عمر ميقاتي لـ «الشرق الأوسط»: لبنان هو الدراما الكبرى

الممثل القدير يحتفظ بأوسمة في صندوق وليس في صدر المنزل

عمر ميقاتي
عمر ميقاتي
TT

عمر ميقاتي لـ «الشرق الأوسط»: لبنان هو الدراما الكبرى

عمر ميقاتي
عمر ميقاتي

ثلاث مرات خلال خمس سنوات، دخل الفنان عمر ميقاتي المستشفى، ليبدأ حديثه مع «الشرق الأوسط» بخلاصة: «على الممثل أن يحيط نفسه بظروف مريحة ليحافظ على نشاط دماغه». خمسون عاماً أمضاها بين المسرح والإذاعة ومواقع التصوير، أشعلت آلاماً في الركبة ورفعت عالياً تقدير النِعم: «لا أزال واقفاً على قدمَي. أراعي صحتي وأحيطها بالحذر. عمري 77 عاماً؛ علامتا النصر بالأرقام العربية. أصوّر مسلسلاً بعد أيام، وأمضي الوقت في القراءة والاستماع للموسيقى الكلاسيكية. (بحيرة البجع) لتشايكوفسكي تذهلني، وأمرّن ذهني بألعاب مفيدة».
كانت أمامه ساعة قبل وصول سيارة تقله إلى مدينته طرابلس حيث «المسرح الوطني»؛ مكانه الحميم. الطلاب هناك في انتظاره، فيقدّم لهم تدريبات تُحسّن الإلقاء بالفصحى. خلال الحوار، قدّم صورة المتصالح مع نفسه، الواثق بخياراته: «أعتذر عن (عدم قبول) أدوار لا تليق، ومن أصل 10 خلال السنوات الأخيرة، وافقتُ على 5. الكتّاب والمنتجون يعرفونني جيداً. حين يطلبونني لشخصية، لا يفعلون ذلك إلا لثقتهم بقدرتي. الأهم؛ أن تُتاح ظروف مريحة».
عمر ميقاتي رفيق «الإذاعة اللبنانية» الرسمية، كتب وأخرج عشرات البرامج، ومنح صوته لشخصيات ضخّ فيها اللحم والدم. لا ينتظر دوراً بقدر ما يريد من الدور نفسه أن يشغله: «الأدوار المفضلة تعتمد على دماغ الممثل وتُظهر حضوره وثقافته. في (شتي يا بيروت) كنتُ ذلك الأب الضئيل الذاكرة، لكنه الطيب تجاه ابنتيه. ثمة أدوار يمكن تأديتها بالتمثيل فقط. الدور الحقيقي هو ما نؤديه بشغف المهنة».
بسلامه الداخلي يقرأ المشهد الدرامي الميّال إلى التركيبة المشتركة والنقل من التركي: «لا بأس؛ ما دام التنفيذ محترفاً. يستوقفني نوع يدّعي (الواقعية) وهي مزعجة برأيي، لكون بعض المَشاهد في بعض المسلسلات غريباً عن بيئتنا. الجرأة غيرها الوقاحة، وحين تغلب الأخيرة، أطرح علامات استفهام حول النوايا. للعمل الدرامي أصول، فإن سيطر الهمّ التجاري، قلَّ الحياء وما هو مُوجّه للعائلة».
يعنيه أنّ صغاراً يعرفونه في تجولاته، فيطمئن إلى أنّ فنه آمن. هذا «مبدأ وتربية»؛ برأيه. هاجسه حراسة ما تعلّمه في منزله، فلا يخدش عيناً أو يُخجل جَمعة. يعود إلى أنه ابن الفنان الكبير نزار ميقاتي، مؤسّس «المسرح الوطني» اللبناني. يُحمّله الأب الراحل مكانته وهيبته، فيخشى التفريط في الإرث. يسمّي والده «أستاذي العظيم في الفن والأدب والفكر، ترك لي مكتبة تضم نحو 5000 كتاب؛ بينها النادر»، ويعود بالتاريخ إلى جذور أمه وشجرة العائلة. الرجل على عتبة الثمانين، أمامهما هو طفل لا يكبر.
أيعقل أنه لم يعتد الغياب ولم يتكيّف مع الرحيل؟ يقيمان فيه؛ «فأستيقظ ليلاً لأرى طيف الوالدة إلى جانبي. الوالد بدوره لا يغادر أفكاري». إطلاق اسم الأب على قاعة «المسرح الوطني» في طرابلس، بهمّة المسرحي الشاب قاسم إسطنبولي، يريح الابن لإحساسه بحضوره الدائم. يترقّب الربيع المقبل موعداً لإصدار كتابه «مشوار نزار» عنه: «لم أرده سرداً. أكتبه منذ سنوات على شكل حوار يُظهر جماله الإنساني».
لا تتخذ مشاعر السخط في داخله مساحة، إلا حيال الوضع اللبناني: «هنا الدراما الكبرى. دراما الشعب. ما بعدها يهون». عاش حروباً وتحولات؛ «إنما ما يحدث اليوم لم نشهده من قبل». صرخته الوحيدة من وجعه على الإنسان الفقير الجائع، وكم تملأ فضاءات ولا تبلغ الآذان!
يحتفظ بأوسمة تقديرية في صندوق، فليس عمر ميقاتي ممن يفلشونها في صدور المنازل. تمنحه إحساساً بأنّ الجهد لا يُحجب. ككل نفس يحرّرها الشبع من الصغائر، يردّ المحبة بأبهى حلّتها إلى ما يكنّه الناس له... «الشباب والكبار»، يؤكد ويشدد، «يعني أنني على السكة الصحيحة، وفني يحاكي العائلة بكامل أفرادها».
السمعة الطيبة ليست وليدة يوم وليلة... هي مسار من المحاولات والدروس والتجارب. سنوات وعمر ميقاتي يقدّم فناً محترماً على المسارح اللبنانية، ويبني مع الخشبة علاقة وفاء. وهو إن تنقّل في أدوار تلفزيونية أو أخذته شخصية سينمائية إلى عالمها، يبقى المسرح الأعزّ على القلب.
يقول عنه: «هو علاقتي المباشرة مع الجمهور وحضوري المُدرَك. لا مجال لنسيان سطر، فذلك يسبّب إرباكاً. ينال المسرح من أعصابي ويقضم وقتي. لسبع أو ثماني سنوات، وأنا أقدّم عروضاً متواصلة مع جورج خباز. بلغتُ مرحلة عدم القدرة على الاستمرار. باستثناء مرة أو اثنتين أسبوعياً، بات الذهاب إلى الشاتو تريانون (مسرح في منطقة الزلقا) صعباً ليلاً. تتعذّر القيادة ويغدو إرهاق الآخرين مسألة غير لطيفة. أرى من الأفضل التفرّغ للكتابة والإخراج. (تمثلياً)، لم يعد الظرف يساعد».
على لسانه ترِد استعادة ذكرياته أيام مجد المسرح مع الرحابنة وزياد الرحباني والمسيرة الطويلة. يشعر بأنه أدّى قسطه. يحمل سؤاله «أين المسرح اليوم؟» حزناً على البلد وأحواله، كحزنه على مدينته طرابلس وهي تُصدّر الجثث إلى البحار وتقتل طلابها لسقوط سقف الصف على الرأس. المضيء في مشهدها هو «المسرح الوطني» الذي يحضّر عرضاً على خشبته. يسدّد الغضب تجاه مُستحقيه: «مسؤولون بمعظمهم لا خير فيهم لأحد. ضمائرهم ميتة».


مقالات ذات صلة

رهف عبد الله: دوري في «سر وقدر»... رسالة تُعزِّز ثقة المرأة بنفسها

يوميات الشرق تشيد بمهنية الممثلة وفاء طربيه (إنستغرام الفنانة)

رهف عبد الله: دوري في «سر وقدر»... رسالة تُعزِّز ثقة المرأة بنفسها

تشارك الممثلة رهف عبد الله في مسلسل «سر وقدر» بشخصية امرأة تبدأ من الضعف لتصل إلى القوة، حاملة رسالة تؤكِّد أن الثقة بالنفس قادرة على تغيير المصير.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق بسنت شوقي في أحد أدوارها (صفحتها في «فيسبوك»)

بسنت شوقي: التنوّع خيار محسوب بين «إفراج» و«الكينج»

أوضحت الممثلة المصرية بسنت شوقي أنها تعاملت مع شخصية «وفاء» بجدّية في التحضير، وحرصت على البحث عن نماذج قريبة منها في الواقع.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق تارا مع أحمد رمزي بطل «فخر الدلتا» (حسابها على فيسبوك)

تارا عبود لـ«الشرق الأوسط»: قدمت أوراق اعتمادي في الدراما المصرية

عدَّت الممثلة الأردنية تارا عبود مشاركتَها في الموسم الرمضاني الماضي، عبر مسلسلَيْ «صحاب الأرض» و«فخر الدلتا»، ورقةَ اعتماد لها ممثلةً في مصر.

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق يورغو شلهوب وكارين رزق الله شكّلا ثنائية مؤثرة في «المحافظة 15» (إنستغرام)

يورغو شلهوب: الإحساس الفطري هو الأساس في التمثيل

يورغو شلهوب قدَّم في «المحافظة 15» أداءً مؤثراً لشخصية «فؤاد» عبر دراسة نفسية، وتجارب معتقلين حقيقيين، ما منح الدور واقعية كبيرة.

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق من مسلسل «الشقيقة الأخرى لعائلة بينيت» (بي بي سي- باد وولف)

ماري بينيت... إعادة الإعتبار لشخصية من عالم جين أوستن

لماذا لا يكتفي الناس بما تركته الروائية الإنجليزية جين أوستن من كتب؟ لماذا لا تنتهي المعالجات الأدبية والفنية لرواياتها؟ لا يبدو ذلك ممكناً.

عبير مشخص (لندن)

روسيا والصين تجهضان بـ«الفيتو» مشروع «هرمز» في مجلس الأمن

مجلس الأمن في نيويورك (أ.ف.ب)
مجلس الأمن في نيويورك (أ.ف.ب)
TT

روسيا والصين تجهضان بـ«الفيتو» مشروع «هرمز» في مجلس الأمن

مجلس الأمن في نيويورك (أ.ف.ب)
مجلس الأمن في نيويورك (أ.ف.ب)

أخفق مجلس الأمن، الثلاثاء، في التعامل مع واحدة من أخطر الأزمات العالمية منذ إنشائه في منتصف الأربعينات، إذ استخدمت كل من روسيا والصين حقَّ النقض (الفيتو)؛ لتعطيل مشروع قرار قدَّمته البحرين؛ لحماية الشحن التجاري في مضيق هرمز، مما رفع نسبة الإحباط من الدبلوماسية المتعددة الأطراف لصون الأمن والسلم الدوليَّين، وضاعف أخطار خروج الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل مع إيران عن السيطرة.

وبعد أسابيع من المفاوضات المكثَّفة استجابت خلالها البحرين لكثير من المطالب الروسية والصينية، فشل المجلس في تبني النصِّ الذي حصل على 11 صوتاً مؤيِّداً (الولايات المتحدة، وبريطانيا، وفرنسا، والبحرين، والصومال، وجمهورية الكونغو الديمقراطية، وليبيريا، ولاتفيا، والدانمارك، واليونان، وبنما)، مقابل صوتين معارضين (روسيا والصين)، وامتناع عضوين عن التصويت (باكستان وكولومبيا).

وعقب التصويت، عبَّر وزير الخارجية البحريني عبد اللطيف الزياني عن «أسفه الشديد» للنتيجة، قائلاً إن المجلس لم يتَّخذ إجراءً حاسماً في مواجهة التهديدات غير القانونية للملاحة البحرية من إيران. وحذَّر من أنَّ عدم تبني القرار يقوِّض صدقية المجلس، ويشجِّع على مزيد من الاضطرابات في أحد أهم طرق التجارة في العالم. وذكَّر بأنَّ مضيق هرمز يُعدُّ شرياناً حيوياً لإمدادات الطاقة العالمية، وأي عرقلة له قد تكون لها عواقب وخيمة على أسواق النفط، والأمن الغذائي، والتجارة الدولية.

وزير الخارجية البحريني عبد اللطيف الزياني مترئساً جلسة مجلس الأمن (أ.ف.ب)

واتَّهم الزياني إيران بتوجيه تهديدات متكرِّرة بإغلاق الممرِّ المائي واستهداف السفن التجارية، واصفاً هذه الأعمال بأنَّها انتهاكات للقانون الدولي، بما في ذلك اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار. وعلى الرغم من هذه النكسة، فإنَّ الزياني أكد أنَّ دول الخليج، البحرين والمملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة وقطر والكويت بالإضافة إلى الأردن، ستواصل التنسيق مع شركائها الدوليِّين لحماية الأمن البحري، وضمان حرية حركة التجارة، وحض إيران على الامتثال لقرارات مجلس الأمن.

وأشار دبلوماسيون إلى أنَّ التصويت يُبرز انقسامات عميقة داخل المجلس في ظلِّ تصاعد التوترات الإقليمية، وازدياد المخاوف بشأن استقرار سلاسل التوريد العالمية.

الموقف الأميركي

المندوب الأميركي لدى الأمم المتحدة مايك والتز (إ.ب.أ)

وقال المندوب الأميركي الدائم لدى الأمم المتحدة، مايك والتز، إن واشنطن «تقف بحزم» إلى جانب البحرين وحلفائها في الخليج، واصفاً اللحظة بأنَّها «حاسمة». وانتقد روسيا والصين لاستخدامهما «الفيتو» ضد مشروع القرار، مشيراً إلى أنهما انحازتا إلى جانب إيران على الرغم من الدعم الدولي الواسع لإبقاء الممرِّ المائي مفتوحاً. وكذلك اتهم إيران بتصعيد الصراع من خلال زرع الألغام في المضيق، واستهداف السفن التجارية، وشن هجمات صاروخية ومسيّرات واسعة النطاق على البنية التحتية المدنية في دول الخليج.

وأوضح أنَّ هذه الأعمال عطَّلت خطوط الشحن الحيوية لإمدادات الطاقة العالمية والمساعدات الإنسانية، بما في ذلك الغذاء والأسمدة والمساعدات الطبية. وقال: «إيران تتخذ من اقتصاد العالم رهينة»، محذِّراً من أنَّ استمرار هذا التعطيل قد يُفاقم أزمات سلاسل الإمداد، ويزيد من خطر انعدام الأمن الغذائي، لا سيما في المناطق الهشة. كما ربط والتز الأزمة الحالية بدور إيران الإقليمي الأوسع، واصفاً إياها بأنَّها «مصدر طويل الأمد لعدم الاستقرار» من خلال دعمها الجماعات المسلحة التابعة لها، وشنها هجمات على الأفراد الأميركيين وحلفائهم.

وعلى الرغم من هذه النكسة الدبلوماسية، فإنَّ والتز أكد أنَّ الولايات المتحدة ستواصل الدفاع عن مصالحها ومصالح شركائها، وأنَّها تحتفظ بحقها في الدفاع الجماعي عن النفس. وأضاف أن واشنطن لا تزال منفتحةً على الحوار الدبلوماسي، لكنه حذَّر من أنَّ المفاوضات لن تنجح إذا استمرَّت إيران فيما وصفه بـ«نمط التصعيد». وقال: «إن مضيق هرمز حيوي للغاية للاقتصاد العالمي، ولا يجوز لأي دولة استخدامه سلاحاً»، وحضَّ المجتمع الدولي على التحرُّك لضمان حرية الملاحة.

وعبَّر المندوب الفرنسي، جيروم بونافون، عن أسف بلاده لعدم تمكُّن مجلس الأمن من إقرار مشروع القرار الذي قدَّمته البحرين بسبب «الفيتو». وقال إن فرنسا «صوَّتت لصالح مشروع القرار هذا لأنَّ حرية الملاحة، والسلامة، والأمن البحري في مضيق هرمز ذات أهمية بالغة لاستقرار الشرق الأوسط والاستقرار الدولي، ولأنَّ النص، في رأينا، تضمن جزءاً من الوسائل اللازمة للمساهمة في ذلك». وذكَّر بالقرار 2817، الذي أدان الضربات الإيرانية العشوائية التي استهدفت دول الخليج والأردن.

الموقف الروسي

أما المندوب الروسي لدى الأمم المتحدة، فاسيلي نيبينزيا، فقال إنَّ بلاده صوَّتت ضد القرار، عادّاً أنَّ المسوَّدة «تُحمِّل إيران ظلماً مسؤولية تصاعد التوترات»، متجاهلة ما سماها «الأسباب الجذرية» للأزمة، ألا وهي العمليات العسكرية الأميركية والإسرائيلية. ووصف النصَّ بأنَّه «غير متوازن»، محذّراً من أنه «قد يُرسي سابقةً خطيرةً في القانون الدولي». كما عبَّر عن «مخاوف من إمكانية تفسير القرار على أنَّه يُبرر استخدام القوة بذريعة حماية الملاحة البحرية». ومع ذلك أقرَّ بمخاوف دول الخليج الأمنية، مجادلاً بأنَّ المقترح يُنذر بمزيدٍ من التصعيد بدلاً من أنْ يُمهِّد الطريق نحو خفض التصعيد. وعرض لمشروع قرار بديل بالتعاون مع الصين. وأمل بالتصويت عليه سريعاً.

وعبَّر نظيره الصيني عن مخاوف مماثلة لتبرير استخدام حق «الفيتو». وقال إن «تفاصيل هذا الصراع واضحة وضوح الشمس» بعدما «شنَّت الولايات المتحدة وإسرائيل، دون تفويض من مجلس الأمن، وفي خضم المفاوضات الجارية بين إيران والولايات المتحدة، ضربات عسكرية ضد إيران في انتهاك صارخ لمقاصد ومبادئ ميثاق الأمم المتحدة والأعراف الأساسية للعلاقات الدولية». وأضاف أنه «في الوقت نفسه، يجب احترام سيادة دول الخليج وأمنها وسلامة أراضيها احتراماً كاملاً، وتوفير الحماية اللازمة للمدنيين والأهداف غير العسكرية. كما يجب ضمان سلامة وأمن الممرات الملاحية والبنية التحتية للطاقة».


باريس تعارض جذرياً استهداف البنى التحتية المدنية في إيران

أضرار لحقت بالممتلكات بسبب غارات على مدينة بارديس بمحافظة طهران في إيران يوم 7 أبريل (رويترز)
أضرار لحقت بالممتلكات بسبب غارات على مدينة بارديس بمحافظة طهران في إيران يوم 7 أبريل (رويترز)
TT

باريس تعارض جذرياً استهداف البنى التحتية المدنية في إيران

أضرار لحقت بالممتلكات بسبب غارات على مدينة بارديس بمحافظة طهران في إيران يوم 7 أبريل (رويترز)
أضرار لحقت بالممتلكات بسبب غارات على مدينة بارديس بمحافظة طهران في إيران يوم 7 أبريل (رويترز)

تعيش الدول الأوروبية على هامش الحرب الدائرة، بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وبين إيران من جهة ثانية. وجاء رفضها الجماعي الاستجابة لطلبات الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي حضّها على الانخراط في إعادة فتح مضيق هرمز، ليضاعف تهميشها ولتصيبها شظايا الهجمات الحادة التي قام بها على الحلف الأطلسي، الذي تنتمي إليه غالبية الدول الأوروبية.

صورة مأخوذة من شريط فيديو لقصف جسر كرج غرب طهران (أ.ف.ب)

كذلك، ساهم رفض دول كبريطانيا وفرنسا وإسبانيا السماح للطائرات الأميركية اجتياز أجوائها في مضاعفة غيظ ترمب، الذي يلوح بتخليه عن الناتو وترك الأوروبيين يواجهون وحدهم الحرب في أوكرانيا وما يعدّونه التهديدات الروسية للقارة القديمة. ورغم ذلك، ما زالت هناك دول أوروبية ترفض الانصياع للخطط الأميركية (والإسرائيلية) بخصوص إيران. ورغم تسارع العدّ العكسي للمهلة (النهائية) التي أعطاها ترمب للسلطات الإيرانية لفتح مضيق هرمز مجدداً أمام الملاحة الدولية، أو توقيع اتفاق يسعى لفرضه على طهران متضمناً الشروط الأميركية، وتهديدها، في حال الامتناع، باستهداف محطات الطاقة وتدمير جميع الجسور، بل «موت حضارة كاملة لن تعود أبداً»، ما زالت تُسمع، أوروبياً، أصوات ترفض خطط ترمب وتشكك بنجاح سياسته وتطرح مقاربة مختلفة جذرياً عن سياسته.

بارو: نعارض استهداف البنى التحتية المدنية

وفي هذا السياق، تندرج التحذيرات التي أطلقها جان نويل بارو، وزير الخارجية الفرنسي، الثلاثاء، في مقابلة مع القناة الإخبارية «فرنس إنفو»، وفيها وجّه مجموعة من الرسائل إلى الإدارة الأميركية، أولاها أن باريس «تعارض أي ضربات تستهدف البنية التحتية المدنية» في إيران، كما في أوكرانيا، مذكراً أن بلاده «ندّدت مراراً وتكراراً بالضربات التي شنّها فلاديمير بوتين على منشآت الطاقة» الأوكرانية.

يعرب الوزير الفرنسي عن قلق باريس من برنامج إيران النووي الذي يرى فيه «تهديداً للمنطقة ولمصالح فرنسا الأمنية» (أ.ف.ب)

وبذلك، سعى بارو لإثبات أن بلاده لا تزن بميزانين، أو تكيل بمكيالين. وأضاف بارو أن فرنسا تعارض استهداف منشآت الطاقة والبنى التحتية المدنية لسببين: الأول، لأنها «محظورة بموجب قواعد الحرب والقانون الدولي». والثاني لأنها «قد تفتح على الأرجح مرحلة جديدة من التصعيد والردود الانتقامية التي قد تُدخل المنطقة والاقتصاد العالمي في حلقة مفرغة مقلقة للغاية، وستكون مضرّة بشكل خاص بمصالحنا». وبنظره، فإن استهداف منشآت الطاقة سيفضي إلى «ردود فعل إيرانية انتقامية ستزيد تفاقم وضع مقلق أصلاً».

يوم الأحد الماضي، اتصل بارو بنظيره الإيراني عباس عراقجي. واللافت أن وزارة الخارجية الفرنسية عتمت كلياً على الاتصال، رغم إصرار الإعلام، ولم تفصح عن مضمونه. ولم تكن المرة الأولى التي يتواصل فيها الوزيران منذ اندلاع الحرب نهاية فبراير (شباط) الماضي، كما أن الرئيس إيمانويل ماكرون اتصل قبل أيام قليلة بنظيره الإيراني مسعود بزشكيان.

وبعد ظهر الثلاثاء، فهم سبب التعتيم، إذ أعلن بارو، في تغريدة على منصة «إكس»، أن الرهينتين الفرنسيتين سيسيل كوهلر وجاك باريس، اللذين كانا يقيمان في مقر السفارة الفرنسية في طهران أصبحا حرّين تماماً ونهائياً وخرجا من الأراضي الإيرانية. وكانت السلطات الإيرانية سمحت لهما الخريف الماضي بالخروج من السجن حيث اعتقلا فيه منذ 4 سنوات، وصدرت بحقّهما أحكام مشددة للغاية. وكشف عراقجي سابقاً أن مفاوضات تجري بين باريس وطهران لمبادلة كوهلر وباريس بالإيرانية مهدية إسفندرياري، التي صدر بحقّها حكم مخفف، وسمح لها بمغادرة السجن والإقامة في السفارة الإيرانية في باريس.

الرئيس الأميركي دونالد ترمب متحدثاً بمناسبة اجتماع في البيت الأبيض يوم 3 مارس الماضي (د.ب.أ)

لا لفتح باب المندب بالقوة

ثمة رسالة ثانية لا تقل أهمية، شدّد عليها بارو في مقابلته المذكورة، وعنوانها المخاطر المحدقة بالمدنيين بسبب الحرب، والإضرار بالاقتصاد العالمي، وهو ما تظهره الدراسات الاقتصادية التي نشرت في الأسابيع الأخيرة. ولا يستبعد الوزير الفرنسي «احتمال حدوث تصعيد إقليمي واسع النطاق دون حدود، وهو ما قد يؤدي إلى مخاطر جسيمة، يجب علينا تفاديها بأي ثمن». بيد أن الوزير الفرنسي لا يتبنى المقاربة الإيرانية، إذ يرى أنه لا حلّ لأزمة في إيران «إلا إذا قرّر النظام الإيراني تقديم تنازلات كبيرة وإحداث تغيير جذري في موقفه، بما يسمح لإيران بالعيش بشكل سلمي في محيطها الإقليمي، ويمنح الشعب الإيراني مفاتيح بناء مستقبله بنفسه».

تنظر باريس بكثير من القلق لقيام القوات الأميركية بعملية عسكرية برية في إيران، كاحتلال جزيرة في مياه الخليج (كجزيرة خرج)، أو محاولة الاستحواذ على كميات اليورانيوم عالي التخصيب، الذي يعتقد أنه واقع تحت أطنان من الركام في موقع أصفهان النووي. وبرأيه أن نجاح القوات الأميركية في تنفيذ عملية عسكرية معقدة لاستعادة الطيارين الأميركيين اللذين هبطا بالمظلة، بعد أن أصيبت طائرتهما (إف 15 إيغل) في جنوب غربي إيران لا يعني أن عملية برية ستكون سهلة التنفيذ، إذ «من شأنها أن تُدخل الصراع في مرحلة جديدة شديدة الخطورة، وقد تعيد إلى الأذهان ذكريات مؤلمة (للقوات الأميركية)، سواء في العراق أو أفغانستان».

أضرار لحقت بالممتلكات بسبب غارات على مدينة بارديس بمحافظة طهران في إيران يوم 7 أبريل (رويترز)

وفي السياق عينه، جدّد بارو التأكيد على رفض بلاده السير في عملية عسكرية لتحرير الإبحار في مضيق هرمز بالقوة. وتجدر الإشارة إلى أن ماكرون كان أول من دعا إلى إقامة «تحالف دولي» ذي طابع «دفاعي محضّ لضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، ولكن بعد أن تهدأ الأمور أو تتوقف الحرب». وفي أي حال، فإنه سيكون بالتوافق مع الدولتين اللتين تشرفان على المضيق، وهما عمان وإيران، ما يعني عملياً حصول مفاوضات وتفاهمات مع هذين البلدين.

وبحسب بارو، فإنه «من الوهم الاعتقاد بأننا سنتمكن من العودة بسرعة إلى حركة طبيعية للسفن (في مضيق هرمز) دون إنشاء نظام مرافقة وحماية». وتريد باريس، التي تعمل بالتنسيق مع لندن، على إطلاق «مهمة» بحرية شبيهة بمهمة «أسبيديس» الأوروبية، لحماية الإبحار ما بين قناة السويس ومضيق باب المندب، التي نجحت كما يؤكد باور في مواكبة 1600 باخرة خلال عامين، من خلال نشر قطع بحرية أوروبية في مياه البحر الأحمر. ومع تواصل ارتفاع أسعار النفط، ومعها مشتقاته، فإن العالم كله لا يرى بديلاً عن ذلك سوى عودة النفط والغاز إلى الأسواق العالمية.

التخلص من التبعية

يعرب الوزير الفرنسي عن قلق باريس من برنامج إيران النووي، الذي يرى فيه «تهديداً للمنطقة ولمصالح فرنسا (وأوروبا) الأمنية». بيد أنه يعارض الطريقة الأميركية ــ الإسرائيلية لوقفه عن طريق الحرب، وهو يرى أن «العمليات البرية لمعالجة هذه المشكلة تنطوي على مخاطر تفوق فوائدها المحتملة». أما الحلّ فإنه «يكمن في التفاوض، وفي وضع إطار صارم ودقيق، يمنع النظام الإيراني من تطوير سلاح نووي»، في تلميح لاتفاق عام 2015، الذي كانت فرنسا طرفاً في التوصل إليه.

إلا أن خروج واشنطن منه فاقم الأمور، ودفع إيران لانتهاك بنوده تدريجياً حتى التوصل إلى تخصيب اليورانيوم بنسبة 60 في المائة القريبة من الاستخدامات العسكرية... وتدرك باريس، كما يقول بارو «المخاطر والتهديدات التي تمس مصالح فرنسا الأمنية، لكننا نرى أن هناك وسائل أخرى لاحتوائها، وعلى رأسها التفاوض والحوار الصارم والدقيق، تحت ضغط العقوبات».

صورة للفرنسيَّين سيسيل كولر وشريكها جاك باريس إلى جانب لافتة كُتب عليها «الحرية لسيسيل كولر وجاك باريس المحتجزَين تعسفياً في إيران لأكثر من عامين في ظروف مروعة» وذلك خارج قصر بوربون مقر الجمعية الوطنية الفرنسية (أ.ف.ب)

أما الخلاصة التي يستقيها الوزير الفرنسي من الحرب الدائرة لفرنسا ولأوروبا، فإنه مزدوجة: فمن جهة «دور أوروبا ليس خوض الحروب في كل أنحاء العالم، بل على العكس، أن تُظهر من خلال المثال الذي تقدمه (أي كونها قارة ديمقراطية يعيش فيها الناس بشكل جيد، بل أفضل من الولايات المتحدة أو الصين) أن هناك بديلاً لهيمنة الإمبراطوريات الجديدة». ومن جهة ثانية، أن يفضي الوضع الراهن إلى بروز «وعي أوروبي متزايد بأنه في عالم سيصبح أكثر اضطراباً وخطورة، فإن الاتحاد الأوروبي يمنحنا الوسيلة لحماية أنفسنا من تقلبات العالم وتفادي آثارها»، ومنها «ضرورة التخلص نهائياً من اعتمادنا على المحروقات... وإنهاء هذه التبعية التي تجعلنا عرضة بشكل غير مباشر لتداعيات حروب كهذه، حتى نكون أحراراً في اتخاذ قراراتنا، وأحراراً في العيش داخل أوروبا وفق النموذج الذي اخترناه، دون أن نُجرّ إلى حروب الآخرين».


عضلات اصطناعية تمكّن الروبوتات من رفع 100 ضعف وزنها

العضلات الاصطناعية تعمل بالهواء ما يمنح الروبوتات قدرة على رفع أوزان تصل إلى 100 ضعف وزنها (جامعة ولاية أريزونا)
العضلات الاصطناعية تعمل بالهواء ما يمنح الروبوتات قدرة على رفع أوزان تصل إلى 100 ضعف وزنها (جامعة ولاية أريزونا)
TT

عضلات اصطناعية تمكّن الروبوتات من رفع 100 ضعف وزنها

العضلات الاصطناعية تعمل بالهواء ما يمنح الروبوتات قدرة على رفع أوزان تصل إلى 100 ضعف وزنها (جامعة ولاية أريزونا)
العضلات الاصطناعية تعمل بالهواء ما يمنح الروبوتات قدرة على رفع أوزان تصل إلى 100 ضعف وزنها (جامعة ولاية أريزونا)

يطوّر باحثون في جامعة ولاية أريزونا نوعاً جديداً من «العضلات الاصطناعية» التي تعمل بالهواء، في خطوة قد تغيّر الطريقة التي تُصمم بها الروبوتات، خصوصاً في البيئات القاسية التي يصعب فيها استخدام الأنظمة التقليدية. تعتمد هذه التقنية على تصميم مستوحى من العضلات البيولوجية، حيث تُستخدم أنظمة هوائية بدلاً من المحركات الصلبة، ما يمنح الروبوتات مرونة أكبر وقدرة على الحركة في ظروف غير اعتيادية.

أحد أبرز ما يميز هذه العضلات الجديدة هو قدرتها على رفع أوزان تصل إلى نحو 100 ضعف وزنها، مع الحفاظ على حجم صغير وخفة في التصميم. هذه النسبة تعكس تحولاً مهماً في مجال الروبوتات، حيث لطالما واجهت الأنظمة التقليدية تحدياً في تحقيق توازن بين القوة والمرونة. فالروبوتات التي تعتمد على محركات كهربائية أو أنظمة ميكانيكية صلبة تكون عادة قوية، لكنها أقل قدرة على التكيف مع البيئات المعقدة. في المقابل، تتيح العضلات الهوائية الجديدة الجمع بين القوة والمرونة، ما يفتح المجال لتطبيقات أوسع.

العمل في بيئات قاسية

من بين الميزات اللافتة لهذه التقنية قدرتها على العمل في ظروف صعبة، مثل المياه شديدة الحرارة أو الأسطح الخشنة، وهي بيئات غالباً ما تعيق الروبوتات التقليدية أو تتسبب في تعطّلها.

ويشير الباحثون إلى أن هذا النوع من العضلات يمكن أن يساعد الروبوتات على «تجاوز العوائق التي تُبقي نظيراتها التقليدية خارج الخدمة»، ما يعزز من استخدامها في مهام مثل الاستكشاف أو العمليات الصناعية المعقدة.

ميزة أخرى مهمة تكمن في أن هذه الأنظمة يمكن أن تعمل دون الاعتماد الكامل على مصادر طاقة تقليدية ثقيلة، ما يقلل من الحاجة إلى البطاريات أو الأنظمة الكهربائية المعقدة. هذا التطور قد يساهم في تصميم روبوتات أكثر استقلالية، قادرة على العمل لفترات أطول، خصوصاً في الأماكن التي يصعب فيها إعادة الشحن أو الصيانة.

من «الصلابة» إلى «المرونة»

تعكس هذه التقنية تحولاً أوسع في مجال الروبوتات نحو ما يُعرف بـ«الروبوتات اللينة» (Soft Robotics)، وهي أنظمة تعتمد على مواد مرنة تحاكي الطبيعة بدلاً من الهياكل المعدنية الصلبة. فالعضلات الاصطناعية، بشكل عام، تُصمم لتقليد طريقة عمل العضلات البشرية، حيث يمكنها الانقباض والتمدد استجابة لمحفزات مختلفة مثل الضغط أو الحرارة أو الكهرباء. وفي حالة العضلات الهوائية، يتم استخدام ضغط الهواء لتحفيز الحركة، ما يسمح بتحقيق حركات أكثر سلاسة وتكيفاً مع البيئة.

رغم إمكاناتها لا تزال تواجه تحديات في التحكم الدقيق ودمجها ضمن أنظمة روبوتية متكاملة (جامعة ولاية أريزونا)

إمكانات تطبيقية واسعة

لا تقتصر أهمية هذا التطور على الجانب النظري، بل تمتد إلى تطبيقات عملية متعددة. فهذه العضلات يمكن أن تُستخدم في عمليات الإنقاذ في البيئات الخطرة وفحص البنية التحتية الصناعية والتطبيقات الطبية، مثل الأجهزة المساعدة وأيضاً في الزراعة والعمل في التضاريس غير المستوية.

تكمن أهمية هذه التطبيقات في أن الروبوتات القادرة على التكيف مع بيئات غير متوقعة قد تقلل من المخاطر التي يتعرض لها البشر في مثل هذه المهام. ورغم هذه المزايا، لا تزال هناك تحديات تقنية مرتبطة بالتحكم الدقيق في هذه الأنظمة، خاصة أن العضلات الهوائية تعتمد على ديناميكيات غير خطية، ما يجعل التحكم في حركتها أكثر تعقيداً مقارنة بالأنظمة التقليدية. كما أن دمج هذه العضلات ضمن أنظمة روبوتية متكاملة يتطلب تطوير برمجيات وتحكمات قادرة على التعامل مع هذا النوع من الحركة المرنة.

خطوة نحو جيل جديد من الروبوتات

يمثل هذا الابتكار جزءاً من مسار أوسع نحو تطوير روبوتات أكثر شبهاً بالكائنات الحية، من حيث الحركة والتفاعل مع البيئة. فبدلاً من الاعتماد على القوة الصلبة، يتجه الباحثون نحو أنظمة تجمع بين القوة والمرونة والقدرة على التكيف. وفي هذا السياق، لا يُنظر إلى العضلات الاصطناعية فقط باعتبارها بديلاً للمحركات، بل كونها إعادة تعريف لكيفية تصميم الروبوتات نفسها، بما يتناسب مع متطلبات بيئات أكثر تعقيداً.

يظهر هذا التطور اتجاهاً متزايداً في الهندسة الحديثة نحو الاقتراب من الطبيعة بدلاً من الابتعاد عنها. فالأنظمة البيولوجية، مثل العضلات، أثبتت كفاءة عالية في تحقيق التوازن بين القوة والمرونة، وهو ما تسعى هذه التقنيات إلى محاكاته.