» أحد الملامح البارزة للدراما الأميركية في عصرها الذهبي الثالث الذي أُستهل، في 1999، بمسلسل قدّمَ أول «نقيض بطل» في العصر الجديد: توني سوبرانو في مسلسل «آل سوبرانو». وتكرر «نقيض البطل»، كمثال آخر، في شخصية والتر رايت في مسلسل «الانحراف (Breaking bad)».
ربما يكون «قيامة الساحرات» بداية التفات «إم بي سي» إلى الأعمال السردية المحلية والعربية. أقول ربما لأنني لست متفائلاً بذلك، وكما أنه لا يمكن التعويل على «إم بي سي» في هذا الشأن، لا يمكن التعويل، أيضاً، على قطاعات ومؤسسات الإنتاج الدرامي في الوطن العربي. فقطاع الإنتاج الدرامي في مصر، مثلاً، خارج المنافسة كونه ينوء تحت ثقل أزمة في الإنتاج أدت أخيراً إلى إلغاء عدد من مسلسلات موسم الدراما الرمضانية المقبل، وإلى تخفيض حلقات بعضها حسب أحمد جمال (العرب، 23/12/2022). وحال الإنتاج أشد سوءاً في الأردن الذي يشهد هجرة الفنانين إلى الدول المجاورة (العرب،23/12/2022).
لم أتطرق إلى مؤسسات الإنتاج التي يملكها فنانون وفنانات في المملكة والخليج العربي؛ لأنه من الخطأ مطالبتها بتوجيه اهتمامها إلى النص الأدبي. يكفيها البحث عن قصص تُكْتَبُ وتُفَصَّل على مقاسات مُلاّكِها، وحسب أمزجتهم، لتهيئ لهم أدوار البطولة الدائمة والمتكررة في مسلسلاتها في كل موسم درامي رمضاني.
* كاتب وناقد سعودي


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

من «البلد» إلى الباحة… كيف تراهن سينما مستقلة على مدن لم تصل إليها الشاشات بعد؟

سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
TT

من «البلد» إلى الباحة… كيف تراهن سينما مستقلة على مدن لم تصل إليها الشاشات بعد؟

سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)
سينما البلد إلى الباحة (سينما البلد)

في لحظةٍ تستعيد فيها «جدة التاريخية» دورَها حاضنةً للحكايات، بدأت «سينما البلد» مشروعها من الأزقة القديمة، لا بوصفها فعالية عابرة، بل بصفتها تصوّراً مختلفاً للسينما في السعودية.

مشروع ينطلق من الذاكرة، ويتجه بخطى مدروسة نحو مدن المملكة، جاعلاً أولى محطاته خارج جدة في منطقة الباحة، حيث لا توجد حتى الآن دور عرض سينمائي.

البداية من «البلد»... حيث السينما ذاكرة مكان

اختارت «سينما البلد» أن تبدأ من المكان الأشد ارتباطاً بالهوية البصرية والثقافية، لتعيد تعريف تجربة المشاهدة خارج القاعات التجارية. هنا، لم تكن الشاشة وحدها هي البطل، بل الأزقة نفسها، التي تحولت فضاءً سردياً يشارك في الحكاية.

«سينما البلد» في نسختها الأولى بجدة التاريخية (سينما البلد)

يوضح لـ«الشرق الأوسط» مؤسس «سينما البلد»، المخرج عبد الله سحرتي، أن المشروع جاء لسد فجوة واضحة في المشهد المحلي، حيث «طغت السينما التجارية داخل المجمعات، وغابت السينما الفنية المستقلة التي تخلق حالة ثقافية وتمنح مساحة للأعمال المختلفة». بهذا الوعي، انطلقت النسخة الأولى، واضعة الأساس لتجربة لا تشاهَد فقط، بل تُعاش.

«سينما البلد» في نسختها الثانية على سطح «متحف طارق عبد الحكيم» (سينما البلد)

من الأزقة إلى السماء... تجربة «الكادر السينمائي»

في النسخة الثانية، تطورت الفكرة بصرياً ومفاهيمياً، وانتقلت العروض إلى سطح «متحف طارق عبد الحكيم»، حيث صُممت التجربة ليصبح المشاهد داخل «كادر سينمائي حي».

هنا، تتداخل العمارة الحجازية مع السماء المفتوحة والصوت المحيط، ليجد الجمهور نفسه جزءاً من المشهد، لا مجرد متلقٍ له... تجربة نقلت العلاقة بالفيلم من الاستهلاك إلى التفاعل، ومن المشاهدة إلى المعايشة.

«سينما البلد» في الباحة تستعد لبدء أعمالها داخل «بلجرشي مول» (سينما البلد)

الباحة... أول اختبار للتوسع خارج المدن الكبرى

بعد تثبيت حضورها في جدة، تتجه «سينما البلد» إلى الباحة، وتحديداً في «بلجرشي مول»، لتكون أول دار سينما في المنطقة. الخطوة تحمل دلالة تتجاوز الجغرافيا؛ فهي تعكس تحولاً في خريطة العرض السينمائي، التي لم تعد حكراً على المدن الكبرى.

فالباحة، بما تمتلكه من خصوصية ثقافية وجمالية، تكشف عن جمهور «متعطش لتجربة سينمائية حقيقية»، خصوصاً أن المشروع يحظى بدعم لافت من الجهات الحكومية؛ مما ساهم في تسهيل انطلاق هذه التجربة النوعية.

أرقام السوق... بين النمو التجاري والحاجة إلى البديل

يأتي هذا التوسع في وقت يشهد فيه قطاع السينما السعودي نمواً متسارعاً. ووفق «تقرير شباك التذاكر السعودي 2025»، فقد بلغ إجمالي الإيرادات نحو 920.8 مليون ريال، مع بيع 18.8 مليون تذكرة، عبر 603 شاشات، في 62 دار عرض، موزعة على 10 مناطق، بمتوسط سعر تذكرة يبلغ نحو 49 ريالاً.

كما سجلت الأفلام السعودية حضوراً متنامياً، بإيرادات بلغت 122.6 مليون ريال من خلال 11 فيلماً، مع بيع 2.8 مليون تذكرة.

وتُظهر بيانات «التقرير» هيمنة الأفلام التجارية ذات طابع الأكشن والكوميديا على الحصة الكبرى من الإيرادات، في حين تستحوذ «التصنيفات العمرية الأعلى (R18)» على النسبة الكبرى من السوق؛ مما يعكس طبيعة التوجه العام للجمهور.

في هذا السياق، تبدو «سينما البلد» خياراً موازياً لا ينافس السوق التجارية بقدر ما يكملها، عبر تقديم مساحة للأفلام المستقلة التي قد لا تجد طريقها إلى هذه الأرقام الكبيرة.

«سينما بوتيك»... حين تصبح التجربة أهم من العدد

تحافظ «سينما البلد» على نموذجها الخاص، من خلال قاعة لا تتجاوز 35 مقعداً، في ما يُعرف بـ«سينما بوتيك»... خيار يضع جودة التجربة في مواجهة اتساع القاعات. في هذه المساحة الصغيرة، يصبح الفيلم تجربة شخصية، ويُفتح المجال للنقاشات والورشات؛ مما يعزز فكرة «المجتمع السينمائي» بدلاً من جمهور عابر.

ومع انتقال المشروع إلى الباحة، يرتفع عدد العروض اليومية إلى 6 عروض، مقارنة بعرضين فقط في جدة، في مؤشر واضح على حجم الطلب المتوقع.

ولا يتوقف المشروع عند العرض، بل يمتد إلى الجانب التعليمي، عبر ورشات عمل وليالٍ مختصة تستهدف صناع الأفلام السعوديين، مع توفير منصة دائمة لعرض الإنتاج المحلي.

يصف سحرتي هذا الأثر بأنه «منح الأمل والفرصة»، حيث أصبح لدى صانع الفيلم المحلي نافذة تعرض عمله بعيداً عن شروط السوق التجارية.

مشروع يتنقل... وسينما تعود إلى معناها الأول

من «البلد» إلى الباحة، تتشكل ملامح مشروع يسعى إلى التنقل بين مدن المملكة، حاملاً معه نموذجاً سينمائياً مختلفاً، يربط الفيلم بالمكان، ويعيد للجمهور دوراً أكبر فاعلية في التجربة.

وفي ظل أرقام سوق تتسع يوماً بعد يوم، يبدو أن الرهان لم يعد فقط على عدد الشاشات، بل على نوعية التجربة نفسها... تلك التي بدأت من الأزقة، وتستعد إلى أن تصل إلى كل مدينة تبحث عمّن تشبهها.


«السباحة» و«الفروسية»... رهان مصري جديد على السياحة الرياضية

بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
TT

«السباحة» و«الفروسية»... رهان مصري جديد على السياحة الرياضية

بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)
بطولة العالم للسباحة في المياه المفتوحة (وزارة السياحة والآثار)

نظمت مصر بطولتين رياضيتين للترويج لمقاصدها السياحية عبر السياحة الرياضية، في إطار تعزيز تنافسية المقصد السياحي المصري، والترويج للمنتجات السياحية المتنوعة التي يتمتع بها، وقامت وزارة السياحة والآثار، ممثلة في الهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، برعاية بطولة كأس العالم للسباحة في المياه المفتوحة 2026، وهي إحدى جولات سلسلة كأس العالم المعتمدة من الاتحاد الدولي للألعاب المائية (World Aquatics)، إلى جانب بطولة كأس مصر للفروسية 2026، وذلك بمنطقة سوما باي بمحافظة البحر الأحمر.

وعدّ وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، رعاية الوزارة لهذه الفعاليات، تأتي في إطار استراتيجية الوزارة لتنويع المنتج السياحي المصري تحت شعار «مصر... تنوع لا يُضاهى»، مؤكداً، في بيان للوزارة، الأربعاء، «أهمية السياحة الرياضية، لما لها من قدرة على جذب أنماط جديدة من السائحين، فضلاً عن إبراز المقاصد السياحية المصرية بوصفها وجهات قادرة على استضافة كبرى الفعاليات الدولية».

تنظيم بطولة للفروسية في البحر الأحمر (وزارة السياحة والآثار)

وأطلقت مصر سابقاً حملة بعنوان «مصر... تنوع لا يضاهى» للترويج للأنماط السياحية المتنوعة في مصر بين السياحة الثقافية والشاطئية والرياضية والترفيهية والعلاجية وسياحة المؤتمرات والسفاري، وغيرها من الأنماط المتنوعة.

وأكد الرئيس التنفيذي للهيئة المصرية العامة للتنشيط السياحي، الدكتور أحمد يوسف، أن رعاية الهيئة لهذه البطولات تأتي في إطار حرصها على دعم الفعاليات الرياضية والسياحية التي تسهم في الترويج للمقصد السياحي المصري، وتعزيز الحركة السياحية الوافدة، خصوصاً في ظل ما تمتلكه مصر من مقومات متنوعة تؤهلها لاستضافة كبرى الفعاليات الدولية والإقليمية.

وأكد أن تنظيم هذه البطولات بإحدى أبرز الوجهات السياحية المصرية، يبعث برسالة واضحة للعالم عن أمن واستقرار المقصد المصري، وقدرته على تنظيم الفعاليات الدولية باحترافية عالية.

وأُقيمت بطولة كأس العالم للسباحة في المياه المفتوحة 2026 بالتعاون مع شركة «أبو سوما للتنمية السياحية»، وشارك بها هذا العام 30 اتحاداً وطنياً من خمس قارات، بإجمالي 124 رياضياً، وأُقيمت مباريات البطولة للعام الرابع على التوالي في مارينا سوما باي المطلة على ساحل البحر الأحمر، حيث تضمن البرنامج الرياضي سباق 10 كيلومترات للرجال والسيدات، إلى جانب سباق التتابع المختلط للفرق.

بطولة الفروسية شهدت مسابقات عدة (وزارة السياحة والآثار)

ويرى الخبير السياحي المصري، محمد كارم، أن «السياحة الرياضية نمط سياحي ينمو بطريقة مطردة على مستوى العالم، وهي مهمة لمصر في هذا التوقيت؛ لأنها ليست بطولات فقط، وإنما هي صناعة سياحية متكاملة تتضمن معدل إنفاق مرتفعاً».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط»: «بطولات مثل السباحة أو الفروسية تجذب عدداً كبيراً من اللاعبين والفرق من دول مختلفة، بالإضافة إلى الأجهزة الفنية والتنظيمية والجمهور والإعلام المرافق لهم لتغطية الأحداث. كل هذا يؤكد أن هناك حركة طيران نشطة ونسبة إشغال عالية في الفنادق أو الوحدات السياحية، ونسب إنفاق مرتفعة على المطاعم والخدمات المختلفة والزيارات الخاصة بالمعالم السياحية، خصوصاً في شرم الشيخ والغردقة والمناطق السياحية بالبحر الأحمر التي تمتلك بنية سياحية قوية، وتتمتع بمناخ معتدل على مدار العام».

وأوضح كارم أن «السائح الرياضي عادة ما تكون نسبة إنفاقه مرتفعة؛ فهو يقيم قبل البطولة وفي أثنائها وبعدها، واختيار السباحة والفروسية في هذا التوقيت يؤكد أن مصر من الدول القوية جداً، وأنها ضمن المنافسة على جذب السياحة الرياضية على مستوى العالم».

وتعد بطولة كأس مصر للفروسية 2026، التي أقيمت بالتعاون مع شركة «أبو سوما للتنمية السياحية»، وبالشراكة مع الاتحاد المصري للفروسية، من أبرز البطولات الوطنية المعتمدة في هذا المجال، حسب بيان الوزارة؛ إذ شارك بها نخبة من أفضل الفرسان والأندية المصرية، وفق معايير تنظيمية ومهنية تتماشى مع اشتراطات الاتحاد المصري للفروسية.

وتعتمد مصر على السياحة بوصفها أحد أهم مصادر الدخل القومي، وحققت خلال الأعوام الأخيرة أرقاماً قياسية في جذب السائحين من الخارج، وصلت في عام 2025 إلى أكثر من 19 مليون سائح، وتطمح مصر إلى اجتذاب 30 مليون سائح لزيارتها سنوياً بحلول عام 2031.


مهرجان الفنون التقليدية يحتفي بأصالة وتنوع الموروث السعودي

تنوّع وإبداع تحتضنه ساحة العروض التقليدية في المهرجان (وزارة الثقافة)
تنوّع وإبداع تحتضنه ساحة العروض التقليدية في المهرجان (وزارة الثقافة)
TT

مهرجان الفنون التقليدية يحتفي بأصالة وتنوع الموروث السعودي

تنوّع وإبداع تحتضنه ساحة العروض التقليدية في المهرجان (وزارة الثقافة)
تنوّع وإبداع تحتضنه ساحة العروض التقليدية في المهرجان (وزارة الثقافة)

انطلق «مهرجان الفنون التقليدية»، محتفياً بالهوية السعودية، وبثراء الفنون الأدائية والشعرية التي صاغت وجدان الإنسان في مختلف مناطق السعودية عبر العصور.

ومن خلال أكثر من 38 لوناً من الفنون الأدائية التقليدية، حيث تتناغم الإيقاعات والأساليب التي تميز كل منطقة من مناطق السعودية، وبأكثر من 321 عرضاً أدائياً حياً، يعكس المهرجان التي تنظمه وزارة الثقافة في الرياض، مكانة الفنون التقليدية في الذاكرة الثقافية، مبرزاً استمرار حضورها في المشهد المعاصر من خلال برنامج متكامل يمزج بين العروض الحية، والأمسيات الشعرية، وفنون المحاورة، في تجربة استثنائية تعيد إحياء التراث بلمسة عصرية.

من الماضي إلى الحاضر تُروى لغة تعبّر عن الهوية وتحفظها في أروقة المهرجان (وزارة الثقافة)

38 لوناً أدائياً في مسرح واحد

يسعى المهرجان إلى اكتشاف المواهب الإبداعية في مختلف مجالاتها؛ لتعزيز الهوية الثقافية، وترسيخ قيم الإبداع والتميّز، وتنمية المهارات الفنيّة، وتعزيز المشاركة المجتمعية.

فنون أدائية وأمسيات شعرية تنثر إبداعاً وتُطرِب إمتاعاً في المهرجان (وزارة الثقافة)

ويتضمن المهرجان تجربة ثقافية مميزة للزائر تبدأ من ساحة العروض التقليدية بتقديم عروض للفنون الأدائية من مختلف المناطق، بما يعكس تنوّعها، ومنها تخصيص أيامٍ محددة لتقديم فن المحاورة بوصفه فنّاً قائماً على الارتجال والإلقاء والتفاعل المباشر، عبر متخصصين يتولّون تنظيم الجلسات وتقديم الشعراء وضبط الإيقاع لضمان تجربة مشاهدة واستماع متوازنة.

حكاية تراث تجددت في تجربة ثقافية ممتعة وأجواء استثنائية (وزارة الثقافة)

وتحول المهرجان إلى منصة حية تستعرض أكثر من 38 لوناً من الفنون الأدائية التقليدية، حيث تتناغم الإيقاعات والأساليب التي تميز كل منطقة من مناطق المملكة، وبأكثر من 321 عرضاً أدائياً حياً، يصدح فنانون سعوديون بأصواتهم وألحانهم لتقديم لوحات فنية تعكس التنوع الثقافي الفريد، مما جعل المهرجان يتصدر قائمة الفعاليات المتخصصة في الفنون الأدائية على مستوى المنطقة.

عرض يجمع إيقاع البحر وصوت الأرض ضمن مهرجان الفنون التقليدية (وزارة الثقافة)‬

حكايات من عصور اللؤلؤ والشعر

للشعر حضور طاغٍ في جنبات المهرجان، حيث تُقام الأمسيات التي تحتفي بجزالة القصيدة النبطية، مستضيفة نخبة من الشعراء الذين يترجمون بعمقهم الشعري الذاكرة الاجتماعية للسعودية.

وفي زاوية أخرى، تشتعل «المحاورات الشعرية» بجلسات تنافسية تعتمد على سرعة البديهة وقوة المعنى، مما يخلق تفاعلاً مباشراً وحماسياً مع الجمهور الذي يعشق هذا الفن العريق.

ومن أبرز محطات المهرجان معرض «حكاية البحر»، وهو عرض أدائي يستلهم التراث البحري العريق، ويسلط العرض الضوء على شخصية «النهام» وإيقاعاته التي كانت تنظم حياة البحارة خلال رحلات الغوص الشاقة بحثاً عن اللؤلؤ، وبدعم من عناصر بصرية تحاكي بيئة البحر، يعيش فيها الزائر تجربة وجدانية تجسد معاناة وصبر الأجداد.

تجارب تفاعلية تفتح نافذة ثقافية حية في مهرجان الفنون التقليدية 2026‬ (وزارة الثقافة)

ولم يكتفِ المهرجان بتقديم العروض، بل أتاح للزوار فرصة الانخراط الفعلي في الموروث من خلال ورش عمل تعليمية، فيها ينتقل الزائر من مقعد المشاهد إلى موقع الممارس، ليتعلم فنون الأداء الشعبي بإشراف مختصين.

وفي معرض الفنون الأدائية، تستعرض الأزياء والآلات والأدوات المرتبطة بهذه الفنون في تجربة بصرية تفاعلية.

وفي جدارية الشعر النبطي، يلتقي الجمهور مع عمل فني تثقيفي يعرض أبياتاً مختارة تعكس ارتباط هذا الشعر بالمناسبات والتاريخ السعودي.

وفي المهرجان، خُصصت منطقة للمتاجر لتمكين العلامات التجارية المتخصصة، تُعرض فيها منتجات وأزياء وأدوات تعكس هوية الفنون التقليدية، مما يسهم في إثراء التجربة وتنشيط الاقتصاد الثقافي، كما يوفر المهرجان أركاناً للتصوير الفوتوغرافي مصممة بأسلوب معاصر مستوحاة من التراث، تسمح للزوار توثيق لحظاتهم وربط الماضي بالحاضر عبر عدساتهم.

‏لحظات يحييها الفن... وترسخها البلاغة في مهرجان الفنون التقليدية 2026‬ (وزارة الثقافة)

وبهذا المزيج، ينجح مهرجان الفنون التقليدية في أن يكون جسراً يعبر به الموروث السعودي نحو آفاق جديدة، محافظاً على أصالته بوصفه ركيزة أساسية في الهوية الوطنية.