هل اقتلعت الدراما الكوميديا عن الشاشة العربية؟

منى طايع وورد الخال تكشفان لـ«الشرق الأوسط» واقع الإنتاج الكوميدي

الكاتبة منى طايع (يمين) والممثلة ورد الخال
الكاتبة منى طايع (يمين) والممثلة ورد الخال
TT

هل اقتلعت الدراما الكوميديا عن الشاشة العربية؟

الكاتبة منى طايع (يمين) والممثلة ورد الخال
الكاتبة منى طايع (يمين) والممثلة ورد الخال

على أكتاف الكوميديا بُني معظم مجد الشاشة العربية. حدثَ ذلك منذ زمنٍ يبدو بعيداً الآن، فالشهيّة حالياً مفتوحة على الدراما. تراجعت الضحكة لصالح الدمعة، وخفقة القلب، والإثارة، والتشويق، والرعب، والخيال العلمي.
ما عادت المسلسلات الكوميدية مرغوبة كما في السابق، لا من المشاهدين ولا من شركات الإنتاج. وتشهد منصات البث وشاشات التلفزة على هذا الشحّ الكوميدي، فجديد هذا الصنف الترفيهي نادر جداً إذا وُجد، ما يستدعي أحياناً إعادة بث الإنتاجات القديمة.
منذ مسلسل «عروس وعريس» (2016)، لم ينادِ الورق الكاتبة اللبنانية منى طايع إلى عمل كوميدي جديد. هي تُرجع ذلك إلى عوامل عدة؛ منها الأزمات الاقتصادية والصحية المتلاحقة التي ضربت لبنان والعالم، وسيطرة الدراما على المشهديّة، والأهم من ذلك كله تردُّد شركات الإنتاج في تبنّي نصوص كوميدية.


تنطلق طايع في توضيحها أسباب تراجع الكوميديا أو نُدرتِها، من كون «النص الكوميدي هو الأصعب، وهذا أمر متعارَف عليه عالمياً». تضيف، في حديثها مع «الشرق الأوسط»، أنها قد تستغرق سنتَين في كتابة سيناريو كوميدي، فيما لا تحتاج إلى أكثر من نصف تلك المدة لإنهاء نص درامي. تعزو تراجع الكوميديا كذلك إلى ما تسمّيه «موجة المسلسلات العربية المقتبسة من الأعمال التركية»، إضافة إلى «موضة الدراما المشتركة التي تعتمد الأكشن والموضوعات الاجتماعية، التي يتراجع فيها عنصر الكوميديا». وتلفت في هذا الإطار إلى صعوبة إنجاز كوميديا مشتركة لأن «اللهجة والنُكتة والمواقف المضحكة تختلف بين بلد عربي وآخر، وبالتالي ليس كل مواطنٍ عربي مخوّلاً فهم النكتة الآتية من بلد ثانٍ».
طايع التي اشتُهرت نصوصها الكوميدية كما تلك الدرامية، عُرفت من خلال أعمال مثل «فاميليا»، و«بنات عماتي وبنتي وأنا»، و«غنوجة بيّا» في الكوميديا. كانت تلك المسلسلات محط الأنظار في الماضي القريب، ينتظرها الكبار والصغار ويضحكون لمحتواها. أما اليوم فقد تبدّل الواقع حسب ما تقرّ الممثلة ورد الخال، إحدى بطلات تلك الأعمال. تتحدث الخال إلى «الشرق الأوسط» عن حُكم «الترند»: «يجب الالتفات إلى ما يقتضيه الترند والموضة التي تتحكم بالأمزجة. ويبدو أن المزاج العام متّجهٌ صوب الدراما والأكشن والرعب، لذلك خفّ وهج الكوميديا».

تحنّ الممثلة الآتية من تجربتَين ثريّتَين جداً في كلٍّ من الكوميديا والتراجيديا، إلى العصر الذهبي للكوميديا العربية. تعود في الذاكرة إلى «أجيال سابقة من الممثلين والكتّاب والمخرجين الذين بنوا مدارس في المجال وصنعوا إرثاً، أكان في لبنان أو مصر أو سوريا». يُذهلها الكبار أمثال عادل إمام، ودريد لحّام، وحسن علاء الدين «شوشو»... لم ينتهِ العصر الذهبي عند هؤلاء، حسب الخال، فثمّة كوميديا معاصِرة كانت هي شريكة فيها. ومن روّادِها تذكر الفنان جورج خباز، الذي يحيي بأسلوبه الخاص الكوميديا اللبنانية خصوصاً والعربية عموماً.
وبالعودة إلى منى طايع وتشريحها للأسباب المحتملة وراء تراجع وهج الكوميديا على الشاشات، تكشف الكاتبة أن «إقناع شركات الإنتاج بالنصوص الكوميدية بات يشكّل مهمة صعبة، فهم يعتبرونها مادة خفيفة مقارنة مع الدراما، لا سيّما أن الدراما تُباع بسعر أعلى بكثير». من الواضح أن هذا الواقع يستفز طايع، التي وصل بها الأمر مرة إلى حدّ القول: «ما عاد أكتب كوميديا إذا هيك عم تسترخصوها».


الكاتبة اللبنانية منى طايع

سرعان ما يهدأ غضب طايع عندما تفكّر بجمهور قد يكون مشتاقاً ومتعطشاً إلى كوميديا جديدة ترفّه عنه. هي أيضاً تبدو مشتاقة، إذ تبوح بمشروعٍ يدور في بالها: «أشعر حالياً برغبة كبيرة في كتابة نص كوميدي مبتكر يقوم على بطولة نسائية مشتركة، يسلّي المشاهدين وينسيهم همومهم». لكن الأمر يلتبس أحياناً في ذهن طايع التي تتساءل: «ماذا لو كان الناس يحتاجون في هذه الآونة إلى مادة تلفزيونية تتماهى مع مشكلاتهم وأحزانهم، لذلك وضعوا الكوميديا جانباً».
فهل يتحكم المزاج العام بالطلب على الكوميديا؟
في نظر ورد الخال: «يجب أن تُفرَد مساحة خاصة للكوميديا لأن المزاج العام سلبي بسبب تراكُم المشكلات. أما اللبناني فبحاجة إلى هذه المادة التلفزيونية أكثر من أي شعبٍ سواه». لكنها في المقابل تعود إلى الجدار الإنتاجي الذي يحول دون ذلك، وتوضح: «ليست الكوميديا أولوية بالنسبة إلى شركات الإنتاج التي تذهب إلى الدراما معتبرة إياها مادة أدسم. وقد يكون مرَدّ تلك الشهية المتراجعة حيال الكوميديا، أن الشركات لم تقتنع بأي نصٍ قُدّم لها».


الممثلة اللبنانية ورد الخال

وعمّا إذا كانت ثمة أزمة كتّاب كوميديا، توافق الخال رأي طايع بأنّ الكتابة الكوميدية هي من أصعب ما يكون، وبأنها ملَكة لم تُمنح لأي كان. أما على ضفة الممثلين فهُم كثر وبارعون، حسب توصيف الخال التي تضيف أن «الأمر مرتبط بالمادة التي تقدَّم للممثل، فإذا كان النص ضعيفاً من الطبيعي أن ينعكس ذلك على الأداء». وانطلاقاً من تجربتها، تقول الخال إن «التمثيل الكوميدي أصعب من التراجيدي، فهو يحتاج إلى عصب وسرعة بديهة وخفّة ظل. كما يجب أن تبدو النكتة عفوية وفي مكانها».
هي ليست أزمة ممثلين إذاً، بقدر ما هي أزمة كتّاب ومنتجين ومزاج عام. لكن ماذا لو أضيفت أزمة أخرى إلى تلك السابقة؟ أزمة «السوشيال ميديا» التي ربما وجد فيها الجيل الصاعد بديلاً عن الكوميديا المتلفزة؟
تعترف طايع بأنّ «للجيل الجديد مصادره الترفيهية والمضحكة الخاصة، لا سيّما منصات مثل يوتيوب وتيك توك»، لكنها في المقابل تبدو متأكدة من أنهم «لن يمانعوا في الحصول على مادة تلفزيونية كوميدية تشبههم. فالكوميديا يجب أن تواكب العصر وتحسب حساباً للجيل الصاعد المتعمّق جداً في التكنولوجيا ووسائل التواصل الاجتماعي». وتضيف: «لم يعد من السهل إقناع هذا الجيل، لذا يجب العثور على ما يتماشى مع ذهنيته».
لا تسمّي ورد الخال ما يدور على وسائل التواصل الاجتماعي فناً، بل تعرّف عنه كـ«مساحات لأفراد ومجموعات يقومون بنشاطات فكاهية». وتوضح أنه «رغم تفنّن عددٍ منهم، لكن غالباً ما يكون المحتوى هزلياً وخفيفاً. أما الكوميديا الحقيقية فمختلفة عن ذلك تماماً، وهي أعمق وأصعب بكثير».


مقالات ذات صلة

«هاري بوتر»... مسلسل تلفزيوني عبر خدمة «ماكس»

يوميات الشرق «هاري بوتر»... مسلسل تلفزيوني عبر خدمة «ماكس»

«هاري بوتر»... مسلسل تلفزيوني عبر خدمة «ماكس»

من المقرر عرض حلقات مسلسل «هاري بوتر» عبر خدمة «ماكس» للبث المباشر، المعروفة سابقاً باسم «إتش بي أو ماكس». أعلن الرئيس التنفيذي لشركة «وارنر بروس ديسكفري»، ديفيد زاسلاف، إطلاق خدمة جديدة، تجمع قنوات «إتش بي أو ماكس» و«ديسكفري»، و«سلسلة تينتبول» المستوحاة من قصص جي كي رولينغ، وذلك خلال عرض تقديمي جرى الأربعاء، وفقاً لمجلة «هوليود ريبورتر» الرقمية، وفق موقع صحيفة «الغارديان» البريطانية. استغرق إنتاج سلسلة الأفلام الحية المستوحاة من الكتب السبعة التي نُشرت خلال الفترة ما بين عامي 1997 و2007، «عقداً كاملاً أنتجت خلاله بالحرفية الملحمية نفسها، وعاطفة الحب والاهتمام التي اشتهر بها هذا العمل الحصري ا

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق دراما رمضان تُعيد الاهتمام بأحياء القاهرة القديمة

دراما رمضان تُعيد الاهتمام بأحياء القاهرة القديمة

ظهرت أحياء القاهرة القديمة والتاريخية بشكل «لافت» خلال موسم دراما رمضان، حيث استعان بها صُناع الدراما داخل سياقات أعمالهم المكانية والتاريخية، وتم تسليط الضوء على ملامحها التراثية الجمالية. وتُطل مدينة الفسطاط كخلفية لأحداث مسلسل «رسالة الإمام» للفنان خالد النبوي، وهي المدينة التي استقر بها الإمام الشافعي في مصر، وتعد أقدم العواصم الإسلامية.

منى أبو النصر (القاهرة)
يوميات الشرق تترات مسلسلات رمضان في صدارة الاستماعات

تترات مسلسلات رمضان في صدارة الاستماعات

لكل مسلسل أغنيته. هذا هو التقليد المتعارف عليه والمرافق للإنتاجات التلفزيونية خلال الشهر الكريم. ورغم أن هذه السنة شهدت انكفاء لأسماء كبيرة عُرفت بتقديم شارات المسلسلات، إلا أن التترات الجديدة تصدّرت الاستماعات في مختلف الدول العربية، بأصوات فنانين بعضهم يخوض التجربة للمرة الأولى. وإلى جانب تترات المسلسلات، تميّز هذا الشهر كذلك عدد من الأعمال الموسيقية التي قدّمها كبار نجوم الأغنية في إطار إعلاني. * «أنا قادر» أحمد سعد وهشام الجخ يمكن اعتبار الفنان المصري أحمد سعد الصوت الرسمي لمسلسل «جعفر العمدة» من بطولة محمد رمضان.

كريستين حبيب (بيروت)
يوميات الشرق المسلسلات القصيرة رهان دراما رمضان 2023 في مصر

المسلسلات القصيرة رهان دراما رمضان 2023 في مصر

تراهن الدراما المصرية في موسم رمضان 2023 على المسلسلات القصيرة المكونة من 15 حلقة و10 حلقات، من بينها «حرب» لأحمد السقا، و«جت سليمة» لدنيا سمير غانم، و«مذكرات زوج»، و«تحت الوصاية» لمنى زكي، و«كامل العدد» لدينا الشربيني، و«علاقة مشروعة» لياسر جلال، و«تغيير جو» لمنة شلبي، ووفق متابعين فإن هذه الأعمال باتت تجتذب النجوم والمخرجين والمنتجين، باعتبارها الأسهل تسويقاً وإنتاجاً وتكلفة. ولا يقتصر التنوع في موسم دراما رمضان هذا العام على عدد الحلقات، بل يمتد إلى القضايا التي تطرحها المسلسلات بين الموضوعات الوطنية والسياسية والاجتماعية والكوميدية والدينية وقضايا المرأة، في وجبة درامية دسمة تستحوذ الشركة

انتصار دردير (القاهرة)
يوميات الشرق فنانون مصريون يتخلّون عن الكوميديا لأول مرة في دراما رمضان

فنانون مصريون يتخلّون عن الكوميديا لأول مرة في دراما رمضان

تخلّى فنانون مصريون عن الكوميديا لأول مرة في موسم دراما رمضان، أبرزهم أحمد عيد، وأحمد فهمي، وأحمد رزق. يبتعد الفنان المصري أحمد عيد، خلال دوره بمسلسل «عملة نادرة» مع الفنانة نيللي كريم، عن الكوميديا.

داليا ماهر (القاهرة)

إعلان 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً بين بريطانيا والسعودية

ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
TT

إعلان 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً بين بريطانيا والسعودية

ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)
ولي العهد البريطاني ووزير الثقافة السعودي في العلا أمس (رويترز)

أنهى ولي العهد البريطاني الأمير ويليام جولة له في العلا التاريخية، أمس، في إطار زيارته للمملكة العربية السعودية، وذلك بعد إعلان السعودية والمملكة المتحدة 2029 عاماً ثقافياً مشتركاً لتعزيز التبادل الثقافي والفني والتعليمي بين البلدين الصديقين.

وكان وزير الثقافة السعودي الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان قد استقبل الأمير ويليام، واصطحبه في جولة شملت أبرز المعالم الأثرية، إضافة إلى البلدة القديمة بالعلا ومحمية شرعان الطبيعية.

ورحّب وزير الثقافة السعودي بالأمير ويليام في تغريدة على حسابه على موقع «إكس»، قائلاً: «أهلاً بسمو الأمير ويليام، أمير ويلز، في العلا، حيث يعزز التعاون بين الهيئة الملكية لمحافظة العلا والمؤسسات الثقافية البريطانية الشراكة الاستراتيجية والتاريخية بين البلدين الصديقين».


نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
TT

نبيل نحاس يمثل لبنان في بينالي البندقية بتجهيزه «تعددٌ بلا حدود»

نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)
نيكولا فياض والفنان نبيل نحاس وندى غندور والوزير غسان سلامة وشارل كتانة (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

عُقد مؤتمرٌ صحافي في المكتبة الوطنية اللبنانية، بحضور وزير الثقافة غسان سلامة، حيث قدّمت المفوّضة العامّة ومنسّقة جناح لبنان ندى غندور، تجهيزاً ضخماً للفنان نبيل نحاس بعنوان «تعدّدٌ بلا حدود»، الذي سيمثل لبنان في الدورة الـ61 من المعرض الدولي للفنون – بينالي البندقية.

ويُقام جناح لبنان لهذه السنة في بينالي البندقيّة تحت رعاية وزارة الثقافة، ومن تنظيم «الجمعية اللبنانية للفنون البصرية»، وذلك من 9 مايو (أيار) إلى 22 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026.

خلال كلمته في المؤتمر، هنأ الوزير غسان سلامة الفنان نبيل نحّاس على اختياره ليمثّل لبنان في المعرض الدولي للفنون - بينالي البندقيّة. وهو خيار يعكس اهتماماً بالمبدعين اللبنانيين الذين يتنقّلون بين الداخل والخارج، فيما يبقى تعلّقهم ببلدهم ثابتاً. وقال سلامة: «نحن اليوم في مرحلة إعادة بناء ثقة العالم بلبنان، وأعتقد أن للمبدعين دوراً أساسياً في استعادة هذه الثقة، إذ تعود أيضاً من خلال إبراز صفة لبنان الأساسية بوصفه نبعاً لا ينضب للإبداع والخلق والإنجازات».

وشكر الوزير سلامة الجمعية اللبنانية للفنون البصرية على ما قامت به هذا العام وفي الأعوام السابقة لتأكيد وجود لبنان في المنطقة.

منسّقة جناح لبنان ندى غندور (جمعية الفنون البصرية اللبنانية)

وفي كلمتها، قالت ندى غندور إن «الجناح اللبناني في عام 2026 يمثل احتفاءً بالإبداع والأُخُوة. وفي وقت يتزعزع فيه العالم ويزداد اضطراباً، من الضروري أن ترفع البلدان صوتاً آخر غير صوت العنف».

وأضافت: «إذ لا بدَّ من إتاحة المجال لقدرة الخيال والمهادنة التي يقدمها الفنانون الذين يحملون لغة مشتركة ومنفتحة وحرة؛ لأن الفن قادر على خلق روابط تتجاوز الحدود الجغرافية والثقافية والتاريخية والآيديولوجية».

ويستكشف الفنّان نبيل نحاس في تجهيزه «تعدّدٌ بلا حدود»، الرابطَ القائم بين الإنسان والطبيعة والكون، فيطرح تجربة بصريّة وروحانيّة، موظِّفاً المشهدية اللافتة في خدمة التأمل الذاتي.

يشكّل هذا العمل مرآة الهويّة المرنة والمتعددة ثقافياً التي يتميّز بها لبنان، كما يحتفي بثيمة الوحدة في التنوّع وجمال الأضداد؛ وذلك في امتداد للبحث الفني الذي يعمل نبيل نحاس على تطويره منذ عقود متنقلاً بين لبنان والولايات المتّحدة الأميركيّة.

يتألّف التجهيز الفني الممتد على طول 45 متراً والمعرض في موقع «آرسنال»، من 26 لوحة أكريليك على قماش بارتفاع 3 أمتار. تشكل هذه الأعمال المتلاصقة جنباً إلى جنب، إفريزاً ضخماً يطوِّق زوّاره ويدعوهم إلى الانغماس فيه.

التجهيز مستوحى من المنمنمات الفارسيّة، ويتحرَّر من قيود السرد الخطي والقراءة الأحادية المسار، ليقدم تجربة مصممة لتُعاش وتتنفس بدلاً من أن تكون صُوراً يجب تفسيرها.

وتتميّز اللوحات بلغة فنية كثيفة وثرية، حيث تتلاقى تجريدات هندسية مستوحاة من الفن الإسلامي والغربي في الوقت نفسه مع التجسيد، وبنى متوهّجة تجتمع لتخلق استمرارية مُباغتة غير متوقّعة.

تستحضر الأشكال الهندسية البنية الرياضية الدقيقة للنظام الكوني: كوحدة واحدة، فالكون متألّف من اللامتناهي الصِغَر واللامتناهي الكِبَر. هكذا تتكرَّر بعض الموتيفات على مختلف المقاييس في عالم الحيوان وفي الطبيعة لتذكِّرنا بأن الإنسان إنما ينتمي إلى كلٍّ لا متناه. علاوة على ذلك، يأتي شكل اللولب وهو رديف اللانهاية المأخوذة عن الطقوس الصوفيّة، ليشكل قوة منوّمة تؤثر في العقل في إيماءة إلى البحث الداخلي والحميم.

الفنان نبيل نحّاس إلى جانب أحد أعماله الفنية (الشرق الأوسط)

أما حضور الشجرة المركزي في أعمال نبيل نحّاس، فيجسد التوتر القائم بين التجذّر والتسامي، وذلك من خلال الأشجار التوراتيّة التي يوظّفها، على غرار الأرزة. هذه الشجرة الأسطوريّة من جبال لبنان رديفة الصمود والصلابة، وكذلك شجرة الزيتون رمز الحياة.

ويحتفي نبيل نحّاس في هذا التجهيز بلبنان كأرض تلاقٍ، تجتمع فيها الثقافات المتجذّرة منذ قرون لتشكل هوية متعددة. وبدلاً من أن تكون هذه الهويّة مجرّد تراكم لشرذمات غير متناسقة، باتت ممثّلة هنا في العمل على أنها مادّة حية ومتماسكة وفي حركة دائمة.

يأخذ الفنان، الذي نشأ في مدينة جبيل وتأثر بطبقاتها الأثرية المتراكمة، بعين الاعتبار أن تاريخ لبنان، ملتقى طرق استثنائي شهد على نشوء حضارات عظمى ومن ثمَّ تعاقبها وتلاقيها. على هذا المنوال، فإنّ التأثيرات اليونانية - الرومانية، واليهودية - المسيحية، والبيزنطية والإسلامية الحاضرة في أعمال نبيل نحّاس تشير إلى مواريث البلاد العائدة إلى قرون غابرة والمتكدّسة في طبقات.

ويمكن قراءة «تعدّدٌ بلا حدود» على أنّه تصوير دقيق لتضاريس البلاد. فبالنسبة إلى الفنان، تُقدم ذاكرة الأرض الأم تعددية صوتية تصوغها رجعات وترددات تصل بأصدائها حتى حياته نفسها: فبعد نشوئه بين لبنان والقاهرة، استقر نبيل نحّاس في نيويورك. وعقِب 18 عاماً من الغياب، ومع انتهاء الحرب الأهليّة، عاد إلى لبنان في زيارة قصيرة كانت بداية عودات لاحقة متزايدة.

نبيل نحّاس هو أحد أبرز الفاعلين في المشهد الفني المعاصر. هو رسام لبناني - أميركي، ولد في بيروت عام 1949 واستقر في الولايات المتّحدة الأميركيّة منذ 1969، حيث حاز البكالوريوس في الفنون الجميلة من جامعة ولاية لويزيانا ثمّ الماجستير من جامعة ييل عام 1972. يقيم ويعمل حالياً بين بيروت ونيويورك.

تدخل أعمال نبيل نحّاس ضمن مجموعات مؤسّسات رئيسية على غرار: المتحف البريطاني (لندن)، ومتحف «تيت للفنّ الحديث والمعاصر» (لندن)، والمتحف العالي للفنون (أتلانتا، الولايات المتّحدة الأميركية)، ومتحف «المتروبوليتان» للفنون (نيويورك)، ومتحف «زيميرلي» للفنون في جامعة روتجرز (ولاية نيوجيرسي، أميركا)، ومتاحف أميركية كثيرة أخرى، إضافة إلى مؤسّسة «بارجيل» للفنون (الشارقة)، والمتحف العربي للفن الحديث (الدوحة)، ومؤسّسة «رمزي وسعيدة دلّول» للفنون (بيروت)، ومتحف غوغنهايم (أبوظبي).


رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
TT

رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)
الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)

رحل الأديب والناقد السعودي الدكتور سعيد السريحي عن عمر ناهز 73 عاماً، تاركاً خلفه إرثاً فكرياً ونقدياً أسهم من خلاله في إثراء ملامح المشهد الثقافي العربي.

ونعت الأوساط الثقافية والأدبية السعودية والعربية، الدكتور سعيد السريحي عقب إعلان خبر وفاته الأربعاء، وذلك بعد أن تعرض لحالة مرضية قبل بضعة أشهر دخل على أثرها العناية المركزة.

ووجَّه الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي، التعازي في وفاة الناقد سعيد السريحي لعائلته وذويه، وذلك عبر منشور على حسابه بمنصة «إكس» للتواصل الاجتماعي.

واستذكر المعزون رحلة السريحي الذي بذل عمره ووقته وجهده في إثراء الحركة الثقافية والأدبية في الوطن العربي، وقدم الكثير من العطاءات والإنتاج الذي سجله واحد من رواد الثقافة والأدب في العالم العربي.

ولد السريحي بمدينة جدة عام 1953، وتأثر منذ صغره ببيئتها الثقافية المتنوعة، وحصل على درجة الدكتوراه من جامعة أم القرى، وهو صاحب الأطروحة الشهيرة «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي أحدثت جدلاً واسعاً في الأوساط الأكاديمية آنذاك، وأصبحت مرجعاً أساسياً في نقد الحداثة.

وارتبط اسم الراحل بتجربته في أروقة الصحافة، والأندية الأدبية، حيث عمل مشرفاً على القسم الثقافي لصحيفة «عكاظ» السعودية، ولسنوات طويلة رعى حراكاً صحافياً لم تهدأ وتيرته، وتبلور فيها قلمه النقدي الذي جمع بين الفلسفة والأدب والاجتماع.

وفي فترتي الثمانينات والتسعينات، كان للسريحي وجيل من المثقفين والأدباء من مجايليه صولات في حقبة الأندية الأدبية، وأسهم من خلال دوره وحضوره في نادي جدة الأدبي، في صياغة ملامح الحراك الثقافي السعودي الذي ازدهر بجدال الأفكار والاتجاهات.

وتحولت قصة نيل السريحي لدرجة «الدكتوراه» رمزاً للصراع بين تيار الحداثة والتيار التقليدي في الثمانينات، عندما توجَّه إلى جامعة أم القرى بمكة المكرمة بأطروحته «حركة التجديد في لغة الشعر العربي الحديث»، التي قدم فيها تشريحاً نقدياً عميقاً للغة الشعرية، مستخدماً أدوات نقدية حديثة. لكن قرار إدارة الجامعة المفاجئ بسحب الدرجة العلمية أو حجبها، تسبَّب في اندلاع جدل واسع وتضامن من كبار المثقفين العرب والسعوديين.

وقدَّم السريحي مجموعة إصدارات مهمة عكست قدرته على تفكيك النصوص وإعادة قراءتها بعيداً عن القوالب الجاهزة، ومن أهم مؤلفاته «تقليب الحطب على النار» وهو دراسات في السرد، و«حجاب العادة» أركولوجيا الكرم من الخطاب إلى التجربة، و«غواية الاسم» في سيرة القهوة وخطاب التحريم، و«الحياة خارج الأقواس» التي سجل فيها سيرة ذاتية وفكرية سرد فيها محطات من حياته بأسلوب أدبي رفيع.