المعارك القديمة: كثير من الإسفاف والعنف... والغبار حول لا شيء

هناك من يترحم عليها وعلى أيامها (1 ـ 2)

أحمد شوقي  -  سلامة موسى
أحمد شوقي - سلامة موسى
TT

المعارك القديمة: كثير من الإسفاف والعنف... والغبار حول لا شيء

أحمد شوقي  -  سلامة موسى
أحمد شوقي - سلامة موسى

من الطبيعي أن يحملنا اختفاء الجدل الثقافي اليوم على أن نذكر بالخير «المعارك الثقافية»، وأن يشعر البعض منا بالحنين إلى النصف الأول من القرن العشرين، وهي فترة الإحياء التي شهدت كثيراً من المعارك الأدبية والفكرية. نعود إليها بوصفها الأقرب زمنياً لنا، لكن المعارك موجودة على مدار التاريخ، وترتبط كثيراً بفترات الحراك السياسي، وما يتبعه من حراك ثقافي.
تشير كلمة «معركة» إلى وجود طرفين منخرطين في الحرب بإرادتيهما، لكن هناك الكثير من الأزمات اتخذت شكل الغارة والتجريدة المباغتة، ونستطيع من قراءة التاريخ أن نقول إن وصف «معركة» يكاد ينطبق على الجدل الأدبي دون غيره، وهي معارك فنية تنحصر نيرانها في نطاق النخبة ذاتها، بينما تأخذ الصراعات الفكرية شكل الغارة، ويندر أن تكون بريئة من المؤثرات غير الفكرية، كالحسد الشخصي والشعوبية والمذهبية، والعلاقة بالسلطة، وغالباً ما يمتد أثرها إلى المجتمع، بعكس الخلاف على شعرية أبي تمام أو البحتري والموازنة بينهما.
ولحد الآن لم نتبين أسباب محاكمة فيلسوف العقلانية، ابن رشد... هل كانت الأسباب في تغيير الوجهة الآيديولوجية للدولة من مناصرة العقل إلى مناصرة النقل؟ هل السبب آراؤه ضد الاستبداد؟ وما دخل الغيرة والخصومات الشخصية؟
هكذا، لا تكون هناك معركة في الفكر بقدر ما تكون هناك غارة لاصطياد مفكر، وتشهد بذلك غارات النصف الأول من القرن العشرين. وأعتذر مقدماً لأنني سأقصر أمثلتي هنا على الحالة المصرية، دون إنكار لما كانت عليه الساحات العربية الأخرى، وعلى كلٍّ، فقد كان التواصل الثقافي العربي عظيماً في ذلك الوقت، رغم صعوبة وسائل الاتصال، وكان أعلام العراق والشام حاضرين في قلب السجالات القاهرية.
من غارات بدايات القرن العشرين، التجريدة ضد منصور فهمي بسبب رسالته للدكتوراه في باريس تحت عنوان «حالة المرأة في التقاليد الإسلامية»، عام 1914، والهجوم على طه حسين في العام ذاته بسبب رسالته عن أبي العلاء المعري في جامعة القاهرة، وقد نجحت التحالفات في احتواء أثر غارة أبي العلاء قبل أن تستفحل، ثم كانت أزمة «الشعر الجاهلي - 1926» وقد صارت أكثر شهرة ووصلت إلى مستوى أخطر بسبب تغير التحالفات السياسية التي فاقمت من الأزمة لتصبح قضية دينية سياسية واختباراً لاستقلال الجامعة.

ابن رشد

وفي الإطار نفسه، يمكن أن ندرج قضية «الإسلام وأصول الحكم - 1925» لعلي عبد الرازق، وكان واضحاً أن الملك فؤاد الطامح إلى خلافة المسلمين وراء محاكمة هيئة كبار العلماء للشيخ واتهامه بسبع تهم، بينها الضلال وإنكار إجماع الصحابة. هذه كلها كانت غارات على الفكر والثقافة والأدب يتداخل فيها السياسي والديني، وآخر ما يهم فيها هو الفكر أو الدين.
بخصوص الأدب، كانت هناك حيوية شديدة ومعارك شهيرة وسجالات لا تنتهي إلا لتبدأ بين أعلام المحافظين من أمثال مصطفى صادق الرافعي، فريد وجدي، شكيب أرسلان، ورشيد رضا، في مقابل فريق المجددين من أمثال سلامة موسى ومحمد حسين هيكل وطه حسين والمازني وعباس محمود العقاد.
ولم يمنع الالتزام بمعسكر قيام معارك بين هذا وذاك من المنتمين للمعسكر الواحد، وكثيراً ما تحول المجدد في مرحلة ما إلى محافظ في مرحلة أخرى، ومثال على هذا تحول العقاد من اتهامه الإحيائيين، كالبارودي وشوقي بالجمود إلى أن يصبح عثرة في طريق الشعر الحر، وتصدي شعراء له، مثل صلاح عبد الصبور وأحمد عبد المعطي حجازي، ثم تحول حجازي بدوره إلى عقبة في طريق قصيدة النثر.
وإلى جوار هذا، كانت هناك معارك لا تبدو سليمة من الوجهة الأدبية؛ فمبدأ البيعة وتنصيب شاعر فوق الآخرين يبدو غريباً ومجافياً لطبيعة الإبداع الذي يسمح بالتعدد والتجاور. هناك مَن بايع ومَن امتنع، وعندما مات شوقي نشأت معركة توريث الإمارة بعد وفاته، وقد بدأها طه حسين بقوله إن الإمارة يجب أن تكون في بغداد، دون أن يحدد لأي من شاعريها الكبيرين الزهاوي أم الرصافي؟ ثم تراجع فشهد للعقاد بالجدارة!
وأخشى أن حنينا ومبالغتنا في أهمية تلك المعارك ترتكز في بعض دوافعها على سلفية أدبية لا واعية، مستعارة من آيديولوجيا «السلف الصالح» الدينية؛ فكل العدل والتقوى والشجاعة كان في زمن سابق، وهناك يقين بأن الثقافة تسير في طريق الاضمحلال جيلاً بعد جيل، ولا أمل في مخلِّص يظهر في النهاية لينقذ الأدب من الانهيار!
من المعتاد أن نقرأ بين وقت وآخر من يترحم على تلك المعارك وأيامها، ويصفها بالرقيّ في مقابل ما يراه إسفافاً ونميمة فارغة على صفحات التواصل الاجتماعي الآن. لكن من يعيد تصفح المعارك القديمة سيكتشف الكثير من الإسفاف والعنف والكثير من الغبار حول اللاشيء!
في معارك اللاشيء، يقف عباس محمود العقاد عابراً الأزمان بمعاركه التي لم تكن تنتهي، وكان له من الأدباء أتباع يؤمنون به إيمان العوام، وله من الخصوم مَن ينزعون عنه كل ميزة. لكنه بفضل هذه المعارك عاش في الوجدان الأدبي ندّاً لطه حسين، وكان هناك «الطحاسنة» و«العقاديون». هذه الندية بحد ذاتها دليل على تواضع الأحكام الأدبية والفكرية في ذلك الوقت؛ فالبون شاسع بين عصامي مجتهد يقرأ ويكتب بفطرته ويتعصب لرأيه فلا يرى وجهاً آخر غير الذي يراه من أي قضية، ومفكر مؤسس أكاديمياً لديه منهجه في البحث ويتأنى قبل الفصل في أي مسألة.
كانت عصامية العقاد ركيزة أساسية في تحديد صورته الشخصية في المجتمع الأدبي وفي وضع حدود لإنتاجه الفكري؛ كونه علَّم نفسه بنفسه منحه اعتداداً بالرأي وميلاً إلى الأحكام النهائية دون استعداد للتراجع أو رغبة في معرفة وجه آخر للموضوع الذي يتصدى له. إيمانه بذاته يقابله تهوين من شأن الآخرين، الأمر الذي جعله من أنجح الناس في اكتساب الأعداء؛ فوجد كثراً بادلوه عنفاً بعنف، وسلبوه كل ميزة، وفاتهم في التربص به وضع ما كتبه في ميزان التقييم المحايد.
في حملته على أحمد شوقي ورموز مدرسة الإحياء، جرَّد العقاد أمير الشعراء من أي ميزة، واعتبر شعره تقليداً ومحاكاة بلا روح، وهي الصفة التي سيمنحها مصطفى صادق الرافعي لشعر العقاد ذاته في كتاب نُشر مسلسلاً في مجلة «العصور» تحت عنوان «على السفود... نظرات في ديوان العقاد» وهو حفل شواء لشعر ولحم العقاد. يحلو للبعض الآن اعتبار «على السفود» مثالاً على صراحة المعارك الأدبية الراقية البعيدة عن ثرثرة «الفيسبوك»!
لم يكن العقاد خالياً من الحسد الشخصي في نقده لـ«أمير الشعراء»، وهو يرى نفسه الأحق بإمارة كل شيء، وكان قاسياً في سخريته من كتاب مصطفى صادق الرافعي «إعجاز القرآن»، بل اتهمه بالكذب والتزوير لرفع تقدير كتابه عند العامة، عندما نشر أنه تلقى رسالة خطية من سعد زغلول يشيد فيها بالكتاب. ولم يكن من الرافعي إلا أن ترك أزمة «إعجاز القرآن» تمر، ثم عاد لينتقم!
يُقدِّم الرافعي كتابه بمقال للعقاد نفسه يتكلم فيه عن فئة المتحذلقين، يصفهم بالمجرمين الذين يستحقون الحرق بالنار، وكأنه بتقديمه هذا العنف العقادي يبرر ما سيرتكبه ضده من العنف!
وفي المقال الأول، يبدأ بشرح معنى السفود: «الحديدة يُشوى بها اللحم ويسميها العامة السيخ»، مؤكداً أنه استعار تلك الكلمة في النقد «لأن بعض المغرورين من أدباء هذا الزمن قد تعدوا كل حد في الادعاء والغرور، ولا يصلح فيهم من النقد إلا ما ينتظمهم ويفترشهم ناراً كنار اللحم يُشوى».
ويبدأ نقده من إشارة على الغلاف: «أربعة مجلدات في مجلد واحد»، للتدليل على جهل العقاد بأسرار العربية، ما جعله يساوي بين الكتاب والسفر، وبين الجزء والمجلد، ثم يتربص بكل صورة في الديوان، يتناولها بكل تسخيف. لكنه لا يلزم نقد الشعر بل يتعدى إلى شخص العقاد، ويقطع بأنه لص يترجم أفكار الأجانب ويلخصها وكأنها من بنات أفكاره، ويشبهه باللقيط الذي يُلقى في الشارع فينشأ حاقداً على العالم «فهو يكره الوجود من أجل نفسه، ويكره نفسه من أجل الوجود»!
في كثير من معارك تلك الحقبة نلحظ روح مصارعات الديكة، لصالح الرواج الصحافي، حتى لو داست هذه المصارعات القيم وبذرت بذور العنف. يكتب إسماعيل أدهم افتتاحية «العصور» مبرراً احتضان مقالات «السفود»، فندرك من مقاله خصومة العقاد مع المجلة ورئيس تحريرها «ولقد أطلق علينا ذلك الأديب المفتون ألسنة من أعوانه حداداً، كان يلقّنهم ما يقولون». وفي تعريضه بالعقاد يكتب الرافعي: «ماذا كان يعمل في جريدة (البلاغ) ولماذا أُخرج منها؟ كانوا يحتاجون إلى سفيه أحمق يُسافه عنهم (…) فلم يروا أكفأ من العقاد وقاحةَ وجهٍ وبذاءةَ لسانٍ وموتَ ضمير».
كان الصراع شديداً على كسب القراء في صحافة الفترة الليبرالية في مصر، وهذا سبب لا يمكن إغفاله، وبعد حركة الضباط في يوليو (تموز) 1952، بدا المجتمع الثقافي منخرطاً وراء أهداف عامة، فخفت صوت المعارك الأدبية حتى قبل تأميم الصحافة في بداية ستينات القرن العشرين، إلا نار العقاد ظلت مشتعلة حتى وفاته عام 1964. وكانت المعارك تنشب عادة عقب نقد لأحد أعماله لا يعجبه، وكانت أسئلة المعارك مما لا يستحق الغضب، مثل معركته مع الأب أنستاس الكرملي صاحب مجلة «العراقية»، وسؤال: الشاعر بين الملكة الفلسفية والملكة الشعرية.
استمرت جماعته على إيمانها به حد التقديس، بينما لم يعدم الخصوم بين جيله والأجيال التالية، كان أبرزهم الناقد محمد مندور، وكان العقاد يسميه ساخراً «مندور داير ما يدور» و«الجاويش ببوليس النجدة» ويرد عليه مندور متلكفاً أدب الحوار، ملتزماً بتفنيد ما يثيره العقاد من زوبعات ضد المرأة والنقاد والشعر الجديد. يكتبان في جريدتين مملوكتين للدولة؛ العقاد في «الأخبار»، ومندور في «الجمهورية»، ولم يتورع العقاد عن الإشارة إلى شيوعية مندور، في نوع من التحريض ضده، ويرد مندور مترفعاً، لكنه قد قالها: «أستطيع التحريض ضدك لأنك تدافع عن الفردية ولست مع روح المجموع التي تحتضنها دولتنا وقيادتنا الرشيدة»!
غربال الزمن دقيق، وقد أسقط ما أسقط وأبقى ما أبقى من الكتابة بعيداً عن غبار المعارك، لكن حكم الزمن لم يسر على المعارك نفسها التي تتعاظم صورتها وتلمع من بعيد بسبب السلفية الأدبية التي ترى في القِدم بذاته ميزة.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

بعد فيضانات المغرب وسوريا... لماذا أصبحت الظواهر المناخية «أكثر تطرفاً»؟

فيضانات بالمغرب بعد سنوات من الجفاف (رويترز)
فيضانات بالمغرب بعد سنوات من الجفاف (رويترز)
TT

بعد فيضانات المغرب وسوريا... لماذا أصبحت الظواهر المناخية «أكثر تطرفاً»؟

فيضانات بالمغرب بعد سنوات من الجفاف (رويترز)
فيضانات بالمغرب بعد سنوات من الجفاف (رويترز)

يشهد كل من المغرب وسوريا فيضانات وأمطاراً استثنائية، مما دفع سلطات البلدين إلى إجلاء عشرات الآلاف من السكان. ويرى خبراء المناخ أن هذا التطور يعكس تطرف الظواهر المناخية نتيجة تفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري وتغير المناخ.

وتتعرض مناطق شمال المغرب لفيضانات وسيول قوية منذ أسبوع، فيما أعلنت السلطات عن إجلاء أكثر من 154 ألف شخص من أربعة أقاليم هي: العرائش، والقنيطرة، وسيدي قاسم، وسيدي سليمان، ضمن جهود حماية السكان من تداعيات الأمطار الغزيرة والسيول المستمرة لليوم الثاني عشر على التوالي، مع اتساع رقعة القرى المتضررة.

ومنذ 28 يناير (كانون الثاني) الماضي، شهدت هذه الأقاليم فيضانات في عدة مدن، خصوصاً القصر الكبير، نتيجة ارتفاع مستوى وادي اللوكوس بعد امتلاء سد وادي المخازن إلى 156 في المائة من سعته للمرة الأولى، ما أدى إلى فيضانه وفق معطيات رسمية. كما تسبب هطول الأمطار الغزيرة في فيضان مجاري المياه وارتفاع مستوى الأنهار بسرعة غير معتادة، ما استدعى عمليات تفريغ وقائي لسدي الوحدة ووادي المخازن لحماية المناطق المجاورة.

قبل هذه الموجة، شهدت المملكة في سبتمبر (أيلول) الماضي، أمطاراً غزيرة استثنائية، مما رفع مخزون السدود إلى أكثر من 61 في المائة، أي ما يفوق 10 مليارات متر مكعب، وهو مستوى غير مسبوق منذ عام 2019، وفق المديرية العامة للأرصاد الجوية بالمغرب.

وفي جنوب غربي البلاد، شهدت مدينة آسفي في ديسمبر (كانون الأول) الماضي فيضانات مفاجئة أودت بحياة 37 شخصاً، في أكبر حصيلة من نوعها خلال العقد الأخير.

التغير المناخي تسبب في ظواهر جوية متطرفة (رويترز)

أما في سوريا، فقد سجلت محافظات اللاذقية، وإدلب، وحماة (شمال غربي البلاد) فيضانات مفاجئة ليل السبت نتيجة هطول أمطار غزيرة، ما أسفر عن سقوط ضحايا وتضرر مخيمات مدنيين، فيما تواصل فرق الدفاع المدني جهود البحث والإنقاذ، وإجلاء المتضررين.

كما سجلت فرق الدفاع المدني السورية وفاة طفلين وإنقاذ ثالث بعد جرفهم من قبل السيول في منطقتي العسلية وعين عيسى بريف اللاذقية الشمالي. وذكرت تقارير وفاة متطوعة من الهلال الأحمر العربي السوري وإصابة 6 آخرين، بينهم 5 متطوعين، إثر حادث سير في جبل التركمان أثناء توجههم لتقديم المساعدة للسكان.

الاستمطار الاصطناعي

أوضح الدكتور علي قطب، أستاذ المناخ بجامعة الزقازيق المصرية، أن الفيضانات التي تشهدها سوريا والمغرب تعود بشكل كبير إلى عدة عوامل، أبرزها تفاقم ظاهرة تغير المناخ وارتفاع درجات الحرارة، بالإضافة إلى التلوث البيئي الناتج عن استخدام الطاقة، إلى جانب تقلص المسطحات الخضراء، وهو ما يزيد من حدة التغيرات المناخية.

وأضاف قطب لـ«الشرق الأوسط» أن أحد الأسباب الأخرى وراء الفيضانات في المغرب يتعلق بـظاهرة الاستمطار الاصطناعي للسحب، التي ينفذها المغرب وبعض الدول المجاورة لمواجهة الجفاف.

وأوضح أن هذه العملية، التي تعتمد على رش مواد كيميائية مثل نترات الفضة أو يوديد الفضّة في السحب، لتسهيل تكوّن قطرات الماء وتسريع سقوطها على شكل أمطار، قد تؤدي إلى تطرف مناخي، بسبب زيادة كميات الأمطار الناتجة عن السحب الآتية من المحيط.

الفيضانات أحدثت ضرراً كبيراً بمدينة القصر الكبير (رويترز)

وأشار إلى أن هذه الظاهرة الاصطناعية، إلى جانب تفاقم التغير المناخي، يؤديان إلى تطرف الظواهر المناخية، بما في ذلك الفيضانات والسيول، كما هي الحال في المغرب وسوريا حالياً. كما ينتج عن هذا التطرف ندرة الأمطار في بعض الدول المجاورة مثل الجزائر وليبيا ومصر؛ إذ إن الحركة الطبيعية للسحب تكون من الغرب إلى الشرق، وبالتالي قد لا تصل بعض المناطق إلى كميات الأمطار المعتادة.

وحسب المديرية العامة للأرصاد الجوية بالمغرب، أسهم برنامج «غيث» لاستمطار السحب خلال الفترة 2020 - 2025 في رفع حجم التساقطات في المناطق المستهدفة بنسبة تتراوح بين 15 و20 في المائة، وتستفيد بشكل مباشر المناطق الواقعة فوق السدود، حيث تعزز الأمطار المحفَّزة المخزون المائي في الأودية والأحواض الكبرى.

وأكد قطب أن التغير المناخي وارتفاع درجات الحرارة أسهما أيضاً في حدوث ظواهر مناخية غريبة هذا الشتاء في مصر، حيث بلغت الحرارة نحو 30 درجة مئوية في فبراير (شباط) الحالي، وهي مستويات غير معتادة في هذا الوقت من السنة.

وشدد على أن تطرف الظواهر المناخية يعني أن الدول الممطرة قد لا تتلقى الأمطار، والدول غير الممطرة قد تشهد أمطاراً غير متوقعة، كما قد يشهد الشتاء ارتفاعاً غير معتاد في درجات الحرارة في بعض المناطق، بينما يكون الصيف أشد حرارة في مناطق وأقل في أخرى، ما يشكل ظواهر مناخية غير طبيعية وغير معتادة.

واقع ملموس

فيما قال الدكتور وحيد إمام، أستاذ علوم البيئة بجامعة عين شمس المصرية، إن التغيرات المناخية أصبحت واقعاً ملموساً نتيجة ارتفاع درجات حرارة سطح الأرض، ما أدى إلى تزعزع الثبات المعتاد لأنماط الطقس التقليدية خلال الفصول، بمعنى أن بعض البلدان تشهد منخفضات جوية في حين تعاني دول أخرى من مرتفعات جوية خلال الشتاء، ما يعكس اضطراباً واضحاً في أنماط الطقس المعهودة.

محافظة إدلب بسوريا تعرضت لأمطار غزيرة (محافظة إدلب)

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن متوسط حرارة سطح الأرض ارتفع من 15 درجة مئوية إلى 16.2 درجة مئوية، وأن هناك جهوداً عالمية للحفاظ على هذه الزيادة دون تجاوز 16.5 درجة مئوية، من خلال التحكم في مستويات الغازات المسببة للاحتباس الحراري، والاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة.

وأكد أن زيادة 1.2 درجة مئوية قد تبدو ضئيلة، لكنها تؤثر بشكل كبير على التوازن البيئي، إذ إن درجة حرارة سطح الأرض المثالية لحياة الإنسان والنبات والحيوان هي حوالي 15 درجة مئوية.

وأشار إمام إلى أن تغير المناخ أفرز ظواهر مناخية متطرفة تسببت جزئياً فيما يحدث في المغرب وسوريا حالياً، من بينها ظاهرة «اللانينا» الجوية. وتحدث هذه الظاهرة عندما تنخفض درجات حرارة مياه سطح المحيط الهادئ الاستوائي بشكل غير طبيعي، ما يؤدي إلى تغييرات كبيرة في أنماط الطقس حول العالم، بما في ذلك زيادة الأمطار في بعض المناطق وحدوث جفاف شديد في مناطق أخرى، إضافة إلى تأثيرها على درجات الحرارة وشدة الأعاصير.

كما أكد أن هذه الظاهرة هي جزء من دورة طبيعية تشمل أيضاً ظاهرة «النينو»، وهي على العكس تماماً من ظاهرة «اللانينا»، إذ تسبب زيادة في حرارة سطح المياه بدلاً من انخفاضها.

أمطار بعد سنوات عجاف

من جهة أخرى، فسّر خبير المناخ المغربي المهندس محمد بنعبو الفيضانات الأخيرة في المغرب بأنها نتيجة ظرفية استثنائية، إذ شهدت البلاد هطول كميات هائلة من الأمطار خلال فترة وجيزة، بعد سنوات طويلة من الجفاف.

غرق مدينة القصر الكبير في المغرب (رويترز)

وأوضح أن المرتفع الأزوري، أو مرتفع شمال الأطلسي شبه الاستوائي عادةً ما يحجب المنخفضات الرطبة عن البلاد، وهو ما يؤدي إلى فترات جفاف طويلة، لكن هذا العام، وبفضل تأثير «اللانينا» الجوية، تحرك المرتفع الأزوري نحو الشمال الاسكندنافي، ما فتح الواجهة الأطلسية لاستقبال المنخفضات الرطبة، فشهد المغرب منذ بداية سبتمبر وحتى اليوم هطول جميع المنخفضات الرطبة دون استثناء، وفق ما ذكر موقع «فرانس 24».

وأضاف أن المغرب بطبيعته منطقة ذات مناخ جاف أو شبه جاف، وأن هذه الأشكال المناخية غير المستقرة تشترك فيها معظم دول حوض البحر الأبيض المتوسط، التي تُعد نقطة ساخنة مناخياً. وتتميز هذه المناطق بدورات الأمطار المتقطعة، حيث قد تتوقف الأمطار لعام أو عامين، وقد تمتد فترات الانقطاع حتى سبع سنوات كما حدث سابقاً.

وأشار إلى أن ارتفاع درجات الحرارة خارج فصل الصيف يؤدي إلى تبخر كميات كبيرة من المياه، بينما تجعل السنوات الطويلة من الجفاف التربة صلبة وغير قادرة على امتصاص مياه الأمطار بشكل كافٍ، وهذا الواقع أسهم بشكل كبير في شدة الفيضانات التي تشهدها البلاد حالياً.


تيفاني ترمب «تنبهر» بالمعالم المصرية... ودعوات لاستغلال زيارتها سياحياً

تيفاني مع والدها دونالد ترمب (حسابها على إكس)
تيفاني مع والدها دونالد ترمب (حسابها على إكس)
TT

تيفاني ترمب «تنبهر» بالمعالم المصرية... ودعوات لاستغلال زيارتها سياحياً

تيفاني مع والدها دونالد ترمب (حسابها على إكس)
تيفاني مع والدها دونالد ترمب (حسابها على إكس)

جدد «انبهار» ابنة الرئيس الأميركي تيفاني ترمب، بالمعالم الأثرية المصرية، الدعوات لاستغلال زيارتها لمصر رفقة زوجها رجل الأعمال الأميركي من أصول لبنانية مايكل بولس، في تنشيط السياحة.

وتجولت تيفاني، الابنة الصغرى لترمب، رفقة زوجها في منطقة الأهرامات، الجمعة، قبل أن تتجه إلى الأقصر (جنوب مصر)، السبت؛ حيث زارت «معابد الكرنك»، ومعبد الأقصر، ومتحف التحنيط، قبل أن تتجه إلى البر الغربي، وتزور «معبد حتشبسوت»، ومقابر وادي الملوك والملكات، ومعبد «الرامسيوم» ومنطقة تمثالي ممنون.

واحتفت وسائل إعلام محلية بالرحلة الشتوية لابنة الرئيس الأميركي. وتداولت صوراً ومقاطع فيديو لها في المعالم المصرية، ونقلت عن الدكتور محمود موسى مدير آثار «البر الغربي» بالأقصر، تأكيده على أن تيفاني ترمب «أبدت انبهاراً شديداً بالنقوش الفرعونية على الجدران، وبكيفية حفاظ قدماء المصريين على تاريخهم وكنوزهم من السرقات».

ووصف الخبير السياحي محمد كارم الزيارة بأنها «مهمة». وعدَّها «رسالة غير مباشرة لتنشيط السياحة في مصر». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الزيارة ستشكل نقطة انطلاق للترويج السياحي، ولا سيما جذب السوق الأميركية للسياحة الثقافية في مصر خلال الفترة المقبلة».

معبد حتشبسوت في الأقصر (الشرق الأوسط)

وهو ما أكده رئيس غرفة السياحة بالأقصر، ثروت عجمي، لـ«الشرق الأوسط»، واصفاً الزيارة بأنها «دعاية لا تقدَّر بثمن للمعالم السياحية المصرية». وتوقع أن «تؤتي الزيارة عائداتها على السياحة المصرية سريعاً، على غرار ما أحدثه افتتاح المتحف المصري الكبير».

وأشار إلى أنه «سيتم استغلال الزيارة في الترويج السياحي»، ولكنه عاد وأكد أن «السياحة ستزيد تلقائياً بعد الزيارة»، لافتاً إلى أن «زيارات المشاهير للمعالم السياحية توازي دعاية سياحية بمليارات، وهي فرصة ذهبية لا بد من استغلالها بالشكل الأمثل».

وساهم افتتاح المتحف المصري الكبير في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي في الترويج السياحي لمصر، وشهد زحاماً وتكدساً من مصريين وسياح في الأيام الأولى لافتتاحه.

وفي تصريحات متلفزة مساء السبت، أشار رامي فايز، عضو غرفة المنشآت الفندقية، إلى «سعيهم لاستغلال واستثمار زيارة تيفاني ترمب في الترويج للسياحة المصرية»؛ مشيراً إلى أن مصر «تستهدف الوصول لنحو 22 مليون سائح بنهاية 2026»، مضيفاً أن «العائد عن كل مليون سائح يوازي ملياراً و200 مليون دولار».

مقابر أثرية بالبر الغربي في الأقصر (الشرق الأوسط)

واستقبلت مصر خلال العام الماضي نحو 19 مليون سائح، بمعدل نمو بلغ 21 في المائة، مقارنة بالعام السابق له، وأكد وزير السياحة والآثار المصري شريف فتحي، في تصريحات صحافية الشهر الماضي، أن معدل النمو المحقق يفوق المتوسط العالمي البالغ نحو 5 في المائة، وفق تقديرات منظمة الأمم المتحدة للسياحة، مما يعكس ثقة السائحين في مصر.

وجددت المطالب باستثمار زيارة تيفاني لمصر الدعوات السابقة لاستغلال زيارة اثنين من المشاهير العالميين للمناطق الأثرية في مصر الشهر الماضي، هما: النجم العالمي ويل سميث، وصانع المحتوى سبيد، وجولتيهما في منطقة الأهرامات والمتحف المصري الكبير.

وتعتمد مصر على قطاع السياحة بوصفه من ركائز الدخل القومي، وتسعى مصر لاجتذاب 30 مليون سائح سنوياً بحلول عام 2031.

تيفاني ترمب زارت أهرامات الجيزة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وعلى هامش وجوده بالمعرض السياحي الدولي (EMITT) بتركيا، قال وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، لوسائل إعلام تركية، حسبما أفادت به الوزارة في بيان لها، الأحد، إن مصر تستهدف تحقيق نمو إضافي في أعداد السائحين بنسبة 10 في المائة في عام 2026. كما أشار إلى الزيادة الكبيرة في أعداد السائحين القادمين من تركيا بنسبة 43 في المائة خلال 2025، متوقعاً استمرار النمو خلال 2026، في ظل توقعات بزيادة حجوزات الطيران القادمة من السوق التركية بنسبة تتراوح بين 20 في المائة و25 في المائة.

وأكد الوزير أن «مصر بلد آمن، وأن الصورة الإيجابية عنها تنتقل بالأساس من خلال تجارب الزائرين أنفسهم، بعد عودتهم إلى بلدانهم، أو من خلال سفراء الدول المعتمدين لدى مصر»؛ مشيراً إلى «حرص كثير من السفراء على التجول في شوارع القاهرة التاريخية بصفة منتظمة، في رسالة واضحة تعكس الأمن والاستقرار، وتدعم الصورة الإيجابية عن مصر».

وأضاف فتحي أن «مصر تمتلك منتجات سياحية متنوعة وفريدة لا مثيل لها عالمياً، والتي يمكن دمجها لتقديم تجارب جديدة، إلى جانب الاعتماد على أدوات التسويق الرقمي والذكاء الاصطناعي في الحملات الترويجية»، موضحاً أن «الموسم السياحي في مصر ممتد طوال العام، مع ازدياد الطلب على السياحة الفاخرة والرحلات النيلية».


إجراء جراحي للوقاية من سرطان المبيض

الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بسرطان المبيض (جامعة كولومبيا البريطانية)
الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بسرطان المبيض (جامعة كولومبيا البريطانية)
TT

إجراء جراحي للوقاية من سرطان المبيض

الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بسرطان المبيض (جامعة كولومبيا البريطانية)
الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بسرطان المبيض (جامعة كولومبيا البريطانية)

كشفت دراسة كندية أن إجراءً جراحياً مبتكراً يمكن أن يقلل بشكل كبير من خطر الإصابة بسرطان المبيض، أحد أخطر أنواع السرطان النسائية.

وأظهرت الدراسة، التي قادها باحثون من جامعة كولومبيا البريطانية، أن الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بأكثر أنواع سرطان المبيض شيوعاً وفتكاً، ونُشرت النتائج، الجمعة بدورية «JAMA Network Open».

وغالباً ما يظهر سرطان المبيض دون أعراض واضحة في مراحله المبكرة، مما يجعل تشخيصه صعباً، وغالباً بعد تفاقم المرض. ويصيب سنوياً آلاف النساء حول العالم، مع ارتفاع معدلات الوفيات بسبب تأخر التشخيص؛ إذ لا يتوافر حتى الآن فحص مبكر فعّال للكشف عنه. وأكثر الأنواع شيوعاً هو سرطان المبيض المصلي، الذي يشكّل تحدياً علاجياً كبيراً نظراً لسرعته وخطورته.

وتعتمد الاستراتيجية الجراحية المبتكرة على إزالة قناتَي فالوب بشكل استباقي أثناء خضوع المرأة لجراحة نسائية روتينية، مثل استئصال الرحم أو ربط قناتي فالوب، مع الحفاظ على المبيضين لإنتاج الهرمونات الطبيعية وتقليل أي آثار جانبية.

وكانت مقاطعة كولومبيا البريطانية أول منطقة في العالم تعتمد هذا النهج عام 2010، بعد أن اكتشف باحثو جامعة كولومبيا البريطانية أن معظم حالات سرطان المبيض تنشأ في قناتَي فالوب، وليس في المبيضين كما كان يُعتقد سابقاً.

وحللت الدراسة بيانات صحية سكانية لأكثر من 85 ألف سيدة أجرين جراحات نسائية في المقاطعة بين عامي 2008 و2020، وقارن الباحثون معدلات الإصابة بسرطان المبيض المصلي بين من خضعن للاستئصال الوقائي لقناتي فالوب ومن أجرين جراحات مماثلة دون هذا الإجراء.

استئصال وقائي

وأظهرت النتائج أن السيدات اللاتي خضعن للاستئصال الوقائي كن أقل عرضة للإصابة بسرطان المبيض المصلي بنسبة 78 في المائة. وفي الحالات النادرة التي ظهر فيها السرطان بعد الإجراء، كان أقل شراسة بيولوجياً. كما دعمت بيانات من مختبرات تشريح مرضي حول العالم هذه النتائج، مؤكدة وجود تأثير وقائي مماثل.

ومنذ اعتماد هذا النهج، أصبح يُطبق على نطاق واسع في مقاطعة كولومبيا البريطانية، حيث تُجرى إزالة قناتي فالوب في نحو 80 في المائة من عمليات استئصال الرحم وربط القنوات. وعلى الصعيد العالمي، توصي منظمات طبية في 24 دولة بهذا الإجراء كاستراتيجية للوقاية من سرطان المبيض، من بينها الجمعية الكندية لأطباء النساء والتوليد التي أصدرت إرشادات رسمية عام 2015.

وقال الدكتور ديفيد هانتسمان، أستاذ علم الأمراض وأمراض النساء والتوليد بجامعة كولومبيا البريطانية والباحث المشارك بالدراسة: «هذه النتائج هي خلاصة أكثر من عقد من العمل بدأ هنا في كولومبيا البريطانية، وتأثير هذا الإجراء كان أكبر مما توقعنا».

وأضاف أن توسيع نطاق تطبيق الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب عالمياً قد يمنع آلاف حالات سرطان المبيض سنوياً، مشيراً إلى أن إدراج هذا الإجراء ضمن جراحات البطن والحوض الأخرى، كان مناسباً، وقد يزيد من عدد النساء المستفيدات بشكل كبير.