في «بيت الصحفيين» بباريس: شِبهُ معسكر ونصفُ حياة

شارع «بلوميه» حيث يوجد «بيت الصحفيين»
شارع «بلوميه» حيث يوجد «بيت الصحفيين»
TT

في «بيت الصحفيين» بباريس: شِبهُ معسكر ونصفُ حياة

شارع «بلوميه» حيث يوجد «بيت الصحفيين»
شارع «بلوميه» حيث يوجد «بيت الصحفيين»

أمضيتُ أربعة شهور في فندق «عدن» المتواضع، الواقع في شارع «بلوميه»، أنفقت خلالها معظم ماجئتُ به من نقود حصيلة بيع سيارتي وبقية مدّخرات متواضعة؛ في انتظار الحصول على اللجوء. أبلغتني منظمة «مراسلون بلا حدود»، التي تبنّت طلبي للجوء، بأنهم حصلوا لي على غرفة للإقامة في «بيت الصحفيين». تنفسْتُ الصعداء، ولم أكن أعلم أنني سأعيش حياة غريبة لم أتوقعها فيما يشبه القسم الداخلي أو معسكر الرحلات.
غادرت فندق عدن، ذات مساء، في سيارة تاكسي نحو شارع «كوشي» المتفرع من شارع «سان تشارلز»، لحسن طالعي حظيتُ بغرفة جيدة واسعة - إلى حد ما - تقع في الطابق الأرضي ويميّزها حمّامٌ خاص بها، بينما يستخدم سكان بيت الصحفيين حمامات ومرافق مشتركة في الطابقين اللذين يضمّان الغرف المخصصة للوافدين من طالبي اللجوء. المنزل هو البيت الوحيد من نوعه للصحفيين في العالم، وهو مشروع مستقلٌّ تماماً لا علاقة له بأية منظمات أو أحزاب، وتنحصر مهمته في كونه مقراً للانتظار يقيم فيه الصحفي طالب اللجوء 6 أشهر، وتوفّرُ له إدارة البيت الحماية والسكن المجاني وقسائم الطعام وبطاقات الهاتف وبطاقات شهرية للتنقل في وسائل النقل العامة. يتلقى البيت مساعدات مالية كبيرة من وسائل الإعلام الفرنسية، وتتمُّ رعاية كل غرفة نوم فيه من قِبل بعضٍ من أكبر المؤسسات الصحفية «لوموند، الفيغارو، باري ماتش...»، غرفتي ترعاها صحيفة الفيغارو، على سبيل المثال؛ بما معناه أنها تغطي المخصصات البسيطة لساكنها من تذاكر مترو وبطاقات طعام وتكاليف الطاقة والخدمات الأخرى، كما يقدّمُ الصندوق الأوروبي للاجئين وبلدية مدينة باريس جزءاً من الدعم الذي يديم بيت الصحفيين ويعزز الخدمات التي تُقدَّم للّاجئين. لغرفتي نافذة مرتفعة بزجاج موصد يسمح بمرور الضوء، ويُفتَحُ جزء وسطي منها عمودياً لتتسلل منه أصوات العربات وأغاريد الطيور الجاثمة على أشجار مقبرة «غرينيل» التي يواجه سورها العتيق بيت الصحفيين. استيقظت كعادتي في وقت مبكر، وانتظرت أن تُفتَحَ المحلات التجارية، قصدتُ سوبر ماركت «ليدل LIDL» المجاور لبيت الصحفيين، والمُطلّ على شارع «سان تشارلز»، واشتريت مفارش ومواد تنظيف وطعاماً لفطوري، وكرّست يومي الأول لتنظيم حياتي للأشهر المقبلة.
أمضيت ليلتي الأولى والليالي التاليات في نوم مضطرب، مقارنة باطمئناني النوعي في فندق عدن، قرأت قليلاً، كنت متوترة، بل مرتعبة، داهمتني كوابيس مريعة، سقطتُ من السرير الضيق على البساط خشن النسيج، تملّكتني نوبةٌ من الضحك على ما أنا فيه، لم أستطع العودة إلى النوم، جلست إلى منضدة الكتابة، وفتحت اللاب توب وبدأت أكتب حتى الساعة الرابعة. من النافذة، من وراء سور المقبرة أسمع في الفجر حفيف أشجار ينذر بعاصفة، مرت سيارات، سمعت جرس الكنيسة القريبة، عندما أشرق الصباح غيرتُ ملابسي وخرجت للتمشي واستكشاف منطقة الجوار وما فيها، تعرفتُ على موقع بارك «أندريه ستروين» المحاذي لنهر السين، وبجانبه المستشفى الأوروبي، اهتديتُ إلى أقرب محطة مترو وجلست في المتنزه الخالي المجاور للمقبرة أتأمل فيما سيجيء.
زوّدَني المسيو فيليب سبينو، مدير بيت الصحفيين، ببطاقة المواصلات وبطاقات التموين التي أشتري بواسطتها الطعام من أي سوبر ماركت، ويمكنني مبادلتها بوجبة جيدة في مطاعم قريبة تتّفق مع بيت الصحفيين على صرف قسائم الطعام بثمن مضاعَف. تعرفتُ إلى أسماء الزميلات والزملاء في ملاذنا، كنت متوجسة ومنكمشة، لم أعتد العيش مع مجموعة غريبة من البشر، حملتُ اللاب توب وهبطتُ الى البَيْسْمِنْت «السرداب» المزود بخدمة الإنترنت وفيه خزانات الكتب. انصرفتُ للكتابة. بعد أسبوع اعتدتُ حياة المعسكر أو القسم الداخلي؛ فلا بد لي أن أعيش الحياة كما تُتاح لي، لا كما أردتها أو حلمت بها.
تنطلق من إحدى الزوايا موسيقى منغولية، وتزاحمها موسيقى الهيب هوب من كومبيوتر اللاجئ الأفريقي كلود، وبغتة تهبُّ علينا كنسائم عذبة بعضُ الأغاني الصحراوية الصوفية من كومبيوتر الآنسة إيزانا العروسي القادمة من الصحراء الغربية التي تتوسط المغرب وموريتانيا. أنصتُّ إلى موسيقى مقامات شرقية من كومبيوتر المصورة الصحفية الشيشانية تمارا وهي تنظر لي باستغراب من وراء زجاج نظارتها السميكة ويهفهف شعرها الأبيض الشائب قبل أن تعقصه في كعكة تقليدية خلف عنقها. أحضر درس اللغة الفرنسية، وتوزعُ علينا مدام دارلين كوثيريه كتب المرحلة الأولى، نُمضي نحو ثلاث ساعات في الدروس، وبعدها ننطلق إلى تدبير شؤون حياتنا.
تواصل الصحفية التركية من أصل كردي «نوراي» سماع الأغاني الكردية ومشاهدة المسلسلات التركية على كومبيوترها المحمول وتطلق ضحكاتها الطفولية؛ في محاولة للتخفف من وحشة غربتها، ثم تبدأ برنامجها الليلي بمحادثة أسرتها اللاجئة إلى ألمانيا بعد أن تعذّر على أهلها استقدامها إلى ألمانيا. يباغتنا إيدي جون اللاجئ الهاييتي من أصل أفريقي بضحكة متفجرة تشير إلى صعود سخريته من الحياة واضطرابه النفسي وتعلن يأسه من كل شيء، يكرّرُ رواية قصة عائلته ونكران أخيه له وما عاناه من تعذيب وسجون ومطاردات في بعض الدول الكاريبية حتى أصيب بمرض عصبي تفضحه تصرفاته الغريبة، يطلق إيدي جون على نفسه لقب «الرجل الميت الحي»، ويسهبُ في الحديث عن مقتل والدته ونهب أموالها عقاباً لها بعد هربه من هاييتي. أصادفه، كل صباح، في قاعة الإنترنت التي تقع في الطابق تحت الأرضي يُحَيّيني بطريقته الصاخبة: بونجور بونجور، ونكون كلانا أول من يستيقظ في بيت الصحفيين، ننهمك في عملنا: هو على أحد كومبيوترات بيت الصحفيين، وأنا على جهازي المحمول، أتصفحُ الصحف والمواقع وأكتبُ رسائلي ومقالاتي. في بيت الصحفيين ثقافاتٌ شتى، مكان في أقصى تجليات عولمته وعالميته؛ لذا سوف أسمع لغات هجينة: صينية مطعّمة بالفرنسية، أوردو ممتزجة بإنجليزية سائلة تجعلها أشبه بعصير استوائي متبّل بالفلفل الحار، نسمع لغات أوغندية ونيجرية تتنازل بغتة عن غرابة ألفاظها وتختار الفرنسية.
الموظفة الفرنسية الجميلة أنييس تقوم بمهمة المساعِدة لمدير البيت مسيو سبينو، تتحدث منفردة مع سفيتلانا البلغارية التي حاولت الانتحار مرتين خلال أسبوع، وإلى السيدة التبتية الصامتة، واللاجئ الإيراني الخمسيني الذي يعاني من نوبات هلع.

- خريطة الآلام الكونية
في بيت الصحفيين لا أرى في الوجوه سوى انعكاسات التجارب المريرة التي أرغمت هذا الرجل وهذه المرأة وتلك الفتاة على المجازفة والبحث عن وطن بديل في بلاد غريبة بعد هربهم من أوطان تفشّى فيها العنف. تجارب دفعت بهذا الجمع من الصحفيين إلى الفرار والتشرد في أوروبا لعلهم يحظون بفرصة للبقاء، أو - ربما - للحفاظ على قدرة استيعاب الحياة وقبولها بعد أن جاوروا الرعب والموت في المعتقلات والطرقات والحدود بين بلدانهم والبلدان التي فرّوا عبرها إلى بلد لجوء يحتضن المحظوظين منهم، جازفوا بكل شيء وزجّوا بأنفسهم في حاضر ملتبس بين رغبة اللجوء وحلم العودة ذات يوم إلى وطن قد يتسع لهم. هنا نحن لاجئون من بلاد العالم المتباعدة، نتاجُ ثقافات مختلفة، تجمعُ بيننا محنٌ إنسانية نرجو بعدها شيئاً من نجاة. الكاتب والصحفي الكوبي الأصلع ذو السحنة النحاسية خيسوس زونيكا، والصحفي الأريتيري ب. سايمون، والصحفية الصحراوية إيزانا العروسي، والصحفية البوروندية موجوما مسعود، والهاييتي جون، والآخرون، تحولت صفتنا من مواطن هارب إلى طالب لجوء على لائحة الانتظار، وهي الفترة القلقة التي يجهل كلٌّ منا ما ستُفضي إليه من رفض قاطع أو قبول تبدأ معه رحلة عذاب من طراز مختلف.
ينتظر اللاجئ عادة شهراً أو اثنين ليصله بلاغٌ إما بقبوله وإما برفض طلبه، وعندها لا بد أن يقدم طلباً للمحكمة لاستئناف النظر في طلب اللجوء، وتكلف إدارة بيت الصحفيين محامين متعاونين معها ليتابعوا قضاياهم.
كنتُ في الشهور الماضية وقبل انتقالي إلى بيت الصحفيين، أقصد دائرة الإقامة في ضاحية بعيدة وأقف ساعات طويلة تحت المطر في صف طويل من اللاجئين الهنود والصينيين والأفارقة والشيشان واللاتينيين والهنغاريين وغيرهم، أستقلُّ المترو عند الساعة 6 صباحاً كي أحصل على تمديد للإقامة الشهرية، ولا يتسنى لي إنجاز المهمة إلا بعد الساعة الرابعة عصراً. كنت أقف في المطر والبرد، وأحاول التماسك والصبر، لكنّ دموعي كانت تنهمر دون إرادة مني للواقع الذي وجدتني فيه. كنت أعيش حالة من التيه: لاأعرف ماذا سأفعل بعد أن تورطتُ بطلب اللجوء وسحبوا مني جواز سفري العراقي، ولا أملك أية وثيقة سوى ورقة الإقامة المؤقتة التي تشير إلى رقمي في طلبات اللجوء، تحولتُ إلى رقم مجرد، وأقيم مع طالبي اللجوء الغرباء في بيت الصحفيين الذي يشبه قسماً داخلياً متقشفاً يتقاسمه 15 شخصاً، وكانت فضيلة البيت الوحيدة وجود قاعة كبيرة للمحاضرات مزودة بالإنترنت. كنا نُمْضي معظم أوقاتنا فيها لتلقّي دروس الفرنسية صباحاً، وكنّا نحضّرُ طعامنا في مطبخ مشترك لم يُزَوّدْ بغير أربعة أفران مايكروويف تحيلُ أي طعام إلى مادة ذات طعم سيئ أشبه بمذاق اللدائن المحترقة.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

وجه «مصّاص دماء» يظهر للمرة الأولى منذ أكثر من 400 عام

رؤية ملامح وجه المتوفى بعدما أعاد العلماء بناء صورته (فريق الآثار الكرواتي)
رؤية ملامح وجه المتوفى بعدما أعاد العلماء بناء صورته (فريق الآثار الكرواتي)
TT

وجه «مصّاص دماء» يظهر للمرة الأولى منذ أكثر من 400 عام

رؤية ملامح وجه المتوفى بعدما أعاد العلماء بناء صورته (فريق الآثار الكرواتي)
رؤية ملامح وجه المتوفى بعدما أعاد العلماء بناء صورته (فريق الآثار الكرواتي)

للمرة الأولى منذ أكثر من أربعة قرون، ظهر وجه رجل وُصف بأنه «مصّاص دماء»، بعدما تعرّضت رفاته لتشويه متعمّد بعد وفاته، في محاولة لمنع عودته من الموت، وفق معتقدات كانت سائدة آنذاك، حسب «سكاي نيوز» البريطانية.

وعُثر على الجثة في قبر داخل قلعة راتشيسا، في شرق كرواتيا، حيث جرى نبشها وقُطعت رأسها، ثم أُعيد دفنها مقلوبة على وجهها تحت حجارة ثقيلة. وبما أن هذا التدنيس لا يمكن تفسيره بعوامل بيئية، فإن خبراء يعتقدون أنه نُفّذ لمنع الرجل من العودة باعتباره «مصّاص دماء».

وللمرة الأولى منذ قرون، بات الآن بالإمكان رؤية ملامح وجه المتوفى بعدما أعاد العلماء بناء صورته اعتماداً على جمجمته.

وقالت عالمة الآثار ناتاشا ساركيتش، وهي عضوة في فريق التنقيب، إن الخوف الذي أثاره الرجل بعد موته قد يكون امتداداً للخوف الذي بثّه في حياته. وأضافت: «أظهرت التحاليل البيوأثرية أن هذا الرجل شارك مراراً في نزاعات عنيفة، وأنه لقي حتفه في حادث عنف، فضلاً عن تعرّضه خلال حياته لما لا يقل عن ثلاث حوادث خطيرة بسبب العنف بين الأفراد».

وأوضحت أن «إحدى تلك الهجمات خلّفت تشوّهاً في وجهه، ما قد يكون أثار الخوف والنفور وأدى إلى نبذه اجتماعياً. وقبل أن يتعافى حتى من الصدمة قبل الأخيرة، تعرّض لهجوم أخير أودى بحياته».

وتابعت: «كان يُعتقد أن الأفراد الذين يموتون ميتة عنيفة، أو يمارسون العنف في حياتهم، أو يُنظر إليهم بوصفهم آثمين أو منحرفين اجتماعياً، معرّضون لخطر التحول إلى مصّاصي دماء. وربما اعتُبر هذا الرجل (مصّاص دماء) أو تهديداً خارقاً للطبيعة، بسبب تشوّه وجهه ونمط حياته الهامشي، الذي اتسم بتكرار العنف».


سوريا ضيف شرف «معرض الرياض الدولي للكتاب 2026»

الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان لدى لقائه محمد ياسين صالح وزير الثقافة السوري («الإخبارية» السعودية)
الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان لدى لقائه محمد ياسين صالح وزير الثقافة السوري («الإخبارية» السعودية)
TT

سوريا ضيف شرف «معرض الرياض الدولي للكتاب 2026»

الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان لدى لقائه محمد ياسين صالح وزير الثقافة السوري («الإخبارية» السعودية)
الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان لدى لقائه محمد ياسين صالح وزير الثقافة السوري («الإخبارية» السعودية)

أعلن الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي ورئيس مجلس إدارة هيئة الأدب والنشر والترجمة، اختيار سوريا ضيفَ شرف للدورة المقبلة من «معرض الرياض الدولي للكتاب 2026»، المقرر تنظيمها في شهر أكتوبر (تشرين الأول) المقبل.

وأوضح أن اختيار سوريا يعكس عمق العلاقات الثقافية بين البلدين، القائمة على الشراكة والاحترام المتبادل، ويأتي في إطار حرص المملكة على تعزيز التبادل الثقافي، بوصفه أحد مستهدفات الاستراتيجية الوطنية تحت مظلة «رؤية المملكة 2030»، التي أولت الوزارة من خلالها اهتماماً خاصاً بمواصلة الحوار الخلّاق بين الشعوب، وتبادل المعرفة والخبرات، وترسيخ الحضور الثقافي الفاعل للمملكة على المستويين العربي والدولي.

الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة السعودي (الشرق الأوسط)

ونوّه الأمير بدر بثراء الثقافة السورية وتنوعها، مؤكداً أن مشاركتها ستسهم في إثراء فعاليات المعرض وبرامجه. وأضاف أن استضافة سوريا بوصفها ضيفَ شرف ستوفر مساحة تفاعلية واسعة بين الجمهورين السعودي والسوري، وبين المثقفين في البلدين، وإنتاجاتهم الفكرية والإبداعية.

ومن المنتظر إقامة المعرض في أكتوبر (تشرين الأول) المقبل، بإشراف وتنظيم هيئة الأدب والنشر والترجمة، وفق رؤية تهدف إلى تعزيز مكانته بوصفه أكبر معرض كتاب في المنطقة من حيث عدد الزوار، وحجم المبيعات، وتنوع برامجه الثقافية.


بيرلا حرب: الثقة بالنفس أقوى من تنمّر المنصات

تستعد لإطلاق حملات تعزز صورة المرأة في العالم الرقمي (بيرلا حرب)
تستعد لإطلاق حملات تعزز صورة المرأة في العالم الرقمي (بيرلا حرب)
TT

بيرلا حرب: الثقة بالنفس أقوى من تنمّر المنصات

تستعد لإطلاق حملات تعزز صورة المرأة في العالم الرقمي (بيرلا حرب)
تستعد لإطلاق حملات تعزز صورة المرأة في العالم الرقمي (بيرلا حرب)

تضع ملكة جمال لبنان، بيرلا حرب، تعزيز صورة المرأة في العصر الرقمي نصب عينيها. وقد اختارت هذا الموضوع عنواناً لحملات برنامج ولايتها الممتدّة على مدى عام كامل. وبالتعاون مع مؤسسات إعلامية واجتماعية، ستعمل على نشر ثقافة جديدة في هذا المجال، لا سيَّما بشأن الأذى الذي تتعرض له المرأة عبر وسائل التواصل الاجتماعي. كما ستسعى إلى تسويق مفهوم الجمال الطبيعي عبر المنصات الإلكترونية، مبرمجة نشاطاتها ضمن إطار حملات توعوية هادفة.

تنصح من يمر بتجربة سلبية على الـ«سوشيال ميديا» بغض الطرف (بيرلا حرب)

وكانت بيرلا قد تعرَّضت، بعد انتخابها «ملكة جمال لبنان» في أكتوبر (تشرين الأول) من عام 2025، لحملة تنمّر طالتها بتعليقات سلبية شكَّكت في مستوى جمالها. وتعلّق لـ«الشرق الأوسط»: «تعرضت لحملات مؤذية شكّكت في جمالي. بعضهم راح ينتقدني مدعياً أنني خضعت لعمليات تجميل، لكن هذا الأمر زادني قوة». وتتابع: «التنمُّر ظاهرة منتشرة في عالمنا الرقمي. واخترت ألّا أتأثر بالتعليقات السلبية. كما تعلمت الإصغاء إلى صوتي الداخلي، مؤمنة بأن كل تجربة تحمل درساً. هذا ما حفَّزني لأكون داعمة لكل من يخوض تجربة مماثلة. فشخصياتنا لا تُحدِّدها وسائل التواصل الاجتماعي ولا آراء الآخرين، بل ثقتنا بأنفسنا».

وعن النصيحة التي تقدّمها تقول: «لكلّ شخص أسلوبه في التعامل مع هذا النوع من الأذى؛ فهناك من يختار إغلاق هاتفه طلباً للهدوء، وهناك من ينجرّ إلى دوامة الرد والرد المضاد. أما أنا، فاعتمدت تجاهل التعليقات السلبية تماماً، لا أقرأها ولا أمنحها أي اهتمام. وأنصح كل من يمرّ بتجربة مماثلة باللجوء إلى شخص داعم يثق به».

وتتابع: «لا تسمحوا لأشخاص يختبئون خلف الشاشات بأن يؤثّروا فيكم. إنهم يفتقرون إلى الشجاعة، ويتخذون من وسائل التواصل مساحة لإيذاء الآخرين. تجاهلوهم ولا تمنحوا آراءهم أي وزن».

تجد الجمال الطبيعي عند المرأة نعمة يجب عدم التفريط فيها (بيرلا حرب)

وتشير بيرلا إلى أنّ اهتمامها بـ«تعزيز صورة المرأة في العصر الرقمي ينبع من قناعة راسخة بأن التوعية أصبحت ضرورة ملحّة، في ظلّ تصاعد خطاب الكراهية، والابتزاز، والتحرّش، والإساءة النفسية عبر التطبيقات الإلكترونية». وتضيف أنّ من مسؤوليتها أيضاً «توعية الأهل بطرق متابعة أبنائهم، وتسليط الضوء على وسائل حماية الحسابات والبيانات، مع التشديد على حماية القاصرين بوصفهم الفئة الأكثر عرضة للأذى. فكلّما طُرحت هذه القضايا للنقاش ووُضعت تحت المجهر، اتَّسعت دائرة الوعي وتراجعت احتمالات وقوع الضحايا».

وعمّا إذا كانت تمنّت يوماً أنها وُلدت في زمن بعيد عن وسائل التواصل الاجتماعي، تقول إن «لهذه المنصّات وجهين؛ سلبي وإيجابي»، لكن أثرها الإيجابي في تقارب الناس ودعم القضايا الإنسانية يجعلها تشعر بأنها تعيش في الزمن المناسب، مشيرةً إلى «مبادرات علاجية وإنسانية نجحت عبر حملات إلكترونية».

وتستعد ابتداءً من الأسبوع المقبل لإطلاق حملة توعوية بالتعاون مع مؤسسة اجتماعية، تتضمن فيديوهات إرشادية بشأن الحماية في العالم الرقمي، إلى جانب سلسلة مصوّرة عبر شاشة «إل بي سي آي» لمواجهة ترِنْد الجمال المصطنع. وتؤكد أن معايير الجمال المروّجة رقمياً غير واقعية، وأن الجمال الحقيقي يكمن في الاختلاف لا في التشابه.

لقب «ملكة جمال لبنان» لم يبدّل تصرفاتها وشخصيتها الحقيقية (بيرلا حرب)

وتُشدد على أن الجمال الطبيعي هو ما يمنح كل امرأة تميّزها، محذّرة من تأثير تقليد النماذج الرائجة وما يسببه ذلك من إحباط، ومعلنة أنها ستواصل حملات تؤكد من خلالها قيمة الخصوصية والاختلاف.

وتلفت إلى أن لقب «ملكة جمال لبنان» لم يُغير حياتها جذرياً، باستثناء اتساع حضورها الرقمي، لكنه زاد إحساسها بالمسؤولية، ودفعها إلى التعمّق في قضايا العالم الرقمي. وتؤكد تمسّكها بقيمها وسعيها لتقديم تأثير فعلي، ولو كان محدوداً في العدد.

وتُعبر بيرلا عن حماسها لتمثيل لبنان في مسابقة «ملكة جمال العالم» يوم 26 فبراير (شباط) الحالي في فيتنام، مركّزة على إبراز صورة بلدها، وثقافته، وقوة المرأة فيه.

وتختم بالقول إن رسالتها لن تتوقف بانتهاء ولايتها، مع عزمها على متابعة دراساتها العليا والبقاء منفتحة على الفرص المقبلة.

Cannot check text—confirm privacy policy first