هاري وميغان... بين العواطف والاستعطاف

وثائقي «نتفليكس» يكشف أسرار القصر ويوسّع الهوّة بين الأميرَين الشقيقَين

ملصق الوثائقي (نتفليكس)
ملصق الوثائقي (نتفليكس)
TT

هاري وميغان... بين العواطف والاستعطاف

ملصق الوثائقي (نتفليكس)
ملصق الوثائقي (نتفليكس)

منذ عمِّ جدته الملك إدوارد الثامن، لم يجرؤ فردٌ من أفراد العائلة البريطانية المالكة أن يفعل ما فعله الأمير هاري. تخلّى إدوارد عن العرش والتاج والوطن عام 1936، من أجل الزواج من حبيبته الأميركية المطلّقة واليس سيمبسون. الفرق بين الملك الأسبق والأمير الشاب، أنّ إدوارد كان لديه الكثير ليخسره، أما هاري فيفصل بينه وبين العرش أربعة، هم شقيقه ويليام وأولاده الثلاثة.
مَن كان يتصوّر أن هذَين الشابين اللذين سارا يداً بيَد خلف نعش والدتَيهما الأميرة ديانا عام 1997، ستُفرّق بينهما الخيارات الشخصية، وربما لعبة العروش؟! ففي الوثائقي الذي انطلق بثّه على «نتفليكس» منذ أيام، اشتكى هاري من شقيقٍ يصرخ في وجهه، ووالدٍ «يتحدث عن أمور غير حقيقية».
«تعتاد على الأكاذيب عندما تعيش ضمن هذه العائلة»، يقول الأمير المتمرّد. يبدو ضرباً من الخيال أن يجلس أحد أفراد العائلة المالكة أمام الكاميرات ليكشف أسرار «البيت»، ويسرد مأساته الشخصية على طريقة «تلفزيون الواقع»، لكن ليس مستغرباً أن يصدر ذلك عن هاري وزوجته ميغان ماركل، اللذَين تخلّيا عن منصبهما منذ سنتَين وذهبا إلى حريتهما.
لم يكن مقدّراً لميغان أن تنسجم مع ثقافة «المؤسسة» الملكية البريطانية، ولا مع قواعدها الصارمة. فإلى جانب كونها آتية من بلد بعيد ومن تحت أضواء «هوليوود»، هي اعتادت منذ طفولتها على جرأة القول والفعل. أما هاري، فبدا متمرّداً على البروتوكول منذ مراهقته.

في الوثائقي الذي حطّم أرقام المشاهدات خلال الأيام الأربعة الأولى لطرحه، كانت الأميرة ديانا الغائبة الحاضرة. طيفُها مرسومٌ على وجه ابنِها وليس على جدران منزله فحسب، وسيرتُها متكرّرة على لسانه. لم يُشفَ هاري من مأساة أمه، وها هو يعكسُها على حياته وميغان. يرى في كل ما حصل لهما تكراراً لِما حصل لها. تكثر المقارنات، غير المنطقية أحياناً، بين معاناة ديانا مع الصحافة اللاهثة خلف صورِها وحكاياتها، وما اختبراه في هذا المجال.
يبدأ ثنائي «ساسكس»، في معرض سردِهما للحكاية، بتوجيه تُهم الإساءة لميغان والتعامل العنصري معها، إلى الصحافة البريطانية، وتحديداً ما يُعرف بـ«التابلويد»، ثم تنتقل الاتهامات تدريجياً من «الغرباء» إلى الأقرباء. فرغم عدم الإشارة إليهما بالأسماء، فإن ميغان وهاري حانقان على الأمير ويليام وزوجته كايت. يلمّحان إلى أنهما يقفان خلف حملات الكُره والتحريض التي تعرضت لها ميغان، وذلك بواسطة مكتبهما الإعلامي والجيوش الإلكترونية.
يؤخذ على الوثائقي الذي أخرجَته ليز غاربوس، أنه يغيّب الرأي الآخر كلياً، فتنحصر المقابلات ببطلَي القصة وبأصدقائهما وبوالدة ميغان. لا نسمع صوتاً لقصر باكنغهام ولا لأحدٍ من طرف الأمير الشقيق. يغرق العمل في الذاتيّة غير المقنعة، فبين فائضٍ من الفواصل العاطفية المدعّمة بفيديوهات وصور حصرية، وبين شهادات صديقات ميغان اللواتي يثبّتن صورتها كامرأة مظلومة، يبدو وكأن هاري وميغان يتوسلان للمشاهدين بأن يصدّقوهما: «نحن ضحايا». يصبح الإصرار على تظهير البطولة مملاً ومبالَغاً فيه، لا سيّما في الحلقة الأخيرة؛ إذ لا يعود خافياً أن الثنائي يسعى إلى التبرير ويبحث عن التعاطف. يحق لهاري وميغان أن يطمحا إلى إقناع الناس بعد كل ما مرّا به، لكن إثارة التعاطف لا تعني الاستعطاف، وعرض الأحداث لا يعني الاستعراض.


الأمير هاري وزوجته ميغان ماركل (نتفليكس)
منذ ربع الساعة الأول يعلن هاري أنه لا يريد سوى إنقاذ عائلته الصغيرة. يقول عن ميغان: «لقد ضحّت بكل ما تعرف وبحرّيتها من أجل الانضمام إليّ في عالمي. وفي النهاية، جاء دوري للتضحية بكل ما أعرف من أجل الانضمام إليها في عالمها». يُخصَّص معظم الحلقة الأولى من الوثائقي لسردِ حكاية الحب التي جمعت بين الأمير البريطاني الأصهب والممثلة الأميركية السمراء. لا شكّ في أنها قصة جميلة تليق بالروايات الخيالية التي ينجب في نهايتها الأمير وأميرته «الصبيان والبنات»، مع فارق أنهما لا يعيشان «بثبات» في هذه النسخة من الحكاية. فبعد 3 أشهر أمضياها في الظل، يتبادلان حباً على بُعد أميال، ويلتقيان كلما سمحت الظروف، انتشر الخبر وصار في عهدة الصحافة البريطانية.
يستفيض الوثائقي في تشريح لعبة القط والفأر بين هاري وميغان من جهة، ومصوّري «الباباراتزي» من جهة ثانية. تكثر مشاهد المطاردات ومراقبة الصحافيين لمنازل الثنائي، الأمر الذي يستنزف وقت الحلقات. أما الحملة العنصرية البغيضة التي تعرّضت لها ميغان من قِبَل بعض الصحافة، فتجري مقاربتها بدايةً من زاوية تاريخية؛ إذ يتحوّل المدخل إلى الحلقة الثالثة، إلى ما يُشبه درساً في التاريخ يستعرض أرشيف المملكة المتحدة الاستعماري. ويذهب الحَفر في أعماق الماضي أبعد من ذلك؛ إذ يعود إلى حقبة العبودية في مقدّمةٍ لِما ستواجهه ميغان من حملة كراهية بسبب جذورها ولون بشرتها.
يرجّح هاري وميغان أن يكون السبب الأساسي للحرب التي خيضت ضدهما من الداخل، نجاحهما كثنائي ملَكيّ، لا سيّما بعد جولتهما الجماهيرية في أستراليا. أضِف إلى ذلك اهتماماتهما الإنسانية المشتركة، وشعبيتهما في عيون الجيل البريطاني الشاب، التي تظهّرت منذ حفل زفافهما الأسطوري عام 2018، وكلها أمور تشكّل برأيهما تهديداً لـ«المؤسسة» الملَكية.


يُبرز الوثائقي كيف أن ميغان عانت بصمت، وكيف أن ابتسامتها تحوّلت تدريجياً إلى نظرة حزينة وشاردة. حُرمت العلاج النفسي، وفكّرت في إنهاء حياتها لفَرط ما رُشقت بالكراهية والعنصرية، هي ومولودها الأول آرتشي.
رغم ثقل التاريخ والألقاب والالتزامات البروتوكولية المُلقاة على عاتقه، لم يتردّد هاري لحظةً في الوقوف إلى جانب زوجته وانتشالها ممّا هي فيه، حتى وإن كلّفه الأمر انسحاباً من العائلة المالكة. يقول إنه «ابن أمه»، وإنه لا يريد للتاريخ أن يعيد نفسه، لكن ذلك لم يأتِ من دون غصةٍ في حلق الأمير الشاب، الذي مهما بدا متماسكاً وقاسياً، ففي كلامه ما يفضح حزنه بسبب القطيعة بينه وبين أخيه.
في القسم الأخير من الوثائقي، يبدو هاري وميغان أكثر سعادةً. في كاليفورنيا وجدا واحة الهدوء لهما ولولدَيهما آرتشي وليليبيث، بعدما أرّقت الصحافة الفضائحية حياتهما. هرَبا من لندن إلى كندا، ثم إلى الولايات المتحدة بحثاً عن الحرية والخصوصية، لكن كل ما فعلاه في وثائقي «نتفليكس»، هو تقديم أسرار حياتهما الخاصة على طبقٍ من ذهب إلى جمهور جائع للفضائح.


مقالات ذات صلة

بعد 18 عام زواج... زوجة كيفين كوستنر تتقدم بطلب للطلاق

يوميات الشرق بعد 18 عام زواج... زوجة كيفين كوستنر تتقدم بطلب للطلاق

بعد 18 عام زواج... زوجة كيفين كوستنر تتقدم بطلب للطلاق

تقدمت كريستين باومغارتنر، الزوجة الثانية للممثل الأميركي كيفين كوستنر، بطلب للطلاق، بعد زواجٍ دامَ 18 عاماً وأثمر عن ثلاثة أطفال. وذكرت صحيفة «ديلي ميل» البريطانية أن الانفصال جاء بسبب «خلافات لا يمكن حلُّها»، حيث تسعى باومغارتنر للحضانة المشتركة على أطفالهما كايدين (15 عاماً)، وهايس (14 عاماً)، وغريس (12 عاماً). وكانت العلاقة بين كوستنر (68 عاماً)، وباومغارتنر (49 عاماً)، قد بدأت عام 2000، وتزوجا عام 2004.

«الشرق الأوسط» (لوس أنجليس)
يوميات الشرق متحف «المركبات» بمصر يحيي ذكرى الملك فؤاد الأول

متحف «المركبات» بمصر يحيي ذكرى الملك فؤاد الأول

افتتح متحف المركبات الملكية بمصر معرضاً أثرياً مؤقتاً، اليوم (الأحد)، بعنوان «صاحب اللقبين فؤاد الأول»، وذلك لإحياء الذكرى 87 لوفاة الملك فؤاد الأول التي توافق 28 أبريل (نيسان). يضم المعرض نحو 30 قطعة أثرية، منها 3 وثائق أرشيفية، ونحو 20 صورة فوتوغرافية للملك، فضلاً عن فيلم وثائقي يتضمن لقطات «مهمة» من حياته. ويشير عنوان المعرض إلى حمل فؤاد الأول للقبين، هما «سلطان» و«ملك»؛ ففي عهده تحولت مصر من سلطنة إلى مملكة. ويقول أمين الكحكي، مدير عام متحف المركبات الملكية، لـ«الشرق الأوسط»، إن المعرض «يسلط الضوء على صفحات مهمة من التاريخ المصري، من خلال تناول مراحل مختلفة من حياة الملك فؤاد».

نادية عبد الحليم (القاهرة)
يوميات الشرق وضع تسلسل كامل لجينوم «اللبلاب» المقاوم لتغير المناخ

وضع تسلسل كامل لجينوم «اللبلاب» المقاوم لتغير المناخ

قام فريق بحثي، بقيادة باحثين من المعهد الدولي لبحوث الثروة الحيوانية بكينيا، بوضع تسلسل كامل لجينوم حبة «فول اللبلاب» أو ما يعرف بـ«الفول المصري» أو «الفول الحيراتي»، المقاوم لتغيرات المناخ، بما يمكن أن يعزز الأمن الغذائي في المناطق المعرضة للجفاف، حسب العدد الأخير من دورية «نيتشر كومينيكيشن». ويمهد تسلسل «حبوب اللبلاب»، الطريق لزراعة المحاصيل على نطاق أوسع، ما «يجلب فوائد غذائية واقتصادية، فضلاً على التنوع الذي تشتد الحاجة إليه في نظام الغذاء العالمي».

حازم بدر (القاهرة)
يوميات الشرق «الوثائقية» المصرية تستعد لإنتاج فيلم عن «كليوباترا»

«الوثائقية» المصرية تستعد لإنتاج فيلم عن «كليوباترا»

في رد فعل على فيلم «الملكة كليوباترا»، الذي أنتجته منصة «نتفليكس» وأثار جدلاً كبيراً في مصر، أعلنت القناة «الوثائقية»، التابعة لـ«الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية بمصر»، اليوم (الأحد)، «بدء التحضير لإنتاج فيلم وثائقي عن كليوباترا السابعة، آخر ملوك الأسرة البطلمية التي حكمت مصر في أعقاب وفاة الإسكندر الأكبر». وأفاد بيان صادر عن القناة بوجود «جلسات عمل منعقدة حالياً مع عدد من المتخصصين في التاريخ والآثار والأنثروبولوجيا، من أجل إخضاع البحوث المتعلقة بموضوع الفيلم وصورته، لأقصى درجات البحث والتدقيق». واعتبر متابعون عبر مواقع التواصل الاجتماعي هذه الخطوة بمثابة «الرد الصحيح على محاولات تزييف التار

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق مؤلفا «تحت الوصاية» لـ«الشرق الأوسط»: الواقع أصعب مما طرحناه في المسلسل

مؤلفا «تحت الوصاية» لـ«الشرق الأوسط»: الواقع أصعب مما طرحناه في المسلسل

أكد خالد وشيرين دياب مؤلفا مسلسل «تحت الوصاية»، أن واقع معاناة الأرامل مع «المجلس الحسبي» في مصر: «أصعب» مما جاء بالمسلسل، وأن بطلة العمل الفنانة منى زكي كانت معهما منذ بداية الفكرة، و«قدمت أداء عبقرياً زاد من تأثير العمل». وأثار المسلسل الذي تعرض لأزمة «قانون الوصاية» في مصر، جدلاً واسعاً وصل إلى ساحة البرلمان، وسط مطالبات بتغيير بعض مواد القانون. وأعلنت شركة «ميديا هب» المنتجة للعمل، عبر حسابها على «إنستغرام»، أن «العمل تخطى 61.6 مليون مشاهدة عبر قناة (DMC) خلال شهر رمضان، كما حاز إشادات عديدة عبر مواقع التواصل الاجتماعي». وكانت شيرين دياب صاحبة الفكرة، وتحمس لها شقيقها الكاتب والمخرج خالد د

انتصار دردير (القاهرة)

مسلسل «صحاب الأرض» الرمضاني يثير غضباً في إسرائيل

جانب من كواليس تصوير مسلسل «صحاب الأرض» (حساب الفنان الفلسطيني كمال باشا على «فيسبوك»)
جانب من كواليس تصوير مسلسل «صحاب الأرض» (حساب الفنان الفلسطيني كمال باشا على «فيسبوك»)
TT

مسلسل «صحاب الأرض» الرمضاني يثير غضباً في إسرائيل

جانب من كواليس تصوير مسلسل «صحاب الأرض» (حساب الفنان الفلسطيني كمال باشا على «فيسبوك»)
جانب من كواليس تصوير مسلسل «صحاب الأرض» (حساب الفنان الفلسطيني كمال باشا على «فيسبوك»)

وسط توتر مستمر بين القاهرة وتل أبيب، أثار مسلسل «صحاب الأرض» الذي يُعرض على بعض القنوات المصرية خلال شهر رمضان، غضباً في إسرائيل.

ويرصد «صحاب الأرض» المعاناة الإنسانية التي عاشها الشعب الفلسطيني تحت الحصار، في ظل الحرب على قطاع غزة في أعقاب السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، ويتناول قصص شخصيات تعيش تحت وطأة القصف والدمار.

وبينما أشارت «هيئة البث الإسرائيلية» إلى أن «المسلسل يتناول الحرب في غزة بأسلوب يبتعد عن إظهار إسرائيل بصورة إيجابية»، عدّت «القناة 12» الإسرائيلية أن إنتاج «صحاب الأرض» وبثه على القنوات المصرية «يُنظر إليهما في إسرائيل على أنهما خطوة سياسية مدروسة».


حادث اعتداء على فرد أمن يؤلب «مواجع طبقية» في مصر

المتهم بالتعدي على فرد أمن (وزارة الداخلية)
المتهم بالتعدي على فرد أمن (وزارة الداخلية)
TT

حادث اعتداء على فرد أمن يؤلب «مواجع طبقية» في مصر

المتهم بالتعدي على فرد أمن (وزارة الداخلية)
المتهم بالتعدي على فرد أمن (وزارة الداخلية)

فجّر مقطع مصور لحادث اعتداء رجل أعمال مصري على فرد أمن غضباً على مواقع التواصل الاجتماعي، وأدّى إلى تجديد وتأليب الفروق الطبقية في مصر، خصوصاً بعد إلقاء القبض على رجل الأعمال وانتشار الفيديو الخاص بالواقعة بشكل كبير وما يتضمنه من ألفاظ غير لائقة.

وانتصر «الترند» لفرد الأمن الذي تعرض للاعتداء، حيث أصبحت كلمة «فرد أمن» في صدارة قوائم البحث على «إكس» بمصر، الجمعة. وتعددت الصفحات التي نشرت الواقعة، مبينة أنها تحمل نوعاً من العنف والتنمر من رجل الأعمال الذي يسكن في المجمع السكني الراقي، وفرد الأمن الذي تلقى الضربات دون ردّ.

وكانت وزارة الداخلية أعلنت أنه قد تم ضبط أحد الأشخاص «صاحب مصنع» بعد تداول مقطع فيديو يظهر فيه الشخص بأحد التجمعات السكنية في التجمع الخامس، شرق القاهرة، يتعدى على فرد أمن بالضرب، وعلى أحد الجيران بالسبّ، وهو ما برّره المتهم بأنه فعل ذلك متضرراً من فرد الأمن لعدم قيامه بعمله ومعترضاً على تدخل أحد السكان. وتم اتخاذ الإجراءات القانونية بحقّه وتولت النيابة التحقيق.

واعتبر عدد من مستخدمي وسائل التواصل ما حدث من المعتدي يشير إلى استغلال التفاوت الطبقي بينه وبين فرد الأمن، وظهر العديد من التعليقات الرافضة لما قام به، حتى تساءل البعض عن اسم المصنع الذي يمتلكه هذا الشخص ليتم مقاطعة منتجاته، وبالفعل دعا عدد من مستخدمي «السوشيال ميديا» لمقاطعة مصنع الشخص المعتدي.

وترجع أستاذة علم الاجتماع السياسي، الدكتورة هدى زكريا، هذه الواقعة إلى ما تسميه «ثقافة الكمبوند»، وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «مع تآكل الطبقة الوسطى التي كانت سائدة وكاسحة وتفرض قيمها وأخلاقها في المجتمع المصري، تسرب بعض أفرادها إلى الطبقات الدنيا الفقيرة التي لا حول لها ولا قوة، وصعد القليل من أبنائها لطبقات الأثرياء الجدد، ولكن وفق أعمال لا علاقة لها بالإنتاج، بقدر ما ترتبط بالسمسرة والتجارة والتربح من العملة وأنشطة أخرى ربما محظورة، لتتكون لدينا طبقة من الأثرياء الجدد مسيطرة طبقياً ولكنها ساقطة أخلاقياً».

وأشارت إلى أن «التجمعات السكنية الجديدة خلقت نوعاً من العزلة الاجتماعية لطبقة الأثرياء الجدد، فأصبحوا يرون أنفسهم فوق كل الطبقات، وتسربت إليهم أمراض العزلة التي أنتجت كمية جرائم لا يمكن تخيلها»، على حد تعبيرها.

ووصفت المشهد الذي ظهر في الفيديو بأنه «مخيف»، مضيفة أن «العنف الجسدي غير مبرر، والمجال العام له قانونه، فحين يتحول شخص ثري إلى هذا الطائر الجارح الذي يعتدي بالضرب والسبّ على آخرين بهذا الشكل، كل هذا يدعونا للتساؤل: ماذا حدث لثقافة الكمبوند؟».

وفيما عدّ الخبير القانوني، هيثم عمر، أن «قوانين العقوبات على مر التاريخ منذ إنشائها حرصت على تشديد العقوبة على كل من يتعدى على من هم تحت يده، سواء أهل أو عمال». مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «سبب تشديد العقوبة يرجع إلى أن المعتدي غالباً يستغل ولايته عليهم وحاجتهم للعمل أو سيطرته عليهم، فيعاقب القانون كل من له سيطرة، لكونه أصلاً مصدر الأمان، وليس مصدر الرهبة والاعتداء، فالعقوبة تكون مغلظة». أشارت تعليقات كثيرة إلى التفاوت الطبقي الذي فجّرته الواقعة، وعدم ردّ فرد الأمن على الاعتداء، لكونه من طبقة أقل من المعتدي، وطالبه كثير من المستخدمين بعدم التنازل، فيما برزت أخبار تفيد بأن الشركة مالكة المجمع التجاري لن تتخلى عن فرد الأمن، وستدعمه حتى يحصل على حقّه.

وترى المتخصصة في علم الاجتماع بجامعة عين شمس، الدكتورة سامية خضر صالح، أن ما يحدث من وقائع تشي بتفاوتات طبقية في المجتمع يجب أن نضعها في حجمها الصحيح. وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «التفاوت الطبقي الحقيقي كان موجوداً في الماضي، وقامت ثورة يوليو (تموز) لتقضي على هذا التفاوت الطبقي بين الباشاوات وعامة الشعب، الآن لا يوجد فارق بين شخص وآخر طبقياً إلا بمجهوده وبناء مستقبله، وإن كانت هناك مجتمعات من الأثرياء، فلا يجوز أن يتعدى أحدهم على عامل بسيط. وإذا فعل فالقانون يحسم بينهما، كما أن الرأي العام والتوجه العام سيتعاطف مع الشخص الفقير الذي تعرض للظلم أو للتنمر أو العنف».

وأشارت خضر صالح إلى أن التفاوت الطبقي ليس مبرراً للعنف، ولكن «هناك كثيراً من الخروق الاجتماعية التي تحدث تقليداً للدراما وما فيها من عنف وبلطجة، وهو ما ينعكس سلوكيات في الشارع».


السيرة الهلالية والتنورة والأراجوز... نجوم ليالي رمضان في مصر

جانب من عرض للسيرة الهلالية في رمضان (الشرق الأوسط)
جانب من عرض للسيرة الهلالية في رمضان (الشرق الأوسط)
TT

السيرة الهلالية والتنورة والأراجوز... نجوم ليالي رمضان في مصر

جانب من عرض للسيرة الهلالية في رمضان (الشرق الأوسط)
جانب من عرض للسيرة الهلالية في رمضان (الشرق الأوسط)

تحتل عروض السيرة الهلالية والأراجوز وخيال الظل والتنورة، والفنون الشعبية عموماً، مكانة خاصة في حفلات ليالي رمضان التي تنظمها وزارة الثقافة عبر مواقعها وهيئاتها المتنوعة، وإن كانت الوزارة أعلنت برنامج احتفاليات رمضان لهذا العام متضمناً العديد من الأنشطة والفعاليات التي وصل عددها لما يزيد على 4 آلاف فعالية في المواقع الثقافية بكل محافظات مصر، فقد ظلت عروض السيرة الهلالية والعرائس التقليدية والفنون الشعبية لها نصيبها الوافر من هذه الفعاليات.

فإلى جانب الاحتفاء بفن الإنشاد الذي يستعيد التراث الصوفي ضمن فعاليات برنامج صندوق التنمية الثقافية، من خلال حفلات يحييها عدد من أبرز المنشدين، من بينهم الشيخ محمود التهامي، إلى جانب الشيخ إيهاب يونس، والمنشد مصطفى جمال، يقدم الصندوق عروضاً تعكس ثراء المشهد الثقافي المصري، من بينها عروض فرقة التنورة التراثية، والفنون الشعبية، والسيرة الهلالية، وعروض الأراجوز، وخيال الظل، وفق بيان لوزارة الثقافة.

كما تواصل هيئة قصور الثقافة استضافتها عروض السيرة الهلالية خلال شهر رمضان بالحديقة الثقافية في حي السيدة زينب (وسط القاهرة) ضمن برنامج «راوي من بلدنا» للسيرة الهلالية لفرقتَي محمد عزت وعز الدين نصر الدين، وتقديم الشاعر مسعود شومان.

كما يحتفي قصر ثقافة روض الفرج بعروض السيرة الهلالية لفرقة الفنان فتحي سليمان، بالإضافة إلى فعاليات معارض لنتاج الورش الحرفية والفنية، وورش الحرف اليدوية والفنية للشباب والعمال والقرية ورواد القصور المتخصصة والمرأة، فضلاً عن أنشطة أطلس المأثورات الشعبية.

ويرى الباحث في التراث الشعبي بأكاديمية الفنون المصرية، الدكتور عبد الكريم الحجراوي، أن «هذه الفعاليات السنوية التي تواكب شهر رمضان تعد ثابتة، وتحتفي بالعديد من الفنون الأصيلة التي تكاد تتعرض للاندثار»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «شهر رمضان له خصوصيته لدى الأسر المصرية التي تحب الخروج والسهر خلال ليالي رمضان، ومن ثم الاستمتاع بالحفلات المتنوعة التي تقدم مجاناً للجمهور في مواقع مختلفة».

عروض الأراجوز تقدم في شهر رمضان (ملتقى الأراجوز)

كما تشهد العديد من المواقع الثقافية مثل «بيت السحيمي» و«قبة الغوري» العديد من العروض الرمضانية لفرقة التنورة وفرق الفنون الشعبية، فضلاً عن فرق متخصصة في فن الأراجوز، وخيال الظل، بالإضافة إلى عروض العرائس وعروض فرقة رضا للفنون الشعبية والفرقة القومية للفنون الشعبية.

وأشار المتخصص في التراث الشعبي بأكاديمية الفنون إلى أن الاهتمام بتقديم فنون شعبية وأدائية بعينها مثل السيرة الهلالية والتنورة، يحافظ على الهوية المصرية فيما يتعلق بهذه الفنون، موضحاً أن «السيرة الهلالية تكاد تكون اختفت في مصر ما عدا رقعة جغرافية محدودة جداً في الصعيد بين سوهاج وقنا، ولم تعد موجودة بشكل دوري أو ثابت إلا من خلال احتفاليات رمضان. ومن المهم أن يتعرف الناس على هذا الفن من خلال ليالي رمضان، وكذلك أيضاً (عروض) التنورة والأراجوز كانت موجودة في وقت ماضٍ، ولكنها تقارب على الاختفاء، ومن ثم تقوم هذه الفعاليات الرمضانية السنوية باستعادة هذه الفنون وتقديمها للجمهور والأجيال الجديدة».

ويستضيف برنامج صندوق التنمية الثقافية خلال رمضان حفلات للفنان وجيه عزيز، تشهد على عودته بعد فترة غياب طويلة، ويستضيف كذلك حفلاً للفنانة منال محي الدين، إحدى أبرز التجارب الموسيقية المصرية التي نجحت في تقديم آلة «الهارب» ضمن السياق الموسيقي العربي، عبر مشروع فني يمزج بين الدراسة الأكاديمية والروح الشرقية، كنموذج للتجديد الموسيقي القائم على الحفاظ على الهوية، والانفتاح على آفاق تعبيرية جديدة.