خامنئي يعطي الباسيج ضوءاً أخضر لاتساع حملة القمع

نقابات عمالية تتهم السلطة بارتكاب «إبادة» في كردستان إيران... وأطباء عيون يحذرون من طلقات الخرطوش

خامنئي يلقي كلمة أمام حشد من قوات الباسيج في طهران أمس (د.ب.أ)
خامنئي يلقي كلمة أمام حشد من قوات الباسيج في طهران أمس (د.ب.أ)
TT

خامنئي يعطي الباسيج ضوءاً أخضر لاتساع حملة القمع

خامنئي يلقي كلمة أمام حشد من قوات الباسيج في طهران أمس (د.ب.أ)
خامنئي يلقي كلمة أمام حشد من قوات الباسيج في طهران أمس (د.ب.أ)

في مطلع الأسبوع الحادي عشر للاحتجاجات الدائرة في إيران، دافع المرشد علي خامنئي عن دور ميليشيا «الباسيج» التابعة لـ«الحرس الثوري» في إخماد الاحتجاجات، لكنه حض على «الجاهزية العملية»، و«حفظ المعنويات»، متحدثاً عن «فشل المخطط الأميركي في المنطقة بواسطة تفكير الباسيج الذي حمل لواءه قاسم سليماني»، وذلك في وقت ذكرت منظمة حقوقية إن 448 محتجاً قتلوا حتى الخميس.
وقال خامنئي في كلمة أمام حشد من ميليشيا «الباسيج» في ذكرى تأسيسها، إن «التفاوض مع الولايات المتحدة لن ينهي الاضطرابات» التي تهز البلاد منذ وفاة الشابة مهسا أميني في 17 سبتمبر (أيلول)؛ لأنّ «واشنطن ستطالب دائماً بالمزيد».
وفي بداية الأمر، تطرق خامنئي إلى الخلاف بشأن البرنامج النووي الإيراني، وقال إن الولايات المتحدة «تطالب بوقف تخصيب اليورانيوم بنسبة 20 في المائة، وبعد ذلك 5 في المائة، ولاحقاً كل البرنامج النووي، وتغيّر الدستور وتحصر نفوذها داخل حدودها وتغلق صناعاتها الدفاعية». وقال إنه «لا يمكن لأيّ إيراني قبول مثل هذه الشروط». واقتبس تسمية خطة العمل المشترك، في إشارة إلى الاتفاق النووي، وقال إن «أميركا تريد خطة عمل مشترك ثانية لكي تتنازل إيران عن حضورها الإقليمي، وخطة عمل مشترك ثالثة لكي تتعهد بألا تنتج أي أسلحة استراتيجية، مثل الصواريخ والمسيرات، وتبقى فارغة اليد عندما يهاجم الأعداء». وأضاف: «البعض يردد ما يقولونه بسبب الإهمال».

مسيرة تضامنية مع الاحتجاجات الإيرانية في إسطنبول أمس (إ.ب.أ)

وفي السياق، قدم خامنئي تفسيره الخاص بشأن الدور الإيراني في المنطقة، عادّاً إيران «النقطة الأكثر أهمية وحساسية في المنطقة الاستراتيجية لغرب آسيا». وبالاستناد إلى ما سماها «شهادات مسؤولين أميركيين قبل 15 عاماً»، تحدث عن «مخطط أميركي» لإسقاط ست دول؛ العراق وسوريا ولبنان وليبيا والسودان والصومال، بهدف «القضاء على الامتداد والعمق الاستراتيجي لإيران في المنطقة، لإضعاف البلاد، وانهيار نظام الجمهورية الإسلامية في نهاية المطاف».
وتفاخر خامنئي ضمناً بمحاولات «تصدير الثورة» في منطقة الشرق الأوسط، عندما قال إن «امتداد الثورة» في العراق وسوريا ولبنان «أصبح فاعلاً»، وقال: «تم إنجاز عمل كبير هو هزيمة أميركا في البلدان الثلاثة». وأضاف: «فشل مخطط أميركا في القضاء على حزب الله وحركة أمل في لبنان، وكذلك فشلت في سوريا والعراق رغم إنفاق مليارات الدولارات».
وقال أيضاً إن «هذه الخطة والمؤامرة أحبطتها القوة الفاعلة للجمهورية الإسلامية، حمل لواءها الجنرال سليماني»، وادعى أن «اسم سليماني محبوب لدى الشعب الإيراني ومبغوض لدى الأعداء»، وعدّ عقيدة الباسيج وراء الاستراتيجية التي سعى وراءها مسؤول العمليات الخارجية في «الحرس الثوري»، قبل أن تقضي عليه ضربة أميركية، قرب مطار بغداد، أمر بها الرئيس السابق دونالد ترمب مطلع 2020.
وهذه المرة الأولى التي تطرق خامنئي في خطابه إلى اسم سليماني خلال الاحتجاجات المستمرة. وبالإضافة إلى خامنئي، أصبحت تماثيل ولافتات وبنرات عملاقة للجنرال الإيراني هدفاً للمحتجين. وبينما التهمت النيران عدداً كبيراً منها في المدن الإيرانية، رش المتظاهرون الطلاء الأحمر على جداريات المباني الحكومية والعمارات التجارية.
وإذ طالب خامنئي قوات الباسيج بـ«الحفاظ على الجهوزية الميدانية»، حذر من أن «هناك العديد من المفاجآت في عالم السياسة»، وأضاف: «لا تكونوا ضعفاء ولا تحزنوا، سوف تتفوقون إذا لديكم إيمان». وفي الوقت نفسه، أغلق الباب بوجه المطالب للحوار مع المحتجين، والدعوات من أجل الاستفتاء، وصرح: «يقول لنا البعض في الصحف والفضاء الإلكتروني إنه يكفي حلّ مشكلتكم مع أميركا وسماع صوت الشعب، لإنهاء الاضطرابات التي بدأت قبل عدّة أسابيع». وتساءل: «كيف نحل المشكلة مع أميركا؟ هل ستُحل المشكلة بالجلوس والتفاوض والحصول على التزام من أميركا؟». وأجاب: «لا. التفاوض لن يحل مشكلتنا مع أميركا؛ لأنها تمعن في السعي وراء انتزاع التنازلات من إيران». وهاجم بذلك من يقول إنّه يجب «سماع صوت الشعب». وقال «دوّى صوت الشعب الضخم في الرابع من نوفمبر (تشرين الثاني) (خلال التظاهرات الموالية للحكومة) أو أثناء تشييع سليماني. كان هذا الحشد الضخم صوت الشعب الإيراني».

ونقلت «رويترز» عن خامنئي قوله إن قوات الباسيج، «ضحوا بأرواحهم لحماية الشعب من مثيري الشغب... وجود الباسيج يظهر أن الثورة الإسلامية بخير». وقال: «المشكلة ليست أربعة مثيري شغب في الشارع، حتى لو عوقب كل مثير شغب وكل إرهابي... ساحة المعركة أوسع من ذلك بكثير. العدو الرئيسي هو الاستكبار العالمي»، على حد ما نقلت وكالة الصحافة الفرنسية.
وقال خامنئي إن قوله «لا يعني أن يتوقف الباسيج عن مواجهة مثيري الشغب؛ لأن هذه القضية بحاجة إلى علاج، ويجب أن ينال أي مثير للشغب وإرهابي جزاءه».
وبعدما اتهم كثيراً من المشجعين الإيرانيين على وسائل التواصل الاجتماعي المنتخب الوطني لكرة القدم بالانحياز لحملة القمع العنيفة التي تشنها الدولة على المحتجين، أشاد خامنئي بالفريق لفوزه في مباراته أمام ويلز في كأس العالم لكرة القدم، الجمعة. وقال خامنئي: «أبناء منتخبنا الوطني لکرة القدم أناروا عيوننا بانتصارهم».
وقال رامين رضائيان الذي سجل الهدف الثاني في مرمي ويلز إن «الهدف كان هدية للشعب الإيراني خاصة الذين يعانون».
وكتب عدد كبير من الإيرانيين تغريدات على «تويتر» وصفت الفريق الأول بـ«منتخب الجمهورية الإسلامية». وردد لاعبو المنتخب الوطني الإيراني النشيد الوطني قبل بدء مباراتهم الثانية في كأس العالم على خلاف ما فعلوه في مباراتهم الأولى أمام إنجلترا في وقت سابق من الأسبوع عندما اختاروا عدم ترديد النشيد في تأييد واضح للمحتجين. وفي خطابه الأخير الذي سبق مباراة إنجلترا بأيام، وصف خامنئي عدم ترديد نشيد المنتخب من فريق وطنية بـ«الخيانة».
وقالت أكرم خدابنده، قائدة الفريق الإيراني النسائي للتايكوندو، في منشور على «إنستغرام»، إنها ستغادر الفريق الذي قضت معه 12 عاماً. وأوضحت أنها تفعل ذلك من أجل «احترام قلوب شعبي الحزينة في هذه الأيام الصعبة».
وذكرت وكالة أنباء نشطاء حقوق الإنسان (هرانا) أنه حتى أمس الجمعة قُتل 448 محتجاً منهم 63 طفلاً. وأضافت أن 57 من قوات الأمن قتلوا أيضاً، فضلاً عن اعتقال نحو 18170 شخصاً. ولم تذكر السلطات العدد الرسمي للقتلى من المحتجين، لكن مسؤولاً كبيراً قال يوم الخميس إن 50 من قوات الشرطة لقوا حتفهم في الاحتجاجات.
وقالت منظمة حقوق الإنسان في كردستان إيران إن عدد القتلى في المدن الكردية وصل إلى 104 أشخاص حتى مساء الجمعة، وبينهم 41 قتيلاً في المدن الكردية بجنوب محافظة أذربيجان الغربية. وأشارت إلى مقتل 11 طفلاً. كما أشارت إلى مقتل 21 شخصاً في الهجمات التي شنتها إيران على مواقع أحزاب كردية معارضة في إقليم كردستان.
وتفقد الرئيس إبراهيم رئيسي، السبت، لمناسبة أسبوع الباسيج، وحدة «فاتحين» للقوات الخاصة في الباسيج بالعاصمة طهران، حسبما أفادت وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري». وقال أمام أعضاء هذه الوحدة: «قمتم بأداء رائع خلال مكافحة مثيري الشغب».
بموازاة ذلك، تجددت التجمعات الطلابية بجامعات طهران وعدة مدن إيرانية، وأظهرت تسجيلات فيديو تجمعات حاشدة في جامعة طهران، أكبر جامعات إيران.
وفي أصفهان، ردد الطلاب الغاضبون في الجامعة «الصناعية» هتافات غاضبة تحض الإيرانيين على مواصلة المسيرات المناهضة للنظام. وردد طلاب جامعة قم شعار «أنت المنحرف... أنا المرأة الحرة».
من ناحية أخرى، أصدرت مجموعة من 140 طبيب عيون بياناً، حذرت فيه من أن طلقات الخرطوش وطلقات كرات الطلاء التي تستخدمها قوات الأمن تسببت في إصابة الكثيرين من المتظاهرين بالعمى في عين واحدة أو العينين، بحسب موقع (صبح ما) الإخباري الإصلاحي، ومنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي.
وقالت منظمة العفو الدولية إن قوات الأمن الإيرانية تستخدم القوة غير المشروعة، بما في ذلك استخدام الذخيرة الحية والخرطوش، مما أسفر عن مقتل العشرات. وألقت السلطات الإيرانية باللوم في بعض عمليات إطلاق النار على من وصفتهم بمنشقين مجهولين.
وبينما تستمر الاحتجاجات، عادت الإضرابات العمالية لتضرب قطاعات جديدة. وتجددت إضرابات عمال شركة الصلب في أصفهان، وبدأ عمال شركة «مرتب» لصناعة السيارات إضرابات من أجل الحصول على تسعة أشهر من مستحقاتهم المؤجلة. كما انتشرت فيديوهات من إضراب عمال مصنع «بارس» للأجهزة المنزلية.
وأصدرت ثلاث نقابات عمالية بارزة في البلاد بيانات تدين «القتل والإبادة الجماعية» في كردستان إيران. وأعلنت نقابة عمال شركة «قصب السكر الوطنية» في محافظة الأحواز، واللجنة التنسيقية لنقابات العمال و«مجموعة اتحاد المتقاعدين»، دعمها «للشعب الكردي المضطهد»، وقالت إن «المؤسسة الحاكمة لا تتجاهل أبسط المطالب فحسب، بل ترد على كل طلب بالرصاص»، وقالوا: «ندين القتل والإبادة الجماعية تحت أي عنوان وتحت أي ذريعة».


مقالات ذات صلة

اليوم الثاني لرئيسي في دمشق... فلسطيني

المشرق العربي اليوم الثاني لرئيسي في دمشق... فلسطيني

اليوم الثاني لرئيسي في دمشق... فلسطيني

في اليوم الثاني لزيارة الرئيس الإيراني إبراهيم رئيسي إلى سوريا، التقى وفداً من الفصائل الفلسطينية الموجودة في دمشق، بحضور وزير الخارجية الإيراني حسين أمير عبداللهيان. وأكد رئيسي، خلال اللقاء الذي عقد في القصر الرئاسي السوري أمس (الخميس)، أن بلاده «تعتبر دائماً القضية الفلسطينية أولوية في سياستها الخارجية». وأكد أن «المقاومة هي السبيل الوحيد لتقدم العالم الإسلامي ومواجهة الاحتلال الإسرائيلي»، وأن «المبادرة، اليوم، في أيدي المجاهدين والمقاتلين الفلسطينيين في ساحة المواجهة».

«الشرق الأوسط» (دمشق)
شؤون إقليمية باريس تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

باريس تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

نددت فرنسا باحتجاز البحرية التابعة لـ«الحرس الثوري» الإيراني ناقلة النفط «نيوفي» التي ترفع علم بنما في مضيق هرمز الاستراتيجي، وذلك صبيحة الثالث من مايو (أيار)، وفق المعلومات التي أذاعها الأسطول الخامس التابع للبحرية الأميركية وأكدها الادعاء الإيراني. وأعربت آن كلير لوجندر، الناطقة باسم الخارجية الفرنسية، في مؤتمرها الصحافي، أمس، أن فرنسا «تعرب عن قلقها العميق لقيام إيران باحتجاز ناقلة نفطية» في مياه الخليج، داعية طهران إلى «الإفراج عن الناقلات المحتجزة لديها في أسرع وقت».

ميشال أبونجم (باريس)
شؤون إقليمية منظمات تندد بـ«إصرار» فرنسا «على رغبتها بترحيل» إيرانيين

منظمات تندد بـ«إصرار» فرنسا «على رغبتها بترحيل» إيرانيين

قالت منظمات غير حكومية إن فرنسا احتجزت العديد من الإيرانيين في مراكز اعتقال في الأسابيع الأخيرة، معتبرة ذلك إشارة إلى أنّ الحكومة «تصر على رغبتها في ترحيلهم إلى إيران» رغم نفي وزير الداخلية جيرالد دارمانان. وكتبت منظمات العفو الدولية، و«لا سيماد»، و«إيرانيان جاستس كوليكتيف» في بيان الأربعاء: «تواصل الحكومة إبلاغ قرارات الترحيل إلى إيران مهددة حياة هؤلاء الأشخاص وكذلك حياة عائلاتهم». واعتبرت المنظمات أن «فرنسا تصرّ على رغبتها في الترحيل إلى إيران»، حيث تشن السلطات قمعاً دامياً يستهدف حركة الاحتجاج التي اندلعت إثر وفاة الشابة الإيرانية الكردية مهسا أميني في سبتمبر (أيلول)، أثناء احتجازها لدى شرط

«الشرق الأوسط» (باريس)
شؤون إقليمية قاآني: انتقمنا جزئياً لسليماني بطرد القوات الأميركية من المنطقة

قاآني: انتقمنا جزئياً لسليماني بطرد القوات الأميركية من المنطقة

قال مسؤول العمليات الخارجية في «الحرس الثوري»، إسماعيل قاآني، إن قواته انتقمت جزئيا من القوات الأميركية بطردها من المنطقة، مضيفا في الوقت نفسه «القدس ليست الهدف النهائي وإنما هدف وسط»، مشددا على ضرورة أن تجد إيران موقعها في انتقال القوة من الغرب إلى الشرق. ونقلت وكالة «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري» عن قاآني قوله خلال اجتماع الجمعية العامة لطلاب الحوزات العلمية في قم إن «أميركا وإسرائيل وحتى الناتو و... تقوم بالتعبئة لتخريب إيران». وقال قاآني «مثلما قال المرشد فإن إيران من المؤكد لن تبقى بعد 25 عاماً، وهم (الإسرائيليون) يستعجلون ذلك».

«الشرق الأوسط» (طهران)
شؤون إقليمية فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

فرنسا تدين احتجاز إيران ناقلة نفط في مياه الخليج

ندّدت فرنسا باحتجاز البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني ناقلة النفط «نيوفي» التي ترفع عَلَم بنما، في مضيق هرمز الاستراتيجي، وذلك صبيحة الثالث من مايو (أيار)، وفق المعلومات التي أذاعها الأسطول الخامس، التابع لـ«البحرية» الأميركية، وأكدها الادعاء الإيراني. وأعربت آن كلير لوجندر، الناطقة باسم «الخارجية» الفرنسية، في مؤتمرها الصحافي، أمس، أن فرنسا «تعرب عن قلقها العميق لقيام إيران باحتجاز ناقلة نفطية» في مياه الخليج، داعية طهران إلى «الإفراج عن الناقلات المحتجَزة لديها في أسرع وقت».

ميشال أبونجم (باريس)

مرافعة ترمب للحرب ضد إيران تحت المجهر

ترمب يلقي خطاب «حالة الاتحاد» أمام جلسة مشتركة للكونغرس في مبنى الكابيتول يوم الثلاثاء (نيويورك تايمز)
ترمب يلقي خطاب «حالة الاتحاد» أمام جلسة مشتركة للكونغرس في مبنى الكابيتول يوم الثلاثاء (نيويورك تايمز)
TT

مرافعة ترمب للحرب ضد إيران تحت المجهر

ترمب يلقي خطاب «حالة الاتحاد» أمام جلسة مشتركة للكونغرس في مبنى الكابيتول يوم الثلاثاء (نيويورك تايمز)
ترمب يلقي خطاب «حالة الاتحاد» أمام جلسة مشتركة للكونغرس في مبنى الكابيتول يوم الثلاثاء (نيويورك تايمز)

في سياق عرض الرئيس دونالد ترمب ومساعديه، هذا الأسبوع، مبررات شنِّ حملة عسكرية أميركية جديدة ضد إيران، أكدوا أن طهران أعادت تشغيل برنامجها النووي، وأنَّها تمتلك ما يكفي من المواد النووية لبناء قنبلة خلال أيام، وأنَّها تطوِّر صواريخ بعيدة المدى ستصبح قريباً قادرةً على ضرب الولايات المتحدة. غير أنَّ هذه الادعاءات الثلاثة إما خاطئة أو غير مثبتة.

ويقدِّم مسؤولون أميركيون وأوروبيون، ومنظمات دولية معنية بمراقبة الأسلحة، وتقارير صادرة عن أجهزة الاستخبارات الأميركية، صورةً مختلفةً تماماً عن مستوى التهديد الإيراني مقارنة بما عرضه البيت الأبيض في الأيام الأخيرة.

فقد اتخذت إيران خطوات لإعادة بناء أو إزالة آثار الأضرار في منشآت نووية استهدفتها ضربات إسرائيلية وأميركية في يونيو (حزيران)، واستأنفت العمل في بعض المواقع المعروفة منذ زمن للأجهزة الاستخباراتية الأميركية. لكن مسؤولين قالوا إنه لا توجد أدلة على أن إيران تبذل جهوداً نشطة لاستئناف تخصيب اليورانيوم أو لتطوير آلية تفجير قنبلة.

كما أنَّ مخزونات اليورانيوم التي سبق لإيران تخصيبها لا تزال مدفونةً منذ ضربات العام الماضي، ما يجعل من شبه المستحيل أن تصنع إيران قنبلة «خلال أيام».

وتمتلك إيران ترسانةً كبيرةً من الصواريخ الباليستية قصيرة ومتوسطة المدى، القادرة على ضرب إسرائيل وقواعد أميركية في الشرق الأوسط، إلا أنَّ أجهزة الاستخبارات الأميركية تعتقد أن إيران قد تكون على بُعد سنوات من امتلاك صواريخ قادرة على ضرب الولايات المتحدة.

ومنذ أسابيع، ينقل «البنتاغون» سفناً وطائرات ووحدات دفاع جوي إلى الشرق الأوسط، في إطار أكبر حشد عسكري أميركي في المنطقة منذ أكثر من عقدين. وأثار هذا التصعيد، إلى جانب تهديدات ترمب، انتقادات بأنَّ البيت الأبيض لم يقدم مرافعة علنية واضحة لتبرير نزاع عسكري أميركي ثانٍ في إيران خلال أقل من عام.

وبدأ كبار مسؤولي إدارة ترمب في عرض حججهم، إلا أنَّ عناصر أساسية منها لا تصمد أمام التدقيق، بل إنَّ بعض التصريحات العلنية تضمَّنت تناقضات.

الجنرال دان كين رئيس هيئة الأركان المشتركة إلى اليسار وقادة عسكريون آخرون يحضرون خطاب الرئيس دونالد ترمب عن «حالة الاتحاد» في مبنى الكابيتول بواشنطن يوم الثلاثاء الماضي (نيويورك تايمز)

وحملت تصريحات ترمب في خطاب «حالة الاتحاد» هذا الأسبوع، بشأن خطورة التهديد الذي تمثله القدرات النووية والصاروخية الإيرانية، أصداء عام 2003، حين استخدم الرئيس جورج دبليو بوش الخطاب ذاته لتبرير الحرب في العراق، مؤكداً أن بغداد سعت للحصول على يورانيوم من أفريقيا لدعم برنامج نووي ناشئ، وهو ادعاء ثبت لاحقاً عدم صحته.

وقال النائب جيم هايمز، أكبر الديمقراطيين في لجنة الاستخبارات بمجلس النواب، الثلاثاء بعد اجتماع مغلق مع وزير الخارجية ماركو روبيو: «أنا قلق للغاية. الحروب في الشرق الأوسط لا تسير على ما يرام للرؤساء ولا للبلاد، ولم نسمع سبباً وجيهاً يبرر شنَّ حرب أخرى في هذا التوقيت».

الصواريخ الباليستية

يُعتقد أن إيران تمتلك نحو ألفَي صاروخ باليستي قصير ومتوسط المدى. ويقول خبراء إن طهران أعادت إلى حد كبير ملء هذه الترسانة بعد إطلاق مئات الصواريخ على إسرائيل، وأكثر من 10 صواريخ على قاعدة أميركية في قطر، في يونيو. وقد زادت إيران تدريجياً مدى صواريخها، وبات أقواها قادراً على ضرب وسط وشرق أوروبا.

لكن ترمب قال في خطاب «حالة الاتحاد»: «إن إيران تعمل على بناء صواريخ ستصل قريباً إلى الولايات المتحدة الأميركية». وفي اليوم التالي، كرَّر روبيو حديث الرئيس عن سعي إيران إلى تطوير صواريخ باليستية عابرة للقارات، لكنه استخدم صياغةً مختلفةً بشأن التوقيت؛ فبينما قال ترمب «قريباً»، قال روبيو «يوماً ما». وأضاف للصحافيين: «لقد رأيتم أنهم يزيدون مدى الصواريخ التي يمتلكونها الآن، ومن الواضح أنهم يسيرون في مسار قد يُمكِّنهم يوماً ما من تطوير أسلحة تصل إلى الأراضي الأميركية».

وقال 3 مسؤولين أميركيين، مطلعين على معلومات استخباراتية حالية بشأن برامج الصواريخ الإيرانية، إن ترمب بالغ في تصوير مدى إلحاح التهديد. وأشار أحدهم إلى قلق بعض محللي الاستخبارات من تضخيم التهديدات أو تقديم المعلومات بصورة انتقائية أو مشوَّهة عند رفعها إلى المستويات العليا.

إيرانية تمر أمام صاروخ محلي الصنع من طراز «خيبر شكن» ولافتات عليها صور للمرشد الإيراني علي خامنئي (وسط) وقادة القوات المسلحة الراحلين الذين قُتلوا إثر غارة إسرائيلية بشهر يونيو بميدان بهارستان في طهران (نيويورك تايمز)

وخلص تقرير لوكالة استخبارات الدفاع، العام الماضي، إلى أنَّ إيران لا تمتلك صواريخ باليستية قادرة على ضرب الولايات المتحدة، وأنه قد يستغرق الأمر ما يصل إلى عقد لتطوير ما يصل إلى 60 صاروخاً عابراً للقارات، حتى مع بذل جهود مكثفة لتطوير هذه التكنولوجيا. وعندما سُئل روبيو عن التقرير، رفض التعليق.

القلق بشأن الصواريخ الإيرانية ليس جديداً. ففي عام 2010، كشف تقييم سري نشره موقع «ويكيليكس» عن أن الحكومة الأميركية كانت تراقب سراً مساعدات تكنولوجية في مجال الصواريخ قدَّمتها كوريا الشمالية لإيران.

وكانت الصواريخ المعنية متوسطة المدى، قادرة على قطع أكثر من 2000 ميل، بما يكفي لضرب أجزاء من أوروبا. وحصلت إيران على 19 صاروخاً من كوريا الشمالية، وفق برقية دبلوماسية مؤرخة في 24 فبراير (شباط) 2010. وحذَّر مسؤولون أميركيون آنذاك من أن أنظمة الدفع المتقدمة قد تسرّع تطوير إيران صواريخ عابرة للقارات.

لكن بعد 16 عاماً، لا توجد أدلة على أن إيران جعلت برنامجها للصواريخ بعيدة المدى أولويةً قصوى، إذ ركزت بدرجة أكبر على تعزيز ترسانتها من الصواريخ القصيرة والمتوسطة المدى، بوصفها رادعاً أكثر فاعلية ضد أي جهود إسرائيلية أو أميركية لإسقاط النظام في طهران.

وقد فوّض المرشد الإيراني علي خامنئي مسؤولين للتفاوض مع الولايات المتحدة بشأن البرنامج النووي، لكنه يصر على أن برنامج الصواريخ غير قابل للتفاوض.

البرنامج النووي الإيراني

قال ستيف ويتكوف، كبير مفاوضي البيت الأبيض في المحادثات مع الإيرانيين، لقناة «فوكس نيوز» إن إيران «ربما يفصلها أسبوع عن امتلاك مواد لصنع قنبلة على نطاق صناعي».

لكن مسؤولين أميركيين ومفتشين دوليين قالوا إن ذلك غير صحيح، نظراً لأن الضربات الأميركية والإسرائيلية في يونيو ألحقت أضراراً جسيمة بالمواقع النووية الثلاثة الرئيسية في نطنز وفوردو وأصفهان.

وجعلت تلك الهجمات من الصعب على إيران الوصول سريعاً إلى الوقود القريب من درجة صنع القنبلة. وحتى لو تم استخراجه، فإن تحويله إلى رأس حربي سيستغرق أشهراً عدة، وربما أكثر من عام.

ووفقاً للوكالة الدولية للطاقة الذرية، فإن معظم ما يقرب من 1000 رطل من اليورانيوم الإيراني المخصب بنسبة 60 في المائة مدفون في أصفهان، ولا توجد أدلة تُذكر على أن الإيرانيين يستخرجون الحاويات المدفونة عميقاً.

ترمب يلقي خطاب «حالة الاتحاد» أمام جلسة مشتركة للكونغرس في مبنى الكابيتول بواشنطن يوم الثلاثاء (نيويورك تايمز)

ومن دون هذا المخزون، الذي يتطلب تخصيباً إضافياً إلى 90 في المائة قبل تصنيعه في سلاح، يصبح إنتاج قنبلة أمراً شبه مستحيل.

حتى بعض حلفاء ترمب في الكونغرس شكَّكوا في تقدير ويتكوف. وقال السيناتور ماركواين مولين، عضو لجنة القوات المسلحة، على شبكة «سي إن إن»: «لا يمكنني التحدُّث نيابةً عن ستيف. لم أطلع على تلك التقارير. لا أقول إنه مخطئ أو محق، لكنني لم أرَ تلك المعلومات».

وأقرَّ روبيو، الأربعاء، بعدم وجود أدلة على أن الإيرانيين يخصبون الوقود النووي حالياً.

وفي خطاب «حالة الاتحاد»، كرَّر ترمب قوله إن الضربات الأميركية في يونيو «قضت بالكامل» على البرنامج النووي الإيراني، لكنه أكد أن إيران أعادت تشغيله، قائلاً: «إنهم يريدون البدء من جديد، وهم في هذه اللحظة يسعون مرة أخرى إلى تحقيق طموحاتهم».

غيَّر أن مسؤولين مطلعين على تقييمات الاستخبارات الأميركية قالوا إن إيران لم تبنِ مواقع نووية جديدة منذ يونيو، رغم رصد نشاط في موقعين غير مكتملين لم يتعرَّضا للضرب. أحدهما قرب نطنز، والآخر قرب أصفهان، حيث يُدفن معظم مخزون اليورانيوم القريب من درجة صنع القنبلة.

كما تشير تقارير استخباراتية إلى أنَّ مهندسين إيرانيين يدرسون الحفر على أعماق أكبر لبناء منشآت جديدة قد تكون خارج نطاق «القنبلة الخارقة للتحصينات» التي استخدمها «البنتاغون» ضد موقع فوردو، الذي لا يزال غير قابل للتشغيل، وفق مسؤولين أميركيين.

* خدمة «نيويورك تايمز»


مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان «قلق للغاية» من خطر تصعيد إقليمي

المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك يتحدث خلال افتتاح الدورة الحادية لمجلس حقوق الإنسان في جنيف الاثنين الماضي (إ.ب.أ)
المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك يتحدث خلال افتتاح الدورة الحادية لمجلس حقوق الإنسان في جنيف الاثنين الماضي (إ.ب.أ)
TT

مفوض الأمم المتحدة لحقوق الإنسان «قلق للغاية» من خطر تصعيد إقليمي

المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك يتحدث خلال افتتاح الدورة الحادية لمجلس حقوق الإنسان في جنيف الاثنين الماضي (إ.ب.أ)
المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك يتحدث خلال افتتاح الدورة الحادية لمجلس حقوق الإنسان في جنيف الاثنين الماضي (إ.ب.أ)

أعرب المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان، الجمعة، عن «قلقه البالغ» إزاء خطر تصعيد عسكري إقليمي، في وقت تتعرض فيه إيران لضغوط عسكرية مكثفة من الولايات المتحدة.

وقال فولكر تورك، في كلمته حول أوضاع حقوق الإنسان في العالم أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف: «أنا قلق للغاية من خطر التصعيد العسكري الإقليمي وعواقبه على المدنيين، وآمل أن ينتصر صوت العقل».

ويأتي هذا التصريح عقب جولة جديدة من المفاوضات غير المباشرة بشأن الملف النووي بين إيران والولايات المتحدة في جنيف، التي يُنظر إليها على أنها محاولة أخيرة لتجنب حرب بين الخصمين اللدودين.

وكان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد منح طهران، الأسبوع الماضي، مهلة 15 يوماً للتوصل إلى اتفاق، في وقت تواصل فيه الولايات المتحدة أكبر تعزيز عسكري لها في الشرق الأوسط منذ عقود.

كما تطرق تورك إلى الوضع الداخلي في إيران، بعد حملة القمع الواسعة التي نفذتها طهران، الشهر الماضي، ضد موجة من الاحتجاجات، والتي أسفرت عن مقتل آلاف الأشخاص وفقاً لمنظمات حقوق الإنسان.

وقال إن «الوضع في إيران لا يزال غير مستقر» بعد هذه الحملة، مشيراً إلى أن «الأيام الأخيرة شهدت موجة جديدة من الاحتجاجات في الجامعات، ما يدل بوضوح على استمرار المظالم الكامنة».

وأضاف: «لا تزال ترد تقارير عن أعمال قمع، بما في ذلك اعتقالات وضغوط على الأوساط الأكاديمية»، مذكّراً بأن «آلاف الأشخاص ما زالوا في عداد المفقودين».

كما أعرب المفوض السامي لحقوق الإنسان عن «صدمته» إزاء صدور أحكام بالإعدام بحق «ما لا يقل عن ثمانية أشخاص، بينهم طفلان، على خلفية الاحتجاجات».

وأضاف: «يُقال إن 30 شخصاً آخرين يواجهون العقوبة نفسها. وأدعو إلى إجراء تحقيقات مستقلة ونزيهة وشفافة، وضمان محاكمات عادلة، ووقف فوري لتنفيذ عقوبة الإعدام».


الصين تدعو مواطنيها لتجنّب السفر إلى إيران

لوحة إعلانية معادية لإسرائيل والولايات المتحدة على مبنى في طهران (رويترز)
لوحة إعلانية معادية لإسرائيل والولايات المتحدة على مبنى في طهران (رويترز)
TT

الصين تدعو مواطنيها لتجنّب السفر إلى إيران

لوحة إعلانية معادية لإسرائيل والولايات المتحدة على مبنى في طهران (رويترز)
لوحة إعلانية معادية لإسرائيل والولايات المتحدة على مبنى في طهران (رويترز)

دعت الصين مواطنيها، الجمعة، إلى تجنّب السفر إلى إيران في ظل «ازدياد كبير في المخاطر الأمنية الخارجية» في وقت تهدد الولايات المتحدة بتنفيذ ضربات ضد طهران.

امرأة تمر بجانب العلم وخريطة إيران المرسومة على جدار في طهران في 25 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

وقالت الخارجية الصينية في بيان: «في ضوء الوضع الأمني الحالي في إيران، تذكّر الخارجية الصينية وسفارة الصين وقنصلياتها في إيران المواطنين الصينيين بضرورة تجنّب السفر إلى إيران في الوقت الحالي».

وأضافت: «يُنصح المواطنون الصينيون الموجودون حالياً في إيران بتعزيز إجراءات السلامة والمغادرة في أقرب وقت ممكن».