البروفسور برتراند بادي لـ«الشرق الأوسط»: إسقاط بوتين لن يحل مشكلة روسيا

خبير العلاقات الدولية البارز في معهد العلوم السياسية في باريس وضع تحليلاته وتوقعاته للعام 2023

ميكانيكيون عسكريون من أوكرانيا خلال تدريبات في كتيبة المدفعية في روكلا بليتوانيا 19 ديسمبر 2022 الماضي (أ.ف.ب)
ميكانيكيون عسكريون من أوكرانيا خلال تدريبات في كتيبة المدفعية في روكلا بليتوانيا 19 ديسمبر 2022 الماضي (أ.ف.ب)
TT

البروفسور برتراند بادي لـ«الشرق الأوسط»: إسقاط بوتين لن يحل مشكلة روسيا

ميكانيكيون عسكريون من أوكرانيا خلال تدريبات في كتيبة المدفعية في روكلا بليتوانيا 19 ديسمبر 2022 الماضي (أ.ف.ب)
ميكانيكيون عسكريون من أوكرانيا خلال تدريبات في كتيبة المدفعية في روكلا بليتوانيا 19 ديسمبر 2022 الماضي (أ.ف.ب)


(حوار سياسي)
باريس: ميشال أبو نجم
اعتبر البروفسور برتراند بادي، أستاذ العلاقات الدولية البارز في معهد العلوم السياسية في باريس، في حديث مطول خص به «الشرق الأوسط» أن النظام الإيراني «مهدد» وأن سياسة القمع القصوى التي يتبعها و«التنازلات» التي يقدمها تبين أنه «على طريق الضياع» وأنه «فقد ثقة المواطنين».
وتناول بادي الحرب في الحرب في أوكرانيا، مشدداً على أن الخروج منها لا يمكن أن يتحقق إلا من خلال مؤتمر موسع يوفر الضمانات الأمنية للجميع بمن فيهم روسيا.
ورأى بادي، وهو صاحب مجموعة واسعة من الكتب المخصصة للعلاقات الدولية، أن الغرب ارتكب خطأ عقب سقوط حلف وارسو، وأن السلم والأمن الدوليين لم يعودا رهناً بتوازن القوى بل بوجود ميزان الثقة بين الأطراف. ونبه من أن الرئيس الروسي يراهن على عامل الزمن الذي يرى أنه يلعب لصالحه، مضيفاً أنه إذا نجح الغرب في سياسة فرض العقوبات والعزل على روسيا فإن ذلك «سيتحول إلى سلاح الردع المستقبلي».
وفيما يلي نص المقابلة:
> كيف ستنتهي الحرب الروسية على أوكرانيا؟ انتصار طرف على آخر؟ الجلوس إلى طاولة المفاوضات؟ تجميد النزاع؟
- سؤال بالغ الأهمية، وهو اللغز المحير في نظرتنا لكيفية انتهاء هذه الحرب. ومصدر الصعوبة أن مرجعيتنا التاريخية تعود إلى حروب سابقة كان فيها، من جهة، منتصر يفرض شروط السلام في المفاوضات، ومن جهة ثانية منهزم يفرض عليه قبول هذه الشروط ويجهد الثاني، خلال المفاوضات والمناورات الدبلوماسية لتلطيفها. لكن هذه الصيغة لم تعد فاعلة. فالحروب التي اندلعت بعد الحرب العالمية الثانية لم تنته وفق الصيغة التقليدية. الانتصارات كانت نادرة، والحروب توقفت غالباً بسبب الإنهاك وليس الهزيمة العسكرية. هذه كانت حال الأميركيين في فيتنام، ولاحقاً في أفغانستان وفرنسا في الجزائر والاتحاد السوفياتي في أفغانستان أيضاً.
اليوم، السيناريو مختلف والذهاب إلى المفاوضات لوضع حد لنزاع وفق صيغ الماضي لم يعد أمراً محسوماً، وذلك لثلاثة أسباب: الأول، أن قضم أرض بلد آخر لم يعد أمراً مقبولاً في العالم، بسبب مبدأ معمول به على الصعيد العالمي، وهو عدم المس بالحدود القائمة، وبالتالي فإن أي مفاوضات يكون هدفها فرض تخلي المهزوم عن أراضٍ تابعة له ستكون فاشلة؛ والثاني، أن أسلوب التفاوض الماضي، الذي كان يتكفل به مبعوثون كاملو الصلاحيات انتهى إلى غير رجعة؛ والثالث، بروز دور المجتمعات التي أصبحت أكثر تطلباً. فالرئيس الأوكراني، لو توفرت فرصة الجلوس إلى طاولة المفاوضات، لن يكون قادراً على السير بأي قرار ينص على التخلي عن أراضٍ كشبه جزيرة القرم مقابل السلام، لأنه سيواجه ثورة اجتماعية يمكن أن تطيح بما هو عازم عليه أو حتى الإطاحة بحكومته.
لذا، ثمة أمران غير محسومين: كيفية إنهاء الحرب لأن السلاح لم يعد وحده ما يقرر مصير النزاع من جهة؛ ومن جهة ثانية لأن المفاوضات نفسها لم تعد مضمونة، بالنظر إلى أن العناصر التي كانت توفر إمكانية حصولها وقبول نتائجها تغيرت جذرياً.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورؤساء طاجيكستان وأوزبكستان وقيرغيزستان وبيلاروسيا خلال قمة غير رسمية في سانت بطرسبرغ في 27 ديسمبر الماضي (أ.ف.ب)

> لكن ثمة عناصر جديدة خاصة بالحرب الروسية على أوكرانيا، وأبرزها العقوبات الدولية متعددة الأشكال المفروضة على روسيا، التي ستلعب دوراً أساسياً في الدفع إلى المفاوضات وإنهاء الحرب. ألا توافق على هذه القراءة؟
- أنا أفضل الحديث عن العزل على الحديث عن العقوبات. القوى الغربية تسعى لعزل روسيا من «الفضاء العالمي» على الصعد كافة: الاقتصاد، الطاقة، الدورة المالية، المؤسسات الدولية، الرياضة، الثقافة والإعلام، بحيث تتحول روسيا إلى دولة منبوذة. وإذا كان للعزل فعالية جدية، وهو أمر ليس محققاً بعد، فإنه سيتحول إلى سلاح الردع المستقبلي. حتى اليوم، ليس هناك شيء مؤكد.
ولكن أود التنبيه إلى أن سياسة العزل الكلي، ترتدي طابعاً بنيوياً وكلياً، بمعنى أن فرض العزلة على الطرف الآخر ستكون له تأثيرات في الوقت عينه على الطرف الذي يفرضه. وهذا الأمر يشكل اليوم التحدي الأكبر بالنسبة للغرب، الذي يتخوف من أن تفضي ارتداداته إلى حراك اجتماعي واقتصادي وسياسي تكون أوروبا ضحيته، ومن شأنه أن يدفع القادة الأوروبيين إلى التخلي عن بعض مبادراتهم. ويعي الرئيس بوتين التأثيرات الاجتماعية والاقتصادية العكسية، ويحاول استغلالها ضد الغرب. يضاف إلى ذلك أن ثمة طرفاً ثالثاً يمكن أن يكون له تأثير حاسم على سياسة العزل، ويتمثل بكتلة واسعة متشكلة من دول مثل الصين والهند ودول العربية وبعض أميركا اللاتينية ودول أفريقية. ويسعى الغرب التي دفعهم للسير في ركابه والتقيد بالعقوبات التي فرضها على موسكو (كما برز ذلك خلال قمة العشرين الأخيرة في بالي، إندونيسيا). ومصير سياسة العزل مرهون إلى حد كبير بمواقف هذه الكتلة، التي من شأنها أن تغير موازين القوى لصالح هذا الطرف أو ذاك. واللافت للنظر أن الغربيين المتمترسين وراء الحلف الأطلسي لا يرون كفاية الشرخ الجديد والعميق على مستوى العالم.
> الحرب تدور منذ 11 شهراً على الأراضي الأوروبية. ما هي، وفق نظرتك، صورة أوروبا المستقبلية التي سترى النور عقب انتهائها؟ ما هي الهندسة الأمنية التي يمكن التوصل إليها لاحقاً لضمان الأمن والسلم في القارة القديمة؟
- إن اندلاع الحرب الأوكرانية مرده، في نظري، لكوننا لم نأخذ بالاعتبار التطورات، التي حصلت منذ انهيار حائط برلين، والفراغ الذي برز مع اندثار النظام الأمني القديم عقب سقوط حلف وارسو ومعه موت الثنائية القطبية (الحلف الأطلسي مقابل حلف وارسو).

 الرئيس الأميركي جو بايدن مع نظيره الفرنسي، ورؤساء حكومات بريطانيا وإسبانيا وكندا خلال اجتماع لمجموعة السبع في بالي بإندونيسيا 11 نوفمبر (أ.ب)

الواقع أن الرئيس بوتين جعل من هذه المسألة حصان طروادة سياسياً، أي جعل استعادة روسيا لدورها ومكانتها وهيمنتها العلامة الفارقة لسلطته وقيادته، ونجح في أن يستخدم هذا الطرح كرافعة للقيام بمبادرات قادرة على تعبئة الروس خلفه. واعتقادي أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون كان مصيباً في طرحه، حين اعتبر أنه سيكون من الصعب تصور نظام أمني جديد (في أوروبا) ونظام أمني عالمي من غير التأكيد على أهمية الأمن الجماعي لما بعد الثنائية القطبية، بما في ذلك توفير ضمانات أمنية لروسيا. ولكن ليست روسيا وحدها المحتاجة لضمانات. هناك دول كثيرة أخرى، أولها أوكرانيا، ودول أوروبا الوسطى التي تستشعر تهديد أمنها، والتي ترى أنها قد تعاني مما تعاني منه أوكرانيا اليوم. ويمكن توسيع الدائرة لتطال، أبعد من أوروبا، دول آسيا الوسطى والشرق الأوسط.
نحن نعيش في عالم متداخل، حيث إذا غاب الأمن الجماعي، لا أحد يمكنه أن يكون في مأمن. وهذا في نظري يمثل القطيعة الرئيسية مع الماضي، حيث كان هناك نوع من التوازن بين كتلتين. لكن اليوم، لا أمن ولا سلام إلا إذا شعر الكل، جماعياً، أنهم في حال آمنة. ولذا، المفاوضات الثنائية ليست الحل، بل ثمة حاجة لمفاوضات جماعية لأن من شأنها المساهمة في وضع حد لهذه الحرب، وليس فقط توفير الضمانات لهذه الجهة أو تلك.
> كثيرون يرون أن أحد أهداف هذه الحرب، من الجانب الغربي، ليس فقط منع روسيا من ضم أراضٍ أوكرانية، بل إضعافها منهجياً لا بل إسقاط بوتين. ما هي رؤيتك؟
- أعتبر أن هذه القراءة للعلاقات الدولية قديمة، حيث لا نعيش اليوم في عالم يحكمه ميزان القوى بل في عالم ممنهج، مترابط ومتداخل. وبالنسبة للسؤال المطروح، أرى أن إضعاف روسيا أو إسقاط بوتين لن يحل مشكلة روسيا نفسها. ما ستكون عليه صورة هذا البلد الضعيف والمهان في عالم الغد؟ أتصور أن ما حصل في عام 1991 سوف يستنسخ مرة ثانية، وسيأتي ببوتين جديد يمكن أن يكون أكثر تطرفاً من الحالي. وأود أن أعيد التأكيد على أنه في عالم يتمتع بالأمن الجماعي، فإن المهم ليس تعيين رابح أو خاسر، بل الوصول إلى عالم لا يحكمه ميزان القوى، بل توازن الثقة، أي أن يشعر كل طرف بالأمن وألا يتخوف من ضرب استقراره، ويعني أيضاً إدارة التداخل بين كل القوى والعناصر المؤثرة في عالم معولم. مفتاح التوازن غداً هو إدارة واعية ومنسجمة حيث يشعر كل طرف أن مصالحه مضمونة وأنه لا خوف على استقراره.
العالم تغير، واليوم هزيمة الآخر تخلق صعوبات ومشاكل أكثر من إيجاد الحلول، وهذا ما يبين الحاجة لاستنباط حلول شاملة، لا تدفع أحداً ليشعر بأنه منبوذ. خطأ الغربيين أنهم اعتقدوا أنهم قادرون على استثمار انتصارهم على الطريقة القديمة، أي استغلاله لفرض السيطرة والهيمنة. هذا ما فعله جورج بوش الأب خريف عام 1991. عندما تمسك بالإبقاء على الحلف الأطلسي وتوسيعه واستيعاب دول حلف وارسو المنهار. واليوم نرى التجليات المعقدة للفهم السابق للانتصار ونحن اليوم ندفع ثمنه المرتفع.
> كيف تنظر إلى تواصل تدفق المليارات الأمير كية على أوكرانيا، مقروناً بدفق أسلحة لم نرَ مثيلاً له منذ الحرب العالمية الثانية؟
- ثمة أسباب نبيلة وأخرى أقل نبلاً لما تقوم به واشنطن. في السياق الأول، ثمة رغبة أميركية بمساعدة بلد اعتدي عليه، وروسيا تحاول وضع اليد على أراضٍ تابعة لدولة تتمتع بالسيادة، الأمر الذي يحرمه القانون الدولي. كذلك تعتبر واشنطن أنه تقع على عاتقها مسؤولية المحافظة على التوازن الدولي والنظام العالمي.
في السياق المقابل، تسعى الولايات المتحدة للاستمرار في التحكم بالنظام العالمي، ولكن هذه المرة من غير الانخراط مباشرة في النزاع، الذي تستبدله بتوفير الدعم المكثف مختلف الأنواع والأشكال كما في حالة أوكرانيا. لكن علينا التنبه لوجود مجتمع أميركي لم نسبر غوره كفاية، وهو يعتبر أن للعولمة ثمناً باهظاً، إذ إن تكلفتها مرتفعة وعائداتها ضعيفة، مما يفسر إلى حد كبير بروز ظاهرة الرئيس ترمب والنزعات الانعزالية الجديدة وشعار «أميركا أولاً». والانسحاب من العراق وأفغانستان، ورفض الانخراط العسكري في الحروب بما في ذلك أوكرانيا، تندرج في هذا الإطار. ومع ذلك لا تريد أميركا التخلي عن وضعها راعية للنظام الدولي.
وتستفيد واشنطن من قدراتها المالية والتسليحية لتكون الداعم الأكبر لأوكرانيا، وبالتالي لإبقاء أوروبا تحت عباءتها وعباءة الحلف الأطلسي. وكل ذلك منطقي حتى اليوم. لكن إذا تواصلت الحرب فإن المجتمع الأميركي سيطرح تساؤلات (وقد بدأ بذلك) حول تكلفة دعم أوكرانيا، وبالتالي فإن غريزة العزلة والحمائية يمكن أن تدفع الإدارة الأميركية إلى التراجع. وثمة العديد من الأصوات (خصوصاً من صفوف الحزب الجمهوري) التي أخذت بطرح التساؤلات والتعبير عن القلق. ولا بد من الإشارة أيضاً إلى المقولة الكيسينجيرية القائلة بضرورة المفاوضات والمحافظة على ماء الوجه لروسيا. ولا شك أن بوتين يرى أن عامل الوقت لصالحه، ويمكنه استغلاله (في حربه مع الغرب).
> ما هي بنظرك التحديات الرئيسية التي سيواجهها العالم في عام 2023؟
- النزاع الروسي - الأوكراني بالغ الأهمية. ولكن المشكلة تكمن في أنه، بسبب أهميته، غطى على التحديات الأخرى التي تواجه العالم والعلاقات الدولية. ثمة تحديان رئيسيان يواجهان عالم اليوم والغد: أفريقيا من جهة والشرق الأوسط من جهة أخرى. في أفريقيا، خارطة النزاعات مترامية: بلدان الساحل، حوض الكونغو، القرن الأفريقي، وبلدان أخرى كلها تعاني من حالة غليان وفوهة يمكن أن تنفجر. ثم فيما خص الشرق الأوسط، فإن قوس الأزمات يمتد من اليمن وصولاً إلى أفغانستان.
لقد أفضت العولمة إلى قيام عالم بالغ التعقيد. والحال أن هذه العولمة تحمل في طياتها مخاطر بنيوية ومنهجية، لا نعرف بعد كيف التعاطي معها، وهي تندرج تحت تسميات التحديات الشاملة، والأمن الشامل ومنها تحديات الأمن الغذائي والصحي والاقتصادي والبيئوي. بيد أننا، نتناسى للأسف كل ذلك فيما انتباهنا مركز على أزمة واحدة رغم خطورتها.
وأريد أن أذكر بعض الأرقام بالغة الدلالة: فقدان الأمن الغذائي يتسبب بوفاة 10 ملايين نسمة كل عام، في أفريقيا وجنوب شرقي آسيا ومناطق أخرى. وإلى جانب ذلك، هناك أكثر من مليار نسمة يعانون من سوء التغذية، الذي يزيد التعرض من الأمراض على أنواعها، وبالتالي التعرض للوفاة. وهذا الواقع يفضي إلى مخاطر بنيوية بالغة التهديد، وذلك لسبيين: الأول، أن هذه المخاطر تتغذى من بعضها البعض، فالخطر البيئوي له انعكاساته على الأمن الغذائي والصحي والحياة بكافة أشكالها وأنواعها؛ والثاني، عنوانه أن مخاطر الحروب والنزاعات في أفريقيا والشرق الأوسط، التي أشرنا إليها، مرتبطة ارتباطاً عضوياً بالتحديات الشاملة وانعدام الأمن بمعناه العام. والأمثلة كثيرة وأحدها أن التصحر، في منطقة الساحل وانعدام الأمن المائي من جانب، والفيضانات التي تضرب بلداناً مثل باكستان وبنغلاديش ومدغشقر من جانب آخر، يولدان اهتزازات اجتماعية واقتصادية ويتسببان بهجرات واسعة، وكل ذلك يمهد لأزمات واندلاع نزاعات.
ومثال آخر يفيد بأن الدراسات المعمقة، بينت وجود علاقة بين الأزمة الزراعية والغذائية في سوريا. وهذه الأزمة دفعت إلى هجرات واسعة من الأرياف باتجاه المدن وساهمت في التعبئة التي أفضت إلى اندلاع الحرب الأهلية لاحقاً.
واسمح لي أن أضيف رقمين بالغي الدلالة: دراسات منظمة الصحة العالمية تبين أن الوفيات المترتبة على المخاطر البيئوية تبلغ ثمانية ملايين شخص في العام، بينما الوفيات المترتبة على الأعمال الإرهابية المختلفة تتراوح ما بين 10 آلاف ضحية و40 ألفاً. والحال أن العالم كله يتحدث عن الإرهاب وضرورة محاربته، وقليلون يتحدثون عن انعدام الأمن الغذائي أو الصحي... ثم إن الأمم المتحدة تعتبر أن تحقيق أهداف التنمية المستدامة، يفترض توفير مبلغ 100 مليار دولار في العام، الأمر الذي لا يتحقق. وبالمقابل، فإن حدثاً رياضياً مثل كأس العالم لمباريات كرة القدم الأخيرة بلغت ميزانيته 220 مليار دولار. وأترك لك تقدير فائدة مبلغ كبير كهذا، لو استخدم لمواجهة تحديات الأمن الغذائي والبيئوي والتحديات الأخرى التي تواجه العالم.
> هل ترى أن القوتين العظميين حالياً في العالم، الولايات المتحدة والصين، ذاهبتان نحو المواجهة؟
- بداية، أريد أن أقول إن الصين والولايات المتحدة لا تقرآن العالم بالطريقة نفسها. الصين فهمت العالم المعولم والممنهج قبل غيرها، وهي تعي أن مستقبلها مرتبط في هذه الفترة بحيوية الاقتصاد العالمي ولذا، فإنها ليست بحاجة لأي أزمة كبيرة، وأن أي حرب كلاسيكية ستكلفها الكثير من نجاحاتها وتطيح باقتصادها المعولم. بكين وعت كيفية الاستفادة من العولمة وسياستها الواقعية عملت على اجتياح العالم عن طريق ما سمته «الطريق» و«الحزام»، مما مكنها من توفير قوة فاعلة، وحضور متصاعد، وقضم الهيمنة الأميركية، والإفلات من صيغة العالم القديم وريث «الوستفالية» المعروفة. والشوكة الوحيدة في قدم الصين هي فضاؤها الإقليمي. واللافت أنها تتصرف بطريقة حديثة جداً في أفريقيا، وحتى في أوروبا، لفرض سيطرتها، لكنها بالمقابل تتعاطى بالطريقة القديمة في فضائها الإقليمي. من هنا، نزاعاتها مع تايوان واليابان وكوريا الجنوبية وفيتنام وأستراليا.
ورغم ما سبق، أتوقع أن بكين ستبقى في سياق سياسة ضبط النفس، لأن حرباً تبدأها ضد تايوان سيكون من نتائجها القضاء على كل ما راكمته من فوائد منذ عقود. وأذكّر بقول لرئيس الوزراء الصيني الأسبق شو إن لاي للكاتب المصري محمد حسنين هيكل، حول أميركا وفيتنام إذ قال له: «بالنظر لصعوبات أميركا في فيتنام، لن نسعى لهيمنة عسكرية شاملة لأنها تكلف الكثير ولا توفر شيئاً، ولذا نحن لسنا طرفاً في نزاعات الشرق الأوسط».
> لكن واشنطن ترى في بكين منافساً منهجياً شاملاً وتريد احتواءه، لأنها ترى فيه تهديداً لهيمنتها. أليس كذلك؟ ثم إن التهديد الصيني العسكري لتايوان قائم.
- هذا صحيح. التهديد العسكري الصيني قائم وهو وسيلة من وسائل الضغط على تايوان. ولكن للصينيين رؤية مغايرة لرؤيتنا لعامل الزمن وهم يعتقدون أنه، في نهاية المطاف، سيتغير الوضع الذي يعانون منه اليوم، بمعنى أن تايوان ستعود للصين يوماً ما، ولذا أستبعد حرباً تتواجه فيها القوات الصينية والأميركية.
> الرئيس بوتين يدعو بشكل دائم إلى قيام نظام دولي «متعدد الأقطاب». هل نحن على الطريق الصحيح؟
- نظرية الأقطاب مبدأ يعود للعالم القديم، ولا أحبذ استخدامه أو تطبيقه على عالم اليوم. فزمن الحرب الباردة، كانت الثنائية القطبية فاعلة، وسمحت بتنظيم العالم وتوفير التوازن رغم أن أحد القطبين (الغربي) كان الأقوى. لكن اليوم، الأمور تغيرت، إذ إن كل دولة أو قوة تسعى للعب دورها بشكل شبه مستقل. والدليل على ذلك أن قوى إقليمية متوسطة لم تعد تسعى للحصول على حماية الكبار، بل إنها تتبع سياسة متحركة وغير دائمة، مع هذه الجهة أو تلك وفقاً لمصالحها. لقد انتقلنا من واقع الزواج الرسمي الدائم إلى العلاقة الحرة. يكفي أن ننظر إلى أداء الرئيس التركي إردوغان كيف يعدل سياساته وفق الظروف والمصالح.
أما بالنسبة للرئيس بوتين، فأعتقد أن دعوته لعالم متعدد الأقطاب، تدل على هشاشة وضعه، ورغبته في أن يقدم نفسه على أنه الجهة التي تحمي العالم من الهيمنة الأميركية، كما أنه يحلم أن تبقى روسيا قوة فوق الآخرين، وأن يستعيد وضع الاتحاد السوفياتي سابقاً بحيث يكون قطباً إلى جانب أقطاب أخرى.
> أعرف أنك تتابع الوضع الإيراني عن كثب. هل النظام الإيراني مهدد؟ ما قراءتك لما يجري اليوم وما يمكن أن يحصل غداً؟
- أعتبر أن النظام الإيراني اليوم مهدد، ولدينا أدلة على ذلك، ومنها التقلبات (في التعامل مع الحراك الاجتماعي)، حيث يتأرجح بين القمع الأقصى وتقديم التنازلات التي لم يكن أحد يتوقعها. وعندما نرى أن نظاماً يغالي في سياسة القمع، ويوازي ذلك مع تنازلات، فهذا يعني أنه على طريق الضياع لأنه فقد ثقة المواطنين. المجتمع الإيراني بكافة شرائحه عبر عن مواقف رافضة. كثيرون يرون أنها «ثورة النساء»، ولكن هذا التوصيف غير صحيح تماماً: إنها ثورة النساء ولكن أيضاً ثوة الأقليات الإثنية، وثورة الطلاب والعمال و«البازار» والمدن الوسطى، أي كل شرائح المجتمع، التي أظهرت أنها على طلاق ليس مع الجمهورية الإسلامية، بل مع نظام محافظ ومغالٍ في التشدد.
والمفارقة أن المجتمع الإيراني هو الأكثر مطالبة وتمسكاً بالعولمة، وهذا النظام هو الأكثر انغلاقاً. وقد ساهمت أخطاء ترمب في تعزيز دفعه إلى الانغلاق بعد خروجه من اتفاق عام 2015 النووي. الاتفاق المذكور كان فتح الباب لتطبيع العلاقات بين إيران والعالم، وبتمزيقه أنقذ ترمب مجموعة الأوليغارشية، التي تدور في فلك خامنئي، وبالنسبة لهؤلاء، فإن الحجاب هو علامة انتصارهم وقوتهم وليس رمزاً دينياً. لكن ثمة انعداماً لليقين بشأن هذه النقمة الاجتماعية غير الموجهة وغير المدارة سياسياً، مما يجعلها شبيهة إلى حد كبير بالربيع العربي، أي أنها تعبير عفوي يفتقد للقيادة السياسية وللقاعدة الآيديولوجية، مما يجعل وصولها إلى السلطة إشكالياً.


مقالات ذات صلة

أوكرانيا سلمت جنديين كوريين شماليين أسيرين إلى كوريا الجنوبية

آسيا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال إلقاء في كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة (أ.ف.ب)

أوكرانيا سلمت جنديين كوريين شماليين أسيرين إلى كوريا الجنوبية

لم يقدم زيلينسكي مزيدا من التفاصيل حول عملية التسليم. وكانت أوكرانيا قد أسرت العسكريين الكوريين الشماليين في منطقة كورسك الروسية في يناير 2024.

«الشرق الأوسط» (الأمم المتحدة - سيول)
أوروبا الرئيسان الأميركي والأوكراني يتصافحان خلال اجتماعهما على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة (د.ب.أ)

واشنطن تدعو بوتين لحضور «قمة العشرين»

أفاد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، أمس، بأن بلاده دعت الرئيس الروسي فلاديمير بوتين للمشاركة في قمة «مجموعة الـ20» المقررة في مدينة ميامي الأميركية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
أوروبا الرئيسان الأميركي والأوكراني يتصافحان خلال اجتماعهما على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة (د.ب.أ) p-circle

لافروف يلتقي روبيو... وبوتين مستعد للقاء نظيره الأميركي

يؤكد الرئيسان، بوتين وترمب، دائماً في محادثاتهما الهاتفية على استعدادهما لعقد اجتماع آخر بمرور الوقت، إذا لزم الأمر

«الشرق الأوسط» (تيويورك)
الولايات المتحدة​ وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يتحدث إلى وسائل الإعلام بعد لقائه وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في نيويورك يوم 23 سبتمبر 2026 (رويترز)

واشنطن تسعى لوقف هجمات الطاقة بين روسيا وأوكرانيا... وتدعو بوتين إلى «قمة الـ20»

قال وزير الخارجية الأميركي، ماركو روبيو، إن واشنطن تضغط لوقف الهجمات على منشآت الطاقة بين روسيا وأوكرانيا، وأكد دعوة الرئيس فلاديمير بوتين إلى «قمة الـ20»...

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد كان الكرملين قد صرح هذا الشهر بأن أوروبا تلحق الضرر بنفسها بشراء الغاز باهظ الثمن من السوق الفورية بدلاً من اختيار الإمدادات الروسية الأقل تكلفة (رويترز)

روسيا تخفض توقعاتها لإنتاج وتصدير الغاز

خفضت وزارة الاقتصاد الروسية توقعاتها لإنتاج وتصدير البلاد من الغاز الطبيعي هذا العام، في الوقت الذي تستعد فيه أوروبا لإنهاء مشترياتها الأخيرة من الغاز الروسي.

«الشرق الأوسط» (موسكو)

مقتل بحار هندي في هجوم على سفينة تجارية في هرمز

سفن في مضيق هرمز كما تظهر من مسندم في عُمان (رويترز)
سفن في مضيق هرمز كما تظهر من مسندم في عُمان (رويترز)
TT

مقتل بحار هندي في هجوم على سفينة تجارية في هرمز

سفن في مضيق هرمز كما تظهر من مسندم في عُمان (رويترز)
سفن في مضيق هرمز كما تظهر من مسندم في عُمان (رويترز)

أفادت السلطات العمانية والهندية بمقتل بحار هندي في الهجوم الذي استهدف سفينة تجارية في مضيق هرمز اليوم الأربعاء، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت البحرية العمانية في بيان أنها «أجلت 27 من أفراد طاقم السفينة كيب داو التي ترفع علم أنتيغوا... إثر تعرض السفينة لاستهداف على بُعد 2.5 ميل بحري من محافظة مسندم، أسفر عن اندلاع حريق في غرفة المحركات ووفاة أحد أفراد طاقمها».

وأوضحت وزارة الخارجية في نيودلهي أن الضحية بحار يحمل الجنسية الهندية.

وأكدت السفارة الهندية لدى سلطنة عمان اليوم ‌أن ‌مواطناً هندياً ‌قتل ⁠في هجوم استهدف السفينة «إم في ⁠كيب داو» في أثناء توجهها ⁠إلى ‌الهند، بحسب وكالة «رويترز».

وأضافت السفارة ‌أنها تنسق ‌بشكل ‌وثيق مع السلطات العمانية ‌بشأن سلامة جميع أفراد الطاقم ⁠على متن ⁠السفينة، ومنهم 19 مواطناً هندياً.


عراقجي يلتقي ويتكوف في نيويورك ويبلغه شروط طهران لإعادة فتح «هرمز»

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي وهو يصل لحضور الدورة 81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في مدينة نيويورك 22 سبتمبر 2026 (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي وهو يصل لحضور الدورة 81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في مدينة نيويورك 22 سبتمبر 2026 (رويترز)
TT

عراقجي يلتقي ويتكوف في نيويورك ويبلغه شروط طهران لإعادة فتح «هرمز»

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي وهو يصل لحضور الدورة 81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في مدينة نيويورك 22 سبتمبر 2026 (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي وهو يصل لحضور الدورة 81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في مدينة نيويورك 22 سبتمبر 2026 (رويترز)

التقى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، الثلاثاء، على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، وأبلغه شروط طهران لإعادة فتح مضيق هرمز، وفق ما أفادت وسائل إعلام إيرانية.

ونقلت هيئة الإذاعة والتلفزيون الإيرانية الرسمية عن عراقجي قوله لويتكوف إن مطالب طهران تشمل «الرفع الفوري للحصار البحري الأميركي، والسداد العاجل لجميع الأصول الإيرانية المجمدة، وإنهاء الحرب على كل جبهات المقاومة»، حسبما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

مبعوث ترمب ستيف ويتكوف (الثاني يميناً) خلال لقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال اجتماع الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 22 سبتمبر 2026 في مقر المنظمة في نيويورك (أ.ب)

وفي السياق، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إن المسؤولين الأميركيين والإيرانيين اجتمعوا يوم الثلاثاء، بعد فترة وجيزة من تهديده في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة بأنه قد «يبيد» إيران إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق قريباً لإنهاء الحرب المستمرة منذ ما يقرب من سبعة أشهر.

وقال ترمب للصحافيين إن الاجتماع تم، وانتهى «قبل حوالي ساعة»، لكنه لم يقدّم سوى القليل من التفاصيل حول المحادثات، وفق ما نقلته شبكة «سي بي إس» الأميركية.

وأوضح ترمب: «لقد كان اجتماعاً جيداً للغاية... لديهم موعد آخر مقرر في المستقبل القريب جداً».

وذكر أن الاجتماع استمر حوالي ثلاث ساعات، وشارك فيه صهره جاريد كوشنر والمبعوث الخاص ستيف ويتكوف.

وأكد ويتكوف أن الاجتماع سار على ما يرام، قائلاً: «أشعر أنني بحالة جيدة جداً الآن»، لكنه لم يقدم مزيداً من التفاصيل.

Your Premium trial has ended


ترمب يهدّد إيران بـ«الدمار الشامل»... ويتوعّد كوبا بـ«السقوط»

الرئيس الأميركي يخاطب الجمعية العامة للأمم المتّحدة يوم 22 سبتمبر (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي يخاطب الجمعية العامة للأمم المتّحدة يوم 22 سبتمبر (أ.ف.ب)
TT

ترمب يهدّد إيران بـ«الدمار الشامل»... ويتوعّد كوبا بـ«السقوط»

الرئيس الأميركي يخاطب الجمعية العامة للأمم المتّحدة يوم 22 سبتمبر (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي يخاطب الجمعية العامة للأمم المتّحدة يوم 22 سبتمبر (أ.ف.ب)

دافع الرئيس الأميركي دونالد ترمب بقوة عن الحرب مع إيران، مخيراً نظامها بين التوصل إلى صفقة لتجريدها من قدراتها على صنع سلاح نووي، مخيراً نظامها بين التوصل إلى صفقة تنهي برنامجها النووي و«تنمرها» في الشرق الأوسط، أو التعرض لـ«الدمار الشامل»، مشيداً بما عدَّه «تقدماً» نحو السلام مع بناء «نظام عالمي يتماشى» أكثر فأكثر مع مصالح «أميركا أولاً».

وفي الخطاب السادس من نوعه كرئيس على المنصة الرخامية الخضراء للجمعية العامة، في دورتها السنوية الحادية والثمانين، تحدث الرئيس ترمب عن الذكرى السنوية الـ250 لتأسيس الولايات المتحدة، معلناً عودتها القوية، وواصفاً إياها بأنها مهيمنة اقتصادياً وعسكرياً وتكنولوجياً. كما سلّط ترمب الضوء على التخفيضات الضريبية وإلغاء القيود، قائلاً إنها أسهمت في جذب استثمارات غير مسبوقة إلى بلاده. وأكد أن الحدود الأميركية - المكسيكية أصبحت الأكثر أماناً في التاريخ الأميركي.

الرئيس الأميركي يخاطب الجمعية العامة للأمم المتّحدة يوم 22 سبتمبر (أ.ب)

وفي ما يتعلق بالسياسة الخارجية، قدم ترمب إدارته على أنها إدارة فاعلة لا تكتفي بالتفاوض، وقال: «بينما اكتفى الآخرون بالكلام، بادرت أنا بالعمل» لمواجهة التهديدات واستخدام القوة لحل النزاعات الدولية طويلة الأمد.

وإذ وصف إيران بأنها «الراعي الرئيسي للإرهاب في العالم»، اتهم النظام الإيراني بعقود من العنف في كل أنحاء الشرق الأوسط، مضيفاً أنه «على مدى 51 عاماً، حكم النظام الإيراني المتعصب بالدماء والقتل الجماعي، ناشراً الموت والدمار والفوضى في كل أنحاء الشرق الأوسط وخارجه». وكرر: «لن أسمح أبداً لإيران بامتلاك سلاح نووي».

ووفقاً لترمب، سعت إدارته أولاً إلى التفاوض مع إيران، عارضة «تعاوناً اقتصادياً كاملاً» مقابل إنهاء برنامجها النووي ودعمها للإرهاب. ولكن إيران رفضت هذا المقترح. وإذ أشار إلى الضربات العسكرية الأميركية على المنشآت النووية والعسكرية الإيرانية، ذكر بأن تصرفات إيران هدّدت أيضاً الملاحة الدولية، لا سيما في مضيق هرمز وحوله.

لكن ترمب وضع إيران أمام ما وصفه بخيار مصيري. وتساءل: «هل سيتم التوصل إلى اتفاق مع إيران يسمح لها بإعادة البناء وإنشاء دولة أعظم كثيراً مما كانت عليه من قبل، ربما واحدة من أعظم دول الشرق الأوسط أو حتى العالم؟». وأضاف: «أم أنني سأمحو إيران، وبسرعة؟». ورغم هذا التهديد، عبر ترمب عن اعتقاده «أننا سنتوصل إلى اتفاق فور انتهاء الانتخابات، لأنه من غير المنطقي ألا يفعلوا ذلك».

الذخائر الأميركية

سعى ترمب إلى تبديد المخاوف بشأن المخزونات العسكرية الأميركية. وقال: «يرغب الجبناء والخونة في ادعاء أن الولايات المتحدة تعاني نقصاً في الذخائر، لكن هذا غير صحيح. لدينا من الذخائر ما يفوق حاجتنا بكثير». وكشف أنه يجري بناء 18 مصنعاً جديداً للذخائر، ودعا كل الدول إلى «الانضمام إلينا في فرض العزل الاقتصادي الكامل على إيران»، مطالباً طهران بوقف هجماتها على السفن التجارية، والتخلي عن طموحاتها النووية، وإنهاء دعمها للإرهاب.

وتحدث ترمب عن غزة أيضاً، مقدماً جهود إدارته هناك كمثال آخر على نهجه في التعامل مع النزاعات الدولية. وقال: «قبل عام، عندما خاطبت القادة العظام في هذه القاعة، كانت الحرب في غزة لا تزال مستعرة بوحشية. وكان الرهائن لا يزالون محاصرين في أنفاق (حماس)، ولم تكن هناك نهاية تلوح في الأفق». وأضاف: «لقد أنهينا الحرب في غزة، وأنقذنا آلاف الأرواح. كما أعدنا جميع الرهائن المتبقين، الأحياء منهم والأموات، جميعهم بلا استثناء». وأشاد أيضاً بموافقة مجلس الأمن على ما «خطة السلام لغزة»، وقال إن نحو 30 دولة انضمت إلى «مجلس السلام».

«سقوط» كوبا

وفي إطار حديثه عن سياسة بلاده الخارجية، قال الرئيس الأميركي إن كوبا الخاضعة لحصار أميركي «ستسقط»، مؤكداً رغبة إدارته في رؤية «تغيير جذري» في الجزيرة ذات الحكم الشيوعي. وقال ترمب إن «النظام الشيوعي يتعرّض لضغوط قوية، هي الأقوى التي عرفها على الإطلاق (...) سيسقط». وأضاف أن «الحرية ستصل إلى كوبا»، مشيراً إلى أن واشنطن تجري مفاوضات مع هافانا.

ورد وزير الخارجية الكوبي برونو رودريغيز بغضب على تصريحات الرئيس الأميركي، ووصف كلامه بأنه «أكاذيب». وكتب رودريغيز، الذي غادر وفد بلاده القاعة خلال خطاب الرئيس الأميركي، إن «حكومة الولايات المتحدة غير قادرة على القبول بأن كوبا دولة مستقلة ذات سيادة كاملة ولها الحق في ذلك»، مضيفاً: «أي من الأكاذيب التي أطلقها الرئيس الأميركي أمام الأمم المتحدة لن يخفي هذه الحقيقة».

غادر الوفد الكوبي قاعة الجمعية العامة خلال خطاب الرئيس الأميركي يوم 22 سبتمبر (أ.ف.ب)

وكانت رسالة ترمب الأوسع نطاقاً إلى الأمم المتحدة واضحة لا لبس فيها: أكد أن القوة الأميركية تقود عهداً جديداً من الدبلوماسية والأمن. وكرر ترمب انتقاداته اللاذعة للأمم المتحدة، مشيراً إلى جهود إدارته لمنعها من «التعدي» على السيادة الأميركية أو الترويج لما يعده «أجندة يسارية».

إضافة إلى ذلك، عبر ترمب عن استيائه الشديد من استمرار الحرب الروسية - الأوكرانية، في نزاع توقع خلال حملته الانتخابية عام 2024 تسويته في اليوم الأول من ولايته الثانية. ولم يخف أن صبره ينفد من استهداف القوات الأوكرانية لمصافي الديزل الروسية، في قضية زادت من تقلبات أسواق النفط بسبب اعتداءات «الحرس الإيراني» ضد السفن التجارية وناقلات النفط في مضيق هرمز، وكذلك تهديدات جماعة الحوثي عند مضيق باب المندب، بالإضافة إلى استهداف روسيا لشبكة الطاقة الأوكرانية.

في سياق متّصل، رفض الرئيس الأميركي بشدة الدعوات المطالبة بإشراف دولي على الذكاء الاصطناعي، ووصفها بأنها «مشروع عالمي» للسيطرة على التكنولوجيا الجديدة. وأعلن في كلمته أن الحكومة الأميركية ستستخدم من الآن فصاعداً مصطلح «الذكاء الفائق» بدلاً من «الذكاء الاصطناعي» في البيانات الصادرة عنها، على أمل أن يحذو العالم حذوها.

مغادرة الجنائية الدولية

دعا الرئيس الأميركي كل الدول إلى الانسحاب من المحكمة الجنائية الدولية، واصفاً إياها بأنّها «خارجة عن السيطرة». وقال ترمب في كلمته إنّ «الولايات المتحدة تعارض المؤسسة الخارجة عن السيطرة المعروفة باسم المحكمة الجنائية الدولية»، داعياً «كل الدول الأعضاء في المحكمة الجنائية الدولية إلى الانسحاب من هذه المؤسسة المارقة على الفور». وتشنّ الولايات المتحدة حملة شرسة ضد المحكمة الجنائية الدولية، وفرضت في الآونة الأخيرة سلسلة من العقوبات على مسؤولين فيها، من بينهم رئيستها والمدعي العام الحالي، على خلفية إصدار الهيئة القضائية في لاهاي مذكرة توقيف بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بسبب الحرب في قطاع غزة. وتوعد وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بتفكيك المحكمة، ورأى أنها تشكّل «تهديداً» للسيادة الأميركية. وأُنشئت المحكمة الجنائية الدولية عام 1998، وبدأت عملها في 2002، وهي هيئة قضائية جنائية دولية دائمة مُكلَّفة بمحاكمة الأشخاص المتهمين بأخطر الجرائم، مثل الإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية، وجريمة العدوان، وجرائم الحرب.

«شلل مجلس الأمن»

وأتى خطاب ترمب للأمم المتحدة في وقت بات فيه نهجه في السياسة الخارجية، ولا سيما قراره شن حرب على إيران، يعوق آمال حزبه الجمهوري في الاحتفاظ بالسيطرة على مجلسي النواب والشيوخ في الانتخابات النصفية للكونغرس بعد 40 يوماً فحسب.

وبالإضافة إلى خطاب الرئيس ترمب، انشغل زعماء العالم في البحث عن طرق لإيجاد مخرج مما سماه دبلوماسيون «لحظة عصيبة يمر بها العالم»، بما في ذلك بسبب الحرب بين الولايات المتحدة وإيران، والتي أدت إلى اهتزاز الاقتصاد العالمي، بالإضافة إلى ازدياد القلق في شأن تداعيات الذكاء الاصطناعي، فضلاً عن التساؤلات في شأن مستقبل الأمم المتحدة نفسها في ظل تقليص الرئيس ترمب للدعم المالي الأميركي لها.

غوتيريش يلقي كلمته الأخيرة أمام الجمعية العامة قبل انتهاء ولايته كأمين عام للأمم المتّحدة يوم 22 سبتمبر (أ.ف.ب)

وسبق ترمب إلى المنصة الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا، الذي رأى أن العالم «رهينة» شِلل مجلس الأمن، الأداة الأقوى على الإطلاق في منظومة الأمم المتحدة. وقال: «نحن جميعاً رهائن لتقاعس مجلس الأمن عن أداء دوره».

وفي خطاب هو الأخير له كأمين عام أمام الجمعية العامة، قال أنطونيو غوتيريش، الذي تنتهي ولايته بعد 100 يوم فقط، لمئات من قادة العالم المجتمعين تحت قبة المنظمة الدولية إن أزمات العقد الماضي ما هي إلا «فصول من قصة واحدة، قصة القوة». وأضاف: «تتسع الصدوع في عالمنا، وتتحول الشقوق إلى أودية سحيقة»، مشيراً إلى الحروب التي «تستمر بوحشية شنيعة».

ولفت غوتيريش إلى أن القوة تنتقل في 3 اتجاهات: بين الدول، من الحكومات إلى «حفنة من الشركات الخاصة والأفراد»، ومن البشر إلى الآلات «مع خروج أنظمة الذكاء الاصطناعي عن السيطرة». ورأى أن الاستقرار الحقيقي يتطلب من القوى العظمى أن تدرك أن «قوتها ليست بتلك العظمة».

وفي ما يتعلق بالشرق الأوسط، قال غوتيريش إن غزة شهدت «مستوى من القتل والدمار لم أشهد مثله من قبل»، محذراً من أن التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية «ينذر بخطر التطهير العرقي». ووصف غزو روسيا لأوكرانيا بأنه «انتهاك صارخ لميثاق» المنظمة الدولية. وقال إن السودان «يمزَّق إرباً بينما يغض العالم الطرف».

وإذ كرر تحذيراته في ما يتعلق بتغير المناخ، نبه من «القدرة من دون رقابة» على الذكاء الاصطناعي الخارق، مشدداً على أن «الروبوتات القاتلة يجب ألا يكون لها مكان في مستقبلنا».

ورأى رئيس الدورة الحالية للجمعية العامة خليل الرحمن أن الاختبار الأساسي للأمم المتحدة اليوم ليس البقاء، بل الأداء. وقال: «خارج هذه الجدران، لا يسأل الناس عما إذا كانت الأمم المتحدة لا تزال موجودة، بل عما إذا كانت تعمل». ودعا إلى إصلاحات على 3 محاور: الشفافية في شأن الإخفاقات، وتغيير هيكلي أعمق يتجاوز مبادرة الأمم المتحدة لعام 1980، وزيادة مشاركة قطاع الأعمال والمجتمع المدني.

مبادرة السلام العربية

وألقى الملك عبد الله الثاني بن الحسين خطاباً دعا فيه إلى الانتباه للأوضاع الجيوسياسية في المنطقة والعام. وقال إن «انتباهنا أصبح مورداً نادراً، وأصبح اختيار ما نمنحه انتباهنا أكثر أهمية من أي وقت مضى».

وخصّص جزءاً كبيراً من خطابه لغزة والضفة الغربية، محذراً من أن «أصبح المؤقت دائماً، وأصبح الدائم نهجاً»، موضحاً أنه «في أول 300 يوم مما سمي بوقف إطلاق النار، استشهد ما لا يقل عن 300 طفل فلسطيني». وإذ أشاد بجهود الرئيس ترمب لتحقيق السلام، اتهم الحكومة الإسرائيلية بمواصلة «تجاهل الاتفاق».

جانب من كلمة ملك الأردن أمام الجمعية العامة يوم 22 سبتمبر (أ.ف.ب)

ووصف ما يجري في الضفة الغربية بأنه «تحول جذري»، مُنبّهاً إلى أن «هدم منازل الفلسطينيين لتوسيع المستوطنات غير القانونية ليس تنفيذا للقانون، بل هو ترحيل قسري»، يرقى إلى «جريمة حرب».

كما رفض العاهل الأردني «أوهام» حلّ الصراع، مؤكداً أن ما يحصل في غزة والضفة الغربية «وجهان لنفس الاستراتيجية الإسرائيلية»، وأن مبادرة السلام العربية لعام 2002 ظلّت قائمة «لأكثر من 20 عاماً»، وأن «العقبة لم تكن يوماً غياب شريك من أجل تحقيق السلام، بل عدم وجود حكومة إسرائيلية مستعدة لقبوله».

كما حذر الملك عبد الله الثاني من امتداد الأطماع الإسرائيلية إلى سوريا، مؤكداً أن «أي تهديد لحدودنا الشمالية أو أمننا المائي هو تهديد لأمننا القومي».

وشدّد على أن «القوة العسكرية لا تطعم الجياع، ولا تضمن عودة المهجرين، ولا تبني السلام».