النفط السوري... تعاون بين «أثرياء الحرب» وصراع أميركي ـ روسي

إنتاج حوالي 90 ألف برميل يومياً شرق الفرات للاستهلاك المحلي والتهريب إلى مناطق الحكومة والدول المجاورة

قوات أميركية تقوم بتدريبات مع «قوات سوريا الديمقراطية» بريف الحسكة في 7 سبتمبر الماضي (إ.ب.أ)
قوات أميركية تقوم بتدريبات مع «قوات سوريا الديمقراطية» بريف الحسكة في 7 سبتمبر الماضي (إ.ب.أ)
TT

النفط السوري... تعاون بين «أثرياء الحرب» وصراع أميركي ـ روسي

قوات أميركية تقوم بتدريبات مع «قوات سوريا الديمقراطية» بريف الحسكة في 7 سبتمبر الماضي (إ.ب.أ)
قوات أميركية تقوم بتدريبات مع «قوات سوريا الديمقراطية» بريف الحسكة في 7 سبتمبر الماضي (إ.ب.أ)

مع دخول الحرب في سوريا عامها الثاني عشر، ومع استمرار الصراع الأميركي - الروسي للسيطرة على قطاع النفط وإمكانياته، وجد المسلحون المحليون و«أثرياء الحرب» والخصوم الإقليميون في النفط نقطة إجماع نادرة على التعاون والاستحواذ على ما تبقى من الثروات وعائداتها.
بلغ إنتاج النفط من الحقول والمنشآت الواقعة بشكل رئيسي في شمال شرقي سوريا حوالي 400 ألف برميل يومياً قبل بدء الصراع. وبعد اندلاعه عام 2011، سيطرت قوى متناحرة مختلفة، بما في ذلك فصائل من المعارضة و«تنظيم داعش»، على جزء كبير من هذه الثروة النفطية. وأدت العقوبات الغربية المفروضة على قطاع النفط السوري إلى مغادرة شركات النفط الأجنبية البلاد.
حالياً، تسيطر «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، وهي عبارة عن ائتلاف مدعوم من الولايات المتحدة، على ربع الأراضي السورية، بما في ذلك منطقة شرق الفرات، الغنية بالثروات النفطية والغازية والزراعية والمائية. ويعني هذا أن «قوات سوريا الديمقراطية» تسيطر الآن على 90 في المائة من النفط، وأكثر من 50 في المائة من حقول الغاز الطبيعي، فضلاً عن البنية التحتية المملوكة لشركات أجنبية، تبعاً لعقود موقعة مع حكومة دمشق، بما في ذلك «غلف ساندز بتروليوم» و«توتال» و«شل». وجرى تطويق آبار ومنشآت النفط و«حمايتها» من قبل «قوات سوريا الديمقراطية» بقيادة أميركا.
من جهة أخرى، أعلنت دمشق أن خسائر قطاع النفط، منذ بداية الأزمة، بلغت 91.5 مليار دولار. وكشف وزير النفط بسام طعمة أن إنتاج النفط اليومي يبلغ 89 ألف برميل، معظمها في المناطق الخاضعة لسيطرة «قسد». ويصف طعمة هذا النفط بأنه «مسروق» من الشعب السوري.

- صراع دولي
بعد التدخل الروسي العسكري أواخر عام 2015، وقعت دمشق عقوداً مع شركات روسية للاستثمار في قطاعي النفط والغاز في سوريا والمياه الإقليمية التابعة لها. كما تعاقدت دمشق مع شركة «إفرو بوليس»، المرتبطة برجل الأعمال الروسي يفغيني بريغوجين، الذي يتولى تمويل مرتزقة «فاغنر»، لحماية منشآت النفط والغاز الطبيعي وتحريرها من قبضة «داعش»، مقابل 25 في المائة من العائدات. وتضمن ذلك سيطرة «إفرو بوليس» على موقع إيبلا الضخم لإنتاج الغاز الطبيعي التابع لشركة «سنكور» قرب تدمر، في عملية أدت لوقوع الكثير من الضحايا.
كان هذا الاتفاق الغطاء الذي تعمل تحته مجموعة «فاغنر» العسكرية. وتشير التقديرات إلى أن «فاغنر» كان لديها ما يصل إلى 2500 مقاتل داخل سوريا عام 2018، وقد شاركوا في القتال في سوريا أو في معسكرات التدريب والإعداد في روسيا، وجرى نقل بعضهم إلى ليبيا، والآن إلى أوكرانيا.
في الواقع، غطى الاتفاق بين «إفرو بوليس» ودمشق المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة فقط. وفي مطلع عام 2018 شن مرتزقة «فاغنر» هجوماً على منشأة إنتاج للغاز تتبع شركة «كونوكو» شرق الفرات، وهو موقع يخضع لـ«قوات سوريا الديمقراطية»، لكنهم تعرضوا لقصف شديد بالمدفعية الأميركية وغارات جوية أميركية أسفرت عن مقتل نحو 200 من المرتزقة.
وفي عام 2019 أصدر الرئيس الأميركي السابق دونالد ترمب إعلاناً صادماً عن انسحاب القوات الأميركية من المنطقة المحيطة بالحدود السورية مع تركيا، الواقعة شرق الفرات، ما يمنح تركيا الضوء الأخضر للتوغل في شمال سوريا ووضع «قوات سوريا الديمقراطية»، حلفاء واشنطن، تحت ضغوط جديدة.
وفي 6 أكتوبر (تشرين الأول) 2019، أقنع السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام، مع بعض المسؤولين الأميركيين والأوروبيين، الرئيس ترمب بالاحتفاظ بـ900 من أفراد الجيش الأميركي شرق سوريا، لحماية النفط. وقال ترمب في وقت لاحق إن «عدداً صغيراً من الجنود سيبقون في المناطق التي تحتوي على النفط»، مؤكداً «حرصنا على تأمين وحماية النفط».
وفي يوليو (تموز) 2020 أعلنت واشنطن أن قائد «قوات سوريا الديمقراطية»، مظلوم عبدي، أبلغ إدارة ترمب بتوقيع اتفاق مع شركة «دلتا كريسنت إنرجي» الأميركية للاستثمار في النفط بعد الحصول على إعفاء من وزارة الخزانة من العقوبات المفروضة على سوريا. وصرح وزير الخارجية آنذاك، مايك بومبيو، أن الهدف من الصفقة «تحديث صناعة النفط».
وتسبب الموقف في إحراج وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) التي أصدرت بيانات متضاربة بهذا الشأن. بادئ الأمر، أعلن البنتاغون أن «النفط السوري للشعب السوري، وسنظل ملتزمين بوحدة وسلامة أراضي سوريا». لكن وزير الدفاع الأميركي السابق، مارك إسبر، أعلن لاحقاً: «نتخذ الآن إجراءات لتعزيز موقعنا في دير الزور لمنع (داعش) من الوصول إلى حقول النفط». وأكد البنتاغون إرسال قوات ومدرعات لحماية حقول النفط.
اليوم، لا يزال الصراع الأميركي - الروسي للسيطرة على النفط والغاز مستمراً. وقال قيادي في المعارضة إن ضباطاً روسيين رفيعي المستوى طالبوا مراراً قادة «قوات سوريا الديمقراطية» بالسماح لشركات روسية وقعت عقوداً مع دمشق بالعمل في حقول النفط الواقعة شرق الفرات، لكن المسؤولين الأكراد ردوا بأن الأمر يتطلب موافقة حلفاء الولايات المتحدة المشاركين في السيطرة على حقول النفط.

- «أثرياء الحرب»
تفاقم الصراع الروسي - الأميركي المستمر جراء الحرب في أوكرانيا، وتجمد الوضع العسكري في سوريا، خاصة في ظل غياب احتمال التوصل لحل سياسي مع تصاعد الاحتياجات الاقتصادية والإنسانية للشعب السوري. ويعني هذا أن النفط برز كعامل من عوامل التعاون الضمني بين المسلحين غير الشرعيين من السوريين والأجانب لتقاسم عائدات حوالي 89 ألف برميل يومياً. وتستغل الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا (الجناح الإداري لقوات سوريا الديمقراطية) جزءاً من الإنتاج محلياً، بينما ينقل الوسطاء والمتربحون من الحرب جزءاً آخر إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة (وتشكل ثلثي الأراضي السورية) من أجل التكرير أو الاحتفاظ به. وتنقل الصهاريج النفط من شرق الفرات إلى مصافي النفط في مناطق تخضع لسيطرة الحكومة السورية، علماً بأن الحكومة السورية تتهم القوى المهيمنة في شرق البلاد بأنهم «خونة» و«عملاء للاحتلال الأميركي».
ووفقاً لتقديرات بعض الخبراء، تتلقى الإدارة الذاتية في الشمال والشرق حوالي 16 دولاراً أميركياً للبرميل، فيما يذهب 15 دولاراً أميركياً أخرى للحكومة السورية. أما المبلغ المتبقي، والذي قد يصل إلى 50 دولاراً أميركياً للبرميل، فإنه «يُفقد» وينتهي به المطاف في أيدي هؤلاء المتربحين من الحرب.
وفي السياق ذاته، قال مصدر مطلع إن مسؤولين في «حزب العمال الكردستاني» نصحوا قادة «قوات سوريا الديمقراطية» بالتنسيق مع دمشق فيما يتعلق ببيع النفط على الصعيدين الداخلي والإقليمي.
كما تحدث مسؤولون عن شبكات تعمل في الظل لتهريب النفط ومشتقاته بين منطقة شرق الفرات الخاضعة لسيطرة «قوات سوريا الديمقراطية» التي تشكل «وحدات حماية الشعب» الكردية العماد الرئيسي لها، ومناطق «درع الفرات» أو جيوب أخرى تسيطر عليها فصائل المعارضة السورية والجيش التركي. يذكر أن القوات العسكرية في هاتين المنطقتين تخوض يومياً قتالاً وغارات وضربات، وتتبادل الاتهامات بـ«الخيانة» و«الإرهاب».
واللافت أن التعاون بين المتناحرين يمتد إلى ما وراء الحدود. وتشير تقارير إلى تهريب النفط إلى كردستان العراق وبعض المناطق التركية، بمشاركة وسطاء وأفراد مقربين من أصحاب القرار هناك، رغم استمرار الخلافات السياسية والعسكرية بين أصحاب القرار في القامشلي وأربيل. كذلك أفادت تقارير بأن النفط يجري تهريبه إلى داخل كردستان العراق، إما من أجل الاستخدام المحلي أو التهريب إلى تركيا. ويجري بيع النفط بأسعار ضئيلة للغاية، في الوقت الذي تعاني فيه حقول النفط والبيئة المحيطة بها حالياً من ظروف شديدة.
وفي هذا الصدد، قال مسؤول غربي مطلع: «على الأرجح أن صناع القرار في هذه المناطق ليسوا في عجلة من أمرهم للوصول إلى حل سياسي يعيق تدفق الأموال إلى جيوبهم. والأرجح أن المتربحين من الحرب داخل مناطق النفوذ المحلية والدول المجاورة لا يريدون للحرب أن تنتهي».

- اقتراح بديل
عندما تولى الرئيس جو بايدن منصبه، أعلنت إدارته إعفاءات من العقوبات سمحت ببعض الاستثمارات الهادفة، (رغم أن هذا استثنى صناعة النفط)، في شرق الفرات. إلا أنها قررت عدم تمديد الإعفاء من العقوبات الممنوح لشركة «دلتا كريسنت إنرجي» لأسباب عدة، أهمها اعتراض شركات أجنبية تملك حقوق السيادة في الحقول النفطية. على سبيل المثال، وقعت شركة «غلف ساندز بتروليوم» (غلف ساندز) عقداً مع دمشق عام 2003 للاستثمار في البلوك 26 شرق الفرات وتطويره. وطبقاً لما ورد في تقريرها السنوي لعام 2021 وصل الإنتاج غير المصرح به من البلوك 26 منذ أوائل عام 2017 قرابة 20 ألف برميل يومياً، ما يعني أنه جرى إنتاج حوالي 35 مليون برميل منذ ذلك الحين.
وفي غضون ذلك، تدعو شركة «غلف ساندز»، ومقرها لندن، إلى مبادرة إنسانية «رابحة للجانبين» من شأنها أن تمكنها وشركات النفط العالمية الأخرى من استعادة السيطرة على أصولها. وبدلاً من أن يتدفق النفط إلى الكيانات الخاضعة للعقوبات وغيرها من الوسطاء غير المصرح لهم، ستسهم مبادرة «غلف ساندز» في تحويل عائدات مبيعات النفط إلى صندوق تسيطر عليه الأمم المتحدة. من جهته، قال جون بيل، العضو المنتدب لشركة «غلف ساندز»، إن ثمة حاجة إلى توجه جديد للتخفيف من المعاناة الهائلة في سوريا. وأضاف «سوريا بحاجة إلى مليارات الدولارات التي لا يمكن تحقيقها إلا من خلال النفط والغاز»، ووصف الخطط بأنها «مكسب للأكراد ودمشق والشعب السوري». واقترح توجيه نصيب من عوائد النفط إلى حساب مخصص للأغراض الإنسانية يخضع لسيطرة الأمم المتحدة، بحيث تتوافق مدفوعاته بالكامل مع العقوبات المفروضة على سوريا. وقد يبدو هذا الأمر بسيطاً، لكنّ محللين ربطوا المبادرة ببرنامج «النفط مقابل الغذاء» الذي جرى تطبيقه في العراق قبل الغزو الأميركي عام 2003، ويقر بيل بضرورة تعلم الدروس من هذا البرنامج المشؤوم، بينما يقترح المبادرة على أصحاب المصلحة الدوليين. وتأتي هذه المبادرة في الوقت المناسب، مع استمرار المناقشات حول توسيع نطاق تقديم المساعدات الدولية عبر الحدود، بما في ذلك شموله تمويل مشروعات التعافي المبكر وشؤون إنسانية وصحية أخرى.


مقالات ذات صلة

«قصف إسرائيلي» يُخرج مطار حلب من الخدمة

المشرق العربي «قصف إسرائيلي» يُخرج مطار حلب من الخدمة

«قصف إسرائيلي» يُخرج مطار حلب من الخدمة

أعلنت سوريا، أمس، سقوط قتلى وجرحى عسكريين ومدنيين ليلة الاثنين، في ضربات جوية إسرائيلية استهدفت مواقع في محيط مدينة حلب بشمال سوريا. ولم تعلن إسرائيل، كعادتها، مسؤوليتها عن الهجوم الجديد الذي تسبب في إخراج مطار حلب الدولي من الخدمة.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
المشرق العربي لا تأكيد أميركياً لقتل تركيا زعيم «داعش» في سوريا

لا تأكيد أميركياً لقتل تركيا زعيم «داعش» في سوريا

في حين أعلنت الولايات المتحدة أنها لا تستطيع تأكيد ما أعلنته تركيا عن مقتل زعيم تنظيم «داعش» الإرهابي أبو الحسين الحسيني القرشي في عملية نفذتها مخابراتها في شمال سوريا، قال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو إن قوات بلاده حيدت (قتلت) 17 ألف إرهابي في السنوات الست الأخيرة خلال العمليات التي نفذتها، انطلاقاً من مبدأ «الدفاع عن النفس».

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
المشرق العربي إردوغان يعلن مقتل «الزعيم المفترض» لتنظيم «داعش» في سوريا

إردوغان يعلن مقتل «الزعيم المفترض» لتنظيم «داعش» في سوريا

أعلن الرئيس التركي رجب طيب إردوغان، يوم أمس (الأحد)، مقتل «الزعيم المفترض» لتنظيم «داعش» في سوريا خلال عملية نفذتها الاستخبارات التركية. وقال إردوغان خلال مقابلة متلفزة: «تم تحييد الزعيم المفترض لداعش، واسمه الحركي أبو الحسين القرشي، خلال عملية نفذها أمس (السبت) جهاز الاستخبارات الوطني في سوريا». وكان تنظيم «داعش» قد أعلن في 30 نوفمبر (تشرين الأول) مقتل زعيمه السابق أبو حسن الهاشمي القرشي، وتعيين أبي الحسين القرشي خليفة له. وبحسب وكالة الصحافة الفرنيسة (إ.ف.ب)، أغلقت عناصر من الاستخبارات التركية والشرطة العسكرية المحلية المدعومة من تركيا، السبت، منطقة في جينديرس في منطقة عفرين شمال غرب سوريا.

«الشرق الأوسط» (إسطنبول)
المشرق العربي الرئيس التونسي يعيّن سفيراً جديداً لدى سوريا

الرئيس التونسي يعيّن سفيراً جديداً لدى سوريا

قالت الرئاسة التونسية في بيان إن الرئيس قيس سعيد عيّن، اليوم الخميس، السفير محمد المهذبي سفيراً فوق العادة ومفوضاً للجمهورية التونسية لدى سوريا، في أحدث تحرك عربي لإنهاء العزلة الإقليمية لسوريا. وكانت تونس قد قطعت العلاقات الدبلوماسية مع سوريا قبل نحو عشر سنوات، احتجاجاً على حملة الأسد القمعية على التظاهرات المؤيدة للديمقراطية عام 2011، والتي تطورت إلى حرب أهلية لاقى فيها مئات آلاف المدنيين حتفهم ونزح الملايين.

«الشرق الأوسط» (تونس)
المشرق العربي شرط «الانسحاب» يُربك «مسار التطبيع» السوري ـ التركي

شرط «الانسحاب» يُربك «مسار التطبيع» السوري ـ التركي

أثار تمسك سوريا بانسحاب تركيا من أراضيها ارتباكاً حول نتائج اجتماعٍ رباعي استضافته العاصمة الروسية، أمس، وناقش مسار التطبيع بين دمشق وأنقرة.


تطمينات أميركية للبنان حول الاتفاق مع إيران


الرئيس جوزيف عون مجتمعاً مع الوفد اللبناني المفاوض بحضور قائد الجيش العماد رودولف هيكل قبل أيام (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس جوزيف عون مجتمعاً مع الوفد اللبناني المفاوض بحضور قائد الجيش العماد رودولف هيكل قبل أيام (الرئاسة اللبنانية)
TT

تطمينات أميركية للبنان حول الاتفاق مع إيران


الرئيس جوزيف عون مجتمعاً مع الوفد اللبناني المفاوض بحضور قائد الجيش العماد رودولف هيكل قبل أيام (الرئاسة اللبنانية)
الرئيس جوزيف عون مجتمعاً مع الوفد اللبناني المفاوض بحضور قائد الجيش العماد رودولف هيكل قبل أيام (الرئاسة اللبنانية)

تلقّى الرئيس اللبناني جوزيف عون تطمينات أميركية، عبر اتصال هاتفي من نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس، ووزير الخارجية ماركو روبيو، أكدا فيه دعم واشنطن للدولة اللبنانية في مساعيها لبسط سلطتها على كامل أراضيها، ومتابعة تنفيذ ما جرى الاتفاق عليه في اجتماعات سويسرا، بما في ذلك تشكيل خلية مشتركة تضم الولايات المتحدة ولبنان وإيران لتثبيت وقف النار ومراقبة تنفيذه.

وفي موازاة ذلك، شدد عون، خلال اجتماع لمتابعة المفاوضات اللبنانية الأميركية - الإسرائيلية التي انطلقت جولتها الخامسة في واشنطن، أمس، على أن خيار التفاوض أثبت صوابيته، مؤكداً أن لبنان «لن يقبل إلا بزوال الاحتلال الإسرائيلي والوصايات الخارجية معاً».

وعلمت «الشرق الأوسط» أن المحادثات ركّزت، بدفع أميركي، على انسحاب إسرائيلي تجريبي من قرى لبنانية مختارة؛ تطبيقاً لمبدأ اتفق عليه سابقاً فيما يتعلق بإقامة «مناطق نموذجية» تنسحب منها القوات الإسرائيلية وتنتشر فيها قوات من الجيش اللبناني، على أن «تخضع الخطوات المتبادلة لمراقبة أميركية، وفق آلية لا تزال قيد البحث».

ميدانياً، واصلت إسرائيل اختبار حدود وقف إطلاق النار عبر هجمات عسكرية محدودة في الجنوب، وسط توتر في محيط النبطية وتلة علي الطاهر، ما يُبقي الهدنة تحت ضغط الخروقات المتكررة.


العراق يضبط أموال اختلاس «تحت الأرض»

صورة وزعها القضاء العراقي لمبالغ نقدية ضبطت داخل صناديق وأكياس مقيدة بختم البنك المركزي العراقي
صورة وزعها القضاء العراقي لمبالغ نقدية ضبطت داخل صناديق وأكياس مقيدة بختم البنك المركزي العراقي
TT

العراق يضبط أموال اختلاس «تحت الأرض»

صورة وزعها القضاء العراقي لمبالغ نقدية ضبطت داخل صناديق وأكياس مقيدة بختم البنك المركزي العراقي
صورة وزعها القضاء العراقي لمبالغ نقدية ضبطت داخل صناديق وأكياس مقيدة بختم البنك المركزي العراقي

أعلنت السلطات القضائية في العراق ضبط ملايين الدولارات مخبأة تحت الأرض تعود لقضية اختلاس، اتهم فيها وكيل وزارة النفط وعدة مسؤولين.

وأظهرت صور وزّعتها محكمة عراقية أن أجهزة إنفاذ القانون اضطرت إلى «حفر الأرض بعمق 4 أمتار للعثور على ملايين الدولارات».

وتحدث قاضي تحقيق محكمة جنايات مكافحة الفساد، في بيان، عن تطورات في قضية وكيل وزارة النفط الموقوف عدنان الجميلي، أسفرت عن إلقاء القبض على محافظ صلاح الدين الأسبق رائد الجبوري. وأضاف القاضي أن السلطات ضبطت، أمس (الثلاثاء)، «أكثر من 67 مليار دينار (نحو 65 مليون دولار) ومليون دولار مخبأ في منازل عدد من الأشخاص».

وأوضح القاضي أن «الجزء الآخر من المبلغ مخبأ تحت الأرض بعمق 4 أمتار، تم العثور عليه بعد حفر الأرض بآليات متخصصة ليتجاوز مقدار المبالغ المالية التي تم ضبطها في القضية 98 مليار دينار (نحو 95 مليون دولار) و11 مليون دولار».


لجنة أممية تتهم إسرائيل باستهداف الأطفال «عمداً» في إطار «الإبادة» بغزة

أطفال فلسطينيون نازحون ينقلون حاويات المياه في ملعب اليرموك لكرة القدم الذي تضرر خلال الحرب الإسرائيلية بمدينة غزة (أ.ب)
أطفال فلسطينيون نازحون ينقلون حاويات المياه في ملعب اليرموك لكرة القدم الذي تضرر خلال الحرب الإسرائيلية بمدينة غزة (أ.ب)
TT

لجنة أممية تتهم إسرائيل باستهداف الأطفال «عمداً» في إطار «الإبادة» بغزة

أطفال فلسطينيون نازحون ينقلون حاويات المياه في ملعب اليرموك لكرة القدم الذي تضرر خلال الحرب الإسرائيلية بمدينة غزة (أ.ب)
أطفال فلسطينيون نازحون ينقلون حاويات المياه في ملعب اليرموك لكرة القدم الذي تضرر خلال الحرب الإسرائيلية بمدينة غزة (أ.ب)

اتهمت لجنة تحقيق تابعة للأمم المتحدة إسرائيل باستهداف الأطفال الفلسطينيين «عمداً»، وعدَّت أن ذلك أصبح عاملاً رئيسياً في «الإبادة» المستمرة بقطاع غزة، وذلك في تقريرٍ أصدرته اليوم الثلاثاء، ولقي انتقاد الدولة العبرية، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وسبق للجنة التحقيق الدولية المستقلة، التابعة للأمم المتحدة والمعنية بالأرض الفلسطينية المحتلّة، أن عدَّت، العام الماضي، أن إسرائيل ترتكب «إبادة جماعية» في الحرب، التي اندلعت في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

وأوضحت، في تقريرها الجديد، أن القتل في القطاع المحاصَر والمدمَّر يتواصل رغم اتفاق وقف إطلاق النار المعلَن منذ 10 أكتوبر 2025.

وجاء فيه أن «السلطات الإسرائيلية وقوات الأمن استهدفت الأطفال الفلسطينيين عمداً، مما أدى إلى ارتكاب جريمة الإبادة الجماعية وجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب في قطاع غزة، وجرائم حرب في الضفة الغربية»، حيث تصاعدت مستويات العنف منذ حرب غزة.

ورأى أن «الاستهداف المتعمَّد للأطفال هو أحد العناصر الرئيسية التي تُثبت نية الإبادة الجماعية لدى السلطات الإسرائيلية وقوات الأمن بغية تدمير المجموعة الفلسطينية، كلياً أو جزئياً، في غزة».

وكانت لجنة التحقيق، التي لا تنطق باسم المنظمة الدولية، قد خلصت، في سبتمبر (أيلول) 2025، إلى أن إسرائيل ارتكبت «إبادة جماعية» في غزة. ورفضت الدولة العبرية هذه الخلاصة.

وقال رئيس اللجنة سرينيفاسان موراليدار: «تُظهر الأدلة أن الأطفال الفلسطينيين قد استُهدفوا وقُتلوا بشكل متعمَّد على يد قوات الأمن الإسرائيلية»، مضيفاً: «حتى بعد وقف إطلاق النار في أكتوبر 2025، لا يزال الأطفال يُقتلون ويصابون بجروح خطيرة، مع استمرار تجاهل إسرائيل وقف إطلاق النار والحماية المكفولة للأطفال الفلسطينيين، بموجب القانون الدولي».

اعتداء على شعب بأكمله

ورفضت إسرائيل، التي طالما وجَّهت انتقادات لعمل اللجنة، خلاصات التقرير الجديد، وعدَّت أنه «تشهيريّ».

واتهمت المحققين بتجاهل «التكتيكات الوحشية لـ(حماس) التي تُهاجم الأطفال الإسرائيليين بلا رحمة وتستخدم الأطفال الفلسطينيين دروعاً بشرية».

وأسَّس مجلس حقوق الإنسان، التابع للأمم المتحدة، اللجنة في عام 2021.

وقد قامت، لأجل تقريرها الأخير، بالنظر في جرائم تؤثر على حياة الأطفال، الآن ولسنوات عدة، إضافة إلى ظروف اعتقالهم من قِبل السلطات الإسرائيلية.

وأضافت: «لقد أدت الإصابات الجسدية والنفسية الشديدة، والصدمة الجماعية، واليُتم، والانفصال، والإعاقة، والنزوح المتكرر، إلى محو الطفولة والتجويع، وخلّفت آثاراً ستُلاحق أطفال غزة طوال حياتهم، وانهيار التعليم والرعاية الصحية».

وتابعت: «تعرَّض أطفال فلسطينيون للاعتقال والتعذيب وأشكال أخرى خطيرة؛ من سوء المعاملة في السجون ومَرافق الاحتجاز الإسرائيلية، دون أي معلومات عن مكان وجودهم. واستخدمت قوات الأمن الإسرائيلية العنف الجنسي ضد الأطفال في جزء من الاحتلال للقمع الجماعي، المتجذر في نمط طويل الأمد ذي طابع عِرقي وعابر للأجيال من الإذلال والعداء الإسرائيلي».

وعدَّت أنه «باستهدافها الأطفال، تُقوِّض إسرائيل البنية الأساسية للمجتمع الفلسطيني وتُضعف قدرته على صون وممارسة حقه كشعب في تقرير مستقبله».

ونقل التقرير عن رئيس اللجنة قوله: «لا يمكن فصل حماية الأطفال الفلسطينيين والاعتناء بهم وإبقائهم على قيد الحياة عن حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير والوجود وفي تقرير مستقبله. من خلال استهداف الأطفال، تعتدي إسرائيل على قدرة الشعب الفلسطيني نفسه».

«زعزعة مقوّمات المجتمع»

أتى صدور التقرير بعد أيامٍ من تحذير منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف» من أن وقف إطلاق النار المعلَن في غزة هو «وهم قاتل» للأطفال الفلسطينيين، مشيرة إلى مقتل 265 منهم منذ بدء سريانه في أكتوبر 2025.

ولفت المتحدث باسم «يونيسف» جيمس إلدى إلى أن معظم هؤلاء الأطفال قُتلوا «على يد القوات الإسرائيلية». وأوضح: «كان عدد قليل منهم ضحايا ذخائر غير منفجرة، وعدد أقل منهم ضحايا لميليشيات. لكن معظمهم قُتلوا على يد القوات الإسرائيلية في غارات جوية أو قنابل أو طائرات مُسيّرة».

وأسفر هجوم «حماس» غير المسبوق على جنوب الدولة العبرية عن مقتل 1221 شخصاً، وفق إحصاء لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» يستند إلى بيانات إسرائيلية رسمية.

في المقابل، قُتل أكثر من 72 ألفاً و800 شخص، جرّاء القصف والعمليات العسكرية الإسرائيلية بالقطاع، وفق بيانات وزارة الصحة في غزة.

ووفقاً للأمم المتحدة، قُتل ما لا يقل عن 20 ألفاً و179 طفلاً، وأُصيب 44 ألفاً و143 آخرين، في العامين الأولين للحرب؛ نتيجة الأعمال العدائية بين طرفي النزاع.

إلى ذلك، رأت اللجنة أن «تفكيك وتدمير دُور الأيتام والمرافق التعليمية في غزة والضفة الغربية، بما في ذلك القدس الشرقية» أدى إلى «إعاقة الرعاية والنمو المعرفي والعاطفي والاجتماعي للأطفال، وزعزعة مقوّمات المجتمع الفلسطيني».

وأضافت: «أضرّ استهداف إسرائيل مراكز رعاية الأطفال حديثي الولادة والأمومة في غزة، بشكل مباشر، بقاء الأطفال حديثي الولادة ومستقبل الفلسطينيين الإنجابي، بما في ذلك من خلال زيادة معدلات الإجهاض العفوي والعيوب الخلقية والضعف الدائم بين الأطفال حديثي الولادة، مما أدى إلى تدمير حياة الأطفال الفلسطينيين حديثي الولادة واستمرارية السكان».

كما عدَّت أن «التجويع»، الناتج عن الحصار الإسرائيلي للقطاع وشُحّ المواد الإنسانية التي يُسمح بدخولها، أسهم «في وفاة الأطفال الفلسطينيين وأثّر بشكل خطير على صحة كثير من الأطفال الآخرين، وحرَمَهم من التغذية الأساسية وزاد من خطر الإصابة بالأمراض، في ظل انخفاض التحصين، وانعدام الأمن الغذائي، وتدمير الخدمات الصحية».

وحذّر موراليدار من أنه «حتى لو سكتت القنابل والبنادق في غزة والضفة الغربية، فإن الأطفال الفلسطينيين لن يتعافوا بين ليلة وضحاها. إن تدمير صحتهم وتعليمهم ونموّهم أمر لا رجعة فيه».

وتضمّن التقرير قائمة بألوية ووحدات عسكرية إسرائيلية قد تكون مسؤولة عن مقتل أطفال في حوادث محددة بغزة والضفة الغربية.

وقال المحامي بمجال حقوق الإنسان وعضو لجنة التحقيق الدولية المستقلة التابعة للأمم المتحدة، التي تنظر في انتهاكات حقوق الإنسان بإسرائيل والأراضي الفلسطينية، كريس سيدوتي: «نعرفها»؛ في إشارة إلى هذه الوحدات.

وأضاف، في مؤتمر صحافي: «انتهكت أفعال السلطات الإسرائيلية تجاه الأطفال الفلسطينيين كل القواعد القانونية الدولية، ويجب محاسبتها على ذلك».

وأفاد متوجّهاً للإسرائيليين مباشرة: «أي نوع من القادة لديكم عندما يصدرون أوامر ويطلقون تصريحات تُشجّع هذا النوع من السلوك؟! لا يكتفون بالسماح به، بل يشجّعونه».