في البحث عن إنخيدوانا أول مؤلفة معروفة في التاريخ

معرض في مكتبة مورغان بنيويورك عن نساء بلاد ما بين النهرين

منحوتتان من بلاد ما بين النهرين من حوالي 2112 - 2004 قبل الميلاد
منحوتتان من بلاد ما بين النهرين من حوالي 2112 - 2004 قبل الميلاد
TT

في البحث عن إنخيدوانا أول مؤلفة معروفة في التاريخ

منحوتتان من بلاد ما بين النهرين من حوالي 2112 - 2004 قبل الميلاد
منحوتتان من بلاد ما بين النهرين من حوالي 2112 - 2004 قبل الميلاد

كان صباحاً عشوائياً في شهر نوفمبر (تشرين الثاني)، وكانت ذكرى إنخيدوانا تلقى المزيد من الزخم.
فجأة، تحولت الكاهنة القديمة من بلاد ما بين النهرين، التي توفيت قبل أكثر من 4000 سنة، موضوعاً ساخناً على الإنترنت فيما انتشرت الأنباء بأن أول مؤلف في التاريخ البشرية كان... امرأة؟
ربما كانت هذه أنباء قديمة لدى مكتبة ومتحف مورغان، حيث كان سيدني بابكوك، القيم القديم لآثار الشرق الأدنى العتيقة، على وشك تقديم جولة في معرضها الجديد «هي التي كتبت: إنخيدوانا ونساء بلاد ما بين النهرين، نحو 3400 - 2000 قبل الميلاد». لقد شعر بابكوك بسعادة غامرة من الاهتمام، وإن لم يكن مفاجئاً تماماً من قبل عامة الناس.
اسألوا الناس عن المؤلف الأول، ربما يقولون هومر، أو هيرودوت. قال: «ليس لدى الناس أدنى فكرة. إنهم ببساطة لا يعتقدون أنه يمكن أن يكون امرأة» - وأنها كانت تكتب لأكثر من ألف سنة قبل أي منهما، بأسلوب شخصي لافت للنظر.

قرص حجري يحمل اسم إنخيدوانا مكتوب برمز نجمي

تحتفي أعمال إنخيدوانا بالآلهة وبقوة الإمبراطورية الأكادية، التي حكمت عراق اليوم من حوالي عام 2350 إلى عام 2150 قبل الميلاد. هي تصف أيضاً أموراً دنيئة بالغة القسوة، بما في ذلك الإساءة التي لاقتها على يد كاهن فاسد، في أول إشارة إلى التحرش الجنسي في الأدب العالمي، كما يقول المعرض.
قال بابكوك، «إنها المرة الأولى التي يتقدم فيها شخص ما ويستعمل الصيغة المفردة للشخص الأول، ويكتب سيرة ذاتية. وهي تجربة عميقة بحق».
عُرفت إنخيدوانا منذ عام 1927، عندما اكتشف علماء الآثار العاملون في مدينة أور القديمة قرصاً حجرياً يحمل اسمها (مكتوباً برمز نجمي) وصورة، وعرفوها بأنها ابنة سرجون ملك أكاد، وزوجة إله القمر «نانا (سين)»، وكاهنة.
في العقود التالية، جُمعت أعمالها - نحو 42 ترنيمة كهنوتية وثلاث قصائد مستقلة، بما في ذلك «تعظيم الإنانا» - من أكثر من 100 نسخة باقية صُنعت على ألواح طينية.
في الوقت نفسه، أُعيد اكتشاف إنخيدوانا مراراً وتكراراً، ثم نسيانها، ثم اكتشافها مرة أخرى من قبل الثقافة الأوسع. في الخريف الماضي، أضيفت مخطوطة ««تعظيم الإنانا» إلى المنهج الأساسي بالسنة الأولى لجامعة كولومبيا. والآن هناك معرض مورغان، الذي يحتفل بتفردها، بينما يرسخها ضمن تاريخ عميق من النساء، ومحو الأمية، والسلطة التي تمتد تقريباً إلى أصول بلاد ما بين النهرين القديمة للكتابة نفسها.
يُعد المعرض، الذي يستمر حتى 19 فبراير (شباط)، مثل احتفالية العمل الأخير بالنسبة للسيد بابكوك، الذي يتقاعد العام المقبل، بعد حوالي ثلاثة عقود من العمل المتصل في «مؤسسة مورغان». بدأت الفكرة تتخلل تفكيره منذ حوالي 25 عاماً، كما قال، عندما رأى اسم إنخيدوانا على أسطوانة من اللازورد الأزرق الخاص بإحدى كتاباتها - وهي واحدة من خمس قطع أثرية وثقت اسمها بصورة مستقلة عن نسخ من قصائدها الشعرية.
وهو يرى أن معرض «هي التي كتبت» - الذي يجمع المقتنيات من 9 مؤسسات حول العالم - هو جزء من تاريخ «مورغان» الطويل للمعارض التي تدور حول كاتبات مثل ماري شيلي، وشارلوت برونتي، وإيميلي ديكنسون.

ملابس جنائزية من قبر بوابي، الملكة السومرية القديمة مع غطاء رأس مصقول من الذهب

في بلاد ما بين النهرين القديمة، كانت أختام الأسطوانات - المنحوتة غالباً بمشاهد مفصلة بشكل رائع - تُستعمل في لف الخاتم الفريد للمالك على وثيقة أنتجها الكتبة، مما يُثبت أصالتها.
قال بابكوك، «للمرة الأولى، لدينا صورة تُمثل شخصية مرتبطة بما تتحمل المسؤولية عنه».
عند دخول المعرض، يتوقف بابكوك (الذي نظم العرض مع إرهان تامور، زميل مجلس الأمناء في متحف متروبوليتان) أمام تمثال صغير من المرمر لامرأة جالسة يرجع إلى عام 2000 قبل الميلاد. كانت ترتدي الثوب المزخرف نفسه الذي يظهر في صورة إنخيدوانا على القرص المكتشف عام 1927، وله السمات المائية نفسها. ويوجد قرص مسماري على حجرها، كما لو كانت تتأهب للكتابة.

قصيدة «تعظيم الإنانا» المنسوبة إلى إنخيدوانا محفورة على لوح طيني

هل هي إنخيدوانا؟
قال بابكوك، «لن يسمح لي زملائي بالمضي قدماً لهذا الحد». لكن التمثال «يمثل بلا شك فكرة ما كانت تعنيه المرأة ومحو الأمية عبر الأجيال المتعاقبة».
يزعم المعرض أن العديد من المنحوتات المعروضة تصور أفراداً حقيقيين. قال بابكوك، «كانت هذه بداية التصوير». وعلى مدار جولة استمرت قرابة الساعتين، شرع وبشكل متكرر في قطع روايته ليتعجب من جمال هذا الشكل أو ذاك، وكأنه يرى صديقاً موهوباً في جميع أنحاء الغرفة.
يوجد في وسط المعرض عنصر من شأنه إشعال جنون المصورين في أي «ميت غالا» (حفل معهد الموضة الشهير بمتحف الميتروبوليتان): مجموعة ملابس جنائزية رائعة من قبر بوابي، الملكة السومرية القديمة التي عاشت حوالي عام 2500 قبل الميلاد، مع غطاء رأس مصقول ومُتقن من الذهب، وشرائط متتابعة من الأحجار شبه الكريمة.
لكن اللافت للنظر أيضاً، بالنسبة إلى بابكوك، هو دبوس الثوب الذهبي المعروض في مكان قريب، الذي كان سيضم التمائم والأختام الأسطوانية، مثل تلك المنحوتة من اللازورد الموجودة على جسد الملكة بوابي.

قطعة من المعروضات

عاشت إنخيدوانا بعد بوابي بثلاثة قرون، بعد صعود الأكاديين الذين وحدوا الناطقين باللغتين السومرية والأكادية. وبالمقارنة مع مجموعة الملكة بوابي، قد تبدو بقايا حياة إنخيدوانا باهتة.
غير أن مجد إنخيدوانا يكمن في كلماتها، التي يعالج بعضها المخاوف المعاصرة على نحو مذهل.
تساءل بعض العلماء عما إذا كانت إنخيدوانا كتبت القصائد المنسوبة إليها فعلاً. حتى وإن كانت شخصية حقيقية، فإنهم يزعمون أن الأعمال المكتوبة باللغة السومرية - والمعروفة فقط من نسخ صنعت بعد مئات السنين من حياتها - ربما كُتبت لاحقاً ثم نُسبت إليها، كوسيلة لتعزيز إرث الملك سرجون.
لكن سواء كانت إنخيدوانا مؤلفة فعلية أو رمزاً لأحد الكتبة المهرة، فإنها لم تكن وحيدة. إذ تضم المختارات الحديثة «كتابات المرأة لبلاد ما بين النهرين القديمة» ما يقرب من 100 ترنيمة، وقصيدة، ورسالة، ونقوش، ونصوص أخرى لمؤلفات من الإناث.
* «خدمة نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

سابقة سينمائية... فيلم إيراني مصنوع بالذكاء الاصطناعي يخترق «مهرجان تريبيكا العالمي»

مشهد من فيلم «أحلام البنفسج» المصنوع بالكامل بالذكاء الاصطناعي (شركة الإنتاج Fountain0)
مشهد من فيلم «أحلام البنفسج» المصنوع بالكامل بالذكاء الاصطناعي (شركة الإنتاج Fountain0)
TT

سابقة سينمائية... فيلم إيراني مصنوع بالذكاء الاصطناعي يخترق «مهرجان تريبيكا العالمي»

مشهد من فيلم «أحلام البنفسج» المصنوع بالكامل بالذكاء الاصطناعي (شركة الإنتاج Fountain0)
مشهد من فيلم «أحلام البنفسج» المصنوع بالكامل بالذكاء الاصطناعي (شركة الإنتاج Fountain0)

سابقة سينمائية هي الأولى من نوعها شَهِدَها قبل أيام «مهرجان تريبيكا للأفلام» في نيويورك. قرر المحفل السينمائي العريق أن يضيء شاشاته لفيلم صُنِع بالكامل بواسطة الذكاء الاصطناعي. وبذلك، أصبح «أحلام البنفسج» (Dreams of Violets) أول فيلم مولّد بالـ«AI» يشارك في مهرجان سينمائي عالمي.

ويروي الفيلم الإيراني المستوحى من المظاهرات الدامية التي شهدتها طهران في يناير (كانون الثاني) 2026، وأسفرت عن مقتل الآلاف بسبب قمع الشرطة للمتظاهرين، حكاية 5 أشخاص يلتجئون إلى زقاقٍ ضيّق، هرباً من رجال الأمن. ومع حلول الفجر، تعثر القوات الحكومية الإيرانية عليهم، وتستعد لتنفيذ حُكم الإعدام فيهم. يدور ذلك أمام عينَي «أمير»، الطفل القابع على كرسيّه المتحرّك قرب نافذته المطلّة على الزقاق. ورغم إصابته بالشلل الدماغي، فإنه يقرر التدخّل.

بميزانية لم تتجاوز ألفَي دولار، وخلال مدة لم تتعدّ الشهرَين، أنجزَ رائد الأعمال الإيراني عشقان كوشانجاد المعروف باسم آش كوشا فيلمه. هو الآتي من قطاع التكنولوجيا. صنع تجربته السينمائية الأولى بمساعدة أخيه بويا. وعلى بُعد أميال وأميال من طهران، من داخل شقته في العاصمة البريطانية، لندن، التي اختارها منفى له عام 2009. لقّنَ آش أدوات الذكاء الاصطناعي نصاً من تأليفه، وبعض الصور والفيديوهات المأخوذة من مظاهرات إيران، لتتولّى التقنيات الحديثة الباقي وتولّد الفيلم.

لا ممثلين هنا ولا فريق عمل. كل ما يراه المُشاهد خلال الدقائق الـ75 من «أحلام البنفسج» مصنوع حصراً بتقنيات الذكاء الاصطناعي، بدءاً بالشخصيات ووجوهها وأصواتها، مروراً بالمَشاهد والصور، وصولاً إلى الديكورات والمواقع، وليس انتهاءً بالإضاءة والمؤثرات الخاصة.

الفيلم مستوحى من المظاهرات الدامية التي شهدتها إيران مطلع 2026 (شركة الإنتاج)

في خضمّ سجالٍ هوليوودي محتدم حول إمكانية توظيف الذكاء الاصطناعي في إنتاج الأفلام، وبين معترضٍ بشراسة وموافِقٍ بتَرَدُّد، جاء قرار إدارة «مهرجان تريبيكا» الأميركي صادماً باستقبال «أحلام البنفسج».

أحدثَ مؤسِّسا المهرجان، المنتجة جين روزنتال والممثل روبرت دي نيرو، ضجّة بتبنّيهما الفيلم. وقد أوضحت روزنتال في تصريحٍ لها خلفيات تلك الخطوة قائلة: «لطالما دافع (مهرجان تريبيكا) عن الفنانين الذين يتجاوزون حدود سرد القصص ويستكشفون آفاقاً إبداعية جديدة»، واصفة الفيلم بأنه «مثال قوي على كيفية استخدام التقنيات الناشئة، مثل الذكاء الاصطناعي، ليس فقط كأدوات للابتكار، بل كوسائل لسرد قصص إنسانية عميقة».

مؤسِسا «مهرجان تريبيكا السينمائي» المنتجة جين روزنتال والممثل روبرت دي نيرو (إنستغرام)

من وجهة نظر آش كوشا، لولا الذكاء الاصطناعي لكانَ من المستحيل صناعة هذا العمل الذي يمزج بين الدراما والتوثيق؛ أوّلاً للأسباب الأمنية، فكل مَن حاول تصوير مظاهرات إيران مطلع 2026 وجدَ نفسه إمّا ضحية للاعتقال أو الضرب أو حتى الإعدام، وثانياً للاعتبارات اللوجستية والمسافات الجغرافية التي تفصل بين كوشا ووطنه الأمّ. لذلك، فقد استعاض بالقليل الذي وصل إليه عبر الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي والأصدقاء المًوجودين في إيران، وطوّره مستخدماً الذكاء الاصطناعي.

ولولا الذكاء الاصطناعي كذلك، لَما أمكن معاينة ما جرى، نظراً للتضييق وانقطاع الإنترنت. أدركَ كوشا أنّ المدى الحقيقي للمعاناة قد لا يُعرَف بالكامل أبداً، لذلك قرر وشقيقه أن يكونا شاهدَين على التاريخ، وأن يُطلقا الصرخة عالياً نيابة عن أهل بلدهما من خلال «أحلام البنفسج».

لولا الذكاء الاصطناعي لكان من المستحيل صناعة فيلم مثل «أحلام البنفسج» (شركة الإنتاج)

مَن حضَروا العرض العالمي الأول في «مهرجان تريبيكا»، شاهدوا شوارع طهران مشتعلة بالنيران، ورجال أمن مدجّجين بالسلاح، ووجوهاً غطّتها الأقنعة، وأخرى سحقَها الخوف والحزن. لوهلة ظنّوا أنّ ما يرونه حقيقيّ، لتأتي التقنيات وتذكّرهم بأنّ القصة، ورغم واقعيّتها، تُعاني ضعفاً تصويرياً وإخراجياً في بعض الأماكن؛ فصناعة الأفلام بواسطة الذكاء الاصطناعي ما زالت في بداية الطريق، وتحتاج إلى وقت حتى تبلغ مراحل متقدّمة من التطوّر والإقناع.

إلا أنه وفي حالة «أحلام البنفسج»، يبقى المضمون أهمّ من الشكل، والقضيّة أكثر قيمة من الصورة. وقد اختارته إدارة المهرجان، ليس لأنه مصنوع بالذكاء الاصطناعي فحسب، بل لأنه يطرح هذا الموضوع الإنساني الذي لم يجرؤ كثيرون على طرحه.

على قاعدة أن المضمون أهم من الشكل شقّ الفيلم طريقه إلى العالمية (شركة الإنتاج)

عن كيفيّة صناعة الفيلم، يقول آش كوشا لصحيفة «غارديان» البريطانية إنه ابتكر الشخصيات من خلال وصف مظهرها الخارجي لبرامج الذكاء الاصطناعي، مستعيناً بملامح في ذاكرته لأشخاصٍ عرفهم في الماضي. وكلّما تَقدّمَ في تطوير السيناريو، كان الـ«AI» يواكبه في توليد الوجوه واللقطات والمَشاهد المطابقة للنص. وأوضح أنّه تجنّبَ بناء الشخصيات على مواطنين حقيقيين في طهران، حفاظاً على أمنهم: «لأنه لن يكون من الآمن أن تشبه أي من شخصيات الفيلم أي مواطن إيراني، ولو بشكل طفيف».

وعلى الرغم من أن جميع الصور والشخصيات في الفيلم مُولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي، فإنه يستند إلى تقارير صحافية وصور فوتوغرافية وشهادات شهود عيان. أما البرامج المُستخدمة فهي «Kling AI» لتوليد الفيديو، و«Claude AI» للتحرير اللغوي، و«Gemini» و«Nano Banana» للأبحاث والتصوير، وفقاً لشركة الإنتاج «Fountain 0». أما أصوات الشخصيات، فسجّلها كوشا بنفسه ثم استخدم الذكاء الاصطناعي لتعديلها، فتحوّل صوتُه حيناً إلى صوت امرأة عشرينيّة، وحيناً آخر إلى صوت رجلٍ متقدّم في السن.

استعان صانع الفيلم ببرامج متعددة خاصة بالذكاء الاصطناعي لتوليد المشاهد والحوار والأصوات (شركة الإنتاج)

في تحية شاعريّة إلى الشعب الإيراني، تقول إحدى شخصيات الفيلم إنّ البنفسج هو الزهرة الوحيدة التي تنمو في العتمة، ومن هنا العنوان «أحلام البنفسج». المشروع الطالع من قلب الصناعة الرقميّة الافتراضيّة لم يتخلَّ تماماً عن إنسانيّته، ولعلّ في هذا التوازن بين الإحساس البشري والدماغ الاصطناعي مفتاح نجاح الأعمال المعاصرة، سينمائية كانت أو غيرها.


إقرار «اتفاقية مزايا المشاركين الدوليين» في «إكسبو 2030 الرياض»

تمثل الموافقة الدولية على الاتفاقية خطوة رئيسية في استعدادات السعودية لاستضافة المعرض (إكسبو 2030 الرياض)
تمثل الموافقة الدولية على الاتفاقية خطوة رئيسية في استعدادات السعودية لاستضافة المعرض (إكسبو 2030 الرياض)
TT

إقرار «اتفاقية مزايا المشاركين الدوليين» في «إكسبو 2030 الرياض»

تمثل الموافقة الدولية على الاتفاقية خطوة رئيسية في استعدادات السعودية لاستضافة المعرض (إكسبو 2030 الرياض)
تمثل الموافقة الدولية على الاتفاقية خطوة رئيسية في استعدادات السعودية لاستضافة المعرض (إكسبو 2030 الرياض)

وافقت الجمعية العامة للمكتب الدولي للمعارض على «اتفاقية الامتيازات والمزايا الممنوحة للمشاركين الدوليين» في «إكسبو 2030 الرياض»، في خطوة تعدّ محطة رئيسية بمسيرة التحضير للحدث العالمي، وتُعزِّز الإطار المؤسسي والتنظيمي لاستضافته.

وتُرسِّخ الاتفاقية الإطار القانوني المنظّم للمشاركة في «إكسبو 2030 الرياض»، بما يضمن الحقوق والامتيازات والشروط الممنوحة للمشاركين الرسميين وفقاً لإطار المكتب الدولي.

وتعكس موافقة الجمعية العامة تنامي الثقة الدولية برؤية السعودية وقدراتها التنظيمية والتنفيذية، وتُمثِّل خطوة رئيسية في استعدادات البلاد لاستضافة الحدث، وتُعزِّز التعاون مع المكتب والدول المشاركة، بما يسهم في تقديم نسخة استثنائية من معارض «إكسبو» الدولية.

وجاء هذا الإنجاز خلال مشاركة وفد السعودية في أعمال الاجتماع الـ178 للجمعية العامة في باريس، برئاسة عادل الجبير، وزير الدولة للشؤون الخارجية عضو مجلس الوزراء ومبعوث شؤون المناخ، والمفوّض العام لـ«إكسبو 2030 الرياض».

وقدَّر الجبير، خلال الاجتماع، للمكتب والدول الأعضاء على ثقتهم المستمرة وشراكتهم البنَّاءة، مؤكداً أن «إكسبو 2030 الرياض» سيكون منصة عالمية تجمع الدول والشعوب والأفكار لتعزيز الحوار وإلهام التعاون، وتشجيع العمل الجماعي نحو مستقبل أفضل.

وجدَّد الوزير السعودي التزام بلاده بمواصلة العمل الوثيق مع المكتب وجميع المشاركين لضمان تقديم معرض عالمي شامل وذي أثر مستدام يترك إرثاً للأجيال القادمة.

واستعرض الوفد السعودي في الاجتماع، آخر مستجدات «إكسبو 2030 الرياض»، بما في ذلك تطورات موضوع المعرض، والتقدم المحرز في المخطط الرئيسي، وأعمال تطوير الموقع، بما يؤكد التقدم المتواصل عبر مختلف مسارات التخطيط والتصميم والبنية التحتية والاستعدادات التشغيلية.

من جانبه، أكد طلال المري، الرئيس التنفيذي لشركة «إكسبو 2030 الرياض»، أن المشروع يواصل إحراز تقدم متسارع في أعمال الإنشاءات والبنية التحتية والاستعدادات التشغيلية، مدعوماً بشراكات قوية وتكامل في التنفيذ بين مختلف الجهات المعنية.

وأشار المري إلى أن «إكسبو 2030 الرياض» دخل مرحلة التنفيذ المتكامل، مع التركيز على تقديم تجربة عالمية المستوى للمشاركين والزوار، وترسيخ إرث مستدام لمدينة الرياض والعالم.

وسيقام معرض «إكسبو 2030 الرياض» خلال الفترة من 1 أكتوبر (تشرين الأول) 2030 حتى 31 مارس (آذار) 2031، ليجمع العالم في احتفال عالمي بالثقافة والابتكار والطموح الإنساني.

وعلى مدى ستة أشهر، ستقدم السعودية برنامجاً ثرياً من التجارب الثقافية والترفيهية والتفاعلية، فيما يستعرض المشاركون من مختلف أنحاء العالم أفكارهم وابتكاراتهم ورؤاهم لمستقبل أكثر ازدهاراً واستدامة.


بريشة سعودية... «الملك سلمان» بين الإنسان والإنجاز في جائزة ضياء عزيز

اللوحة الفائزة بالمركز الأول لإيمان اللويمي في جائزة ضياء عزيز للبورتريه (الشرق الأوسط)
اللوحة الفائزة بالمركز الأول لإيمان اللويمي في جائزة ضياء عزيز للبورتريه (الشرق الأوسط)
TT

بريشة سعودية... «الملك سلمان» بين الإنسان والإنجاز في جائزة ضياء عزيز

اللوحة الفائزة بالمركز الأول لإيمان اللويمي في جائزة ضياء عزيز للبورتريه (الشرق الأوسط)
اللوحة الفائزة بالمركز الأول لإيمان اللويمي في جائزة ضياء عزيز للبورتريه (الشرق الأوسط)

لم يكن رسم الملك سلمان في لوحات البورتريه مجرد اختبار للمهارة الفنية، بل بدا أقرب إلى محاولة لالتقاط شخصية تختزن في ملامحها تاريخ دولة كاملة. في جدة، وقف الفنانون أمام صور الملك سلمان كما لو أنهم يقرأون سيرة وطن؛ شاباً في بدايات الرياض القديمة، وقائداً يحتضن العلم السعودي بعينين يملؤهما الاعتزاز، وإنساناً ارتبط اسمه بمشروعات التحول الكبرى التي غيّرت ملامح المملكة.

النسخة التاسعة من «جائزة ضياء عزيز للبورتريه» تحولت إلى معرض بصري يروي الحكاية السعودية من وجهة نظر الفن. واحتضن مسرح جامعة الأعمال والتكنولوجيا بجدة الحفل الذي نظّمته جمعية الثقافة والفنون لإعلان أسماء الفائزين بالجائزة التي جاءت هذا العام تحت عنوان «الملك سلمان... الإنسان والإنجاز»، بحضور الأمير فيصل بن عبد الله بن محمد آل سعود، إلى جانب فنانين ومثقفين ومهتمين بالفنون البصرية.

وتضمن الحفل تقديم أوبريت «وطن الثقافة»، في أمسية جمعت بين الفن التشكيلي والموسيقى والعرض المسرحي، وعكست الحراك الثقافي الذي تعيشه السعودية، والدعم المتزايد للفنون بوصفها جزءاً من المشهد الوطني الجديد.

وتأتي الجائزة امتداداً لمبادرة أطلقها الفنان التشكيلي ضياء عزيز بهدف تعزيز حضور فن البورتريه، أحد أكثر الفنون ارتباطاً بالإنسان وقدرته على توثيق الملامح والحكايات والتفاصيل الشخصية من خلال رؤية الفنان وأسلوبه التعبيري.

وفي حديث له مع لـ«الشرق الأوسط»، قال ضياء إن استمرار الجائزة للعام التاسع يعود إلى جودة الأعمال الفنية المطروحة واختيار موضوعات ترتبط بالوطن والإنسان السعودي، موضحاً أن الجائزة منذ انطلاقها تناولت موضوعات متنوعة مثل الأمن السعودي والخليج العربي حتى جائحة «كورونا».

وأضاف أن اختيار الملك سلمان محوراً للنسخة الحالية جاء لما تمثله شخصيته من حضور إنساني ووطني، إلى جانب ما شهدته المملكة من تحولات وإنجازات خلال مسيرته، مؤكداً أن الأعمال المشاركة هذا العام عكست مستوى فنياً عالياً وتنافساً واضحاً بين الفنانين.

واستقبلت الجائزة مشاركات من مختلف مناطق المملكة، في مساحة إبداعية أتاحت للفنانين تقديم قراءاتهم البصرية لشخصية الملك سلمان، عبر مدارس وأساليب تشكيلية متعددة.

ومن بين الأعمال التي لفتت الأنظار وحصدت المركز الأول، برزت لوحة الفنانة التشكيلية إيمان اللويمي، التي استعادت صورة الملك سلمان في شبابه خلال بدايات توليه إمارة الرياض في خمسينات القرن الماضي، واضعة خلفه ملامح الرياض القديمة بالأبيض والأسود، فيما حضرت الألوان الزيتية والزهور في بقية اللوحة بوصفها رمزاً لازدهار الحاضر.

وقالت اللويمي لـ«الشرق الأوسط» إن تنفيذ العمل سبقه بحث ودراسة لمسيرة الملك سلمان، موضحة أنها تنظر إلى الفن بوصفه عملاً معرفياً يبدأ بالفهم قبل الرسم. وأضافت أنها اعتمدت على الدمج بين الفحم الذي يرمز للماضي، والألوان الزيتية التي تعبر عن المستقبل والإنجاز، في محاولة لتجسيد العلاقة بين الإنسان والتحول الذي شهدته المملكة.

وأكدت أن اللوحة استغرقت ما بين 3 إلى 4 أسابيع من العمل المتواصل، مشيرة إلى أن أكثر ما كانت تسعى إليه هو تقديم عمل يحمل قيمة فنية وشخصية تفخر بها.