الهند: صعود نجم الساسة من أبناء المهاجرين... يناقض حالة الانكفاء القومي داخل البلاد

الهجرات امتدت من جنوب شرقي آسيا إلى أوروبا والأميركتين

ريشي سوناك يحتفل بعيد «ديوالي» أمام مقر رئاسة الحكومة البريطانية
ريشي سوناك يحتفل بعيد «ديوالي» أمام مقر رئاسة الحكومة البريطانية
TT

الهند: صعود نجم الساسة من أبناء المهاجرين... يناقض حالة الانكفاء القومي داخل البلاد

ريشي سوناك يحتفل بعيد «ديوالي» أمام مقر رئاسة الحكومة البريطانية
ريشي سوناك يحتفل بعيد «ديوالي» أمام مقر رئاسة الحكومة البريطانية

بعدما أصبح ريشي سوناك ثالث رئيس وزراء لبريطانيا هذا العام، وأول شخص ملوّن يقود القوة الإمبريالية السابقة، بدأت أنظار وسائل الإعلام العالمية تتجه نحو هذا الأمر. ومع ذلك، لدى إلقاء نظرة على تاريخ العالم، يتضح لنا أن هذا ليس حدثاً استثنائياً من نوعه؛ ذلك أن أفراداً من أصل هندي يرأسون حكومات في جميع أنحاء العالم لعقود حتى الآن. ولدى إعادة النظر في أكثر من 40 سنة من صفحات التاريخ للشتات الهندي المنتشر في جميع أنحاء العالم، نجد أن أكثر عن 31 رجلاً وامرأة من أصول هندية أصبحوا رؤساء أو رؤساء وزراء لكثير من البلدان. ويوجد داخل دول كبيرة مثل الولايات المتحدة وكندا وغيرها كثير من الهنود، الذين صعد بعضهم إلى مناصب حكومية قيادية. ومع ذلك، فإن المثير للاهتمام أن أياً منهم لم يجرِ الاحتفاء به داخل الهند، مثلما حدث مع ريشي سوناك، بسبب أصولهم الهندية. فقد احتفى الهنود على تعدد إثنياتهم بإرثيه الهندي والهندوسي، واحتفل الناس في جميع أنحاء المستعمرة البريطانية السابقة (حتى باكستان) بفخر بوصول سوناك إلى هذا المنصب الرفيع.
تعود أصول أجداد رئيس الوزراء الجديد ريشي سوناك إلى إقليم البنجاب قبل تقسيم شبه القارة الهندية إلى دولتين، هما الهند وباكستان، بعد انتهاء الحكم البريطاني عام 1947. ولقد انتقل ذوو سوناك إلى شرق أفريقيا أواخر الثلاثينات قبل أن يستقروا أخيراً في بريطانيا خلال عقد الستينات. أما سوناك نفسه، فقد ولد عام 1980 في مدينة ساوثهامبتون على الساحل الجنوبي لإنجلترا. واللافت أن أسلافه ليسوا الرابط الوحيد بينه وبين الهند؛ ذلك أنه أيضاً متزوج من أكشاتا مورتي، ابنة الملياردير الهندي إن آر نارايانا مورثي، مؤسس عملاق التكنولوجيا «إنفوسيز». أكثر من هذا، يتحدر عدد من أبرز وزراء الحكومة البريطانية وسابقاتها في السنوات الأخيرة من شبه القارة الهندية، على رأسهم وزيرة الداخلية سويلا برافرمان، ووزيرة الداخلية السابقة بريتي باتيل، ووزير الخزانة والصحة السابق ساجد جاويد.
جدير بالذكر أن آخر شخص جرى الاحتفاء به في الهند على نحو مشابه للاحتفاء بسوناك، كان نائبة الرئيس الأميركي كمالا هاريس، خلال العام الماضي بفضل جذورها الهندية من جانب الأم. ولقد حرص رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، على توجيه التهنئة إلى سوناك، عبر «تويتر»، قائلاً: «نتطلع إلى العمل معاً على نحو وثيق بخصوص القضايا العالمية»، وأردف: «نتمنى بصدق بناء (جسر حي) مع الهنود المقيمين بالمملكة المتحدة من أجل تحويل الروابط التاريخية إلى شراكة حديثة».

سوناك و«قلب الطاولة»
من ناحية ثانية، مع دخول ريشي دار 10 داونينغ ستريت (مقر رئيس الحكومة البريطانية)، راود كثيراً من الهنود شعور بالعزة ـ وربما إثبات القيمة الذاتية. وأعاد البعض نشر عبارة سلبية قالها ونستون تشرتشل مراراً وتكراراً عام 1947 على مشارف الاستقلال الهندي، عندما ندد بالهنود ووصفهم بأنهم «أوغاد ومحتالون ولصوص»، إبان معارضته العنيدة نيل الهند استقلالها. إذ قال: «إذا نالت الهند الاستقلال، فإن السلطة ستؤول إلى أيدي مجموعة من الأوغاد، والمحتالين واللصوص، وسيأتي جميع القادة الهنود دون المستوى وسيكونون أشبه برجال من القش».
لذا اعتبر كثرة في الهند أن صعود ريشي سوناك إلى السلطة في لندن يشكل نوعاً من «قلب الطاولة». وحول كلمات تشرتشل الجارحة أعاد أناند ماهيندرا، رئيس «مجموعة ماهيندرا» العملاقة، نشرها وعلق عليها قائلاً: «كلمات ونستون تشرتشل باقية في الأذهان. اليوم، خلال السنة الخامسة والسبعين لاستقلالنا، نرى رجلاً من أصل هندي بمنصب رئيس وزراء بريطانيا. الحياة جميلة حقاً».
وأعاد ملايين الهنود نشر تغريدة ماهيندرا، بما في ذلك كثير من المشاهير والسياسيين وما إلى ذلك. أيضاً، كتب المشرّع راغاف شادا عبر «تويتر» مغرداً: «اليوم، بينما تحتفل الهند بعيد ديوالي في عامها الخامس والسبعين دولة مستقلة عن بريطانيا، يحكم المملكة المتحدة رئيس وزراء من أصل هندي. التاريخ يدور دورته الكاملة». وقال الصحافي البارز فير سانغفي ساخراً: «إنه لأمر مثير للسخرية بشدة، أن يختار المحافظون، الحزب القديم لتشرتشل، للتوّ زعيمهم الثالث في غضون 6 أسابيع في خضم خلافات سياسية لا تنتهي ومعارك على السلطة. وكان الرجل الذي اختاروه من أصل هندي، رغم أنه لم يكن (مارقاً) ولا (رجلاً ضئيل المستوى)».
من جانب آخر، أشعل تولي ريشي سوناك رئاسة الحكومة في بريطانيا جدلاً من طبيعة مختلفة داخل المجتمع السياسي الهندي، إذ مس موضوع وضع الأقليات وأصحاب الأصول الأجنبية. وشكت أحزاب المعارضة مما اعتبرته هيمنة للغالبية القومية الهندوسية على المشهد السياسي في الهند، وتساءلت حول ما إذا كان ممكناً لزعيم من إحدى الأقليات قيادة البلاد. إذ قال بي تشيدامبارام، زعيم حزب المؤتمر ووزير المالية الاتحاد السابق، في تصريح له، إن الهند بحاجة لتعلم الدرس من بريطانيا. وأضاف: «أولاً كمالا هاريس، والآن ريشي سوناك. لقد احتضن شعبا الولايات المتحدة والمملكة المتحدة المواطنين من غير الغالبية في بلدانهم وانتخبوهم في مناصب عليا في الحكومة... أعتقد أن ثمة درساً يجب أن تتعلمه الهند والأحزاب التي تمارس نظام هيمنة الغالبية». كذلك، علّق السياسي البارز الدكتور شاشي ثارور، الوزير السابق والبرلماني عن حزب «المؤتمر»، قائلاً: «بينما نحتفل نحن الهنود بصعود ريشي سوناك، دعونا نسأل بصدق؛ هل يمكن أن يحدث ذلك هنا؟».
في المقابل، رفض حزب «بهاراتيا جاناتا» (القومي الهندوسي) الحاكم عقد أي مقارنات بين رفضه وصول سونيا غاندي (الإيطالية الأصل) لمنصب رئيسة الوزراء عام 2004 واختيار الحزب الحاكم في بريطانيا سوناك زعيماً له. ورداً على الانتقادات، قال وزير العدل السابق والعضو البارز في «بهاراتيا جاناتا»، رافي شانكار براساد: «أصبح بعض القيادات مفرطين في هجومهم على فكرة حكم الغالبية بعد انتخاب ريشي سوناك رئيساً لوزراء المملكة المتحدة. أود أن أذكركم بفترة الرئاسة الاستثنائية لعبد الكلام، وتولي مانموهان سنغ رئاسة الوزراء طوال 10 سنوات. كما أن هناك زعيماً قبلياً مميزاً، هو دروبادي مورمو، يتولى منصب رئيس البلاد اليوم». ومعلوم، أنه قبل هيمنة اليمين القومي الهندوسي، تعاقب على رئاسة الهند مسلمون، مثل ذاكر حسين، وإم هداية الله، وفخر الدين علي أحمد، بينما جاء الرئيس جياني زايل سنغ من أقلية السيخ.
رئيس وزراء آيرلندا
ثمة قائد آخر من أصول هندية صعد في نصف الكرة الشمالي بخلاف ريشي سوناك وكمالا هاريس، هو رئيس وزراء آيرلندا السابق (ونائب رئيس الوزراء الحالي) الدكتور ليو إريك فارادكار، إلا أن صعوده لهذا المنصب لم يلقَ اهتماماً كبيراً داخل الهند. ولكن في عام 2019، نظمت احتفالات ممتدة، أشبه بتلك التي تقام في رأس السنة داخل قريته فاراد، الواقعة على ساحل منطقة كونكان (غرب الهند)، عندما زار رئيس الوزراء الآيرلندي، صاحب الجذور الماهاراشترية، القرية التي كان يعيش فيها والده، وقضى ليلة في منزل العائلة هناك.
وفي يونيو (حزيران) 2017، أصبح فارادكار (40 سنة) رئيس الوزراء الـ14 لآيرلندا. وللمرة الأولى، حقق أمنية والده البالغ عمره 80 سنة، في زيارة قرية فاراد، الواقعة على بعد نحو 525 كيلومتراً جنوب مومباي. يُذكر أن أشوك فارادكار، والد ليو فارادكار، مولود في مومباي، وكان حريصاً على زيارة فاراد بانتظام، وهو يتكلم اللغة المحلية بطلاقة. بل عاون في إعادة بناء مدرسته القديمة وتبرّع بكتب وزي مدرسي للطلاب الفقراء، وأعاد بناء منزل العائلة الذي جاء لزيارته عام 2015.
أما فارادكار الابن، فقد ولد في العاصمة الآيرلندية دبلن في 18 يناير (كانون الثاني) 1979، ويترأس حالياً حزب «فين غايل» الشريك في الحكم وأحد أبرز حزبين على مستوى البلاد. وهو يعد «نصف هندي». إذ انتقل والده أشوك إلى إنجلترا للعمل طبيباً هناك في ستينات القرن الماضي. وفي بريطانيا، التقى زوجته المستقبلية، ميريام، أثناء عملها ممرضة بمستشفى في بلدة سلاو، غرب لندن. واستقر والدا فارادكار في دبلن عام 1973. وبعد 5 سنوات، ولد ليو الذي سار على خطى أبيه وصار طبيباً. وهو الولد الأصغر للزوجين وله شقيقتان تكبرانه.

الريادة لدولة غيانا
على صعيد الريادة بالنسبة للشتات الهندي، فإنها تعود للدكتور تشيدي جاغان، الذي كان أول هندوسي وشخص من أصل هندي يتولى رئاسة حكومة خارج جنوب آسيا. كان جاغان أول من انتخب رئيساً لوزراء غيانا (غيانا البريطانية سابقاً) وحكم من عام 1961 إلى عام 1964، قبل الاستقلال. ولاحقاً، شغل منصب رئيس غيانا من عام 1992 إلى عام 1997. وبعد فترة وجيزة من انتصار جاغان، أصدر الحاكم الاستعماري أمراً بتدخل عسكري بريطاني، وعلق الدستور وشكل حكومة مؤقتة بسبب الخوف من أن ينشئ جاغان، اليساري الميول، موطئ قدم للاتحاد السوفياتي في أميركا الجنوبية. وشغل جاغان في وقت لاحق منصب رئيس جمهورية غيانا من عام 1992 إلى عام 1997. واليوم، يُنظر إلى جاغان على نطاق واسع في غيانا باعتباره «والد الأمة». وكان سياسياً مهماً وخطيباً مفوهاً.
من ناحية ثانية، أطلقت مجلة «تايم» على بهارات جاغديو لقب «بطل بيئي»، وهو سياسي غياني كان رئيس غيانا من 1999 إلى 2011 (حالياً نائب الرئيس) وخدم في منصبه لفترتين. ولد جاغديو لأبوين هندوسيين. عام 1912، هاجر جده إلى غيانا البريطانية من قرية بولاية أوتار براديش الحالية في الهند. وقبل بضع سنوات، زار القرية التي عاش فيها أسلافه والتقى بعمته البالغة من العمر 90 سنة وأقارب آخرين يغرقون في فقر مدقع. ويشغل محمد عرفان علي حالياً منصب رئيس غيانا، وهو من الجيل الرابع من أسرة هندية مسلمة مهاجرة إلى غيانا، درس في دلهي. وكان أجداده قد رحلوا عن الهند للعمل في مزارع السكر في غيانا البريطانية آنذاك. ولقد درس علي في جامعة إندرابراستا في دلهي؛ حيث نال درجة الماجستير. وللعلم، تكشف التقديرات أن ما يقرب من نصف سكان غيانا البالغ إجمالي عددهم 800000 نسمة ينتمون إلى أصول هندية. ومن ناحية أخرى، نجد أنه في سورينام (غيانا الهولندية سابقاً)، المتاخمة لغيانا، تعاقب على حكم البلاد 5 رؤساء من أصول هندية، بينهم الرئيس الحالي تشان سانتوخي.

ترينيداد وتوباغو
وغير بعيد عن غيانا وسورينام، في منطقة البحر الكاريبي، يعتبر نور محمد حسنالي، قاضي المحكمة العليا المتقاعد، ثاني رئيس لترينيداد وتوباغو (1987 - 1997) وأول رئيس للبلاد من أصول هندية، وكذلك أول رئيس مسلم. وأيضاً، يعد باسديو بانداي، المحامي والسياسي والنقابي والخبير الاقتصادي والممثل، خامس رئيس للوزراء في ترينيداد وتوباغو، وأول شخص من أصول هندية وأول هندوسي يتولى المنصب. وجاءت كمالا برساد بيسيسار، صاحبة الجذور الهندية والهندوسية، لتسطر التاريخ من جديد بعدما أصبحت أول سيدة تتقلد منصب رئيس الوزراء في البلاد.

الحكام في موريشيوس
من ناحية ثانية، في المحيط الهندي، تقلد مسؤولون من أصول هندية زمام السلطة في موريشيوس ما لا يقل عن 9 مرات. وبدأ الأمر عام 1968، عندما أصبح سيووساغور رامغولام أول رئيس للوزراء في موريشيوس المستقلة. وكان والده، موهيث رامغولام، قد هاجر إلى موريشيوس من الهند في عمر الـ18. وبين عامي 1968 و1982، عمل رامغولام الابن رئيساً للوزراء عبر سلسلة من الحكومات الائتلافية. ويحظى رامغولام بتقدير بالغ داخل موريشيوس، ويحمل المطار الدولي بالبلاد ومستشفى وطني وإحدى كليات الطب وحديقة نباتية اسمه تكريماً له. كما عمل نجله، نافين رامغولام، رئيساً للوزراء في موريشيوس بين عامي 1995 و2000. وعاد إلى المنصب من جديد بين عامي 2005 و2014.
كذلك تقلد المنصب ذاته مسؤول آخر من أصول هندية، هو أنيرود جوغنوث، الذي عمل رئيساً للوزراء لـ4 فترات متعاقبة، ويعتبره أبناء موريشيوس الأب الروحي لمعجزة موريشيوس الاقتصادية. ويعد رئيس الوزراء صاحب الفترة الأول في المنصب بعدد سنوات تجاوز 18 سنة. ولقد تقلد منصب الرئيس بين عامي 2003 و2012، بعد عمله رئيساً للوزراء ما بين 1982 و1995. ثم من جديد بين عامي 2000 و2003. وكان يبلغ 83 سنة عندما تولى رئاسة الوزراء للمرة الأخيرة عام 2014. قبل أن يتنازل أخيراً عن المنصب لنجله برافيندا جوغنوث، الذي يتولى حالياً منصب رئيس وزراء المستعمرة البريطانية السابقة.
وبالمثل نجد أن الرئيس الحالي للدولة، بريثفيراجسينغ روبون، ينتمي هو الآخر لأصول هندية هندوسية. والمعروف أن منصب الرئيس في موريشيوس يعد شرفياً في الجزء الأكبر منه. ومن بين المسؤولين الآخرين المنتمين إلى أصول هندية وتعاقبوا على رئاسة موريشيوس، فيراسامي رينغادوو وقاسم أوتيم وكايلاش بورياغ.

سنغافورة وماليزيا
وفي جنوب شرقي آسيا، لطالما هيمن سياسيون من أصول هندية على الساحة السياسية في سنغافورة (المستعمرة البريطانية السابقة التي تحمل اسما هندياً). من بين هؤلاء سي في ديفان نير، السياسي السنغافوري الذي تنتمي جذوره إلى ولاية كيرالا الهندية، وكان الرئيس الثالث لسنغافورة خلال الفترة بين عامي 1999 و2011. وحتى اليوم، يعتبر نير صاحب الفترة الكبرى في سدة الرئاسة في تاريخ البلاد. كما أن الرئيسة الحالية لسنغافورة، حليمة يعقوب، تنتمي لأصول هندية، فأبوها هندي وأمها من الملايو.
ومن بين المسؤولين البارزين الآخرين من أبناء الشتات الهندي، ماهيندرا بال تشودري، الزعيم والعضو المؤسس بحزب العمال في فيجي. وتولى منصب رئيس الوزراء في البلاد عام 1999، ليصبح بذلك أول مسؤول من أصول هندية يتقلد هذا المنصب. وتجدر الإشارة إلى أن جذور تشودري تضرب في إحدى قرى ولاية هاريانا المتاخمة لدلهي، انتقل جده لوالده إلى فيجي عام 1902 للعمل في مزرعة هناك. إلا أنه رفض لاحقاً العمل في المزارع، وفضّل بدلاً عن ذلك العمل مديراً بأحد المتاجر، حتى بدأ عمله الخاص.

مهاتير محمد
وأخيراً، لا آخراً، يتميز مهاتير محمد بكونه رئيس الوزراء صاحب فترة الولاية الأطول في تاريخ ماليزيا، وهو شخصية بارزة على مستوى البلاد وقارة آسيا منذ عقود. وكان جده قد هاجر إلى شبه جزيرة الملايو (الجزء الأكبر من ماليزيا اليوم) من كيرالا بجنوب غربي الهند، مع شركة الهند الشرقية البريطانية، كي يتولى تدريس الإنجليزية داخل قصر كداه الملكي. ورغم خلفيته الاجتماعية والاقتصادية المتواضعة، أصبح مهاتير طبيباً، ثم نشط في المجال السياسي.

قادة دول العالم الحاليون المتحدرون من أصول هندية
* ريشي سوناك، رئيس وزراء بريطانيا
* كمالا هاريس، نائبة رئيس الولايات المتحدة
* برافيند جوغنوث، رئيس وزراء موريشيوس
* بريثفيراجسينغ روبون، رئيس موريشيوس
* تشان سانتوخي، الرئيس الحالي لسورينام
* محمد عرفان علي، رئيس غيانا
* حليمة يعقوب، الرئيسة السنغافورية
* أنتونيو لويس سانتوس دا كوستا، رئيس وزراء البرتغال
* وايفل رامكالاوان، رئيس سيشيل

تزايدت الهجرة الهندية إبان فترة الاستعمار البريطاني
> بدأ الأفراد أصحاب الأصول الهندية في الهجرة إلى الخارج بأعداد كبيرة في القرن الـ19، وانطلقت هذه الهجرة بناءً على دوافع اقتصادية قادتها القوى الاستعمارية.
في البداية، انتشر الهنود في أفريقيا وجنوب شرقي آسيا وفيجي ومنطقة الكاريبي، استجابة للطلب الهائل على العمالة الرخيصة في أعقاب إلغاء بريطانيا العبودية 1933 - 1934. وبعد ذلك، انطلقت موجة ثانية من هجرة الهنود في منتصف القرن الـ20، بحثاً عن حياة أفضل وكسب العيش في دول مثل الولايات المتحدة وبريطانيا وغيرهما.
وكنتيجة لوجود مستعمرات لها داخل شبه القارة الهندية، ارتبطت البرتغال بصلات قوية مع الهند. وينتمي رئيس وزراء البرتغال الحالي، أنتونيو دا كوستا، إلى أصول هندية، فهو نجل الكاتب أورلاندو دا كوستا المنتمي إلى عائلة جوان البرتغالية ذات الجذور الهندية. وما يزال أفراد من عائلة كوستا الكبيرة يعيشون في الهند حتى يومنا، تحديداً في ولاية غوا التي ما تزال تضم منزل العائلة البالغ عمره 200 سنة في مارغاو. من جهته، أشار كوستا إلى جذوره الهندية خلال زيارته الهند قبل بضع سنوات، وقال إنه فخور بهذه الجذور. ذكر كوستا (59 سنة) أن والده، أورلاندو دا كوستا، أمضى الجزء الأكبر من شبابه في غوا، التي كانت آنذاك تحت الحكم البرتغالي. وأردف: «أمضى أبي طفولته في غوا، ولم نفقد صلاتنا قط مع الهند. وما يزال لديّ كثير من الأقارب في مارغاو، وسأزورهم قريباً». وأعرب عن اعتقاده أنه من واجب أبناء الشتات العمل على ربط بلدهم الأصلي بالبلد الذي يعيشون فيه في الوقت الحاضر.


مقالات ذات صلة

11 قتيلاً في تسرب للغاز بمنطقة صناعية بالهند

العالم 11 قتيلاً في تسرب للغاز بمنطقة صناعية بالهند

11 قتيلاً في تسرب للغاز بمنطقة صناعية بالهند

قتل 11 شخصاً بعد تسرب للغاز في الهند، حسبما أعلن مسؤول اليوم (الأحد)، في حادثة صناعية جديدة في البلاد. ووقع التسرب في منطقة جياسبورا وهي منطقة صناعية في لوديانا بولاية البنجاب الشمالية.

«الشرق الأوسط» (أمريتسار)
العالم الهند: مقتل 10 من عناصر الأمن في هجوم لمتمردين ماويين

الهند: مقتل 10 من عناصر الأمن في هجوم لمتمردين ماويين

قُتل عشرة من عناصر الأمن الهنود وسائقهم المدني في ولاية تشاتيسغار اليوم (الأربعاء) في انفجار عبوة ناسفة لدى مرور مركبتهم، حسبما أكدت الشرطة لوكالة الصحافة الفرنسية، متهمة متمردين ماويين بالوقوف وراء الهجوم. وقال فيفيكانند المسؤول الكبير في شرطة تشاتيسغار «كانوا عائدين من عملية عندما وقع الانفجار الذي استهدف مركبتهم».

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
يوميات الشرق «الصحة العالمية» تُحذر من دواء آخر للسعال مصنوع في الهند

«الصحة العالمية» تُحذر من دواء آخر للسعال مصنوع في الهند

قالت منظمة الصحة العالمية إنه تم العثور على مجموعة من أدوية الشراب الملوثة والمصنوعة في الهند، تحديداً في جزر مارشال وميكرونيزيا. وحذرت المنظمة من أن العينات المختبرة من شراب «غيوفينسين تي جي» لعلاج السعال، التي تصنعها شركة «كيو بي فارماشيم» ومقرها البنغاب، أظهرت «كميات غير مقبولة من ثنائي إيثيلين جلايكول وإيثيلين جلايكول»، وكلا المركبين سام للبشر ويمكن أن يكونا قاتلين إذا تم تناولهما. ولم يحدد بيان منظمة الصحة العالمية ما إذا كان أي شخص قد أُصيب بالمرض. يأتي التحذير الأخير بعد شهور من ربط منظمة الصحة العالمية بين أدوية السعال الأخرى المصنوعة في الهند ووفيات الأطفال في غامبيا وأوزبكستان.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
العالم الأمم المتحدة تتوقع تفوق الهند على الصين من ناحية عدد السكان

الأمم المتحدة تتوقع تفوق الهند على الصين من ناحية عدد السكان

أعلنت الأمم المتحدة اليوم (الاثنين)، أن الهند ستتجاوز الأسبوع المقبل الصين من ناحية عدد السكان، لتغدو الدولة الأكثر اكتظاظاً في العالم بنحو 1.43 مليار نسمة. وقالت إدارة الشؤون الاقتصادية والاجتماعية التابعة للأمم المتحدة إنه «بحلول نهاية هذا الشهر، من المتوقع أن يصل عدد سكان الهند إلى 1.425.775.850 شخصاً، ليعادل ثم يتجاوز عدد سكان البر الرئيسي للصين». وطوال أكثر من مائة عام، كانت الصين الدولة الأكثر سكاناً في العالم، تليها الهند في المرتبة الثانية على مسافة راحت تتقلّص باطراد في العقود الثلاثة الأخيرة. ويأتي ذلك رغم غياب إحصاءات رسمية لعدد السكان في الهند منذ أواخر القرن الماضي.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
العالم اعتقال «انفصالي» من السيخ في الهند

اعتقال «انفصالي» من السيخ في الهند

أفاد مسؤول في شرطة ولاية البنجاب الهندية، اليوم (الأحد)، بأن قوات من الأمن ألقت القبض على «الانفصالي» المنتمي للسيخ أمريتبال سينغ، بعد البحث عنه لأكثر من شهر، في خطوة ضد إقامة وطن مستقل في الولاية المتاخمة لباكستان. وأدى بزوغ نجم سينغ (30 عاماً)، وهو واعظ بولاية البنجاب الشمالية الغربية حيث يشكّل السيخ الأغلبية، إلى إحياء الحديث عن وطن مستقل للسيخ. كما أثار مخاوف من عودة أعمال العنف التي أودت بحياة عشرات الآلاف في الثمانينات وأوائل التسعينات من القرن الماضي أثناء تمرد للسيخ. وقال مسؤول كبير بشرطة البنجاب لصحافيين: «ألقي القبض على أمريتبال سينغ في قرية رود بمنطقة موجا في البنجاب، بناء على معلوم

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.