هل يمكن لمنتخب أفريقي أن يفوز بكأس العالم؟

دول القارة أصبحت أكثر وصولاً إلى نهائيات المونديال وأكثرمنافسة فيما بينها

الجماهير المغربية تستقبل أبطالها أصحاب المركز الرابع في مونديال قطر (إ.ب.أ)
الجماهير المغربية تستقبل أبطالها أصحاب المركز الرابع في مونديال قطر (إ.ب.أ)
TT

هل يمكن لمنتخب أفريقي أن يفوز بكأس العالم؟

الجماهير المغربية تستقبل أبطالها أصحاب المركز الرابع في مونديال قطر (إ.ب.أ)
الجماهير المغربية تستقبل أبطالها أصحاب المركز الرابع في مونديال قطر (إ.ب.أ)

كان كثير من عشاق كرة القدم يتمنون أن يفوز منتخب أفريقي بكأس العالم 2022 بقطر. وكان العالم ينتظر ذلك منذ أن توقع اللاعب البرازيلي العظيم بيليه (في سبعينات القرن الماضي) أن يتمكن بلد أفريقي من الفوز بالمونديال قبل عام 2000. لم يحدث ذلك؛ لكنه لم يمنع باتريس موتسيبي، رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم، من أن يقول في عام 2021: «لا بد من أن يفوز منتخب أفريقي بكأس العالم في المستقبل القريب».
لكن هل يمكن تحقيق هذا الحلم على أرض الواقع؟ وهل المنتخبات الأفريقية قادرة على منافسة أفضل المنتخبات في العالم؟ وهل حصولها على لقب كأس العالم ما هو إلا مسألة وقت؟ أم أنه يتعين على المنتخبات الأفريقية أن تعمل بشكل مختلف إذا كانت ترغب حقاً في الفوز بكأس العالم؟ أم أن الفوز الأفريقي بالمونديال مستحيل وأمل زائف؟
لعل وصول المنتخب المغربي إلى المربع الذهبي في مونديال قطر، يكون بداية حقيقية لإلقاء الضوء على هذه الأسئلة.
لقد تناولتُ هذه الأسئلة في ورقة بحثية حديثة تعتمد على مصادر بيانات مختلفة (بما في ذلك نظام تصنيف إيلو الذي يُستخدم لحساب مستويات المهارة عند لاعبي الشطرنج) لمقارنة التاريخ التنافسي لهذه المنتخبات في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين. وتناولت هذه الورقة البحثية أفضل المنتخبات الأفريقية: (الجزائر، والكاميرون، وكوت ديفوار، ومصر، وغانا، والمغرب، ونيجيريا، والسنغال، وتونس) وآخر المنتخبات المتأهلة إلى الدور النهائي والدور نصف النهائي لكأس العالم: (بلجيكا، والبرازيل، وكرواتيا، وإنجلترا، وفرنسا، وألمانيا، وإسبانيا) لمعرفة ما إذا كانت البلدان الأفريقية قادرة حقاً على منافسة أفضل المنتخبات العالمية أم لا. وإذا لم تكن قادرة على المنافسة، فما السبب وراء ذلك؟ في الحقيقة، وقد وجدت فجوة تنافسية كبيرة بين البلدان الأفريقية وأفضل المنتخبات في العالم، وهي الفجوة التي ازدادت واتسعت على مدى الأجيال الأخيرة. وبالتالي، فإن هذه الفجوة ليست مشجعة لأولئك الذين يأملون أن يفوز أحد المنتخبات الأفريقية بكأس العالم.

وهبي الخزري من نجوم المنتخب التونسي في قطر (إ.ب.أ)

الدراسة
اعتمد تحليلي على بُعدين أساسيين في التاريخ التنافسي لكل بلد: كيف يتنافس عندما يشارك في كأس العالم (عدد المباريات التي يلعبها، وضد من يلعب، وفي أي بطولات) وإلى أي مدى يستمر في المنافسة (كم مرة يفوز؛ خصوصاً أمام منتخبات الصفوة، وفي البطولات الكبرى رفيعة المستوى). لسوء الحظ، فإن الدول الأفريقية تتخلف كثيراً عن الدول الكبرى في كلا البُعدين. فأفضل المنتخبات الأفريقية لعبت مستويات أقل من المنافسة، وكانت معدلات فوزها أقل أيضاً. وبدلاً من التنافس مع أفضل دول العالم، يبدو أن أفضل المنتخبات الأفريقية تقترب في المستوى من بلد مثل اليونان التي شاركت 3 مرات في نهائيات كأس العالم، ووصلت إلى دور الستة عشر في مونديال 2014. قد يكون هذا إنجازاً مثيراً للإعجاب بالنسبة لليونان؛ لكن الحقيقة هي أنه لا يوجد كثيرون خارج اليونان يعتقدون أن هذا البلد قادر على الفوز بكأس العالم يوماً ما! فلماذا نعتقد إذن أن الدول الأفريقية قادرة على الفوز بكأس العالم؟
لقد وجدت أن التاريخ التنافسي لأفضل البلدان الأفريقية كان أشبه بالمنافسين الحاليين في كأس العالم في العقود السابقة (حتى في حقبة السبعينات عندما توقع بيليه أن أحد المنتخبات الأفريقية سيفوز بكأس العالم قبل عام 2000).
كان لدى تونس وفرنسا معدلات متشابهة جداً من حيث المشاركات والمنافسات في سبعينات القرن الماضي، على سبيل المثال؛ لكن فرنسا تسجل الآن معدلات أعلى بكثير من تونس في كلا البُعدين، وهو ما يشير إلى أن أفضل المنافسين في أفريقيا أصبحوا أقل تنافسية بمرور الوقت.
قد تعتبر هذه الملاحظة مفاجئة عندما يفكر المرء في مقدار ما تم القيام به لزيادة عدد المنتخبات الأفريقية في نهائيات كأس العالم منذ سبعينات القرن الماضي؛ حيث أصبحت دول القارة أكثر وصولاً إلى نهائيات المونديال، وأكثر منافسة فيما بينها داخل القارة أكثر من أي وقت مضى (مع توسيع كأس الأمم الأفريقية، على وجه الخصوص).
بالإضافة إلى ذلك، أظهر اللاعبون الأفارقة قدرات وفنيات رائعة، وخرجوا للاحتراف، ولعبوا لأفضل الأندية في العالم. والدليل على ذلك أن أكثر من 200 لاعب أفريقي يلعبون حالياً في البطولات الخمس الكبرى في أوروبا.

لماذا تعتبر المنتخبات الأفريقية أقل قدرة على المنافسة؟
بغض النظر عن هذه التطورات، أعتقد أن البلدان الأفريقية أصبحت أقل قدرة على المنافسة؛ لأنها لا تتنافس بانتظام مع أفضل منتخبات العالم؛ حيث تشير الأرقام والإحصائيات إلى أن أقل من 20 في المائة من مباريات المنتخبات الأفريقية الكبرى تكون ضد منتخبات من النخبة.
في المقابل، يلعب المتأهلون لنصف نهائي ونهائي كأس العالم ما يتراوح بين 30 في المائة و60 في المائة من مبارياتهم ضد دول النخبة. ولم يكن من المفاجئ أن البلدان الأفريقية تفوز بعدد أقل بكثير من هذه المباريات عالية المستوى: حصلت نيجيريا على 30 في المائة فقط من النقاط في هذه المباريات في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، في حين حصلت إنجلترا، على سبيل المثال، على 68 في المائة.
وتشير دراسات من مختلف الأوراق البحثية إلى أن الفرق تصبح أكثر تنافسية عندما تلعب أمام منتخبات من النخبة، وتصبح أقل قدرة على المنافسة عندما تلعب أمام منتخبات ضعيفة.
ويعود السبب في هذا إلى أن الفرق تتعلم كثيراً من استراتيجيات وخطط الفرق المنافسة عندما تلعب ضدها. وتمتلك المنتخبات الكبرى أفضل الخطط وطرق اللعب، وبالتالي فإن الطريقة الوحيدة لتعلم هذه الأشياء تكون من خلال الاحتكاك القوي والمنافسة المنتظمة. لكن أفضل الدول الأفريقية لا تلعب بانتظام أمام المنتخبات الكبرى، وبالتالي فهي غير قادرة على تعلم هذه التقنيات والخطط المتطورة. لذلك، قد يسيطر أحد هذه المنتخبات على البطولات القارية؛ لكنها ستفتقر في النهاية إلى القدرة على المنافسة الحقيقية -باستمرار وبشكل منتظم- مع أفضل المنتخبات في العالم.

فرص الفوز بكأس العالم
أعتقد أن البلدان الأفريقية يمكنها الفوز في مباراة واحدة مثلاً على أحد المنتخبات العالمية (وقد رأينا مثل هذه النتائج كثيراً)؛ لكن لكي يفوز أي فريق بكأس العالم يتعين عليه أن يحقق الفوز على 5 منتخبات من النخبة على الأقل (ويتعادل ضد اثنين آخرين)؛ لكن لم يفز أي منتخب من المنتخبات الأفريقية التي شاركت في نهائيات كأس العالم بقطر بخمس مباريات ضد منتخبات من مستوى الصفوة خلال السنوات الخمس الماضية.
ويمكن القول إن أفضل نتيجة للكاميرون ضد منتخب من منتخبات النخبة من غير الأفارقة منذ عام 2017، كانت التعادل في مباراة ودية أمام اليابان. وتعادلت غانا في مباراتين وديتين ضد تشيلي واليابان، وفاز المغرب في مباراتين وديتين على تشيلي وصربيا. وتعادلت السنغال ودياً أمام البرازيل.
أما أفضل نتائج لتونس فكانت الفوز على تشيلي واليابان، والتعادل مع البرتغال، في مباريات كلها ودية. ومن المؤكد أن المباريات الودية تختلف تماماً عن المباريات الرسمية. لذا، أعتقد -مع الأسف– أنه من الصعب أن يفوز أي منتخب أفريقي بكأس العالم؛ لكن ذلك قد يكون ممكناً إذا لعبت أفضل المنتخبات الأفريقية ضد منتخبات أفضل، وتعلمت كيفية التنافس على هذا المستوى.

ما الذي يتطلبه الأمر؟
يتطلب ذلك أن تتخذ المنتخبات الأفريقية الكبرى قراراً بأن يلعب الفريق الثاني في المسابقات الأفريقية، على أن يلعب الفريق الأول مزيداً من المباريات ضد منتخبات قوية من المستوى العالمي. أتوقع أن تكون المباريات التي ستخسرها المنتخبات الأفريقية أمام المنتخبات الكبرى أكثر من المباريات التي ستفوز فيها -على الأقل في البداية- لكنني أراهن على أنها ستفوز في عدد أكبر من المباريات بمرور الوقت، وهو ما يعزز فرصها في تحقيق الفوز على أي منتخب في كأس العالم 2026 أو 2030. وأراهن أيضاً على أن الدول الأفريقية التي ستستمر في خوض مباريات أمام منافسين ضعفاء لن تتمكن أبداً من الفوز بكأس العالم.
أنا شخصياً أتمنى أن يأتي اليوم الذي يفوز فيه منتخب أفريقي بكأس العالم؛ خصوصاً أن البلدان الأفريقية تمتلك إمكانات مذهلة -في ملاعب كرة القدم وخارجها- لكن كثيراً من الأفارقة يحتاجون إلى استغلال هذه الإمكانات لتحقيق أحلامهم وطموحاتهم.
في الحقيقة، لا يوجد مكان لإثبات ما يمكن أن تفعله «القارة السمراء» أفضل من ملاعب كرة القدم العالمية؛ لكن يجب القيام بمزيد من العمل لتحقيق ذلك!


مقالات ذات صلة

«وديات المونديال»: العراق يختتم تحضيراته بخسارة أمام فنزويلا

رياضة عربية العراق ظهر على خلاف وديته الماضية أمام إسبانيا (رويترز)

«وديات المونديال»: العراق يختتم تحضيراته بخسارة أمام فنزويلا

خيّمت الأخطاء الدفاعية على أداء منتخب العراق في مباراته الإعدادية الأخيرة لمونديال 2026 في كرة القدم والتي خسرها أمام فنزويلا 0-2 الثلاثاء ملعب سيت غيك ستاديوم

«الشرق الأوسط» (نيويورك )
رياضة سعودية علي لاجامي شارك كلاعب بديل في ودية السنغال (المنتخب السعودي)

لاجامي: نمتلك جهازاً فنياً على مستوى عالٍ

أشاد علي لاجامي، مدافع المنتخب السعودي الأول لكرة القدم، بالنجاح التنظيمي والفني لمعسكر "الأخضر" الإعدادي، مؤكدًا أن القيمة الفنية للمباريات الودية الثلاث التي

سعد السبيعي (سان أنطونيو)
رياضة سعودية فهد المفرج يقف إلى جوار الجهاز الفني في ودية الأخضر أمام السنغال (المنتخب السعودي)

المفرج: لم نأتِ إلى المونديال للمشاركة فقط

أكد فهد المفرج، المدير التنفيذي لكرة القدم في المنتخب السعودي، أن «الأخضر» لا يتواجد في نهائيات كأس العالم 2026 من أجل المشاركة فقط.

سعد السبيعي (سان أنطونيو)
رياضة سعودية فراس البريكان شارك في ودية السنغال بصفة أساسية (المنتخب السعودي)

البريكان: شخصية «الأخضر» تتطور

أكد فراس البريكان، مهاجم المنتخب السعودي الأول لكرة القدم، أن ضيق الوقت لم يمنع اللاعبين من استيعاب الأفكار التكتيكية للجهاز الفني الجديد بقيادة اليوناني دونيس،

سعد السبيعي (سان أنطونيو)
رياضة سعودية دونيس أشرك أغلب العناصر في ودية السنغال الأخيرة (المنتخب السعودي)

«ودية السعودية والسنغال»: دونيس فضل عدم المجازفة بالعقيدي ... وركلة البداية تتأخر

وسط حضور جماهيري عربي لافت وأعلام سعودية زينت مدرجات ملعب «تويوتا فيلد»، أسدل المنتخب السعودي الستار على معسكره الإعدادي في الولايات المتحدة، قبل أيام من بدء مش

سعد السبيعي (سان أنطونيو )

«عقيدة الفئات السنية» ترسم ملامح مغرب الغد في مونديال 2026

«عقيدة الفئات السنية» ترسم ملامح مغرب الغد في مونديال 2026
TT

«عقيدة الفئات السنية» ترسم ملامح مغرب الغد في مونديال 2026

«عقيدة الفئات السنية» ترسم ملامح مغرب الغد في مونديال 2026

تشهد كرة القدم المغربية في الآونة الأخيرة طفرة استراتيجية تتجاوز مجرد تحقيق الإنجازات الآنية، لتكشف عن عمق التخطيط الذي تبنته الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم عبر الاستثمار في الفئات السنية.

ولم يعد المنتخب المغربي الأول مجرد تجميع للنجوم الجاهزين من الدوريات الأوروبية، بل أضحى امتداداً طبيعياً لجيل ترعرع في المنتخبات الشابة ونال شرف التتويج الأفريقي والأولمبي.

هذا التحول التكتيكي والجيل الجديد الذي يتقدمه نجوم واعدون، يمنح الإدارة الفنية لـ«أسود الأطلس» دماءً جديدة متشبعة بروح الانتصارات القارية، وقادرة على حمل لواء المستقبل بعقلية احترافية نضجت مبكراً قبل بلوغ المونديال الحالي.

أسامة ترغالين والمايسترو الذي يضبط إيقاع المستقبل

يبرز أسامة ترغالين البالغ من العمر 24 ربيعاً بوصفه أحد أهم خريجي أكاديمية محمد السادس لكرة القدم الذين شقوا طريقهم بنجاح نحو الملاعب الأوروبية عبر بوابة نادي لو هافر الفرنسي. ترغالين، الذي كان القائد الملهم ومنظم الإيقاع في وسط ميدان المنتخب المغربي لأقل من 23 عاماً، نجح في قيادة الأشبال للتتويج بلقب كأس أمم أفريقيا تحت 23 سنة ونيل الميدالية البرونزية التاريخية في أولمبياد باريس.

اللاعب المغربي أسامة ترغالين (فيسبوك)

يمنح هذا النجم الشاب خط وسط المنتخب الأول عمقاً تكتيكياً نادراً بفضل قدرته الفائقة على قراءة الملعب، وقطع الكرات، وتحويل اللعب من الدفاع إلى الهجوم بسلاسة بالغة، ما يجعله الخليفة الشرعي لركائز خط الوسط في المنظومة الوطنية.

زكرياء الواحدي وعنفوان الرواق الشامل في بلجيكا

يقدم زكرياء الواحدي صاحب الـ24 عاماً نموذجاً حياً للاعب العصري الشامل الذي يطوع طاقته البدنية لخدمة الواجب التكتيكي برفقة نادي جينك البلجيكي. الواحدي، الذي لفت الأنظار بشدة في المحافل القارية والأولمبية الأخيرة بفضل مستوياته الثابتة، يعد مكسباً كبيراً لأسود الأطلس نظراً لمرونته الشديدة في شغل مركزي الظهير والجناح على حد سواء.

الدولي المغربي زكرياء الواحدي (فيسبوك)

إن إنجازاته المحلية في الدوري البلجيكي ومساهمته الفعالة في الصعود بالمنتخب الأولمبي إلى منصات التتويج، تمنح التشكيلة المغربية الحالية خياراً ديناميكياً سريعاً قادراً على صناعة الفارق في الأطراف واللعب تحت الضغط العالي الذي تفرضه مباريات المونديال.

ياسين جاسم والرهان الدفاعي الصاعد من الدوري الفرنسي

في الخط الخلفي، تبرز الموهبة الواعدة للمدافع ياسين جاسم البالغ من العمر 21 عاماً، كإحدى الأوراق التي تجسد سياسة ضخ الدماء الشابة ذات التكوين الصارم في الدوري الفرنسي.

الدولي المغربي ياسين جاسم (فيسبوك)

تمكن جاسم، من خلال تدرجه السريع وأدائه المنضبط، من إثبات جدارته كعنصر مستقبلي في الدفاع المغربي يعتمد على البناء الهادئ من الخلف والتفوق في الكرات الهوائية. ويمثل وجوده في المنظومة الوطنية امتداداً لجيل المدافعين المغاربة الذين يجمعون بين القوة البدنية والذكاء التكتيكي، ما يجعله خياراً استراتيجياً طويل الأمد قادراً على تعويض أصحاب الخبرة والحفاظ على صلابة الحصن الدفاعي المغربي.

عبد الحميد آيت بودلال والصلابة المتفجرة من رين الفرنسي

يعدّ عبد الحميد آيت بودلال البالغ من العمر 20 عاماً أحد ألمع الجواهر الدفاعية الصاعدة في أوروبا، حيث نجح نادي رين الفرنسي في خطف توقيعه للاستفادة من مؤهلاته البدنية والفنية الاستثنائية. آيت بودلال، الذي قاد دفاع المنتخب المغربي لفئة أقل من 17 عاماً بكفاءة منقطعة النظير في كأس العالم للناشئين وكأس أفريقيا، يمتلك شخصية قيادية تفوق عمره بكثير داخل المستطيل الأخضر.

الدولي المغربي عبد الحميد آيت بودلال (فيسبوك)

وتتجلى قيمته الفنية في قدرته العالية على التمركز الصحيح والتدخلات الأرضية الحاسمة، وهو ما يجعله ركيزة واعدة يعول عليها المغرب لبناء جدار دفاعي حديدي يضمن استمرارية التوهج العالمي لـ«أسود الأطلس» لسنوات طويلة قادمة.

هذا الجيل الجديد ليس مجرد أسماء عابرة في قائمة «أسود الأطلس»، بل هو تجسيد حي لـ«فلسفة الاستدامة» الكروية التي انتهجها المغرب طوال السنوات الماضية، فبين خبرة النضج التي يقدمها ترغالين والواحدي، وعنفوان الموهبة المتفجرة في أقدام جاسم وآيت بودلال، يملك المغرب ترسانة تكتيكية للمستقبل صُنعت في قوالب الإنجازات القارية والأولمبية. هؤلاء الشبان، الذين تدرجوا في الفئات السنية وتجرعوا مرارة المنافسة وعاشوا نشوة التتويج مبكراً، يحملون اليوم طموحات شعب يرفض التراجع عن القمة.


7 رجال خلف المقود المونديالي... كيف صاغت عقول المدربين الهوية الكروية للمغرب؟

7 رجال خلف المقود المونديالي... كيف صاغت عقول المدربين الهوية الكروية للمغرب؟
TT

7 رجال خلف المقود المونديالي... كيف صاغت عقول المدربين الهوية الكروية للمغرب؟

7 رجال خلف المقود المونديالي... كيف صاغت عقول المدربين الهوية الكروية للمغرب؟

منذ أن وطأت أقدام «أسود الأطلس» ملاعب كأس العالم لأول مرة في مكسيكو 1970 وحتى مشارف المونديال الحالي 2026، تعاقب على سدّة الإدارة الفنية للمنتخب المغربي سبعة مدربين حفروا أسماءهم في السجل المونديالي. تنوعت هذه المدارس الفنية بين الانضباط اليوغوسلافي، والواقعية البرازيلية، والأناقة الفرنسية، والعبقرية المحلية، لينتهي المطاف بـ«ثورة الحداثة» التكوينية المعاصرة.

مسيرة جنرالات الدكة الفنية الذين قادوا سفينة المغرب في رحلاتها السبع عبر تاريخ المونديال بدأت مع فيدينيتش.

بلاغوي فيدينيتش... مهندس الإطلالة التاريخية الأولى (المكسيك 1970)

مدرب المنتخب المغربي السابق بلاغوي فيدينيتش (إكس)

صاغ المدرب اليوغوسلافي الراحل بلاغوي فيدينيتش فصول الرواية المونديالية الأولى للمغرب، بعدما قاد جيل العمالقة للتأهل إلى نسخة المكسيك 1970. نقل فيدينيتش، المستند إلى إرث تكتيكي أوروبي صارم، عقلية الانضباط والالتزام البدني الشديد إلى اللاعب المغربي، فكانت النتيجة أداءً بطولياً بهر العالم، خصوصاً في الملحمة الشهيرة أمام ألمانيا الغربية التي تقدم فيها الأسود أولاً قبل الخسارة بصعوبة.

منح هذا الرجل الصافرة والكرة المغربية صكّ الاعتراف الدولي الأول، ممهداً الطريق لسطوع الموهبة الأفريقية عالمياً.

خوسيه فاريا... ملهم المعجزة المكسيكية الخالدة (المكسيك 1986)

خوسيه فاريا مدرب المنتخب المغربي السابق (فيسبوك)

في مونديال المكسيك 1986، قاد البرازيلي الداهية خوسيه المهدي فاريا ثورة كروية غير مسبوقة وضعت المغرب في صدارة المشهد العالمي. امتاز فاريا بقدرة عجيبة على المزج بين المهارة الفطرية للاعب المغربي والتنظيم الدفاعي المحكم بنكهة «السامبا» الواقعية، لينجح في صناعة التاريخ بوصفه أول منتخب أفريقي وعربي يتأهل إلى الدور الثاني من صدارة مجموعة حديدية ضمت إنجلترا، وبولندا، والبرتغال.

تحول فاريا إلى أسطورة في الوجدان المغربي بعدما أثبت أن التخطيط التكتيكي الدقيق قادر على قهر فوارق الإمكانيات التقليدية.

عبد الله بليندة... الشجاعة المحلية في بلاد العم سام (الولايات المتحدة 1994)

عبد الله بليندة مدرب المنتخب المغربي السابق (ويكيبيديا)

أوكلت الجامعة الملكية المغربية مهمة قيادة الأسود في مونديال أميركا 1994 إلى الإطار المغربي الراحل عبد الله بليندة، لتكون أول تجربة قيادة محلية خالصة في كأس العالم.

واجه بليندة ظروفاً معقّدة وضغوطاً جماهيرية بالغة، واعتمد على تشكيلة غلب عليها اللاعبون المحليون الممزوجون ببعض المحترفين، ورغم أن النتائج لم تسعفه بمغادرة دور المجموعات بعد ثلاث هزائم مريرة، فإن مسيرته جسّدت شجاعة الإطار الوطني في تحمّل المسؤولية بالمنعطفات الكبرى وصقل كبرياء الصافرة والتدريب المحلي.

هنري ميشال... الأناقة الفرنسية المكلومة بالدراما (فرنسا 1998)

هنري ميشال المدرب السابق لمنتخب المغرب (أ.ف.ب)

قاد الساحر الفرنسي الراحل هنري ميشال كتيبة الأسود في مونديال فرنسا 1998، مقدماً واحدة من أجمل النسخ الهجومية في تاريخ الكرة الوطنية. نجح ميشال في صياغة توليفة متجانسة اتسمت بالأناقة الفنية والتمريرات القصيرة الممتعة بقيادة مصطفى حجي وصلاح الدين بصير، مفرزاً انتصاراً تاريخياً على اسكوتلندا بثلاثية نظيفة. غير أن الأقدار والدراما الكروية في مباراة النرويج والبرازيل حرمت جيله الفذ من تأهل مستحق للدور الثاني، لتبقى حقبة هنري ميشال مرادفة للمتعة الكروية الممزوجة بالدموع.

هيرفي رينارد... ثعلب الصلابة وعودة الروح (روسيا 2018)

رينارد انتهت مهمته مع المنتخب السعودي (أ.ف.ب)

بعد غياب دام عشرين عاماً عن المحفل العالمي، أعاد «الثعلب» الفرنسي هيرفي رينارد الروح إلى جسد المنتخب المغربي في مونديال روسيا 2018. اتسم تكتيك رينارد بالاندفاع البدني الهائل، والضغط العالي الخانق، والصلابة الدفاعية المستميتة التي أحرجت عمالقة القارة الأوروبية مثل إسبانيا والبرتغال. ورغم الخروج المبكر من الدور الأول بفعل تفاصيل صغيرة غاب عنها التوفيق، فإن رينارد أعاد الهيبة المفقودة إلى الشخصية الكروية المغربية وزرع في اللاعبين عقلية مقارعة الكبار دون مركب نقص.

وليد الركراكي... صانع الملحمة والمربع الذهبي الإعجازي (قطر 2022)

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (أ.ف.ب)

دخل الإطار المغربي وليد الركراكي سفر التاريخ العالمي من أوسع أبوابه في مونديال قطر 2022، محققاً إعجازاً كروياً ببلوغ المربع الذهبي واحتلال المركز الرابع عالمياً في سابقة تاريخية أفريقية وعربية. اعتمد الركراكي على واقعية براغماتية صارمة وتكتيك الكتل الدفاعية المتراصة (Low Block) مع الارتداد الهجومي الخاطف، مكسراً طموحات إسبانيا، والبرتغال، وبلجيكا. لم يصنع الركراكي مجداً كروياً فحسب، وإنما صاغ بعبارته الشهيرة «ديرو النية» ملحمة تلاحم وطني ألهمت الملايين حول العالم.

محمد وهبي... رهان الحداثة وعصر «المهاجم الشبح» (المونديال الحالي 2026)

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (أ.ف.ب)

يتولى الإطار الوطني الشاب محمد وهبي دفة القيادة الفنية لأسود الأطلس في النسخة الحالية لنهائيات كأس العالم 2026، حاملاً على عاتقه إرثاً ثقيلاً وتطلعات جماهيرية بلغت عنان السماء. وهبي، الذي عُيّن في مارس (آذار) 2026 مستنداً إلى نجاحه الباهر بالفوز بكأس العالم للشباب تحت 20 عاماً، يمثل تيار الحداثة التكتيكية القائم على الاستحواذ والضغط العكسي والاعتماد على خطة «المهاجم الشبح». يقود وهبي جيل المستقبل في المونديال الحالي برهان استراتيجي يسعى لتتويج مسار البناء الكروي ونقل المغرب من حذر الدفاع إلى جرأة الريادة العالمية.

Your Premium trial has ended


«ثورة التشبيب» المغاربية... كيف تضبط لغة الأرقام بوصلة طموح الأسود والمحاربين والنسور؟

المنتخب المغربي لكرة القدم (أ.ف.ب)
المنتخب المغربي لكرة القدم (أ.ف.ب)
TT

«ثورة التشبيب» المغاربية... كيف تضبط لغة الأرقام بوصلة طموح الأسود والمحاربين والنسور؟

المنتخب المغربي لكرة القدم (أ.ف.ب)
المنتخب المغربي لكرة القدم (أ.ف.ب)

تفرض كرة القدم في شمال أفريقيا واقعاً تكتيكياً جديداً على مسرح مونديال 2026، حيث نجحت المدارس المغاربية الثلاث (المغرب وتونس والجزائر) في إعادة صياغة هويتها الفنية عبر الاستثمار الصارم في «عنصر الشباب»

.

ويتصدر المنتخب المغربي هذا التحول الطموح باحتلاله المرتبة الرابعة عالمياً كأصغر المنتخبات معدلاً للأعمار بـ«26.4 سنة»، يليه نسور قرطاج في المركز الخامس بـ«26.6 سنة»، بينما يستقر محاربو الصحراء في المرتبة التاسعة بمتوسط يبلغ «26.9 سنة».

لم تعد اللياقة البدنية والسرعة مجرد عوامل مكملة في الخطط الكروية المعاصرة، بل تحولت إلى الركيزة الأولى التي تُبنى عليها منظومات الضغط العالي والتحول السريع. ومن هذا المنطلق، تدخل المنتخبات المغاربية الثلاثة منافسات المونديال الحالي، وهي مسلحة بأقوى توازن رقمي في تاريخها الحديث.

هذه «الثورة الصامتة» في خفض معدلات الأعمار لم تأتِ كإجراء اضطراري، بل تعكس توجهاً مدروساً يهدف إلى كسر نمطية الاعتماد على الحرس القديم، وضخّ دماء شابة قادرة على تلبية المتطلبات البدنية القاسية التي تفرضها الملاعب الأميركية الشمالية بمساحاتها الشاسعة وتقلباتها المناخية.

الحيوية المغربية... هندسة الاستدامة وبناء الجيل الثالث

يُثبت المنتخب المغربي، بتموقعه رابعاً في قائمة أصغر منتخبات المونديال بمتوسط أعمار يناهز 26.4 سنة، أن طفرة الإنجازات السابقة كانت مجرد نقطة انطلاق لخط استراتيجي مستدام. ولا يقتصر تميز هذه القائمة على الأرقام فحسب، بل يمتد إلى نوعية الخيارات التكتيكية، حيث يقود هذا التحول جيل يافع، يتصدره الموهوب أيوب بوعدي أحد أصغر اللاعبين في البطولة بأكملها، إلى جانب ثنائي كريستال بالاس وسندرلاند، شادي رياض وشمس الدين الطالبي. هذا العمق البشري الشاب يمنح الإدارة الفنية مرونة استثنائية لتطبيق أسلوب تكتيكي هجومي وديناميكي، يرتكز على تضييق المساحات وحرمان المنافسين من الكرة، دون الخشية من الإجهاد البدني المبكر.

المنتخب التونسي لكرة القدم (إ.ب.أ)

التوازن التونسي... ذكاء الانتقال وبناء الهوية الجديدة

في المرتبة الخامسة عالمياً، يحل ّالمنتخب التونسي بمعدل أعمار ناضج ومبشر يبلغ 26.6 سنة، وهو رقم يعكس نجاح الكرة التونسية في تدبير المرحلة الانتقالية الحرجة دون السقوط في فخ الهزات الفنية.

وقد نجح «نسور قرطاج» في صهر المواهب الشابة الصاعدة في الملاعب الأوروبية، مثل إسماعيل الغربي ومعتز النفاتي، داخل قالب تكتيكي يتسم بالانضباط الدفاعي التقليدي. هذه الجرأة في منح الثقة للشبان تُوازنها خبرة ميدانية هادئة لبعض ركائز الفريق المخضرمين، ما يمنح المنتخب التونسي القدرة على تسيير ريتم المباريات بذكاء عالٍ، والتحول من التكتل الدفاعي المنضبط إلى المرتدات الخاطفة بأقل عدد من التمريرات.

الثورة الجزائرية الهادئة... عقلية بيتكوفيتش وتغيير الجلد

المنتخب الجزائري لكرة القدم (أسوشييتد برس)

أما المنتخب الجزائري، الذي يستقر في المرتبة التاسعة عالمياً بمتوسط أعمار يبلغ 26.9 سنة، فيعيش مرحلة «إعادة ابتكار» حقيقية تحت قيادة السويسري فلاديمير بيتكوفيتش. فقد أظهرت الاختيارات الفنية الأخيرة شجاعة واضحة في التخلي عن الأسماء التي استهلكت طاقتها الدولية، لصالح جيل جديد يفيض حيوية بقيادة إبراهيم مازة وياسين تيطراوي. وتكمن قوة التركيبة التكتيكية لـ«محاربي الصحراء» في أن هذا الاندفاع الشبابي الشرس في خطوط الوسط والهجوم، يحتمي بـ«مظلة خبرة» يقودها القائد رياض محرز وعيسى ماندي، ما يقي الفريق مغبة الاندفاع غير المحسوب أمام المنتخبات الكبرى التي تجيد استغلال حماس الشبان.

صراع الأجيال في المونديال... نفَس الشبان في مواجهة حكمة العجائز

تكتسب هذه الأرقام المغاربية قيمتها الحقيقية عند وضعها في مقارنة مباشرة مع بقية المدارس المونديالية، ففي الوقت الذي تتصدر فيه ساحل العاج والإكوادور القائمة كأصغر الفرق، تعاني قوى تقليدية في البطولة من معضلة «الشيخوخة الكروية» بتجاوز متوسط أعمار لاعبيها حاجز الثلاثين عاماً.

وسيكون هذا التباين العمري بمثابة الورقة الرابحة للمنتخبات العربية في دور المجموعات، إذ إن التفوق في معدل اللياقة، والقدرة على مواصلة العطاء بنفس الكثافة طوال الدقائق التسعين، سيكونان العامل الحاسم لكسر طموح الفرق المعتمدة على الخبرة الميدانية الصرفة، وتحويل أحلام الجماهير المغاربية إلى واقع ملموس على المستطيل الأخضر.

إليك ترتيب المنتخبات الـ10 الأصغر سناً في مونديال 2026:

1- ساحل العاج (الأصغر سناً في المونديال بمتوسط 25.35 سنة)

2- الإكوادور (بمتوسط 25.58 سنة)

3- البوسنة والهرسك (بمتوسط 25.92 سنة)

4- المغرب

(بمتوسط 26.40 سنة)

5- تونس

(بمتوسط 26.60 سنة)

6- إسبانيا (بمتوسط 26.65 سنة)

7- النرويج (بمتوسط 26.72 سنة)

8- جنوب أفريقيا (بمتوسط 26.80 سنة)

9- الجزائر

(بمتوسط 26.90 سنة)

10- كندا

/ الولايات المتحدة (بمتوسط 26.95 سنة)