الحقيقة الأدبية نسبية وحمالة أوجه والخرائط تبدلت

ملاحظات على ملاحظات سعد البازعي حول «مسارات الحداثة»

الناقد سعد البازعي  -  الشاعر السعودي محمد العلي
الناقد سعد البازعي - الشاعر السعودي محمد العلي
TT

الحقيقة الأدبية نسبية وحمالة أوجه والخرائط تبدلت

الناقد سعد البازعي  -  الشاعر السعودي محمد العلي
الناقد سعد البازعي - الشاعر السعودي محمد العلي

لا يسَعني بدايةً سوى شكر الناقد الصديق سعد البازعي، المشهود له بسَعة الثقافة والصدر، على تقديره الإيجابي لتجربتي الشعرية، كما على اهتمامه بكتابي النقدي «مسارات الحداثة»، الذي صدر قبل شهور عدة، وتجشّمه من ثم عناء مناقشة محتوياته.
ولا بد لي في الوقت نفسه من مضاعفة شكري إياه؛ لتذكيره القراء بأننا نتشاطر قواسم مشتركة عديدة، بينها الجذر الثلاثي الذي اشتقت منه تسمية العائلتين. على أن الصديق الناقد الذي كاد يعفيني، عبر ما وجده لي من أعذار، من تبِعات الاختيارات والتباساتها، ما لبث أن أعاد الأمور إلى مربعها الأول، سواء فيما يتعلق بدول الحداثة التأسيسية ومناطقها، أو بالأسماء المستبعَدة من الكتّاب، وجُلّهم من جيل السبعينيات غير المشمول بالتناول النقدي.
ولمّا كان البازعي قد أشار إلى وقوعه في المأزق نفسه، إثر صدور كتابه الموسوعي المميز «معالم الحداثة»، حيث تبارى الكثيرون في لومه على تغييب هذا الاسم أو ذاك من الكُتاب والمفكرين، فقد ظننت أن ما واجهه من انتقادات سيدفعه، بحكم تماثل وضعينا، إلى التعامل مع كتابي بتفهّم أكبر وانتقادات أقل وطأة، لكن ما حدث هو العكس تماماً، حيث عاد عن اعتباراته التخفيفية، ليسدد باتجاه الكتاب العديد من «رشقات» الملاحظات، و«سهام» المآخذ.
والواقع أن بعض الملاحظات التي أوردها البازعي بشأن الكتاب، يمكن أن تُدخلنا في مزالق ومحاذير يصعب الخروج منها، وخاصة عبر مطالبته بتوزيع جغرافي عادل للحداثة، الأمر الذي يحوّل الكتاب، في حال الأخذ به، إلى نوع من جامعة ثقافية موازية لجامعة الدول العربية. أما بالنسبة للشعراء المختارين، فلا بد من التذكير بأن العمل الإبداعي لا يندرج في خانة الحقائق اليقينية، بل هو نشاط خاضع لمبدأ النسبية، كما لذائقة المتلقي وتكوينه الثقافي والمعرفي، الأمر الذي يجعل من المتعذر تماماً الرؤية إلى التجارب الإبداعية بالطريقة نفسها من قِبل القراء والنقاد والدارسين.
ولعلّ من حسن حظ البشر أن تكون لهم تلك المروحة الواسعة من الأمزجة والأذواق وطريقة النظر إلى الأشياء؛ لأنه من دون ذلك، لن نعثر إلا على نموذج أحادي للجمال والحب وطريقة العيش، وعلى نموذج مماثل للكتابة والفن. وإذا كان النقد الأدبي من جهته يمتلك الكثير من سمات العلم والبحث المعرفي الرصين، إلا أنه يقع في باب العلوم «اللينة» والمفتوحة على الاجتهاد والتأويل، كما كنتُ قد أشرت في مقدمة الكتاب.
وبالعودة إلى ملاحظات الصديق البازعي، يمكنني القول إن النقطة المتعلقة بجغرافيا الحداثة هي بالقطع أكثر إثارة للحساسيات المحلية، من النقطة المتعلقة بالأسماء؛ لكونها يمكن أن تُحمل على محمل الشوفينية النقدية، وإعلاء بعض الكيانات السياسية على حساب كيانات أخرى. على أن السؤال الذي يتبادر إلى الذهن قبل سواه هو التالي: منذ متى كانت خرائط الإبداع العربي يتم ترسيمها وفقاً لحدود الدول القُطرية والكيانات السياسية والوطنية؟ وإذا كانت غالبية هذه الكيانات لا يزيد عمرها عن القرن الواحد، فإن عمر اللغة والشعر العربيين يزيد عن ألف وخمسمائة عام، كما أن كليهما يسبحان في الأوقيانوس إياه، ولو تنوعت مشاربه ومذاقاته. ومن الذي يتعامل اليوم مع امرئ القيس بوصفه شاعراً نجدياً، والمتنبي بوصفه عراقياً، وأبي العلاء بوصفه سورياً؟
وحتى لو صرفنا النظر عن هذه المسألة، فلماذا لم يُشِر الصديق البازعي بالاسم إلى الشعراء الحداثيين المؤسِّسين، وخاصة من جيل الخمسينيات في الخليج والمغرب العربي؛ لأن ما أعرفه هو أن الحداثة الشعرية، بشقّيها التفعيلي والنثري، قد نشأت في العراق، ثم توزعت عبر مجلات «الرسالة» و«الأديب» و«الآداب» و«شعر» وغيرها، بين لبنان ومصر وسوريا وبعض دول المشرق المجاورة. أما دخول منطقتي المغرب العربي والخليج على خط الحداثة فقد جاء متأخراً نسبياً، ليتوزع بتفاوت بين ستينيات القرن الماضي وسبعينياته.
وإذا كنت قد أشرت إلى الإرهاصات الحداثية المبكرة لأبي القاسم الشابي، فإن معظم التجارب المغاربية الحداثية تنتمي إلى حقبتي الستينيات والسبعينيات. أما على الصعيد الخليجي فإن تجربة الشاعر السعودي محمد العلي تقع في طليعة التجارب الحداثية المماثلة، إلا أن هذه التجربة لم تأخذ لسوء الحظ طريقها إلى النشر، في حين أن تجارب محمد الثبيتي وبعض مُجايليه من الحداثيين تنتمي هي الأخرى إلى حقبة السبعينيات، التي تقع خارج نطاق الكتاب.
ولا حاجة بي إلى التذكير بأنني أشرت، غير مرة وفي مقالات مختلفة، إلى أن ما سُمي بدول المركز وعواصمه لم يعد حِكراً على مربع بغداد- القاهرة- بيروت- ودمشق، وإلى أن المغرب العربي والخليج قد بدآ يتحولان منذ سنوات إلى بؤرتين هامتين للمعرفة والإبداع وثقافة التنوير، حيث تلمع هنا وهناك عشرات الأسماء الهامة في مجالات الشعر والسرد، والفن بوجه عام.
أما فيما يخص الأسماء التي أشار البازعي إلى إغفالي إياها، فالبردوني وحده هو الذي ينطبق عليه من بينها معيار الدراسة الزمني. ومع أنه شاعر كبير ومجدد بالقطع، إلا أن تجديده الشعري يدخل في نطاق الكلاسيكية الجديدة، ولا يجعل منه شاعراً حداثياً، وإلا كان عليّ أن أوسّع المنظور الحداثي أكثر مما يحتمل، ليضم عشرات الخليليين من طراز إلياس أبو شبكة وخليل مطران وبدوي الجبل والجواهري وعمر أبو ريشة، وكثر غيرهم، بما يُدخل الكتاب في متاهة نظرية لا أول لها ولا آخر.
وإذا كنت قد خصصت سعيد عقل بالدراسة، دون سواه من الشعراء الخليليين، فلأنه من وجهة نظري، وبعيداً عن شطحاته السياسية، الشاعرالذي أوصل الجمالية الشعرية الكلاسيكية إلى تخومها القصوى، وإلى مأزقها الحتمي في الآن نفسه، بما جعل من تشظّي البنية التناظرية للبيت الشعري من بعده، أمراً لا مفر منه.
وإذ يشكّ الصديق البازعي بأن يكون اللبناني عصام محفوظ أكثر أهمية من اليمني عبد العزيز المقالح، فأنا لا أشاطره الشك نفسه فحسب، بل أؤكد بالقطع أن الثاني أشعر من الأول وأكثر موهبة وتنوعاً. لكن اشتمال الكتاب على محفوظ، وعدم اشتماله على المقالح، يعود إلى كون محفوظ جزءاً، ولو متواضعاً، من مغامرة «شعر» التجديدية في أواخر خمسينيات القرن الفائت، وهو قد انسحب من الشعر إلى المسرح في وقت لاحق، في حين أن المقالح ورغم ولادته عام 1937 ومُجايلته لمحفوظ، يعتبر على الصعيد الإبداعي واحداً من شعراء السبعينيات، حيث صدر ديوانه الأول «لا بد من صنعا» عام 1971. والأمر نفسه ينطبق على محمد بنيس وقاسم حداد ومنصف الوهايبي ومحمد الغزي، الذين صدرت أعمالهم الأولى بين الأعوام 1970 و1982. ولو طبّقنا هذا المعيار التحقيبي على الكتّاب، لوجب أن أضم إليه أسماء بالغة الأهمية من جيلي الستينيات والسبعينيات.
وإذ آثرتُ أخيراً أن أقدم الأسماء الهامة والمتميزة من جيلي الحداثة الثانية والثالثة، عبر جزء لاحق من الكتاب، فيهمّني أن أوضح في الوقت نفسه أنه سبق لي أن تناولت بالقراءة النقدية، وعبر منابر ثقافية مختلفة؛ ليس فقط الشعراء الذين خصّهم البازعي بالذكر، بل عشرات غيرهم ممن رفدوا الحداثة العربية بالكثير من عناصر الجِدة والمغايرة والانقلاب على السائد.
وفي أية حال لقد اجتهدت قدْر ما أعرف وقدْر ما أستطيع، فإن أصبتُ، كما يقول الحديث الشريف، فلي أجْران، وإن أخطأت فلي أجر واحد، وهو أجرٌ ليس بالقليل في أية حال.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

الكلية الملكية البريطانية للفنون شريكاً أكاديمياً لـ«جامعة الرياض للفنون»

جرت مراسم توقيع الشراكة خلال افتتاح النسخة الثالثة من «بينالي الدرعية للفن المعاصر» بحي جاكس في الدرعية (واس)
جرت مراسم توقيع الشراكة خلال افتتاح النسخة الثالثة من «بينالي الدرعية للفن المعاصر» بحي جاكس في الدرعية (واس)
TT

الكلية الملكية البريطانية للفنون شريكاً أكاديمياً لـ«جامعة الرياض للفنون»

جرت مراسم توقيع الشراكة خلال افتتاح النسخة الثالثة من «بينالي الدرعية للفن المعاصر» بحي جاكس في الدرعية (واس)
جرت مراسم توقيع الشراكة خلال افتتاح النسخة الثالثة من «بينالي الدرعية للفن المعاصر» بحي جاكس في الدرعية (واس)

وقَّعت وزارة الثقافة السعودية، الجمعة، شراكةً مع الكلية الملكية البريطانية للفنون (RCA)، تكون الأخيرة بموجبها شريكاً أكاديمياً لكُلّيتَي «التصميم والعمارة، والفنون البصرية والتصوير الفوتوغرافي» بـ«جامعة الرياض للفنون»، وذلك لتطوير المواهب الثقافية والفنية، وتعزيز التبادل الثقافي.

وجرت مراسم التوقيع خلال افتتاح النسخة الثالثة من «بينالي الدرعية للفن المعاصر»، التي تحمل عنوان «في الحِلّ والترحال»، بحي جاكس في الدرعية؛ إذ مثَّلت الوزارة نهى قطّان، وكيلة الشراكات الوطنية وتنمية القدرات، فيما مثّل الكلية رئيسُها ونائب المستشار البروفسور كريستوف ليندنر.

وستتعاون الكلية مع الجامعة في التصميم المشترك، وتقديم برامج أكاديمية لمرحلتَي البكالوريوس والدراسات العليا، وأخرى تأسيسية، تغطي مجالات العمارة، والتصميم، والتخطيط الحضري.

وتمثّل هذه البرامج جسراً يربط بين الإرث والابتكار، وتسهم في تنمية المواهب الوطنية وتمكينها من أداء دورٍ فاعل في تشكيل البيئات العمرانية ومجالات التصميم، وبناء الكفاءات في الفنون البصرية التقليدية والمعاصرة، ضمن رؤية إبداعية عالمية تنطلق من الهوية الثقافية الفريدة للسعودية.

وتأسست الكلية في لندن عام 1837، وجاءت كأفضل جامعة للفنون والتصميم عالمياً لمدة 11 عاماً متتالية وفق تصنيف «كيو إس» للجامعات حسب التخصص، للأعوام من 2015 حتى 2025، وتُعد من أكثر الجامعات المتخصصة كثافةً في البحث العلمي بالمملكة المتحدة.

وتقدّم الكلية مجموعة واسعة من البرامج في الفنون البصرية، والتصميم، والعمارة، والاتصال، والعلوم الإنسانية عبر كلياتها المختلفة، مع تركيزها على تطوير الكفاءة المهنية، ودفع حدود الممارسة الإبداعية من خلال التعليم والبحث والتعاون العابر للتخصصات.

وتأتي هذه الشراكة ضمن سلسلةٍ من شراكات أكاديمية ومذكرات تفاهم توقّعها «جامعة الرياض للفنون» وكليّاتها مع مؤسساتٍ دولية رائدة، بهدف تصميم البرامج الأكاديمية، وتعزيز التعاون البحثي، وتقديم برامج تعليمية إثرائية في مجالات الثقافة والتنمية.

كان الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي، أعلن خلال شهر سبتمبر (أيلول) 2025 عن إطلاق «جامعة الرياض للفنون» في كلمته الافتتاحية بـ«مؤتمر الاستثمار الثقافي»، بوصفها حجر الأساس للتعليم الإبداعي والابتكار الثقافي في المملكة.

وتهدف الجامعة إلى تأهيل طلابها بالمعرفة والمهارات والرؤية اللازمة للإسهام في تشكيل مستقبل الاقتصاد الإبداعي في السعودية، ويُنتظر أن تُعلِن عن المزيد من التفاصيل المتعلقة بها وكلياتها وشراكاتها عبر موقعها الإلكتروني الرسمي الذي سيُطلق خلال الربع الحالي.


«العربي»... قراءة سينمائية جزائرية جديدة لـ«الغريب» في روتردام

يخوض مخرج الفيلم تجربته الأولى في الأفلام الروائية (مهرجان روتردام)
يخوض مخرج الفيلم تجربته الأولى في الأفلام الروائية (مهرجان روتردام)
TT

«العربي»... قراءة سينمائية جزائرية جديدة لـ«الغريب» في روتردام

يخوض مخرج الفيلم تجربته الأولى في الأفلام الروائية (مهرجان روتردام)
يخوض مخرج الفيلم تجربته الأولى في الأفلام الروائية (مهرجان روتردام)

احتضن مهرجان روتردام السينمائي الدولي، في نسخته الـ55، العرض العالمي الأول للفيلم الجزائري «العربي»، وهو العمل العربي الوحيد المشارك في المسابقة الرسمية للمهرجان، الذي تتواصل فعالياته من 29 يناير (كانون الثاني) الحالي حتى 8 فبراير (شباط) المقبل.

ويُعرض الفيلم في 5 عروض مختلفة ضمن برنامج المهرجان حتى الأربعاء المقبل.

وتدور أحداثه في 106 دقائق، وهو إنتاج مشترك بين الجزائر، وفرنسا، وبلجيكا، وسويسرا، والسعودية، بعدما حصل على دعم من مؤسّسة «البحر الأحمر».

ويشكّل العمل التجربة الروائية الأولى للمخرج الجزائري مالك بن إسماعيل بعد مسيرة طويلة في السينما الوثائقية.

يُعيد «العربي»، عبر مقاربة سينمائية، تفكيك إحدى أكثر الشخصيات غموضاً في الأدب العالمي، من خلال إعادة النظر في رواية الغريب للكاتب ألبير كامو، ولكن من زاوية مختلفة، تستند إلى شهادة الأخ المسنّ للضحية، متنقلاً بذكاء بين الذاكرة والخيال والسجل التاريخي.

في رواية كامو الصادرة عام 1942، يظهر «ميرسو» في انتظار تنفيذ حكم الإعدام بحقه بعد إدانته بقتل رجل بلا اسم، يُشار إليه فقط بصفته «العربي»، من دون منحه أي هوية واضحة. ورغم المكانة الأدبية التي احتلتها الرواية بوصفها من أبرز أعمال القرن العشرين، ظلَّ هذا الغياب الاسمي علامة استفهام كبرى حول هوية القتيل ودلالات هذا التجاهل في سياق الاستعمار والذاكرة.

عام 2013، قدَّم الكاتب الجزائري كمال داود إجابة أدبية عن هذا السؤال في روايته «ميرسو... تحقيق مضاد»؛ إذ أعاد فتح القضية من الجهة الأخرى، مانحاً «العربي» اسماً وحكاية وصوتاً. ومن هذا النصّ، ينطلق مالك بن إسماعيل ليحوّل الرواية إلى أول أفلامه الروائية.

تنطلق أحداث الفيلم من مدينة وهران الجزائرية، حيث يعيش «هارون»، الذي أدَّى دوره الممثل الجزائري الراحل أحمد بن عيسى، وهو رجل مسنّ، أعزب، وموظف حكومي متقاعد، حياة انعزالية مُثقلة بالذكريات.

لكن لقاءً عابراً في حانة مع الصحافي «كامل» يتحوَّل إلى اعتراف طويل، أو إلى شهادة متأخرة عن جريمة وقعت في صيف عام 1942.

يعرض الفيلم للمرة الأولى عالمياً في مهرجان روتردام (الشركة المنتجة)

قُدِّم الفيلم، المصوَّر بالألوان وبالأبيض والأسود، بصورة تعكس تداخلاً بين الماضي والحاضر، والواقع والذاكرة، مع اعتماد إخراج كلاسيكي هادئ يترك مساحة للصمت والكلمات الثقيلة، من دون افتعال أو خطابية.

ويقول مالك بن إسماعيل إنّ رواية كامو قدَّمت حادثة قتل رجل عربي على الشاطئ من دون ذكر اسمه أو منحه وجوداً إنسانياً حقيقياً، مشيراً إلى أنّ هذا الغياب لا يمكن التعامل معه بوصفه تفصيلاً سردياً عابراً، بل يعكس طريقة تفكير استعمارية كاملة.

وأضاف، في تصريحات صحافية، أنّ «رواية كمال داود أعادت فتح هذا الجرح المسكوت عنه، حين منحت الضحية اسماً وصوتاً وحكاية، وأعادت طرح السؤال حول مَن يملك حق السرد ومَن يُمحى من الذاكرة»، مشيراً إلى أنّ فيلمه لا يسعى إلى محاكمة كامو أو إعادة قراءته، بقدر ما يحاول سينمائياً استعادة ما تم محوه من اسم وذاكرة وإنسان.

وأكد أنّ هاجسه الأساسي كان صناعة فيلم عن الصمت، وعن الثقل الذي يُخلّفه القتل حين لا يُعترف بالضحية، لافتاً إلى أنّ انتقاله من السينما الوثائقية إلى الروائية جاء امتداداً طبيعياً لتجربته؛ إذ تعامل مع النص الروائي بالإنصات وطرح الأسئلة والشك في الرواية الواحدة.

حصل الفيلم على دعم من مهرجان «البحر الأحمر» (مهرجان روتردام)

من جهته، قال الناقد السينمائي الجزائري فيصل شيباني إنّ الإنتاج السينمائي الجزائري شهد تراجعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، في ظلّ انخفاض دعم الدولة، ممّا انعكس على حضور الأفلام الجزائرية في المهرجانات الكبرى.

وأضاف أنه كان يتوقَّع مشاركة «العربي» في أحد المهرجانات الكبرى، ولا سيما «كان»، نظراً إلى كونه مقتبساً من رواية حقَّقت انتشاراً واسعاً، خصوصاً في فرنسا.

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أنّ «مالك بن إسماعيل أثبت في تجاربه السابقة امتلاكه أدواته الإخراجية، ووجود رؤية واضحة في أعماله»، مشيراً إلى أنّ مشاركة الفنانة الفلسطينية هيام عباس في بطولة الفيلم ترفع منسوب التوقّعات لتجربة مختلفة عن السائد في السينما الجزائرية أخيراً.

من جانبه، قال الناقد السينمائي السعودي أحمد العياد إنّ فيلم «العربي» يستند إلى أرضية أدبية قوية، بكونه مُقتبساً عن رواية وصفها بالثرية فنّياً وفكرياً، لِما تحمله من قراءة مُغايرة لنصّ أدبي كلاسيكي ومنحها صوتاً إنسانياً غائباً.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أنّ «العمل يقف خلفه فريق فنّي متميّز على مستوى الإخراج والتمثيل والرؤية العامة، ممّا أضفى عليه ثقلاً فنياً وحضوراً لافتاً»، مشيراً إلى أنّ دعم مؤسّسة «البحر الأحمر» للفيلم يؤكد قدرتها على اختيار أعمال متميّزة فنياً، خصوصاً أنّ «العربي» هو العمل العربي الوحيد المشارك في المسابقات الرسمية الثلاث للمهرجان.


جو طراد لـ«الشرق الأوسط»: عاتبٌ لغياب تكريمي في بلدي

جو طراد مع الطفلة روسيل زعيتر صاحبة شخصية «ملاك» (صور الممثل)
جو طراد مع الطفلة روسيل زعيتر صاحبة شخصية «ملاك» (صور الممثل)
TT

جو طراد لـ«الشرق الأوسط»: عاتبٌ لغياب تكريمي في بلدي

جو طراد مع الطفلة روسيل زعيتر صاحبة شخصية «ملاك» (صور الممثل)
جو طراد مع الطفلة روسيل زعيتر صاحبة شخصية «ملاك» (صور الممثل)

مَن يتابع مسلسل «ليل» المُعرّب، لا بد أن يلفته دور «نورس» الذي يؤدّيه الممثّل جو طراد، حاملاً في ملامح وجهه ولغة جسده كل ما يمكن أن يجسّده الشرّ من معانٍ.

ويزيد من تألّقه في هذا الدور، الذي بناه خصيصاً للشخصية، إطلالته بشَعر معقوص وملامح جامدة أقرب إلى «بوكر فايس»، ممّا يرسّخ لدى المتابع صورة الشرير منذ اللحظة الأولى. ويخبر جو طراد «الشرق الأوسط» أنه أدرك، من خلال موقف صادفه أخيراً، مدى تأثُّر الناس بهذا الدور، قائلاً: «كنتُ أسير في شوارع إسطنبول، ولاحظت طفلاً عربياً يحاول الاختباء مني خلف والديه. اقتربتُ منه وتحدّثتُ إليه بلطف، لكنه بقي متسمّراً في مكانه يحدّق بي مردّداً اسم (نورس). وعندما نادت والدته بالاسم نفسه، متفاجئة بلقائي، ضحكت قائلة: (إنك تثير فينا الرعب ونحن نتابعك في مسلسل ليل). وتبيّن لاحقاً أنّ العائلة كويتية في زيارة خاصة إلى إسطنبول».

وبالفعل، يعكس جو طراد أبعاد هذه الشخصية بأداء تمثيلي مُتقن، فيستمتع المُشاهد بكل حلقة يشارك فيها، إذ يتحوَّل «نورس» إلى محور أساسي للأحداث، ويتحكّم بصورة غير مباشرة بمسارها، جاذباً المُشاهد العربي بأسلوبه التمثيلي.

ويعلّق: «لم يسبق أن لعبتُ دوراً يسكنه الشرّ تماماً. قُدّمتُ شخصيات تنزلق نحو الشرّ لأسباب نفسية، لكن مع نورس كان الأمر مختلفاً. هو شخصية تتنقّل بين طباع متناقضة، وتقدّم أكثر من وجه. يُخفي حقيقته المُرّة بمرونة لافتة؛ يكون لطيفاً مع مَن يحتاج إليهم، وقاسياً وظالماً مع آخرين للوصول إلى أهدافه، ممّا يتطلّب الغوص في أعماق هذه الشخصية».

في مسلسل «ليل» يجسّد طراد شخصية «نورس» الشرير (صور الممثل)

ويشير إلى أنّ شخصية «نورس»، رغم عدم ظهورها في جميع حلقات المسلسل، تبقى المحور الأساسي للأحداث، واصفاً إياها بـ«الجوكر» القادر على إقناع الآخرين بأي وجه يتقمّصه.

ويُجسّد جو طراد دوره مستخدماً أدوات تمثيلية متعدّدة، من نبرة صوته إلى حضوره ونظراته، مُسخّراً إياها لخدمة الشخصية. ويقول: «تكمن صعوبة الدور في تقديمه من دون مبالغة، وهو خطأ شائع يقع فيه عدد كبير من الممثلين. لكنني استطعت أخذه إلى مساحة مختلفة، لا تشبه حتى الشخصية الأصلية في المسلسل التركي (ابنة السفير)». ويضيف: «اطّلعتُ سريعاً على بعض حلقات النسخة التركية، وكنتُ مقتنعاً بقدرتي على تقديم (نورس) بشكل أفضل، فقرّرتُ بناء الشخصية بأسلوبي الخاص. أضفت إليها الغموض والقوة، ممّا جعلها أكثر إثارة، وأظهرتُ جانبها العاطفي الخالي من أي مشاعر أو أحاسيس. ومع ضيق الوقت وسرعة التصوير، كان عليَّ تقديم أفضل ما لدي من دون إعادات، اختصاراً للوقت».

يعتب على عدم تقديره من بلده لبنان (صور الممثل)

وعن الحلقات المقبلة، يعد طراد المشاهدين بمفاجآت، مؤكداً أنّ التصوير لا يزال جارياً، وأنّ أحداثاً مفصلية ستتخلّل بقية العمل مُحمَّلة بجرعات عالية من التشويق. أمّا عن نهاية مسلسل «ليل»، وما إذا كانت ستُحدث صدمة شبيهة بتلك التي رافقت نهاية «سلمى»، فيُجيب: «بعد خبرة طويلة في الأعمال المعرّبة، أستطيع القول إنّ (ليل) يسير بإيقاع سريع لا يبعث على الملل. أتابعه شخصياً بحماسة لأنّ إيقاعه جديد ومختلف، وينتمي إلى مدرسة درامية مغايرة. وأنا واثق بأنّ الحلقات المقبلة ستحافظ على هذا المنحى، ممّا سيقود إلى نهاية تشبه العمل وتنسجم مع روحيته وطريقة تنفيذه».

اليوم، ينظر جو طراد إلى الساحة الدرامية اللبنانية من موقع المُراقب، في ظلّ غيابه عنها منذ فترة بسبب إقامته الدائمة في تركيا. وعن ملاحظاته، يقول: «أصفّق للتطوّر الذي تحقّقه الدراما اللبنانية، لا سيما أنني أنتمي إلى هذه العائلة منذ بداياتي. ابتعدتُ أخيراً لانشغالي بعملي في إسطنبول، وصرتُ أرى الأمور من منظور إقليمي أكثر منه محلّياً. لكن عندما أشارك في عمل معرَّب، أكون في موقع تمثيل بلدي لبنان، وانتشار اسمي اليوم يشمل مختلف الدول العربية، حيث يُشار إليّ على أنني ممثل لبناني».

عمَّر طراد شخصية «نورس» بأدواته التمثيلية (صور الممثل)

حتى الآن، صوَّر جو طراد نحو 500 حلقة معرّبة، عبر أدوار متنوّعة. ويقول: «تعبتُ واجتهدت للوصول إلى ما أنا عليه اليوم، وأعتقد أنّ هذا الجهد يستحق التقدير». وعن غياب تكريمه، يوضح: «لا أملك علاقات عامة مع الجهات المنظمة للجوائز تسهم في حضوري لديها، ولديّ عتب على عدم تقديري من بلدي».

وعن استعداده للمشاركة في أعمال درامية محلية، يختم: «سبق أن تعاونت مع شركة (الصبّاح)، ولم تُتح لي الفرصة بعد للعمل مع (إيغل فيلمز). لكن إذا تواصلت معي أي شركة إنتاج لبنانية، فلن أتأخر عن تلبية هذه الرغبة».