إبراهيم فرغلي... الكتابة للناشئة رغم فتور دور النشر

روايته «الفتاة الآلية» جزء ثان لـ«مغامرة في مدينة الموتى»

إبراهيم فرغلي
إبراهيم فرغلي
TT

إبراهيم فرغلي... الكتابة للناشئة رغم فتور دور النشر

إبراهيم فرغلي
إبراهيم فرغلي

صدفة ثقافية جمعتني بالأديب المصري إبراهيم فرغلي، على هامش معرض الكتاب الأخير في الكويت، وبينما كنت أتوقع سماع خبر عن عمل روائي جديد لصاحب «أبناء الجبلاوي»، وجدته يُخرج من حقيبة يده رواية لليافعين بعنوان «الفتاة الآلية والأشجار آكلة البشر» مقدماً لي نسخة من الكتاب بإهداء لطيف. اليافعين؟ إنها مرحلة عمرية غائبة عن النشر العربي، حيث يقفز الأدب التخييلي من سن الطفولة إلى البالغين مباشرة.
لم تكن المفاجأة فقط أن فرغلي يكتب لهذه الفئة العمرية (12 - 16 سنة)، بل إنه أصدر حتى الآن ثلاثة كتب للناشئة، بالإضافة لمجموعة قصصية «لم تصدر عن دار نشر واحدة»، وفي ذلك ما يشي بمعضلة الكتابة لهؤلاء الصغار الكبار. والكتب التي نشرها حتى الآن هي: «مغامرة في مدينة الموتى»، عن دار «حكايا»، و«مصاصو الحبر»، عن «شجرة» للنشر، أما الكتاب القصصي فعنوانه «أراجوز البحر»، وصدر عن الهيئة المصرية للكتاب.
رواية «الفتاة الآلية» الصادرة حديثاً عن دار «منشورات تكوين»، هي جزء ثان لرواية «مدينة الموتى» التي تدور أحداثها زمن بناء الأهرامات في مصر، عندما يسافر بطلا الرواية عالية وشادي إلى تلك الفترة الزمنية، ثم يعودان للزمن المعاصر بمساعدة الرجل الذئب الذي سيواصل الظهور في «الفتاة الآلية» مع الطفلين.
السؤال الذي خطر ببالي وأنا أقلّب الكتاب هو: هل سيكمل إبراهيم فرغلي سلسلة من الروايات لهذه الفئة العمرية بوجود الشخصيات نفسها؟ يجيب: «أتمنى نشر جزء ثالث، لكن للأسف لا يوجد استقرار في دُور النشر العربية ولا اهتمام بهذا العمر، وكل تجربة تبقى تجربة فردية. أتمنى أن أصدر الأعمال جميعاً، بالإضافة للجزء الثالث، في دار نشر واحدة».
يركز فرغلي في هذه الأعمال على التشويق والإيقاع السريع ومحاولة إيجاد فرص للمرح والتفكير والتأمل في الوقت نفسه، وهو مُحق في عنصر التشويق الجاذب لهذه المرحلة العمرية، وأعتقد أنه شرط أساس للقراءة الاختيارية غير المفروضة عبر مناهج المدرسة أو عبر الأهل.
لكن فرغلي يستدرك بالقول: «فكرة المعرفة والحفاظ عليها هي أيضاً جزء من المشروع الذي أهتم به، سواء بالعودة لزمن الفراعنة في الرواية الأولى، أو باختلاق مملكة مصاصي الحبر التي تعيش فيها كائنات تريد امتصاص الحبر من البشر؛ لأنها ترى أن البشر لا يفيدون من المعرفة شيئاً».
في «الفتاة الآلية» كان هناك بعد إضافي يتعلق بالتعرف على الثقافات غير المركزية، الأفريقية بشكل خاص، من خلال الأحداث التي تدور، بعد قرن من الزمن المعاصر، في كينيا المتخيلة العصرية والحديثة، التي تواجه خطر محاولات سيطرة كائنات من خارج الكوكب عليها، تمهيداً للسيطرة على البشر. يقول فرغلي: «حاولت في هذه الرواية المزج بين أهمية العلم والتراث الشعبي في الوقت نفسه».
الدردشة غير المخطط لها جرت بين أجنحة دُور النشر المشاركة في معرض الكتاب في الكويت في ديسمبر (كانون الأول)، والتي صادف أن إحداها القريبة من المقهى، حيث كنا نجلس، هي دار نشر أجنبية تبيع كتب أطفال وناشئة باللغة الإنجليزية. كان الجناح يشهد إقبالاً جيداً، خصوصاً أن الفترة الصباحية شهدت زيارة طالبات مدرسة. مشهد محير. لماذا يغيب الإقبال إذن عن هذا النوع من الأدب باللغة العربية، بل حتى الأعمال المتوفرة غالبيتها مترجم، بما فيها الروايات المقررة في مرحلة الدراسة.
يبدو محدثي محبَطاً من هذه الظاهرة، يقول: إن هذه الفئة العمرية (من العرب) لا تبدو متحمسة للقراءة عموماً، وأغلب من يقرأ منها، يتوجه للإنتاج باللغات الأجنبية التي يتوفر فيها عدد لا نهائي من الكتب.
الإقبال على القراءة باللغات الأجنبية في المنطقة من قِبل الناشئة، هو تحديداً توجه للكتب باللغتين الإنجليزية والفرنسية، حيث الثقافتان تحفلان بالكتّاب المتفرغين لهذه المرحلة العمرية وبدُور النشر المتتخصصة، وحيث كُتاب الأطفال والناشئة يصبحون نجوماً في المشهد الثقافي ويحصلون على الجوائز المرموقة، تماماً كما هي الحال مع جوائز الأدب الموجَّه للبالغين. إنها صناعة وسوق النشر بمحركات عدة يدعمها الإنتاج السينمائي والتلفزيوني المستمد من إصداراتها. سلسلة روايات «هاري بوتر»، على سبيل المثال، يعود جزء من انتشارها الكبير بفضل تحويلها إلى السينما. ثم أسهم انتشارها السينمائي في تشجيع جمهور اليافعين ممن لم يقرأ الرواية على قراءتها. إنها حلقة مترابطة من التحفيز على التلقي بأنواعه.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

بعد تهديد من رجل ملثم... الأمير أندرو يطالب بإعادة حمايته الرسمية

الأمير البريطاني السابق أندرو (أ.ب)
الأمير البريطاني السابق أندرو (أ.ب)
TT

بعد تهديد من رجل ملثم... الأمير أندرو يطالب بإعادة حمايته الرسمية

الأمير البريطاني السابق أندرو (أ.ب)
الأمير البريطاني السابق أندرو (أ.ب)

في ظل تصاعد المخاوف الأمنية المحيطة به، عاد الأمير السابق، أندرو ماونتباتن - ويندسور، إلى الواجهة مجدداً، مطالباً بإعادة حمايته الشخصية الممولة من المال العام، عقب حادثة أثارت القلق بشأن سلامته. تأتي هذه المطالبة بعد مواجهة مفاجئة مع رجل ملثم بالقرب من مقر إقامته الجديد، في واقعة أعادت تسليط الضوء على الجدل الدائر حول وضعه الأمني، منذ تجريده من بعض امتيازاته الملكية.

وكشفت صحيفة «تلغراف» أن دوق يورك السابق يطالب بإعادة الحراسة التي كانت تُموّل من دافعي الضرائب، وذلك بعد تعرضه لتهديد من رجل ملثم قرب منزله في نورفولك.

ووفقاً للتقارير، اقترب رجل يُزعم أنه كان يحمل عتلة حديدية من ماونتباتن - ويندسور أثناء تنزهه مع كلبَيه، مساء الأربعاء. ورغم أن الحادث لم يُسفر عن أي أذى جسدي، فإن الأمير السابق شعر بصدمة كبيرة نتيجة الموقف.

وفي وقت لاحق، ألقت الشرطة القبض على أليكس جينكينسون (39 عاماً)، للاشتباه في ارتكابه جريمة إخلال بالنظام العام وحيازة سلاح هجومي، بعد العثور على عتلة حديدية داخل سيارته.

وأفاد أصدقاء الأمير أن الحادث يعكس مخاوف مستمرة بشأن سلامة شقيق الملك تشارلز على المدى الطويل، لا سيما في ظل الجدل الذي أُثير سابقاً حول صِلاته بجيفري إبستين، المتهم في قضايا اعتداء جنسي على قاصرين.

وكان الملك قد سحب، في عام 2024، المخصصات الشخصية والحراسة الخاصة من شقيقه الأصغر، في خطوة هدفت إلى الضغط عليه لمغادرة رويال لودج في وندسور، على خلفية تلك الفضيحة.

وأشار مصدر مقرب من ماونتباتن - ويندسور إلى ضرورة إعادة النظر في ترتيبات الحماية، في ضوء المخاطر التي قد تهدد سلامته.

وتفيد المعلومات بأن الرجل المشتبه به كان يجلس داخل سيارته على طريق فرعي، قبل أن يترجل ويتجه نحو الأمير، دون وضوح ما إذا كان يترصده. ويُزعم أنه كان يصرخ ويتصرف بسلوك عدائي.

وخلال الحادث، سارع ماونتباتن - ويندسور، الذي كان برفقة أحد أفراد حراسته الخاصة، إلى التوجه نحو سيارته المتوقفة على مقربة منه، وغادر المكان بسرعة، بينما حاول المشتبه به ملاحقته.

وعقب إبلاغ شرطة نورفولك، انتقل الضباط إلى الموقع؛ حيث ألقوا القبض على المشتبه به واقتادوه للتحقيق.

وتم توجيه تهم إلى جينكينسون، مساء الخميس، ومن المقرر أن يمثل أمام محكمة نورويتش الابتدائية، اليوم (الجمعة).

وقع الحادث بالقرب من «مزرعة مارش»، وهي العقار الكائن ضمن نطاق «ساندرينغهام استيت»، الذي انتقل إليه ماونتباتن - ويندسور عقب مغادرته رويال لودج، العام الماضي. وتشير المعلومات إلى أن الأمير السابق وحارسه الشخصي، المموَّل من نفقاته الخاصة، أدليا بإفادتيهما لشرطة نورفولك، في أعقاب الواقعة.

ومن المرجّح أن تثير هذه الحادثة تساؤلات جديدة حول ترتيبات أمنه، لا سيما منذ سحب ألقابه الملكية وانتقاله إلى مقر إقامته الريفي.

وفي هذا السياق، قال مصدر مقرّب من ماونتباتن - ويندسور: «على الرغم من أن أندرو لم يعد عضواً عاملاً في العائلة المالكة، فإن التهديد الذي يواجه سلامته الشخصية لم يتراجع، بل ربما ازداد. ويمكن القول إنه بات أكثر عرضة للمخاطر، ليس فقط من تهديدات إرهابية محتملة، بل أيضاً من أفراد تأثروا بشكل مفرط بالتغطية الإعلامية المكثفة التي رافقته في السنوات الأخيرة».

وأضاف المصدر: «تُظهر هذه الحادثة بوضوح الحاجة إلى أن تكون ترتيباته الأمنية متناسبة مع وضعه كشخصية عامة بارزة؛ ما يستدعي إجراء مراجعة شاملة تأخذ في الحسبان المستجدات الأخيرة».

ويُذكر أن ملف الأمن الشخصي ظل مصدر قلق بالغ لماونتباتن - ويندسور، منذ موافقته على مغادرة رويال لودج، والانتقال إلى ساندرينغهام.


نبيل نحاس بتجهيز «تعدُّد بلا حدود» يُمثّل لبنان في «بينالي البندقية»

نبيل نحاس ومنسّقة الجناح اللبناني ندى غندور (بإذن من الفنان والجمعية اللبنانية للفنون البصرية)
نبيل نحاس ومنسّقة الجناح اللبناني ندى غندور (بإذن من الفنان والجمعية اللبنانية للفنون البصرية)
TT

نبيل نحاس بتجهيز «تعدُّد بلا حدود» يُمثّل لبنان في «بينالي البندقية»

نبيل نحاس ومنسّقة الجناح اللبناني ندى غندور (بإذن من الفنان والجمعية اللبنانية للفنون البصرية)
نبيل نحاس ومنسّقة الجناح اللبناني ندى غندور (بإذن من الفنان والجمعية اللبنانية للفنون البصرية)

يُخيّل إليك، للوهلة الأولى، وأنت تتأمّل تجهيز الفنان اللبناني المُكرَّس نبيل نحاس، الذي يُمثّل لبنان هذه الأيام في المعرض الدولي للفنون - «بينالي البندقية»، في دورته الـ61، أنك أمام عمل مُحيّر لا تعرف من أين تبدأ قراءته. لكنك تحتاج إلى قليل من التأمّل في هذه الجداريات التي تلف الجناح اللبناني في المعرض من جميع أنحائه، مرتفعةً عن الأرض بعلو يزيد على 200 متر، لترى في هذه اللوحات المتلاصقة ما يجمع أكثر مما يُفرّق. قد تظنها مواضيع وأرواحاً لا جامع بينها، لا سيما أنّ الفنان تقصّد أن ينقلك من لوحة بالأبيض والأسود ذات أشكال هندسية تجريدية متداخلة مثلاً، إلى لوحة أخرى تكملها وملاصقة لها رُصّعت بنجوم يختلط فيها الأزرق بالأخضر والأبيض والرمادي، ثم أخرى بأرضية بنفسجية تداخلت فيها خطوط لولبية من أعلاها إلى أسفلها.

يريد نبيل نحاس لزوّار الجناح أن يعيشوا تجربة تأمّلية أمام هذه الجدارية المركّبة، قبل أن ينشغلوا بفهم فحواها، الذي يستلهم من عنوانها الدال والملهم «تعدُّد بلا حدود».

الحضور الرسمي والفنّي في افتتاح الجناح اللبناني (بإذن من الفنان والجمعية اللبنانية للفنون البصرية)

وهو موضوع لم يُختَر جزافاً ليمثّل لبنان في مناسبة دولية كبرى، في مثل هذه الأيام العصيبة بالذات، بل أريد لهذه الثيمة أن تُقدَّم بجماليتها وتجلّيها التشكيلي فحوى المشاركة وجوهرها، وهي تعكس روح لبنان ونعمته الكبرى في عيشه التسامحي المشترك.

يتألّف التجهيز الفنّي الممتدّ على طول 45 متراً والموجود في موقع «آرسنال»، من 26 لوحة أكريليك على قماش بارتفاع 3 أمتار، بحيث تشكّل هذه الأعمال المتلاصقة جنباً إلى جنب إفريزاً ضخماً يطوّق زواره ويدعوهم إلى الإبحار في رموزه وأجوائه.

ونبيل نحاس هو أحد أكثر التشكيليين اللبنانيين حرصاً على إبراز التعدّدية في بلاده. عاش متنقلاً بين مدينة جبيل طفلاً، والقاهرة يافعاً، ومن ثم في نيويورك حيث عمل وحَضَر في كبرى المعارض والمتاحف.

غاب عن لبنان 18 سنة متواصلة قبل أن يعود، ومنذ ذلك الوقت لم ينقطع عن مسقطه أبداً. وهو حين يتحدّث عن عمله التركيبي في البندقية، يرى أنه جاء من وحي بيئته التي كانت مختلطة باستمرار. عاش طفولته في مدينة بيبلوس ولعب بين أطلالها الأثرية التي تنام على طبقات من الثقافات القديمة وحضارات تمتدّ من العصر الحجري الحديث وحضارة الأموريين والهكسوس والفينيقيين والمصريين واليونانيين والرومان والبيزنطيين والمماليك حتى العثمانيين. يقول نحاس إنه كان يعثر هناك «مع تآكل الطبقات المختلفة في فصل الشتاء، على ما لا عدَّ له من تمائم وأشياء صغيرة متفرقة... كلّ شيء في هذا المكان ممتزج في تدفُّق خصب من أرض خام عمرها آلاف السنوات. كان هذا الرابط بالأزمنة الغابرة يُثير إعجابي منذ ذلك الحين».

وُلد نبيل نحاس في بيروت عام 1949، ونشأ في القاهرة قبل أن يهاجر إلى الولايات المتحدة عام 1968. تخرّج في «جامعة ولاية لويزيانا» ثم «جامعة ييل». وينتمي إلى الجيل الثاني من التعبيرية التجريدية الأميركية، وهي مدرسة نيويوركية تزامن صعودها في أوائل الخمسينات مع إعادة اكتشاف الزخارف الكبرى.

نبيل نحاس في محترفه في لبنان (خاص الشرق الأوسط)

عمله المعروض اليوم في «الآرسنال»، مُمثّلاً لبنان، تختلط فيه معالم كلّ هذه المراحل التاريخية التي شكلت هويته اللبنانية وصولاً إلى اليوم. ورغم أنه مقيم غالباً في نيويورك، فإنّ محترفه في لبنان، في بلدة عين عار الجبلية في المتن الشمالي، شكّل البوتقة التي اختمر فيها ونُفّذ هذا التجهيز. وكان لنا حظ زيارته هناك خلال الإعداد، وقبل انتقال اللوحات إلى البندقية، لمعايشة الأجواء التي أحاطت بالفنان. فالمحترف يقع في منزل جميل وقديم كان معملاً للحرير، وهو أشبه بمتحف لأعماله وما جمعه من لوحات لكبار الفنانين الذين أحبَّهم.

ويعدُّ نبيل نحاس نفسه أشبه بجسر بين ثقافات كثيرة، لكنه يقول لـ«الشرق الأوسط»: «رغم 55 سنة عشتها في أميركا، بقيت لبنانياً خالصاً، أنتمي إلى هذه البقعة من بلاد الشام. وأعمالي تتحدّث عن الانتماء القوي الذي يسكن نفسي». وهو مدرك تماماً أن الوحي يأتيه من هذه الأشجار المحيطة بمنزله اللبناني، ومن تلك الحقول التي قطعها صغيراً، والشواطئ التي لعب بصدفياتها، والسماء التي تأمّل نجماتها، وها هو يرسمها في جداريته. «تُظهر أعمالي تعلقاً واضحاً بالأرض، من رسم الجذور إلى الجذوع والأغصان التي تتعالى صوب السماء». فالشجر من مكوّنات العمل، وخصوصاً الأرزة التي أعطاها بُعداً آخر، وهو يترك الحرّية لأغصانها تتمدّد أفقياً وتختلط خضرتها بزرقة السماء، كأنهما في عناق.

منسقة الجناح ندى غندور، التي واكبت تطوّر العمل منذ كان فكرة وطوال سنة من الإعداد، ترى أنّ التجهيز له أبعاد عدّة. «فهو عمل فلسفي ورمزي في وقت واحد، والزائر يعيش معه على أنه تجربة قبل أن يدخل في التفسيرات. ففي اللوحات خلفيات ثقافة وفنّ وروحانية في وقت واحد».

إحدى اللوحات الـ26 المكوِّنة للتجهيز (بإذن من الفنان والجمعية اللبنانية للفنون البصرية)

فما يعني نحاس ليس الجانب الديني بمعناه التقليدي، بل المدى الروحاني. ولهذا فإنّ رموزه التي تتكرّر بأشكال مختلفة في التجهيز تُذكّر بكونية وأفق مفتوحَيْن، من نجماته اللمّاعة إلى لولبيات الخطوط التي تُعيدنا إلى الرقصة المولوية، والدوائر اللامتناهية، وصولاً إلى الأشكال الهندسية التجريدية. «هي رقصة كونية، فكما تدور الكواكب حول الشمس، نرى في بعض اللوحات تأثير يد الدرويش وهو يوجّه واحدة للأسفل وأخرى للأعلى. لأن الإنسان هو صلة الوصل بين الأرض والسماء»، تقول لنا ندى غندور.

يمكنك أن تقرأ اللوحات بالاتجاه الذي تريد، كأن تبدأ من لوحة وسط التجهيز. ففي الأصل وُضعت الرسوم متفرّقة، ورُتّبت وفق ما أراد لها الفنان. وكان يمكن تركيبها إلى جانب بعضها بعضاً بنظام مختلف، من دون أن يبدّل ذلك من روح التجهيز شيئاً. فكيفما اختلف الترتيب سيُعيدك إلى انسجامية الاختلافات التي بُني عليها العمل. فليس هدف الجدارية أن تحكي قصة، وإنما أراد الفنان أن يحرّرها من الخطّ الزمني المتتابع والمتسلسل. واستند إلى المنمنمات الفارسية التي تقرأها من حيث تريد. «نبيل ليس منشغلاً بأن يحكي قصة، بل بأن يقدّم رؤى يترك للمتفرج أن يجمعها على هواه»، وفق غندور.

جانب من تجهيز «تعدُّد بلا حدود» (بإذن من الفنان والجمعية اللبنانية للفنون البصرية)

ومن العناصر التي تلفت في اللوحات الشكل الهندسي الواحد الذي يتكرّر بأحجام متناهية في الصغر والكبر، ليذكرنا بكونية تعيدنا إلى صوفية ابن الرومي وقوله: «أنت لست قطرة في محيط، أنت المحيط كلّه في قطرة». وهي ليست تجريدية هندسية غربية خالصة، وإنما تأتي منكّهة بروح الزخرف الإسلامي، بأسلوب تركيبي وتفكيكي في آن.

«يستخدم نبيل نحاس الرموز ليساعدنا على فهم رؤيته، فهو منهمك بتفسير رؤيته للعالم من خلال الرسم. ففي رأيه أن أصداف البحر على شكل نجوم هي انعكاس لتلك التي نراها في السماء، حتى إن الفرق يتلاشى»، تشرح غندور التي واكبت العمل.

الجناح اللبناني في «بينالي البندقية» يستمر حتى 22 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، برعاية وزارة الثقافة وتنظيم «الجمعية اللبنانية للفنون البصرية» وإنتاجها. أما سينوغرافيا الجناح، فصمّمها شارل كتّانة ونيكولا فيّاض.


كيف أثّر الاعتماد على البطاطس في جينات بعض البشر عبر الأجيال؟

امرأة تبيع البطاطس في سوق بمدينة ليما في بيرو (رويترز)
امرأة تبيع البطاطس في سوق بمدينة ليما في بيرو (رويترز)
TT

كيف أثّر الاعتماد على البطاطس في جينات بعض البشر عبر الأجيال؟

امرأة تبيع البطاطس في سوق بمدينة ليما في بيرو (رويترز)
امرأة تبيع البطاطس في سوق بمدينة ليما في بيرو (رويترز)

منذ آلاف السنين، لم يكن الغذاء مجرد وسيلة للبقاء، بل كان قوة خفية تُعيد تشكيل الإنسان ذاته. ففي مرتفعات جبال الأنديز، حيث الطبيعة القاسية والموارد المحدودة، لعبت البطاطس دوراً محورياً في حياة السكان الأصليين، ليس فقط مصدراً للغذاء، بل عامل أسهم في توجيه مسار تطورهم البيولوجي. وتكشف الأبحاث الحديثة أن الاعتماد الطويل على هذا الغذاء النشوي لم يترك أثراً ثقافياً فحسب، بل امتد ليُحدث تغييرات عميقة في التركيبة الجينية لأحفادهم، في مثال لافت على التفاعل الوثيق بين الثقافة والبيولوجيا.

استأنس السكان الأصليون في جبال الأنديز البطاطس قبل ما بين ستة آلاف وعشرة آلاف عام، وجعلوا من هذه الدرنة الغنية بالنشا والفيتامينات والمعادن والألياف عنصراً أساسياً في نظامهم الغذائي. ومع مرور الزمن، أدى هذا الاعتماد الغذائي المستمر إلى نشوء تكيفات جينية لا تزال واضحة لدى أحفادهم في بيرو، وفقاً لما أوردته صحيفة «إندبندنت».

وتوثّق أبحاث جينومية حديثة كيف خضع هؤلاء الأحفاد، وهم من الناطقين بلغة الكيتشوا المنحدرين من إرث إمبراطورية الإنكا التاريخية، لعملية تكيف جيني شملت جين AMY1، وهو جين بالغ الأهمية في عملية هضم النشا، وهي وظيفة حيوية في نظام غذائي يعتمد بدرجة كبيرة على البطاطس.

وقد أظهرت الدراسة أن هؤلاء الأفراد يمتلكون في المتوسط عشر نسخ من جين AMY1، أي أكثر بنسختين إلى أربع نسخ مقارنةً بمعظم البشر، وهو عدد يُعد من بين الأعلى المسجّلة عالمياً. واللافت أن ظهور هذه الزيادة في عدد النسخ الجينية لدى هذه المجموعة السكانية تزامن مع الفترة التي بدأ فيها استئناس البطاطس، ما يعزز فرضية الارتباط بين النظام الغذائي والتغير الجيني.

وفي هذا السياق، قال عالم الوراثة التطورية والأنثروبولوجية عمر جوكجومن من جامعة بافالو، وأحد كبار مؤلفي البحث المنشور في مجلة «نيتشر كوميونيكيشنز»: «إنها حالة مدهشة تُجسّد كيف يمكن للثقافة أن تُشكّل علم الأحياء».

من جهتها، أوضحت أبيجيل بيغام، عالمة الوراثة الأنثروبولوجية بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس وأحد كبار مؤلفي الدراسة، أن هذه النتائج تُبرز أهمية التكيفات الغذائية في تاريخ التطور البشري، وما يترتب عليها من آثار في عمليات الأيض والصحة، فضلاً عن التأثير العميق لأحداث تدجين النباتات على بيولوجيا الإنسان.

وعلى المستوى الجزيئي، يتحكم جين AMY1 في إنتاج إنزيم يُعرف باسم «الأميليز»، وهو إنزيم موجود في اللعاب، ويتولى مهمة تكسير النشا منذ المراحل الأولى لعملية الهضم داخل الفم. ويُرجّح أن الأفراد الذين يمتلكون عدداً أكبر من نسخ هذا الجين ينتجون كميات أكبر من هذا الإنزيم، مما يمنحهم قدرة أعلى على هضم الأطعمة الغنية بالنشويات.

مزارعون يقومون بجمع البطاطس المحصودة قبل شحنها (أ.ف.ب)

وأشار الباحثون إلى أن هذه الزيادة في إنتاج الأميليز قد تُسهّل عملية التمثيل الغذائي للأطعمة النشوية، كما قد تسهم في تنظيم «الميكروبيوم»؛ أي مجتمع الكائنات الدقيقة التي تعيش في جسم الإنسان؛ الذي يتأثر بدوره بطبيعة النظام الغذائي.

وليس هذا المثال الوحيد على التكيف الجيني المرتبط بالغذاء؛ إذ يُعدّ تحمّل اللاكتوز نموذجاً آخر معروفاً، حيث تطور لدى بعض البشر جين يمكّنهم من إنتاج إنزيم قادر على هضم سكر اللاكتوز الموجود في الحليب، نتيجة لاعتمادهم على منتجات الألبان عبر أجيال متعاقبة.

وفي إطار الدراسة، قام الباحثون بتحليل بيانات جينومية لأكثر من 3700 شخص ينتمون إلى 85 مجموعة سكانية موزعة على الأميركتين وأوروبا وأفريقيا وآسيا، وكان من بينهم 81 متحدثاً أصلياً بلغة الكيتشوا من أصول أنديزية في بيرو.

وتشير النتائج إلى أن قوى الانتقاء الطبيعي قد فضّلت، بمرور الوقت، الأفراد الذين يمتلكون نسخاً إضافية من جين AMY1 لدى سكان الأنديز القدماء. فلكي ينتشر متغير جيني على نطاق واسع، لا بد أن يمنح حامليه ميزة تكيفية تساعدهم على البقاء.

وفي هذا الصدد، أوضحت لوان لانداو، طالبة الدكتوراه في جامعة بافالو والمؤلفة المشاركة الرئيسية للدراسة، أن إحدى الفرضيات تفترض أن الأفراد الذين يمتلكون عدداً أكبر من نسخ جين AMY1 كانوا أكثر قدرة على هضم الأطعمة الغنية بالنشا، بما في ذلك البطاطس.

وأضافت لانداو أن هؤلاء الأفراد ربما تمتعوا بميزة نسبية مقارنة بغيرهم، ما أتاح لهم فرصاً أفضل للبقاء والإنجاب، بالتالي نقل هذه السمة الجينية إلى ذريتهم. ومع تعاقب الأجيال، قد يفسر ذلك سبب شيوع هذا النمط الجيني المرتبط بارتفاع عدد نسخ جين AMY1 بين سكان جبال الأنديز في الوقت الحاضر.

هكذا، يقدّم هذا المثال صورة واضحة لكيف يمكن للعادات الغذائية، عبر الزمن، أن تتحول إلى قوة تطورية تُعيد تشكيل الإنسان من الداخل.