قمة بايدن ـ شي... ترسيم «الخطوط الحمر» ودعوة للاحترام المتبادل

لا خطة وشيكة لدى الصين لاجتياح تايوان... ومعارضة لاستخدام السلاح النووي في أوكرانيا

بايدن وشي خلال اجتماعهما على هامش قمة «مجموعة العشرين» في بالي أمس (أ.ف.ب)
بايدن وشي خلال اجتماعهما على هامش قمة «مجموعة العشرين» في بالي أمس (أ.ف.ب)
TT

قمة بايدن ـ شي... ترسيم «الخطوط الحمر» ودعوة للاحترام المتبادل

بايدن وشي خلال اجتماعهما على هامش قمة «مجموعة العشرين» في بالي أمس (أ.ف.ب)
بايدن وشي خلال اجتماعهما على هامش قمة «مجموعة العشرين» في بالي أمس (أ.ف.ب)

كادت المصافحة الحارة والابتسامات العريضة التي جمعت جو بايدن وشي جينبينغ أمام عدسات العالم تخفي حدة التنافس الاقتصادي والعسكري بين أكبر اقتصادين في العالم، والذي يهدد بإطلاق شرارة نزاع مسلح في شرق آسيا.
وبعد ثلاث ساعات ونصف الساعة من المحادثات الثنائية، خرج الرئيسان الأميركي والصيني بدعوة ضمنية لتعزيز التعاون المشترك عشية «قمة العشرين». وقال بايدن، إنه «لا حاجة إلى حرب باردة»، في حين أكد شي أن العالم «كبير بما يكفي» لازدهار كل من الولايات المتحدة والصين، وأن مصالح مشتركة «كثيرة» تجمع البلدين. ورغم التوقعات المنخفضة التي سبقت القمة، فإن الزعيمين اللذين عقدا أمس أول مباحثات مباشرة منذ انتخاب بايدن رئيساً وشي زعيماً للحزب الشيوعي الحاكم لولاية ثالثة، أحرزا بعض التقدم في القضايا الخلافية، لا سيما عبر التذكير بخطوطهما الحمراء.
واتّسمت تصريحاتهما بلهجة تصالحية حذرة تنمّ عن رغبة في مواصلة الحوار؛ فقال بايدن، إنه «لا حاجة إلى حرب باردة»، وإن بكين وواشنطن «تتشاركان المسؤولية» للإظهار للعالم أنهما قادرتان على «إدارة خلافاتنا، ومنع المنافسة من التحوّل إلى نزاع». أما شي، فأكّد أنه لا نية لبلاده «تحدي» الولايات المتحدة، أو «تغيير النظام الدولي القائم»، داعياً الجانبين إلى «أن يحترم كل منهما الآخر».
https://twitter.com/aawsat_News/status/1592457882703958016
وفي حين لم ينجح بايدن في إقناع شي بإدانة الغزو الروسي في أوكرانيا، اتفق الرئيسان على أنه لا ينبغي استخدام الأسلحة النووية إطلاقاً، بما في ذلك في أوكرانيا. وقال البيت الأبيض، إن «الرئيس بايدن والرئيس شي كررا اتفاقهما على أنه لا ينبغي خوض حرب نووية أبداً، وبأنه لا يمكن كسبها أبداً»، وشددا على «معارضتهما لاستخدام الأسلحة النووية أو التهديد باستخدامها في أوكرانيا».
من جانبه، اكتفى شي بالتعبير عن قلق بلاده الكبير بشأن الوضع في أوكرانيا. وشدد بيان للخارجية الصينية بعد القمة على أن «الصين تقف دائماً مع السلام وستستمر بالتشجيع على إجراء محادثات سلام». ونقل البيان عن الرئيس الصيني قوله «نحن نؤيد استئناف محادثات السلام بين روسيا وأوكرانيا ونتطلع إلى ذلك».
وعن تايوان، جدد شي تحذيره لبايدن من تجاوز «الخط الأحمر» مع بكين بشأن جزيرة تايوان. ونقلت وكالة أنباء الصين الجديدة (شينخوا) عن شي قوله لنظيره الأميركي، إن «مسألة تايوان هي في صميم المصالح الجوهرية للصين، والقاعدة للأساس السياسي للعلاقات الصينية - الأميركية، والخط الأحمر الأول الذي لا يجب تجاوزه في العلاقات الصينية - الأميركية». في المقابل، أكد بايدن في مؤتمر صحافي أعقب اللقاء موقف بلاده الرافض لأي تغيير أحادي الجانب لسياسة الصين الواحدة، لافتاً في الوقت ذاته إلى أنه تطرق لأفعال الصين «القسرية والعدوانية» بشأن تايوان، ومستبعداً نية بكين «الوشيكة» لاجتياح الجزيرة.
وتعدّ تايوان من أكثر القضايا حساسية بين البلدين؛ إذ إن الصين تعدّ هذه الجزيرة ذات الحكم الذاتي جزءاً من أراضيها. وعزّزت الولايات المتحدة دعمها لتايوان، بينما كثّفت الصين تهديداتها بالسيطرة على الجزيرة. وبعد زيارة رئيسة مجلس النواب نانسي بيلوسي لتايبيه في أغسطس (آب)، ردّت الصين بإجراء مناورات عسكرية غير مسبوقة.
أما عن كوريا الشمالية، فشدد بايدن على ضرورة أن يحثّ العالم بيونغ يانغ على التصرّف بـ«مسؤولية». وأثارت سلسلة من التجارب الصاروخية الكورية الشمالية استياء واشنطن وطوكيو وسيول، وأثارت مخاوف من أن تُجري بيونغ يانغ تجربتها النووية السابعة قريباً.
وفي دليل على التقدم المحرز، أعلن بايدن عن زيارة وزير خارجيته أنتوني لبلينكن إلى الصين، لمواصلة المحادثات الثنائية.
- خلافات متجذرة
ليست هذه المرة الأولى التي يجتمع فيها شي وبايدن. فقد التقى الرجلان مراراً في السنوات العشر الماضية، وأمضى بايدن 67 ساعة شخصياً مع شي عندما كان نائباً للرئيس، بما في ذلك خلال رحلة إلى الصين في العام 2011 كانت تهدف إلى فهمٍ أفضل للقائد الصيني المرتقب آنذاك، إضافة إلى اجتماع في العام 2017 في الأيام الأخيرة من إدارة باراك أوباما، كما ذكرت وكالة الصحافة الفرنسية. كما عقدا خمسة اتصالات عبر الهاتف وتقنية الفيديو بعد انتخاب بايدن في يناير (كانون الثاني) 2021.
وتوقّع بايدن قبل ساعات من اللقاء أن تكون المحادثات مع شي صريحة. وقال الرئيس الأميركي «أعرف شي جينبينغ، وهو يعرفني»، مضيفاً أنّهما دائماً ما كانا يُجريان «محادثات صريحة». وتابع «لدينا القليل جداً من سوء الفهم. علينا فقط تحديد ما هي الخطوط الحُمر».
من جهته، قال شي، إنه وبايدن «بصفتهما زعيمين لدولتين كبيرتين»، في حاجة إلى رسم المسار الصحيح للعلاقات الثنائية بين البلدين وإيجاد الاتجاه الصحيح لها والارتقاء بهذه العلاقات، كما ذكرت وكالة أنباء الصين الجديدة. وأضاف، أنه يتعين على البلدين اتخاذ التاريخ كمرآة والاستعانة به لتوجيه المستقبل. وفي وجه التغييرات الكبيرة التي تواجه البشرية، رأى شي أنه «يجب على رجل الدولة أن يفكر (...) إلى أين يقود بلاده. ويجب أن يفكر أيضاً في كيفية التعامل مع الدول الأخرى والعالم الأكبر”.
والعلاقات بين واشنطن وبكين متوترة على خلفية مروحة واسعة من الخلافات المتجذرة، تتراوح بين التجارة وحقوق الإنسان في إقليم شينجيانغ ووضعية تايوان.
- نشاط صيني مكثف
لن يكون بايدن الزعيم الوحيد الذي يلتقي مع شي هذا الأسبوع؛ إذ من المقرّر أن يجري محادثات مع رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيزي، الثلاثاء، ستمثّل أول لقاء رسمي بين قادة البلدين منذ العام 2017. وقال ألبانيزي لوسائل الإعلام لدى وصوله إلى بالي للمشاركة في قمة مجموعة العشرين «لا توجد شروط مسبقة لهذه المناقشة. أتطلّع إلى إجراء حوار بنّاء». كما اجتمع شي بالمستشار الألماني أولاف شولتس قبل أيام في بكين، في زيارة أثارت جدلاً واسعاً في برلين.
- صحة لافروف
وقبل ساعات من انطلاق أعمال قمة العشرين رسمياً، بدا التوتر بين روسيا والغرب جلياً. فقد انتقد وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف، الذي يرأس وفد بلاده إلى القمة نيابة عن الرئيس فلاديمير بوتين، الإعلام الغربي وقال، إنه يفتقد إلى المصداقية.
وجاء ذلك بعدما نقلت وكالة «أسوشييتد برس» عن مصادر في الحكومة الإندونيسية، أن لافروف نقل إلى مستشفى «سانغلا» في دنباسار، عاصمة بالي الإقليمية، وأنه يعالج من حالة في القلب.
ووصفت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، التقارير بـ«الأخبار الكاذبة». وقالت في منشور على «تلغرام»: «أنا والسيد لافروف نقرأ الأخبار في إندونيسيا، ولا نصدق أعيننا. يبدو أنه في المستشفى. هذا أعلى مستوى من الأخبار الزائفة».
ولدى سؤاله عن التقرير، قال لافروف من ما بدا أنها شرفة غرفة فندقه، إن الصحافيين الغربيين يكتبون منذ عقد كامل أن الرئيس فلاديمير بوتين مريض. وتابع لافروف «هذه اللعبة ليست جديدة في السياسة». وتابع «يحتاج الصحافيون الغربيون إلى أن يكونوا أكثر صدقاً - يحتاجون إلى كتابة الحقيقة».
من جهته، قال حاكم بالي لوكالة «رويترز»، إن لافروف زار مستشفى سانغلا للقيام بـ«فحص»، لكنه كان في صحة جيدة. وأضاف «كان في صحة جيدة وبعد الفحص غادر على الفور».
وجعل الهجوم الروسي على أوكرانيا المستمرّ منذ قرابة عشرة أشهر، مشاركة بوتين في القمة صعبة ومحفوفة بمخاطر سياسية. ورغم أن الحرب لم توضع على جدول أعمال القمة، فإنها في مقدّمة اهتمامات قادة العالم، خصوصاً لناحية تأثيرها الكبير على أسواق الغذاء والطاقة. ودعت الخارجية الروسية في بيان مجموعة العشرين إلى التركيز على القضايا الاقتصادية التي تأسست من أجلها هذه الصيغة التي تجمع الاقتصادات الرئيسية في العالم، بدلاً من القضايا الأمنية التي تقع ضمن اختصاص الأمم المتحدة.


مقالات ذات صلة

بايدن يستضيف رئيس الفلبين لمواجهة تصاعد التوترات مع الصين

الولايات المتحدة​ بايدن يستضيف رئيس الفلبين لمواجهة تصاعد التوترات مع الصين

بايدن يستضيف رئيس الفلبين لمواجهة تصاعد التوترات مع الصين

في تحول كبير نحو تعزيز العلاقات الأميركية - الفلبينية، يستضيف الرئيس الأميركي جو بايدن، الرئيس الفلبيني فرديناند ماركوس جونيور، في البيت الأبيض مساء الاثنين، في بداية أسبوع من اللقاءات رفيعة المستوى، تمثل تحولاً في العلاقة بين البلدين التي ظلت في حالة من الجمود لفترة طويلة. زيارة ماركوس لواشنطن التي تمتد 4 أيام، هي الأولى لرئيس فلبيني منذ أكثر من 10 سنوات.

هبة القدسي (واشنطن)
العالم الحرب الباردة بين أميركا والصين... هل تتغيّر حرارتها؟

الحرب الباردة بين أميركا والصين... هل تتغيّر حرارتها؟

من التداعيات المباشرة والأساسية للحرب في أوكرانيا عودة أجواء الحرب الباردة وبروز العقلية «التناحرية» التي تسود حالياً العلاقة بين الولايات المتحدة والصين. ومع كل ما يجري في العالم، نلمح الكثير من الشرارات المحتملة التي قد تؤدي إلى صدام بين القوتين الكبريين اللتين تتسابقان على احتلال المركز الأول وقيادة سفينة الكوكب في العقود المقبلة... كان لافتاً جداً ما قالته قبل أيام وزيرة الخزانة الأميركية جانيت يلين وشكّل انعطافة كبيرة في مقاربة علاقات واشنطن مع بكين، من حيّز المصالح الاقتصادية الأميركية إلى حيّز الأمن القومي.

أنطوان الحاج
الاقتصاد الشركات الأميركية في الصين  تخشى مزيداً من تدهور علاقات البلدين

الشركات الأميركية في الصين تخشى مزيداً من تدهور علاقات البلدين

تخشى الشركات الأميركية في الصين بشكل متزايد من مزيد من التدهور في العلاقات بين البلدين، وفقاً لدراسة استقصائية أجرتها غرفة التجارة الأميركية في الصين. وأعرب 87 في المائة من المشاركين في الدراسة عن تشاؤمهم بشأن توقعات العلاقة بين أكبر الاقتصادات في العالم، مقارنة بنسبة 73 في المائة في استطلاع ثقة الأعمال الأخير. ويفكر ما يقرب من ربع هؤلاء الأشخاص، أو بدأوا بالفعل، في نقل سلاسل التوريد الخاصة بهم إلى دول أخرى.

«الشرق الأوسط» (بكين)
الاقتصاد دعوات أميركية للحد من اعتماد الدول الغنية على السلع الصينية

دعوات أميركية للحد من اعتماد الدول الغنية على السلع الصينية

من المتوقع أن يبحث قادة مجموعة الدول السبع الصناعية الكبرى في قمتهم المقررة باليابان الشهر المقبل، الاتفاق على تحديد رد على التنمر الاقتصادي من جانب الصين.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد الصين تنتقد «الإكراه الاقتصادي» الأميركي

الصين تنتقد «الإكراه الاقتصادي» الأميركي

انتقدت بكين الجمعة، عزم واشنطن فرض قيود جديدة على استثمارات الشركات الأميركية في نظيرتها الصينية، معتبرة أن خطوة كهذه هي أقرب ما يكون إلى «إكراه اقتصادي فاضح وتنمّر تكنولوجي». وتدرس إدارة الرئيس الأميركي جو بايدن، برنامجاً لتقييد استثمارات خارجية أميركية، بما يشمل بعض التقنيات الحسّاسة التي قد تكون لها آثار على الأمن القومي. وتعاني طموحات الصين التكنولوجية أساساً من قيود تفرضها الولايات المتحدة ودول حليفة لها، ما دفع السلطات الصينية إلى إيلاء أهمية للجهود الرامية للاستغناء عن الاستيراد في قطاعات محورية مثل أشباه الموصلات. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية وانغ ونبين، إن «الولايات المتحد

«الشرق الأوسط» (بكين)

حرب إيران تكشف نقطة ضعف لترمب: الضغط الاقتصادي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
TT

حرب إيران تكشف نقطة ضعف لترمب: الضغط الاقتصادي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)

لم تفلح 7 أسابيع من الحرب في إسقاط حكام إيران، أو إجبارهم على تلبية جميع مطالب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لكنها بالنسبة لخصوم الولايات المتحدة وحلفائها، كشفت واحدة من نقاط ضعفه الرئيسية؛ وهي الضغط الاقتصادي، وفق تحليل لوكالة «رويترز».

وحتى مع إعلان إيران أمس (الجمعة)، أنها ستعيد فتح مضيق هرمز أمام الملاحة، ​فقد كشفت أزمة الشرق الأوسط حدود استعداد ترمب لتحمل الألم الاقتصادي الداخلي.

وانضم ترمب إلى إسرائيل في مهاجمة إيران في 28 فبراير (شباط)، مستنداً إلى ما وصفه بتهديدات أمنية وشيكة، لا سيما بخصوص ما يتعلق ببرنامجها النووي. لكن الآن، ومع ارتفاع أسعار الوقود في الولايات المتحدة وتزايد التضخم وانخفاض شعبيته، يسابق ترمب الزمن لإبرام اتفاق دبلوماسي من شأنه أن يخفف من حدة التداعيات في الداخل.

ناقلة نفط ترفع علم مالطا تقترب من العراق بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)

ويقول محللون إن إيران تلقت ضربة عسكرية قاسية، لكنها أثبتت قدرتها على فرض تكاليف اقتصادية استخف بها ترمب ومساعدوه، مما أدى إلى أسوأ صدمة طاقة عالمية على الإطلاق.

* تكاليف الطاقة وخطر الركود

كثيراً ما تجاهل ترمب علناً المخاوف الاقتصادية المحلية الناجمة عن الحرب، خصوصاً أن الولايات المتحدة لا تعتمد على خُمس شحنات النفط العالمية التي حُجبت فعلياً بسبب سيطرة إيران على مضيق هرمز، غير أن ارتفاع أسعار الطاقة قد أثر سلباً على المستهلكين الأميركيين. ويزيد تحذير صندوق النقد الدولي من خطر حدوث ركود عالمي من حدة هذا الوضع القاتم.

وهكذا، تزايدت الضغوط لإيجاد مخرج من هذه الحرب التي لا تحظى بتأييد في الولايات المتحدة؛ إذ يدافع المنتمون إلى حزب ترمب الجمهوري، عن أغلبيتهم ‌الضئيلة بالكونغرس في ‌انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني).

ولا يخفى أي شيء من هذا عن قادة إيران الذين استغلوا السيطرة على مضيق ​هرمز ‌لدفع ⁠فريق ترمب ​إلى ⁠الجلوس على طاولة المفاوضات.

ويقول المحللون إن الصين وروسيا قد يستخلصان درساً مماثلاً؛ إذ إنه بينما أظهر ترمب رغبة في استخدام القوة العسكرية في ولايته الثانية، فإنه يبحث عن مخرج دبلوماسي بمجرد أن يصبح الوضع الاقتصادي مؤرقاً في الداخل.

وقال بريت بروين، وهو مستشار سابق للسياسة الخارجية في إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، ويترأس حالياً شركة «غلوبال سيتويشن روم» الاستشارية: «يشعر ترمب بالضائقة الاقتصادية، وهي نقطة ضعف في هذه الحرب».

وذكر المتحدث باسم البيت الأبيض كوش ديساي، أنه فيما تعمل الإدارة على التوصل إلى اتفاق مع إيران لحل مشاكل سوق الطاقة «المؤقتة»، فإنها «لم تفقد تركيزها أبداً على تنفيذ أجندة الرئيس المتعلقة بالقدرة على تحمل التكاليف والنمو».

* التحوّل

جاء تحول ترمب المفاجئ في 8 أبريل (نيسان)؛ من الغارات الجوية إلى الدبلوماسية، بعد ضغوط من الأسواق المالية وبعض المؤيدين لسياساته.

ويقع جزء من المعاناة الاقتصادية على عاتق المزارعين الأميركيين، وهم قاعدة انتخابية رئيسية لترمب، بسبب تعطل شحنات الأسمدة. وينعكس ذلك أيضاً في ارتفاع أسعار تذاكر الطيران نتيجة لزيادة أسعار وقود الطائرات.

ومع اقتراب انتهاء ⁠أسبوعَي وقف إطلاق النار، يبقى أن نرى ما إذا كان الرئيس الأميركي الذي يتبنى نهجاً لا يمكن توقعه، سيتوصل ‌إلى اتفاق يلبي أهدافه من الحرب، أو يمدد الهدنة إلى ما بعد 21 أبريل أو يجدد حملة القصف.

لكن أسعار ‌النفط العالمية انخفضت بشكل حاد في حين ازدهرت الأسواق المالية، التي غالباً ما يعدّها ترمب مقياساً لنجاحه، أمس (الجمعة)، ​بعد أن قالت إيران إن المضيق سيظل مفتوحاً للفترة المتبقية من هدنة منفصلة مدتها ‌10 أيام بين إسرائيل ولبنان بوساطة أميركية.

مزارعان يجهّزان أسمدة لاستخدامها في حقل قمح بمقاطعة هينان الصينية (رويترز)

وسارع ترمب إلى إعلان أن مضيق هرمز آمن، مشيداً باتفاق قيد الإعداد مع إيران قال إنه سيُبرم قريباً وبمعظم شروطه. لكن ‌مصادر إيرانية صرّحت لـ«رويترز»، بأن بعض الثغرات لا يزال بحاجة إلى حل.

وحذر خبراء من أنه حتى لو انتهت الحرب قريباً، فإن إزالة الأضرار الاقتصادية قد تستغرق أشهراً إن لم تكن سنوات.

ويبقى السؤال الرئيسي حول ما إذا كان أي اتفاق سيحقق الأهداف التي حددها ترمب، بما في ذلك إغلاق الطريق أمام إيران نحو امتلاك سلاح نووي، وهو ما تنفي طهران منذ فترة طويلة سعيها إليه.

وتمتلك إيران مخزوناً من اليورانيوم عالي التخصيب يُعتقد أنه دُفن بعد غارات أميركية إسرائيلية في يونيو (حزيران). وصرح ترمب لـ«رويترز» أمس (الجمعة)، بأن الاتفاق الذي يجري إعداده يدعو الولايات المتحدة إلى التعاون مع إيران لاستعادة هذه ‌المواد ونقلها إلى الولايات المتحدة. ونفت إيران الموافقة على نقل اليورانيوم إلى أي مكان في الخارج.

وقال مسؤول كبير في إدارة ترمب إن الولايات المتحدة تحافظ على «عدة خطوط حمراء» في المفاوضات مع إيران.

وفي الوقت نفسه، لم يلقَ النداء الذي وجهه ⁠ترمب في بداية الحرب للإيرانيين للإطاحة بحكومتهم، أي ⁠استجابة.

وفي البداية، صُدم حلفاء للولايات المتحدة من أوروبا إلى آسيا بقرار ترمب خوض الحرب دون استشارتهم، أو مراعاة الأخطار التي قد يتعرضون لها بسبب إغلاق إيران للمضيق.

وقال غريغوري بولينغ، خبير الشؤون الآسيوية في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن: «جرس الإنذار الذي يدق للحلفاء الآن هو كيف أبرزت الحرب أن الإدارة (الأميركية) يمكن أن تتصرف بشكل غير منتظم، دون مراعاة كبيرة للعواقب».

وبعد غزو روسيا لأوكرانيا عام 2022، كان الرئيس الأميركي السابق المنتمي للحزب الديمقراطي جو بايدن، حذراً في فرض عقوبات على قطاع الطاقة في موسكو خشية تقليل إمدادات النفط وتضخيم أسعار الغاز في الولايات المتحدة.

لكن ترمب، الذي تعهد عند الترشح لولاية ثانية بتوفير بنزين بتكلفة منخفضة وتقليل التضخم، أبدى أنه يتأثر بالاتهامات الموجهة إليه بأن سياساته ترفع الأسعار. ومن الأمثلة على ذلك خفض الرسوم الجمركية على الصين العام الماضي، بعد أن ردت على الرسوم المرتفعة بالمثل.

* أخطاء في التقدير

مثلما أخطأ ترمب في تقدير رد بكين في الحرب التجارية، يبدو أنه أخطأ في تقدير رد إيران اقتصادياً من خلال مهاجمة البنية التحتية للطاقة في المنطقة، وإغلاق الممر المائي الاستراتيجي في المنطقة.

رجل يملأ سيارته وقوداً في لوس أنجليس (أ.ب)

وقال مسؤولون أميركيون في مناقشات مغلقة، إن ترمب اعتقد خطأ أن الحرب ستكون عملية محدودة؛ مثل الغارة الخاطفة التي شنها على فنزويلا في 3 يناير (كانون الثاني)، والضربات التي استهدفت المواقع النووية الإيرانية في يونيو. لكن هذه المرة، جاءت التداعيات أوسع نطاقاً.

وقد تكون الرسالة الموجهة إلى الحلفاء الآسيويين؛ مثل اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان، أنه من الممكن توقع أن يسعى ترمب، الذي يتطلع إلى علاقات أكثر وديةً مع الصين، ​إلى تحقيق أهدافه الإقليمية مع إيلاء اهتمام أقل بأمنهم الجيوسياسي والاقتصادي.

ويعتقد المحللون أن ​تلك الحكومات ستتكيف مع أي شيء يطرأ؛ مثل محاولة الصين الاستيلاء على تايوان، بدافع القلق إزاء مصداقية ترمب.

والأمر نفسه ينطبق على الشرق الأوسط؛ حيث يريد الجميع حلاً دبلوماسياً إنما مع ضمانات أمنية تحفظ استقرار المنطقة بشكل مستدام.


سفير أميركا في أنقرة: لا نمانع عودة تركيا إلى برنامج مقاتلات «إف - 35»

السفير الأميركي لدى تركيا توم براك متحدثاً في إحدى جلسات «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الجمعة (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى تركيا توم براك متحدثاً في إحدى جلسات «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الجمعة (أ.ف.ب)
TT

سفير أميركا في أنقرة: لا نمانع عودة تركيا إلى برنامج مقاتلات «إف - 35»

السفير الأميركي لدى تركيا توم براك متحدثاً في إحدى جلسات «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الجمعة (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى تركيا توم براك متحدثاً في إحدى جلسات «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الجمعة (أ.ف.ب)

قال السفير الأميركي لدى تركيا توم براك إن واشنطن لا تمانع عودة تركيا إلى برنامج إنتاج وتطوير مقاتلات «إف - 35»، متوقعاً أن يتم معالجة مسألة العقوبات الأميركية المفروضة عليها بسبب شرائها منظومة الدفاع الصاروخي الروسية «إس - 400» قريباً.

وفي تكرار لتصريحات أطلقها في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، قال براك، خلال جلسة في «منتدى أنطاليا الدبلوماسي» الذي انطلقت دورته الخامسة، الجمعة، في مدينة أنطاليا جنوب تركيا،: «أعتقد أن مشكلة منظومة (إس – 400) ستحل قريباً، ومن وجهة نظر رئيسي (دونالد ترمب)، لا مانع من قبول تركيا في برنامج طائرات (إف - 35)».

وأخرجت الولايات المتحدة تركيا من برنامج مقاتلات «إف - 35»، التي تنتجها شركة «لوكهيد مارتن»، عقب حصولها على منظومة «إس - 400» في صيف عام 2019، لتعارضها مع منظومة حلف شمال الأطلسي (ناتو)، وفرض عليها ترمب عقوبات بموجب قانون «كاتسا» في أواخر عام 2020، فيما اعتبرته تركيا قراراً غير عادل، لا سيما أنها دفعت نحو 1.4 مليار دولار لشراء مقاتلات «إف - 35».

منظومة «إس - 400» الروسية (موقع الصناعات الدفاعية التركية)

وعلى الرغم من اتجاه تركيا للبحث عن بدائل مثل طائرات «يوروفايتر تايفون» الأوروبية أو إنتاج بدائل محلية، فإنها تواصل السعي لرفع العقوبات الأميركية والحصول على مقاتلات «إف - 35».

وفي ديسمبر الماضي، قال براك، إن أنقرة باتت أقرب إلى التخلي عن المنظومة الروسية، متوقعاً إمكانية حل هذا الملف خلال فترة تتراوح بين 4 و6 أشهر، لافتاً إلى أن القانون الأميركي لا يسمح لتركيا بتشغيل أو حيازة المنظومة الروسية إذا أرادت العودة لبرنامج إنتاج وتطوير المقاتلة الأميركية.

واقترحت تركيا، في مارس (آذار) الماضي، تشغيل منظومة «إس - 400» بشكل مستقل عن أنظمة حلف شمال الأطلسي (ناتو) لحل الخلاف مع الولايات المتحدة، وإنهاء أزمة استبعادها من مشروع إنتاج وتطوير مقاتلات «إف - 35» والحصول عليها.

وزير الدفاع التركي يشار غولر (الدفاع التركية)

ولم تفعّل تركيا المنظومة الروسية منذ حصولها عليها، بموجب الصفقة التي وقعت مع روسيا في عام 2017، أو نقلها إلى مكان آخر أو بيعها لدولة أخرى.

وقال وزير الدفاع التركي، يشار غولر، «إن الحل الذي اقترحته تركيا بات واضحاً، تم إبلاغ نظرائنا الأميركيين بفكرة تشغيل منظومة (إس – 400) كنظام مستقل، دون دمجها في أنظمة الناتو، وإن هذا هو الحل الأمثل».

وعن مسار العلاقات التركية - الأميركية، قال براك إن العلاقات بين أنقرة وواشنطن شهدت تقدماً ملحوظاً خلال الـ16 شهراً الماضية يفوق ما تحقق خلال الـ15 عاماً الماضية.

ولفت إلى إحراز تقدم في مجالات السياسة الخارجية والاستخبارات والشؤون العسكرية والتجارية، لا سيما في ظل العلاقات الجيدة بين الرئيسين، رجب طيب إردوغان ودونالد ترمب.

براك متحدثاً عن العلاقات التركية - الأميركية خلال منتدى أنطاليا الدبلوماسي الجمعة (إعلام تركي)

وأضاف براك: «يجري إعادة تشكيل التحالف بين البلدين، ما حدث في سوريا (منذ سقوط نظام بشار الأسد في 8 ديسمبر 2024) كان في صالح تركيا إلى حد كبير، تستحق تركيا والسعودية ثناءً كبيراً لدعمهما هذا «الهيكل الناشئ» في سوريا.

وتابع أنه «حتى مع وجود بعض العيوب؛ في الواقع، كانت تركيا العامل الحاسم في هذه العملية، العلاقات بين البلدين أفضل من أي وقت مضى، أعتقد أنه سيتم التوصل إلى حل لمسألة منظومة (إس – 400) قريباً، ومن وجهة نظري، فإن إعادة قبول تركيا في برنامج (إف - 35) أمر ممكن أيضاً».


الشرطة البريطانية تحقق في حادث أمني قرب سفارة إسرائيل بلندن

يعمل ضباط الشرطة في حدائق قصر كنسينغتون المغلقة غرب لندن في 17 أبريل 2026 بالقرب من السفارة الإسرائيلية (أ.ف.ب)
يعمل ضباط الشرطة في حدائق قصر كنسينغتون المغلقة غرب لندن في 17 أبريل 2026 بالقرب من السفارة الإسرائيلية (أ.ف.ب)
TT

الشرطة البريطانية تحقق في حادث أمني قرب سفارة إسرائيل بلندن

يعمل ضباط الشرطة في حدائق قصر كنسينغتون المغلقة غرب لندن في 17 أبريل 2026 بالقرب من السفارة الإسرائيلية (أ.ف.ب)
يعمل ضباط الشرطة في حدائق قصر كنسينغتون المغلقة غرب لندن في 17 أبريل 2026 بالقرب من السفارة الإسرائيلية (أ.ف.ب)

فتحت الشرطة البريطانية تحقيقاً عاجلاً في واقعة أمنية قرب السفارة الإسرائيلية في العاصمة لندن، بعد العثور على «أغراض ملقاة» داخل حدائق كنسينغتون، في وقت تزامن فيه ذلك مع تداول مقطع فيديو على الإنترنت يزعم استهداف السفارة بطائرات مسيّرة تحمل مواد خطرة. وفقاً لصحيفة «التليغراف».

وأعلنت شرطة العاصمة، الجمعة، أن عناصرها، بمن فيهم أفراد من وحدة مكافحة الإرهاب، انتشروا في الموقع وهم يرتدون ملابس وقاية من المخاطر البيولوجية، حيث باشروا فحص المواد التي عُثر عليها خلال ساعات الليل. وشُوهد عدد من الضباط ببدلات المواد الخطرة وأقنعة الغاز في الحديقة الواقعة بوسط لندن، في مشهد أثار قلقاً واسعاً بين السكان.

سيارة الشرطة بالقرب من السفارة الإسرائيلية (أ.ف.ب)

وفرضت الشرطة طوقاً أمنياً مشدداً، وأغلقت حدائق كنسينغتون والمناطق المحيطة بها، مؤكدةً أنه «لا يُسمح بدخول الجمهور إلى حين انتهاء الإجراءات»، في خطوة احترازية تهدف إلى ضمان السلامة العامة.

وفي بيان رسمي، قالت الشرطة: «يمكننا تأكيد أن السفارة لم تتعرض لهجوم، إلا أننا نجري تحقيقات عاجلة للتحقق من صحة مقطع الفيديو المتداول، وتحديد أي صلة محتملة بينه وبين الأغراض التي عُثر عليها». وأضافت أن وحدة مكافحة الإرهاب تتعامل مع الحادث «بأقصى درجات الجدية»، نظراً لطبيعته وحساسيته.

تظهر في الصورة سيارات الشرطة في حدائق قصر كنسينغتون المغلقة اليوم بالقرب من السفارة الإسرائيلية (أ.ف.ب)

وجاءت هذه التطورات بعد نشر جماعة تُدعى «أصحاب اليمين»، يُعتقد ارتباطها بإيران، مقطع فيديو عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ادعت فيه تنفيذ هجوم بطائرتين مسيّرتين تحملان «مواد مشعة ومسرطنة». غير أن هذه المزاعم لم يتم التحقق منها حتى الآن.

وفي لهجة تجمع بين الحذر والطمأنة، أكدت الشرطة: «ندرك أن هذه التطورات قد تثير قلقاً لدى السكان والجمهور، لكننا لا نعتقد في هذه المرحلة بوجود خطر متزايد على السلامة العامة». ودعت المواطنين إلى تجنب المنطقة مؤقتاً، «تعاوناً مع الجهود الجارية وتسهيلاً لعمل الفرق المختصة».

وتأتي هذه الواقعة في سياق توترات أمنية متفرقة شهدتها العاصمة البريطانية خلال الأسابيع الماضية، حيث أعلنت الجماعة نفسها مسؤوليتها عن حوادث استهدفت مواقع مرتبطة بالجالية اليهودية في شمال لندن، إلى جانب وقائع أخرى في مدن أوروبية. ورغم ذلك، لم تُصنّف تلك الحوادث رسمياً كأعمال إرهابية حتى الآن، فيما لا تزال التحقيقات مستمرة.

(أ.ف.ب)

كما حذّرت شرطة «سكوتلاند يارد» من محاولات استدراج أفراد أو إغرائهم مالياً للعمل لصالح جهات أجنبية، مشددةً على ضرورة الإبلاغ عن أي أنشطة مشبوهة، «تفادياً لأي تداعيات قد تمس الأمن العام».

ولم تصدر السفارة الإسرائيلية في لندن تعليقاً فورياً على الحادث، في وقت أكدت فيه الشرطة أنها ستقدم تحديثات إضافية «حال توافر معلومات جديدة»، في انتظار ما ستسفر عنه التحقيقات الجارية.