لبنان يعلن التوصل إلى «صيغة تلبي مطالبه» في اتفاق ترسيم الحدود مع إسرائيل

بانتظار الإعلان عن موعد التوقيع

دورية لقوات الأمم المتحدة (يونيفيل) في بلدة الناقورة الحدودية مع إسرائيل أمس (رويترز)
دورية لقوات الأمم المتحدة (يونيفيل) في بلدة الناقورة الحدودية مع إسرائيل أمس (رويترز)
TT

لبنان يعلن التوصل إلى «صيغة تلبي مطالبه» في اتفاق ترسيم الحدود مع إسرائيل

دورية لقوات الأمم المتحدة (يونيفيل) في بلدة الناقورة الحدودية مع إسرائيل أمس (رويترز)
دورية لقوات الأمم المتحدة (يونيفيل) في بلدة الناقورة الحدودية مع إسرائيل أمس (رويترز)

وصلت مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين لبنان وإسرائيل إلى خواتيمها الإيجابية بإعلان المسؤولين اللبنانيين أن الصيغة النهائية للعرض مرضية للبنان وتلبي مطالبه، وهو الأمر الذي يبدو أنه نال موافقة «حزب الله» الذي سبق أن هدد مراراً بالتصعيد، ونقلت وكالة «رويترز» عن مسؤولين لبنانيين قولهم إن الحزب وافق على البنود.
وتلقى الرئيس ميشال عون اتصالاً هاتفياً أمس من الرئيس الأميركي هنأه خلاله بانتهاء المفاوضات لترسيم الحدود البحرية الجنوبية، ومؤكداً وقوف الولايات المتحدة إلى جانب لبنان لتحقيق الاستقرار وتمكينه من تعزيز اقتصاده والاستفادة من ثرواته الطبيعية.
وبعد تسلّم نائب رئيس البرلمان إلياس بو صعب، مساء أول من أمس، النسخة الرسمية النهائية المعدلة للاقتراح الذي كان قد تقدم به الوسيط الأميركي آموس هوكستاين، سلّمها صباحاً إلى عون الذي أكد أنها «حافظت على حقوق لبنان في ثروته الطبيعية وذلك في توقيت مهم بالنسبة إلى اللبنانيين»، آملاً «أن يتم الإعلان عن الاتفاق حول الترسيم في أقرب وقت ممكن»، في وقت طلب فيه رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي ممثلي شركة «توتال» المباشرة بالإجراءات التنفيذية للتنقيب في المياه اللبنانية فوراً.
ورجّحت مصادر وزارية مطلعة على أجواء المفاوضات أن يتم توقيع الاتفاق بين 19 و20 شهر أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «سيحدد الموعد بعد الاتفاق بين الأطراف المعنية، أي إضافة إلى لبنان وإسرائيل، الأمم المتحدة والوسيط الأميركي الذي قد يحضر التوقيع في الناقورة»، مشيرة إلى أن مستوى الوفد اللبناني يحدد لاحقاً بناء على المعطيات ولا سيما المرتبطة بمستوى وفد الطرف الآخر.
وفي بيان لها اعتبرت رئاسة الجمهورية أن «الصيغة النهائية لهذا العرض، مرضية للبنان لا سيما أنها تلبي المطالب اللبنانية التي كانت محور نقاش طويل خلال الأشهر الماضية، وتطلبت جهداً وساعات طويلة من المفاوضات الصعبة والمعقدة»، معتبرة أن «الصيغة النهائية حافظت على حقوق لبنان في ثروته الطبيعية وذلك في توقيت مهم بالنسبة إلى اللبنانيين. وتأمل رئاسة الجمهورية أن يتم الإعلان عن الاتفاق حول الترسيم في أقرب وقت ممكن».
وشكر الرئيس عون «الوسيط الأميركي والإدارة الأميركية على الجهود التي بذلت من أجل التوصل إلى هذه الصيغة»، مؤكداً أنه «سيجري المشاورات اللازمة حول هذه المسألة الوطنية تمهيداً للإعلان رسمياً عن الموقف الوطني الموحد».
كما كان لنائب رئيس البرلمان لقاء مع رئيس حكومة تصريف الأعمال نجيب ميقاتي ورئيس البرلمان نبيه بري، وقد أمل ميقاتي «أن يصل ملف ترسيم الحدود البحرية اللبنانية إلى نهاياته في وقت قريب، بعدما نجحت الجهود التي قام بها الوسيط الأميركي آموس هوكستاين في التوصل إلى مسودة اتفاق تحفظ الحقوق اللبنانية».
وقال ميقاتي خلال تسلّمه نسخة عن المسودة النهائية للاتفاق إن «الموقف اللبناني الموحّد في هذا الملف وتشبث لبنان بحقوقه ومطالبه أفضى إلى هذه النتيجة الإيجابية، وكلنا أمل أن تبلغ الأمور خواتيمها ومن ثم المباشرة بالخطوات العملانية للتنقيب عن الغاز في المياه اللبنانية».
وشكر ميقاتي «الإدارة الأميركية على الجهد الذي قامت به فيما تم التوصل إليه، وبشكل خاص السيد آموس هوكستاين الذي قاد عملية التفاوض بدقة وحرفية وصبر، كما شكر فرنسا التي ساهمت بشكل مباشر في الوصول إلى ما تم التفاهم عليه وتذليل العقبات التي طرأت خلال المفاوضات غير المباشرة».
وبعد لقائه الرئيس عون، قال بو صعب: «ما يمكنني قوله اليوم هو أن فخامة الرئيس بدأ عهده بإصدار المراسيم، وآمل أن يختمه بالترسيم الذي يحوي مصلحة اقتصادية كبيرة واستقراراً للبنان الذي حصل عليه اليوم بالصيغة التي ستكون قيد الدرس من قبل فخامة الرئيس الذي سيجري الاستشارات اللازمة مع رئيسي مجلسي النواب والوزراء». ورأى أن الصيغة النهائية لبّت «المطالب اللبنانية وتم أخذ الاعتبار بملاحظاتنا، على عكس ما يشاع من أن لبنان لم يأخذ أياً من مطالبه، بل حصل على مطالبه لأنها محقة. وأنا أعلم أن الفريق الآخر يريد أن يعتبر أنه حصل على ما يريد، وما تم القيام به الأسبوع الفائت هو أن الفريقين اعتبرا أنهما حصلا على الضمانات المطلوبة وعلى اتفاق عادل».
ووصف بو صعب الجو بـ«الإيجابي جداً حول الجهد الذي قام به الوسيط الأميركي والإدارة الأميركية، لأننا توصلنا اليوم إلى حل يرضي الطرفين وهو أمر صعب للغاية لأنهما لا يقيمان علاقات دبلوماسية، لا بل إن لبنان لا يعترف بالعدو الإسرائيلي، وبالتالي الوصول إلى تفاهم من هذا النوع على حدود فيها مصلحة اقتصادية ليس بالأمر السهل، بل هو جهد كبير جداً من قبل الإدارة الأميركية كان في مكانه وتم بشكل عادل ومنصف، وإلا لما توصلنا إلى ما وصلنا إليه اليوم».
وعن الخطوات العملية المقبلة، قال بو صعب: «في حال وافق لبنان الرسمي على الصيغة النهائية، هناك خطوات موضوعة لما سيلي لا أرغب في الدخول في تفاصيلها، ولكنها أصبحت شبه معروفة. فنحن نودع الوسيط الأميركي رسالة هي نفسها التي ستودع لدى الأمم المتحدة، وهو ما سيقوم به الفريق الآخر أيضاً، لأن الأمر ليس اتفاقاً ولا معاهدة دولية بين بلدين عدوين، ولكن مهما كانت الصيغة، فالجميع يعلم أن الاتفاق بين لبنان والأميركيين من جهة والإسرائيليين والأميركيين من جهة ثانية، أقل ما يقال عنه إنه يؤمّن استقراراً اقتصادياً بالمنطقة ويعطي الأمل».
ونفى بو صعب الحديث عن مشاركة إسرائيلية بثروات حقل قانا، موضحاً: «لا شراكة بين لبنان وإسرائيل بثروات حقل قانا، كما ليس هناك من تقاسم أيضاً بينهما. هذا الحقل يمتد على ناحيتي الخط الذي تم اعتماده، ونحن على علم بأن هناك تفاهماً حصل ولسنا في أجواء تفاصيله لأننا غير معنيين به، وهو بين شركة (توتال) وإسرائيل»، مؤكداً «أن لبنان سيحصل على كامل حقوقه من حقل قانا على ناحيتي الخط، كما أن الإسرائيليين قد يأخذون تعويضات إنما من شركة (توتال) وليس من الحصة اللبنانية، كي لا يكون هناك التباس بالموضوع حول حصة لبنان من الحقل»، مذكراً بأن «لبنان وقّع اتفاقاً مع شركة (توتال) منذ عام 2017، وبنود الاتفاق واضحة والحصة اللبنانية بالحقل واضحة أيضاً، وما تمت إضافته هو أن الحصة اللبنانية لا تقتصر على البلوك رقم 9 فقط، بل على امتداد كل الحقل».
وأكد بو صعب أن لبنان حصل على كامل حقوقه موضحاً: «كانت لدينا ملاحظات وحصلنا عليها، لذلك كانت النسخة معدلة. ووفق الملاحظات الإسرائيلية أيضاً، تمت معالجة مكامن الخلاف على كلمة كما قيل بالأمس، وكان لدينا اقتراح بديل على كلمة ترضينا وحازت على رضى الطرفين. هكذا تتم الاتفاقات».
وبعد لقائه بري أكد بو صعب أن «الموقف الموحد أعطى لبنان قوة والجميع يعرف أن لبنان ليس ضعيفاً... وهذه الصيغة تدرس من قبل الرؤساء وسيكون هناك موقف موحد للبنان». وقال: «سنودع الاتفاق لدى الأمم المتحدة وهو ليس بين لبنان ودولة لا نعترف بها إنما مع الولايات المتحدة الأميركية والمفاوض أخذ بالاعتبار المطالب اللبنانية».
ومع المستجدات التي سجلت أمس، اجتمع ميقاتي مع وزير الطاقة في حكومة تصريف الأعمال وليد فياض ووفد من «شركة توتال» الفرنسية حيث طلب ميقاتي منهم المباشرة بالإجراءات التنفيذية للتنقيب في المياه اللبنانية فوراً.
وقال فياض بعد الاجتماع: «كان الحديث إيجابياً جداً فيما يتعلق بالتطورات الحاصلة على ملف الترسيم، وإن شاء الله يصل هذا الملف إلى خواتيمه الإيجابية لمصلحة لبنان أكان بالنسبة إلى الموارد وإلى حقنا في كامل حصتنا في حقل (قانا) من دون مشاركة أحد فيه، إضافة إلى الإسراع في موضوع التنقيب، أي حل موضوع الترسيم والالتزام الكلي في الوقت ذاته لشركة (توتال) والكونسورسيوم بالبدء بأعمال التنقيب وتنفيذها وهي عملية تأخذ وقتاً إضافة إلى تحضير المواضيع الهندسية واللوجيستية».
وأكد أن «العمل سيكون جدياً على هذا الموضوع، وهذا ما وعدتنا به شركة (توتال)، وهذا أمر إيجابي جداً بالنسبة للبنان وسيسمح له بأن يكون دولة على الخارطة النفطية لمنطقة البحر الأبيض المتوسط».
وفي رد على سؤال أوضح فياض: «إن الأمور اللوجيستية يلزمها وقت، ولكن ستبدأ الأعمال فوراً، والشركة تأخذ الأمر بجدية ولا ضرورة للسلبية في التعاطي معها، وسيكون لي لقاء مع الشركة اليوم في وزارة الطاقة لمتابعة الحديث عن هذا الموضوع».


مقالات ذات صلة

توتّر على الحدود الإسرائيلية-اللبنانية بعد تظاهرة لأنصار «حزب الله»

المشرق العربي توتّر على الحدود الإسرائيلية-اللبنانية بعد تظاهرة لأنصار «حزب الله»

توتّر على الحدود الإسرائيلية-اللبنانية بعد تظاهرة لأنصار «حزب الله»

دعت قوة حفظ السلام التابعة للأمم المتحدة في لبنان (يونيفيل)، مساء الجمعة، إلى الهدوء بعد توتر بين حرس الحدود الإسرائيليين وأنصار لـ«حزب الله» كانوا يتظاهرون إحياءً لـ«يوم القدس». ونظّم «حزب الله» تظاهرات في أماكن عدّة في لبنان الجمعة بمناسبة «يوم القدس»، وقد اقترب بعض من أنصاره في جنوب لبنان من الحدود مع إسرائيل. وقالت نائبة المتحدّث باسم يونيفيل كانديس أرديل لوكالة الصحافة الفرنسية إنّ عناصر القبعات الزرق «شاهدوا جمعاً من 50 أو 60 شخصاً يرمون الحجارة ويضعون علم حزب الله على السياج الحدودي».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي تباين بين «أمل» و«حزب الله» بشأن صواريخ الجنوب

تباين بين «أمل» و«حزب الله» بشأن صواريخ الجنوب

ذكرت أوساط سياسية لبنانية أنَّ «الصمت الشيعي» حيال إطلاق الصواريخ من جنوب لبنان باتجاه منطقة الجليل في شمال إسرائيل لا يعني أنَّ «حزب الله» على توافق مع حركة «أمل» بهذا الشأن، بمقدار ما ينم عن تباين بينهما، إذ ارتأيا عدم إظهاره للعلن لقطع الطريق على الدخول في سجال يمكن أن ينعكس سلباً على الساحة الجنوبية. وقالت المصادر إنَّ حركة «أمل»، وإن كانت تتناغم بصمتها مع صمت حليفها «حزب الله»، فإنها لا تُبدي ارتياحاً للعب بأمن واستقرار الجنوب، ولا توفّر الغطاء السياسي للتوقيت الخاطئ الذي أملى على الجهة الفلسطينية إطلاق الصواريخ الذي يشكّل خرقاً للقرار 1701. وعلى صعيد الأزمة الرئاسية، ذكرت مصادر فرنسية مط

العالم العربي المطارنة الموارنة يستنكرون تحويل جنوب لبنان إلى «صندوق» في الصراعات الإقليمية

المطارنة الموارنة يستنكرون تحويل جنوب لبنان إلى «صندوق» في الصراعات الإقليمية

استنكر المطارنة الموارنة في لبنان، اليوم (الأربعاء)، بشدة المحاولات الهادفة إلى تحويل جنوب لبنان إلى صندوق لتبادل الرسائل في الصراعات الإقليمية. ووفق وكالة الأنباء الألمانية، طالب المطارنة الموارنة، في بيان أصدروه في ختام اجتماعهم الشهري في الصرح البطريركي في بكركي شمال شرقي لبنان اليوم، الجيش اللبناني وقوات الطوارئ الدولية بالحزم في تطبيق القرار 1701، بما في ذلك تعزيز أجهزة الرصد والتتبُّع والملاحقة. وناشد المطارنة الموارنة، في اجتماعهم برئاسة البطريرك الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، «القوى الإقليمية والمجتمع الدولي مساعدة لبنان على تحمل أعباء لم تجلب عليه ماضياً سوى الخراب والدمار وتشتيت ا

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي ميقاتي: عناصر غير لبنانية وراء إطلاق الصواريخ من الجنوب على إسرائيل

ميقاتي: عناصر غير لبنانية وراء إطلاق الصواريخ من الجنوب

أكد رئيس حكومة تصريف الأعمال اللبنانية نجيب ميقاتي، اليوم الأحد، أن العدوان الإسرائيلي المستمر على لبنان والانتهاك المتمادي للسيادة اللبنانية أمر مرفوض، مؤكدا أن «عناصر غير لبنانية» وراء إطلاق الصواريخ من الجنوب. وقال ميقاتي إن «الهجوم الإسرائيلي على المصلّين في الأقصى وانتهاك حرمته أمر غير مقبول على الإطلاق، ويشكل تجاوزاً لكل القوانين والأعراف، ويتطلب وقفة عربية ودولية جامعة لوقف هذا العدوان السافر». وعن إطلاق الصواريخ من الجنوب والقصف الإسرائيلي على لبنان، وما يقال عن غياب وعجز الحكومة، قال ميقاتي إن «كل ما يقال في هذا السياق يندرج في إطار الحملات الإعلامية والاستهداف المجاني، إذ منذ اللحظة

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي لبنان لتقديم شكوى إلى مجلس الأمن رفضاً لاعتداءات إسرائيل

لبنان لتقديم شكوى إلى مجلس الأمن رفضاً لاعتداءات إسرائيل

قررت الحكومة اللبنانية تقديم شكوى إلى الأمم المتحدة ومجلس الأمن ضد إسرائيل، على خلفية الغارات التي نفذتها على مناطق لبنانية بعد إطلاق صواريخ من الجنوب اللبناني باتجاه المستوطنات الإسرائيلية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

كيف يمكن تعويض سنوات التعليم الضائعة من أطفال غزة؟

أطفال فلسطينيون يصطفون في اليوم الأول من العام الدراسي الجديد في مدرسة تديرها الأمم المتحدة في النصيرات وسط قطاع غزة يوم 19 سبتمبر 2026 (أ.ب)
أطفال فلسطينيون يصطفون في اليوم الأول من العام الدراسي الجديد في مدرسة تديرها الأمم المتحدة في النصيرات وسط قطاع غزة يوم 19 سبتمبر 2026 (أ.ب)
TT

كيف يمكن تعويض سنوات التعليم الضائعة من أطفال غزة؟

أطفال فلسطينيون يصطفون في اليوم الأول من العام الدراسي الجديد في مدرسة تديرها الأمم المتحدة في النصيرات وسط قطاع غزة يوم 19 سبتمبر 2026 (أ.ب)
أطفال فلسطينيون يصطفون في اليوم الأول من العام الدراسي الجديد في مدرسة تديرها الأمم المتحدة في النصيرات وسط قطاع غزة يوم 19 سبتمبر 2026 (أ.ب)

يواجه أطفال قطاع غزة، بعد نحو ثلاث سنوات من الحرب، مساراً طويلاً لاستعادة ما فاتهم من التعليم، في ظل فجوات في القراءة والكتابة والحساب، ومدارس مدمّرة، وأعباء نفسية ومعيشية تعرقل انتظام الدراسة.

ويرى خبيران تحدثا إلى «الشرق الأوسط»، أن معالجة ما فقده أطفال غزة قد تتطلب برامج تمتد لسنوات، تبدأ بتحديد ما يعرفه كل طفل وما يحتاج إلى تعلّمه.

مشاكل القراءة والكتابة

خلال وجوده في غزة، عاين الدكتور أحمد كمال جنينة، رئيس قسم اللغة الإنجليزية في جامعة الأقصى بغزة، آثار انقطاع أطفال القطاع عن التعليم من خلال تجربته مع أبنائه، وحديثه مع أقارب وأولياء أمور التلاميذ ليكتشف أن أبرزها عجز الأطفال عن القراءة والكتابة من الأساس.

ويقول جنينة الذي يشارك كزميل مقيم في معهد رادكليف للدراسات المتقدّمة بجامعة هارفارد الأميركية لـ«الشرق الأوسط»: «أرى أننا أمام فاقد تعليمي عميق يتراكم مع مرور الوقت، ويتفاوت حجمه من طفل إلى آخر».

وتحمل العودة إلى الدراسة، بعد نحو ثلاث سنوات من الحرب في قطاع غزة، أسئلة عن مستوى الأطفال الفعلي، وما تتيحه ساعات التعليم المتاحة، وكيفية بناء برامج تساعدهم على متابعة دراستهم دون أن تتراكم فجوات جديدة.

وتشمل الفجوات مهارات تعلّمها الأطفال ثم ضعفت بسبب غياب الممارسة، وأساسيات لم تُتح لآخرين فرصة اكتسابها أصلاً. ومع الانتقال الإداري إلى صفوف أعلى، قد يبقى ضعف القراءة عائقاً أمام متابعة مواد أخرى، فتتراكم صعوبات جديدة فوق ما لم يُعالج من قبل. وتُضاف إلى ذلك خسارة الروتين المدرسي والتفاعل اليومي مع المعلّمين والأقران، وما يتيحه هذا التواصل من علاقات وتجارب تسهم في تكوين الشخصية وتنمية المهارات الاجتماعية والحياتية، وفقاً لجنينة.

طلاب فلسطينيون خلال حصة فنية في مدرسة أُنشئت بدعم من منظمة «يونيسف» داخل مخيم للنازحين في بلدة القرارة بمدينة خان يونس عام 2025 (أ.ف.ب)

وفي مؤشر إلى محدودية فرص التعلّم، يستشهد جنينة بمسح أجرته «يونيسف» بين ديسمبر (كانون الأول) 2025 ويناير (كانون الثاني) 2026، وشمل 2071 أسرة في غزة. وأظهر أن 68 في المائة من الأطفال بين الخامسة والحادية عشرة شاركوا في أنشطة تعليمية لمدة ثلاثة أشهر أو أقل منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2023 وحتى إجراء المسح. وتصف هذه النسبة مدة المشاركة في التعليم، أما تحديد مقدار التراجع في المهارات، فيحتاج إلى تقييم مباشر.

احتياجات تسبق الاستفادة من الدرس

وقد تتعثر استفادة الطفل من التعليم بسبب احتياج صحي أو نفسي لم يُنتبه إليه. هنا، يستحضر جنينة تجربة وثّقتها منظمة «وور تشايلد»، المتخصصة في دعم الأطفال المتأثرين بالحروب ومقرّها هولندا، لطفل فلسطيني يبلغ من العمر 7 سنوات يدعى «كريم»، في دير البلح وسط القطاع.

بعد فقدان والده ومنزله، واجه كريم صعوبة في المشاركة والبقاء في مركز التعلّم، ومع الدعم النفسي والأنشطة الجماعية والتعليم التعويضي، وتوفير نظّارات لمعالجة صعوبة بصرية، بدأ يشارك بثقة أكبر.

وفي تحليل لجنينة، تُبيّن هذه الحالة أهمية معالجة احتياجات قد تتوقف عليها قدرة الطفل على التفاعل مع المعلّم والاستفادة من الدرس.

أطفال فلسطينيون نازحون يشاركون في جلسات دعم نفسي داخل مرسم يستخدم حيوانات أليفة وطيوراً في بلدة الزوايدة وسط قطاع غزة عام 2026 (أ.ف.ب)

وتَرِد مؤشرات أخرى في مسح «يونيسف»، الذي أبلغ فيه أهالٍ عن اضطرابات نوم وانسحاب اجتماعي وتغيّرات سلوكية لدى أطفالهم، بما يستدعي مراعاة احتياجاتهم النفسية والاجتماعية عند استعادة الدراسة.

ويقول جنينة: «أعتقد أنه لا يمكن فهم ما يواجهه الطفل داخل الصفّ بمعزل عن ظروف حياته خارجه»، فمكان النوم، والشعور بالأمان، وتوافر مساحة للدراسة، وشخص يساعد في متابعة الدروس، كلها عوامل تدخل في قدرته على التركيز والاستمرار.

وقد عاين الدكتور جنينة أثر غياب الاستقرار أيضاً لدى طلبته الجامعيين؛ فمنهم من عرقل النزوح المتكرر دراسته، ومنهم من انتظر الليل بحثاً عن الهدوء، وسط صعوبات تأمين الإنترنت وشحن الهواتف والوصول إلى المواد التعليمية. وهذه شهادات تخصّ التعليم الجامعي، لكنها توضح جانباً من المشقة التي بات يتطلّبها الوصول إلى الدرس قبل البدء بمتابعته وفهمه.

تجربة سابقة وحدود المقارنة

توجد خبرات سابقة تشير إلى إمكان تحقيق تقدّم في المهارات الأساسية عبر التعليم التعويضي. ومن بينها برنامج وثّقته «يونيسف» عام 2021، وأكمله خمسة آلاف طفل من الصفوف الأول إلى الرابع في غزة، ارتفع فيه متوسط نتائج اختبار الرياضيات من 37 في المائة قبل البرنامج إلى 95.5 في المائة بعده، بحسب المثال الذي يستحضره جنينة.

لكن الفارق بين ظروف تلك التجربة والواقع الراهن يمنع استخدامها لتحديد مدة التعويض اليوم. ويشرح جنينة: «نتعامل مع نظام تعليمي فقد معظم مدارسه ومرافقه، إلى جانب ما تعرّض له المعلّمون والأطفال وأُسرهم من قتل ونزوح وفقدان وجوع وظروف معيشية قاسية. ولذلك لا يمكن القياس على تجربة عام 2021 لتقدير المدة التي يحتاج إليها الأطفال للتعافي من آثار الحرب الحالية».

وتبقى قيمة التجربة في إظهار إمكان الاستفادة من التدخّلات التعويضية، مع الاستعداد لبرامج تمتد لسنوات، تُراجَع أهدافها ونتائجها باستمرار. ويحذّر جنينة من أن يتحوّل العمل إلى سباق لإنهاء المناهج وإجراء الامتحانات وترفيع الطلبة: «فالغاية هي أن يتعلّم الطفل فعلاً ويمتلك المهارات التي يحتاج إليها لمواصلة تعليمه دون أن تتراكم عليه فجوات جديدة».

أطفال فلسطينيون يحملون حقائبهم المدرسية ويسيرون بين خيام مؤقتة في مدينة غزة يوم 28 أكتوبر 2026 (د.ب.أ)

المعلّمون وشركاء التعافي

تحتاج هذه البرامج إلى معلّمين قادرين على الاستمرار في عملهم، بينما يعيشون هم أنفسهم ظروف الحرب والنزوح والفقدان والضغوط المعيشية والنفسية. ويضع جنينة توفير دخل مستقر ودعم نفسي ومهني لهم في صلب استعادة التعليم، حتى يستطيعوا متابعة الأطفال والتعامل مع التجارب القاسية التي مرّوا بها.

وتبقى الأولوية لتحقيق التعافي، وفق جنينة، «وقف الاعتداءات والقتل المستمر، وضمان سلامة الأطفال والمعلّمين، وتوفير أماكن آمنة يمكنهم الوصول إليها والتعلّم فيها». ويرى أنه بالتوازي مع مواصلة التعليم في المساحات المؤقتة، لا بدّ من إصلاح المدارس المتضررة وتلبية الاحتياجات الأساسية للأطفال بما يُمكّنهم من الانتظام في الدراسة.

أما وضع الخطط وتنفيذها، فيقتضي مشاركة أساسية من أصحاب الخبرة المحلية. وفي تعبير جنينة: «والأهم أن يكون للمعلّمين والمؤسسات التعليمية الفلسطينية دور أساسي في وضع خطط التعافي وتنفيذها، بمشاركة أهالي الطلبة، فهم الأعرف باحتياجات الأطفال وبالظروف التي يعيشونها».

حين تُستهلك الحصة في المراجعة

وفي تفاصيل العمل اليومي داخل الصفوف والمساحات المؤقتة، تظهر عقبات أمام تحويل خطط التعويض إلى تقدّم مستمر. ويشرح رائد أبو مخدة، المتخصص في الإدارة المدرسية والتعليم في ظروف الطوارئ، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، كيف يعطّل غياب أيام الدوام المتواصلة البناء على ما يتعلّمه الأطفال.

ويصف أبو مخدة ذلك بقوله: «نبدأ مهارة، ثم ينقطع الحضور، فنعود إلى مراجعتها بدل البناء عليها. ويصبح جزء كبير من الوقت المتاح مخصصاً لاستعادة ما سبق شرحه».

أطفال فلسطينيون يجلسون في فصلهم الدراسي في اليوم الأول من العام الدراسي الجديد داخل مدرسة تديرها الأمم المتحدة في النصيرات بوسط قطاع غزة يوم 19 سبتمبر 2026 (أ.ب)

لذلك، لا يكفي عدّ أيام الغياب لتقدير ما خسره الطفل. فأيام الحضور نفسها قد تكون قصيرة ومتباعدة، أو يصل فيها الطفل مرهقاً أو جائعاً أو خائفاً، فتضعف استفادته من الوقت المتاح، وفق أبو مخدة.

وفي المساحات المؤقتة، يواجه المعلّم قيوداً إضافية؛ يوضح أبو مخدة: «الضوضاء وتقارب المجموعات قد يجعلان الاستماع والتركيز صعبين، ويحدّ ضيق المكان من الأنشطة والعمل في مجموعات ومتابعة كل طفل». ويشير إلى افتقار الخيام إلى الحماية المناسبة من تقلّبات الطقس، وقد تنقصها المقاعد والسبورة والكتب والوسائل التعليمية والمرافق الصحية الملائمة.

أما اختصار الدوام فيقلّص وقت الشرح والتدريب والتقييم، وقد ينتهي الدرس قبل التأكد من فهم الأطفال أو مساعدة المتعثرين. ويلخّص أبو مخدة حدود هذه الاستجابة بقوله: «الخيمة قد توفر مكاناً للدرس، لكنها لا توفر وحدها مقوّمات مدرسة قادرة على معالجة فاقد متراكم».

مجموعات بحسب المهارة

تبدأ المعالجة، في التصوّر الذي يطرحه أبو مخدة، بتقييم تشخيصي للقراءة والكتابة والحساب، ثم توزيع الأطفال على مجموعات بحسب مستوى المهارة، وتقديم تعليم علاجي منتظم بأهداف محدّدة ومتابعة مستمرة.

ويقتضي ذلك تدريب المعلّمين على التعامل مع تفاوت المستويات، وتوفير مواد تعليمية مناسبة، وإتاحة وقت كافٍ للتدريب والتحقق من الفهم. فلا يصحّ افتراض امتلاك الطفل مهارات الصف الذي وصل إليه بحسب عمره، قبل معرفة ما يستطيع إنجازه فعلياً.

وتختلف القدرة على التعويض بحسب العمر والمستوى السابق وطول الانقطاع والظروف النفسية والمعيشية؛ فقد تتحسّن مهارات محددة خلال أشهر إذا توافر انتظام حقيقي، فيما قد تستغرق معالجة الفجوات المتراكمة عدة سنوات. وهي تقديرات تربوية مشروطة، بحسب أبو مخدة، لا مواعيد مضمونة لإنجاز التعافي.

ويظل استمرار الدراسة شرطاً للحفاظ على أي تقدّم: «استمرار الانقطاع يعني أن الطفل يحاول التعويض بينما يتكوّن لديه فاقد جديد»، بحسب أبو مخدة.

طالب فلسطيني ينظر إلى داخل فصله الدراسي في أثناء حضوره اليوم الأول من العام الدراسي الجديد في مدرسة تديرها الأمم المتحدة في النصيرات وسط قطاع غزة يوم 19 سبتمبر 2026 (أ.ب)

مَن يواجه الخطر الأكبر؟

تترك الفجوات آثاراً مختلفة تبعاً للمرحلة العمرية؛ ففي الصفوف الأولى، يمتد ضعف المهارات التأسيسية إلى بقية المواد، ويصبح فهم السؤال نفسه عقبة أمام متابعة الدرس أو أداء الاختبار. وبعبارة أبو مخدة: «الطفل الذي لا يستطيع قراءة السؤال لن يتمكن من إظهار معرفته حتى إن كان يفهم بعض محتواه».

أما الطلبة الأكبر سناً، فقد تدفعهم الحاجة إلى العمل أو المسؤوليات الأسرية أو فقدان الأمل في استكمال الدراسة إلى الابتعاد النهائي عن التعليم، وفق أبو مخدة الذي يشير إلى أن الأطفال ذوي الإعاقة، ومن تعرّضوا لإصابات أو فقدان أو نزوح متكرر، يواجهون صعوبات إضافية مع نقص الخدمات المتخصصة. ولهذا، يرى أن برامج التعويض تحتاج إلى متابعة المنقطعين والمعرّضين للتسرّب، وتقييم النجاح بما أصبح الطفل قادراً على قراءته وكتابته وفهمه، إلى جانب متابعة انتظامه واستمراره، دون الاكتفاء بأعداد المسجّلين والحصص المنفّذة.

ويختصر أبو مخدة شروط هذا العمل بقوله: «التعويض يحتاج إلى وقت واستقرار وموارد، والحديث عن التعافي التعليمي دون توفير هذه الشروط يحمّل الأطفال والمعلّمين مسؤولية ظروف لا يملكون تغييرها».


الشرع يفتح أبواباً للشراكة مع بغداد

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال زيارة للمسجد الأموي في دمشق أمس بصحبة عدد من المسؤولين العراقيين والسوريين (الحكومة العراقية)
رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال زيارة للمسجد الأموي في دمشق أمس بصحبة عدد من المسؤولين العراقيين والسوريين (الحكومة العراقية)
TT

الشرع يفتح أبواباً للشراكة مع بغداد

رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال زيارة للمسجد الأموي في دمشق أمس بصحبة عدد من المسؤولين العراقيين والسوريين (الحكومة العراقية)
رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي خلال زيارة للمسجد الأموي في دمشق أمس بصحبة عدد من المسؤولين العراقيين والسوريين (الحكومة العراقية)

فتح الرئيس السوري أحمد الشرع أبواباً للشراكة مع بغداد، واستقبل في دمشق أمس، رئيس الوزراء العراقي، علي فالح الزيدي.

وتعدّ زيارة الزيدي الأولى من نوعها لرئيس وزراء عراقي منذ سقوط نظام الأسد. وقالت مصادر مطلعة في دمشق إنها تشكّل «منعطفاً جوهرياً» في علاقات البلدين، في وقت تشير فيه المعطيات إلى توجه دمشق وبغداد نحو شراكة استراتيجية تخدم المصالح الاقتصادية والأمنية.

وسعى الزيدي إلى إظهار التقارب المذهبي عبر زيارته الجامع الأموي ومرقد السيدة زينب، وتبرعه من «حسابه الشخصي» بـ10 ملايين دولار لاحتياجات المعلمين الدينيين بالمناصفة.


سادس هجوم حوثي على مطار عدن

مقاتل من القوات الحكومية اليمنية يطلق النار من رشاش مثبت على دراجة نارية باتجاه الحوثيين (أ.ف.ب)
مقاتل من القوات الحكومية اليمنية يطلق النار من رشاش مثبت على دراجة نارية باتجاه الحوثيين (أ.ف.ب)
TT

سادس هجوم حوثي على مطار عدن

مقاتل من القوات الحكومية اليمنية يطلق النار من رشاش مثبت على دراجة نارية باتجاه الحوثيين (أ.ف.ب)
مقاتل من القوات الحكومية اليمنية يطلق النار من رشاش مثبت على دراجة نارية باتجاه الحوثيين (أ.ف.ب)

استهدفت الميليشيات الحوثية مطار عدن الدولي بصاروخين باليستيين، أمس، في سادس اعتداء عليه خلال أيام، ما أسفر عن وقوع إصابات بين المدنيين وأضرار مادية.

وأوضحت القوات المسلحة اليمنية، في بيان، أن هذا الاعتداء يؤكد استمرار نهج الميليشيات العدائي وانتهاكاتها السافرة.

ودخلت عملية «فجر اليمن»، أمس، يومها الرابع والعشرين، مع تصاعد القتال في الجبهات الجنوبية لمدينة تعز، واستمرار المعارك في جبهاتها الغربية، وتوسع العمليات العسكرية إلى محور باب المندب.

واتسعت التداعيات الإنسانية للتصعيد الحوثي في اليمن، مع تكثيف الجماعة استهداف التجمعات السكنية بريف محافظة لحج ومحيط تعز. وأفاد «تحالف دعم الشرعية» في اليمن بأن الدفاع الجوي السعودي اعترض ودمّر صاروخاً باليستياً أطلقه الحوثيون باتجاه محافظة الطائف.