حنة أرندت ومارتن هايدغر: الحب ليس صناعة القلب وحده بل العقل أيضاً

علاقتهما العاطفية استمرت خمسة عقود كاملة رغم تباينهما الآيديولوجي

مارتن هايدغر - حنة أرندت
مارتن هايدغر - حنة أرندت
TT

حنة أرندت ومارتن هايدغر: الحب ليس صناعة القلب وحده بل العقل أيضاً

مارتن هايدغر - حنة أرندت
مارتن هايدغر - حنة أرندت

قد تكون العلاقة العاطفية الوثيقة التي جمعت بين الفيلسوف الوجودي الألماني مارتن هايدغر وبين حنة أرندت الكاتبة في مجال الفلسفة والنقد والفكر السياسي، واحدة من أكثر العلاقات المماثلة مدعاة للفضول وإثارة للجدل في الآن ذاته. والأرجح أن ذينك الفضول والجدل متصلان بعاملين اثنين، الأول هو رغبة القراء في الوقوف على الوجه الآخر للكتاب والمفكرين، خاصة أن الكثيرين يرون إلى المشتغلين بشؤون الفلسفة والفكر بوصفهم كائنات «ذهنية» خالصة، يجردها البرود العقلاني من حرارة المشاعر، ومن جذوة الحب التي تتوقد وفق تصوراتهم النمطية، في صدور الشعراء والفنانين. أما الآخر فبعضه أخلاقي مرتبط بمشروعية العلاقة بين طرفين يرتبط كل منهما برابط الزواج، وما يترتب عن ذلك من إيذاء لمشاعر الآخرين، وبعضه سياسي وآيديولوجي، حيث كان هايدغر مواكباً لصعود النازية السريع في بلاده ومؤيداً لها، في حين كانت أرندت المنتمية إلى الديانة اليهودية، معادية تماماً للعنصرية النازية، وهي التي نجت بصعوبة من حرب الإبادة الهتلرية، وتمكنت بعد فرارها إلى الولايات المتحدة من ترحيل المئات من اليهود الهاربين من الجحيم النازي.
ورغم أن قصة الحب الشائكة التي ربطت بين الطرفين لم تكن، بحكم شهرتهما الواسعة وموقعهما الفكري المميز، خافية على متابعيهما الكثر من القراء والدارسين، فإن الكثير من تفاصيل العلاقة وأحداثها ومجرياتها كان يمكن أن يظل في عهدة المجهول، لو لم تشر الكاتبة إليزابيث يونغ بروهل إلى أن علاقة هايدغر بأرندت موثقة بشكل سري، عبر عشرات الرسائل المخبأة في الأرشيف الأدبي لمدينة مارباخ الألمانية. لكن العامل الأساسي الذي دفع هيرمان، ابن هايدغر ووريثه الشرعي، إلى نشر هذه الرسائل، هو حرصه التام على إظهار حقيقة العلاقة بين والده وعشيقته أرندت، بعد أن رأى هيرمان في كتاب ألزبييتا إتينغر «حنة أرندت – مارتن هايدغر: قصة»، افتئاتاً على أبيه وتشويهاً متعمداً لصورته وسلوكياته، وفق ما يذكره المترجم حميد لشهيب في مقدمته المسهبة للرسائل التي تبادلها العاشقان.
والواضح من سياق الأحداث، أن شغف أرندت، ابنة الثامنة عشر عاماً، بقضايا الفلسفة والفكر، هو الذي دفعها للذهاب إلى مدينة كونيكسبيرغ للالتحاق بجامعتها، والتتلمذ على مارتن هايدغر الذي كان لحظة التقائها به في الخامسة والثلاثين من عمره، كما كان حينها قد أصاب قدراً غير قليل من الشهرة في الأوساط الفلسفية الألمانية والغربية. ومع ذلك، فإن أرندت لم تكن تتوقع من الفيلسوف الشاب أن يتجاوز في علاقته بها حدود التفاعل الفكري والمعرفي بين طالبة مجتهدة ومتعطشة للمعرفة، وبين أستاذها الفيلسوف. وإذ تكشف رسالة مارتن الأولى لطالبته المجتهدة والمتوقدة ذكاءً، عن أن مشاعر عاطفية من نوع ما كانت قد بدأت تشق طريقها إلى التبلور بين الطرفين، فإن الطبيعة الحذرة لهايدغر قد أملت عليه الحذر والتحفظ في التعبير عن مشاعره، إلى حد أنه لجأ إلى التلطي بصيغة الجمع في رسالته الأولى لتلميذته، حيث يقول «لا بد لي من مخاطبتكم اليوم والتحدث إلى قلبكم. لقد حصل لنا الشرف بالتعرف على بعضنا بعضاً، وأن تصبحي طالبة لي، وأن أصبح أستاذاً لكم». لكن ذلك التحفظ لم يمنع الأستاذ العاشق من أن يضيف لاحقاً قوله لها «لن أستطيع امتلاككم أبداً، لكنك ستنتمين من الآن فصاعداً إلى حياتي، وسينمو هذا الأمر فيكم». إلا أن هايدغر لم ينتظر بعد ذلك سوى أيام قليلة لكي يسمح لمشاعره بالانفلات من عقالها، حتى إذا ضجر من التنظير العقلي وغلبه الشعر على أمره، كتب لأرندت «إن في روحك الشابة البهجة الصانعة لحياتنا. قريباً ستستيقظ الأزهار التي ستقطفها يداك الجميلتان، وسيمر الطحلب في نهاية الغابة عبر أحلامك الروحية».
واللافت في هذا السياق، أن أرندت قد تريثت بداية في الرد على رسائل أستاذها المتلاحقة عام 1925، حتى إذا قررت الإجابة فيما بعد، حوّلت رسالتها الأولى إلى مطالعة عميقة ومؤثرة حول مكابداتها الفكرية وعالمها الداخلي، فأعطت للرسالة عنوان «الظل»، وكتبت عبر ضمير الغائب «من الممكن أن ينزلق شبابها تحت سماء أخرى إمكانيات التعبير والخلاص، وتتجاوز المرض والتيه وتتعلم الصبر، لكن من الممكن أيضاً أن تتآكل حياتها في تجارب لا أساس لها، وفي حب للاستطلاعٍ بلا ركائز». إلا أن هايدغر لم يكن من النوع القابل للتقهقر والاستسلام؛ لذلك فهو يواصل العزف على وتري العاطفة والعقل، مكرراً من جهة، التعبير عن حبه الجارف لأرندت، وملحاً من جهة أخرى على التنظير للحب بوصفه أداة فعالة في وجه الوهن والتشظي، وتجسيداً للكينونة في بعدها الجوهري، كما هو حال الشعر تماماً.
بعد سنتين من بدء العلاقة تقرر «حورية الغابة» الهرب من «قرصان البحر»، كما كان يحلو لكل منهما أن يسمي الآخر. ولم يكن انتقالها إلى مدينة هايدلبرغ ناجماً عن الوقوع في دوامة الضجر، ولا رغبة منها في إنهاء العلاقة، بل لأنها على الأرجح أرادت أن تختبر مشاعر صاحب «إنشاد المنادى» إزاءها، وإثارة غيرته في الوقت ذاته. ومع أن رسائلها إليه كانت تتسم بدايةً بالتحفظ النسبي، فإن المسافة الفاصلة بينهما دفعتها إلى الخروج من ذلك التحفظ، فكتبت له قائلة «إنني أحبك كاليوم الأول، والطريق الذي أرشدتني إليه هو أطول وأصعب مما كنت أعتقد. لكن الطريق ليس شيئاً آخر غير المسؤولية التي يعطيني إياها حبنا، وسأفقد حقي في الحياة لو فقدتُ حبي لك». ولكن الأمور لم تسر بعد ذلك كما اشتهت لها أن تسير، فحين قامت بإبلاغه أنها تنوي الزواج من تلميذه غونتر شتيرن، لم يُظهر استياءً ولا ابتهاجاً، بل تمنى لها السعادة فيما هي مقبلة عليه، مما حدا بها إلى تنفيذ قرارها بالزواج على جناح السرعة. ومع أن الوضع الجديد جعلهما متعادلين في وضعهما العائلي، إلا أن علاقتهما استمرت لسنوات عديدة لاحقة، قبل أن تعصف بها رياح الخلافات الفكرية والسياسية، حيث فاجأ هايدغر الجميع بوقوفه إلى جانب المد الهتلري المتصاعد، في حين لم تجد أرندت المطاردة من النازيين، بسبب ديانتها اليهودية ومناوأتها الشرسة للعنصرية، سبيلاً للخروج من المأزق الصعب، سوى الهرب إلى الولايات المتحدة، قاطعة بذلك سبل التواصل بينها وبين صاحب «الكينونة والزمن»، لسبع عشرة سنة لاحقة.
كانت المسافة الزمنية الفاصلة بين الطرفين كافية تماماً لنسيان كل منهما الآخر لو كانا راغبين في ذلك، لكن ما حدث فيما بعد أكد بالقطع أن نيران الحب الذي جمعهما، كانت لا تزال تتوهج تحت الرماد. لكن قرار أرندت العودة إلى ألمانيا عام 1949، بدا بمثابة قرار متعمد بالرجوع إلى كنف «القرصان» الذي شرّع أمامها طريق المغامرة القلبية والعقلية. أما اعترافها الواضح لزوجها الثاني هانريك بلوخر عن خشيتها من أن يكون هايدغر غير راغب في لقائها من جديد، فلم يمنعها من القيام بغير محاولة للقائه، قبل أن تنجح في تحقيق هدفها عام 1950، عن طريق عامل الفندق الذي يقيم فيه. غير أن دخول زوجة هايدغر على خط العلاقة المستأنفة، لم يسهل الأمور على الفيلسوفين المتحابين، حيث أكدت حنة في رسالة بعثت بها إلى زوجها بأن أندريا التي كانت تعرف بالعلاقة منذ ربع قرن قد نجحت في تحويل حياته إلى جحيم، لتضيف قائلة «أعتقد بأنني ما دمت على قيد الحياة، فإن زوجته مصممة على إغراق كل اليهود، إنها سخيفة سوداء، لكنني سأحاول ترتيب الأمور في حدود الممكن».
لكن سوء التفاهم المزمن بين الزوجة والعشيقة، ما لبث أن أخذ طريقه إلى التبدد بفعل قبول الأولى بالأمر الواقع، وتفهم الثانية مشاعر أندريا المطعونة في الظهر، والتي تصر على التمسك بزوجها رغم كل ما يعتور علاقتها به من عثرات. وإذ يقارن حميد لشهب بين سلوك ألفريدا التسلطي إزاء هايدغر وسلوك إليزابيث المماثل إزاء أخيها نيتشه، يرى في الوقت نفسه بأن كلاً من الزوجين «اللدودين» لم يتورع منذ البداية عن خيانة الآخر. ففي حين حملت ألفريدا بابنها الثاني هيرمان من صديقها الطبيب فريدل سيزار، لم يتوانَ مارتن، بموازاة علاقتيه المعروفتين بزوجته وبأرندت، عن نسج علاقات أخرى مع الأميرة مارغوت فون – ساكسون وصوفي بودفيلس وماريلينا بوتشر، ودوروتي فييتا وكثيرات غيرهن. إلا أن سوء التفاهم المزمن بين ألفريدا وأرندت، ما يلبث أن يأخذ طريقه إلى التبدد، لا بفعل تفهم الأخيرة لمشاعر الأولى وتقربها منها فحسب، بل بفعل تنظيم التعايش مع الفيلسوف المدمن رغم كهولته الزاحفة على العشق، والذي اضطرت زوجته إلى نقله إلى المستشفى والسهر على شفائه، إثر إصابته بنوبة قلبية داهمة وهو يضطجع إلى جوار إحدى صديقاته في ميونيخ.
وما يمكن ملاحظته في هذا الصدد، أن العلاقة بين أرندت وهايدغر لم تعد تتسم في «نسختها» الثانية بذلك الجموح العاصف الذي اتسمت به زمن إطلاقتها الأولى. ومع أن الخيارات السياسية المتعارضة التي باعدت بين الطرفين، قد تم تجاوزها بعد أن حطت الحرب أوزارها، فالأرجح أن زواج أرندت الثاني من هاينريش بلوشر، إضافة إلى تقدّم هايدغر في السن، قد طبعا العلاقة بين الطرفين بطابع الصداقة والألفة الحميمة والتفاعل الإنساني والفكري. فصاحب «دروب موصدة» لم يعد يذيل رسائله إلى حبيبته الدائمة بتوقيع «مارتينك»، كما كان يفعل في شبابه، بل بات يختمها بنوع من المجاملة المتكلفة، من مثل «سلمي على زوجك»، أو «لك تحيات زوجتي». لا، بل ذهبت الأمور أبعد من ذلك، بحيث شرعت كل من أرندت وألفريدا في تبادل الرسائل الودية المباشرة، منحيّتين جانباً كل ما كان يباعدهما من مشاعر الغيرة أو المنافسة أو الضغينة السابقة.
وقد كان من الواضح تماماً أن حالة من الحزن والإحساس المرير بفوات الأيام قد بدأت تلقي بظلالها على سلوك المفكرين الشهيرين. وإذ تفاقمت تلك الحالة لدى أرندت إثر رحيل زوجها هاينريك، فقد وجدت في مضاعفة رسائلها لهايدغر ما يخفف عنها الشعور بوطأة العزلة وألم الفراق. ومع بلوغه الثمانين، تحتفل أرندت على طريقتها بالرجل الذي أحبته بكل جوارحها، فتوجه إلى العالم بأسره مطالعة مسهبة مفادها أن صاحب «الكينونة والزمن» هو الذي تكفل بهدم عمارة الميتافيزيقيا الموروثة ليجعل من الفلسفة مساحة واسعة للتفكير العميق والحفر المعرفي، مجترحاً علم فراسة مغايراً للقرن الذي ينتمي إليه.
أما الأمر الذي لم يدر في خلد الفيلسوف العجوز، فهو أن تسبقه أرندت إلى الموت، عام 1975. وكما هو شأن الكثير من العشاق الذين يتشابهون بحكم العادة في النظرة إلى العالم والأشياء، بقدر ما يتشابهون في الأقدار والمآلات، فإن هايدغر لم يلبث أن استسلم هو الآخر لمصيره المحتوم، بعد أشهر قليلة من رحيل المرأة الوحيدة التي لامست شغاف قلبه، والتي كتب لها في إحدى قصائده القليلة:
في العبور اللاذع للألم الطويل
ينمو حسنكِ الذي يُعتبر ليونةً وشراسةً
في الآن ذاته
وينتحب ببهائه وجمره
من دموع لم تسل أبداً ومحافَظ عليها
ويحمل لي كصرخةٍ عميقةٍ واقية
نعمةً مشبعةً
للشمس التي لا تُطفأ


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

مصر: جبانة أثرية تعود للعصر اليوناني الروماني تكشف تطور الطقوس الجنائزية

جانب من البقايا البشرية التي توضِّح الدفنات بالموقع (وزارة السياحة والآثار)
جانب من البقايا البشرية التي توضِّح الدفنات بالموقع (وزارة السياحة والآثار)
TT

مصر: جبانة أثرية تعود للعصر اليوناني الروماني تكشف تطور الطقوس الجنائزية

جانب من البقايا البشرية التي توضِّح الدفنات بالموقع (وزارة السياحة والآثار)
جانب من البقايا البشرية التي توضِّح الدفنات بالموقع (وزارة السياحة والآثار)

أعلنت البعثة الأثرية المصرية، التابعة للمجلس الأعلى للآثار، اكتشاف جزء من جبانة أثرية تعود للعصر اليوناني الروماني، بتل كوم عزيزة الأثري بمحافظة البحيرة، وتضمَّن الكشف مجموعةً متنوعةً من أنماط الدفن، شملت حفر دفن بسيطة للموتى مباشرة داخل طبقات الأرض، وأخرى ذات أطر خارجية من الطوب اللبن، بالإضافة إلى عدد من الدفنات داخل توابيت جصية ملونة، وأخرى داخل توابيت فخارية برميلية الشكل، تُعدُّ من أكثر أنواع التوابيت شيوعاً خلال العصر البطلمي.

و«يعكس هذا الكشف الأثري الجديد الأهمية الكبيرة التي يتمتَّع بها موقع تل كوم عزيزة الأثري بوصفه أحد المواقع الأثرية الواعدة في منطقة الدلتا، والتي لا تقتصر أهميتها على ما تضمه من شواهد جنائزية فحسب، بل تمتد لتقدم صورة متكاملة عن تطور أنماط الاستيطان والحياة اليومية والتفاعل بين الإنسان والبيئة عبر آلاف السنين، بما يسهم في إثراء المعرفة بتاريخ الحضارة المصرية القديمة عبر العصور»، وفق تصريحات لوزير السياحة والآثار شريف فتحي، في بيان للوزارة، الجمعة.

الموقع تضمَّن أنماطاً مختلفة للدفن (وزارة السياحة والآثار)

في حين أشار الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور هشام الليثي، إلى أنَّ الدراسة الأولية للبقايا الآدمية بالموقع كشفت عن تنوع ملحوظ في طقوس وأساليب الدفن، سواء داخل الدفنات الفردية أو الجماعية، حيث اختلفت اتجاهات الدفن، كما تنوعت أوضاع الأيدي بين الوضع المضموم والمتقاطع فوق منطقة الحوض، أو حول العنق، أو في الوضع الأوزيري المميز بتقاطع الذراعين على الصدر، فضلاً عن الوضع المستقيم بمحاذاة الفخذين، الأمر الذي يعكس تعدُّد الممارسات الجنائزية وأساليب تجهيز الموتى قبل الدفن.

وأضاف، عبر البيان، أن «دراسة الطبقات الأثرية بالموقع أوضحت أنَّ الجبانة التي ترجع إلى العصر اليوناني الروماني أُقيمت فوق مستويات استيطان أقدم، حيث كشفت اللقى الأثرية عن شواهد تؤكد استيطان الموقع خلال فترات تاريخية متعاقبة بدأت منذ الدولة القديمة، مروراً بالدولة الحديثة والعصر المتأخر، وصولاً إلى العصرَين اليوناني والروماني».

وإلى جانب الدفنات المتنوعة عثرت البعثة في الموقع على مجموعة متنوعة من اللقى الأثرية، من بينها أوانٍ فخارية وحجرية استُخدمت في الحياة اليومية، وقوالب لصناعة الخبز، وأدوات حجرية متعددة الاستخدامات، بالإضافة إلى مجموعة من الأفران وأواني التخزين. كما كشفت الحفائر عن كميات كبيرة من عظام الأسماك والطيور والحيوانات، بما يلقي الضوء على الأنشطة المعيشية والنظام الغذائي والعادات الاجتماعية لسكان الموقع عبر المراحل الزمنية المختلفة، وفق رئيس قطاع الآثار المصرية، محمد عبد البديع.

عدد من اللقى الأثرية في الموقع (وزارة السياحة والآثار)

في حين أكد المدير العام لمنطقة آثار البحيرة ورئيس بعثة الحفائر الأثرية، خالد عبد الغني فرحات، أنهم عثروا على دفنات كاملة لحيوان الخنزير البري داخل إحدى الطبقات الأثرية، وهي ظاهرة نادرة في المواقع الجنائزية المصرية القديمة نظراً للارتباط الرمزي للخنزير بالمعبود «ست» في المعتقدات المصرية القديمة، الأمر الذي قد يشير إلى فكرة ارتباطه بنشاط اقتصادي أو معيشي داخل الموقع خلال إحدى فترات استخدامه.

وأضاف أن «نتائج أعمال الحفائر تؤكد أنَّ موقع تل كوم عزيزة الأثري يمثل نموذجاً فريداً للمواقع الأثرية متعددة الفترات، إذ شهد أنشطة استيطانية ومعيشية منذ بدايات التاريخ المصري القديم، قبل أن يتحوَّل خلال فترات لاحقة إلى منطقة ذات نشاط جنائزي مكثف. كما تؤكد الأهمية الاستثنائية للموقع، حيث إنَّه ليس فقط جبانة أثرية، بل يُعدُّ سجلاً أثرياً متكاملاً يوثِّق أنماطاً متنوعة من التفاعل البشري مع البيئة المحيطة عبر عصور تاريخية متعاقبة».


هل تمهّد استقالة رئيس «الإسكندرية السينمائي» لعودة نشاط المهرجان؟

جانب من الفائزين بالجوائز في الدورة الماضية لمهرجان الإسكندرية (إدارة المهرجان)
جانب من الفائزين بالجوائز في الدورة الماضية لمهرجان الإسكندرية (إدارة المهرجان)
TT

هل تمهّد استقالة رئيس «الإسكندرية السينمائي» لعودة نشاط المهرجان؟

جانب من الفائزين بالجوائز في الدورة الماضية لمهرجان الإسكندرية (إدارة المهرجان)
جانب من الفائزين بالجوائز في الدورة الماضية لمهرجان الإسكندرية (إدارة المهرجان)

في موقف عَدَّه البعض جاء متأخراً، ورآه آخرون ليس كافياً، قدَّم رئيس «مهرجان الإسكندرية السينمائي»، الأمير أباظة، استقالته من رئاسة الدورة المقبلة، وذلك بعد 3 أيام من قرار اللجنة العليا للمهرجانات بوزارة الثقافة المصرية بعدم منح التصريح اللازم لإقامة الدورة الـ42 من مهرجان الإسكندرية السينمائي لدول البحر المتوسط، والتي كان مقرراً إقامتها خلال الفترة من 26 إلى 30 سبتمبر (أيلول) 2026، عقب اجتماع اللجنة برئاسة الدكتورة جيهان زكي وزيرة الثقافة؛ بسبب ما وصفته اللجنة المنوط بها تقييم المهرجانات بـ«تراجع مستوى المهرجان خلال السنوات الأخيرة، وعدم تحقيقه الأهداف الثقافية والفنية التي تأسَّس من أجلها»، وفق بيان لها.

وأعلن الأمير أباظة استقالته من رئاسة الدورة الـ42، مؤكداً أنَّه ترك منصبه تغليباً للمصلحة العامة. وقال: «ليس مهماً أن يستمر الأشخاص، فكلنا إلى زوال، ولكن تبقى القيمة الحقيقية، ويبقى المهرجان منارةً مضيئةً في جبين الثقافة المصرية والمتوسطية».

وقال أباظة، عبر بيان الاستقالة، إنه «تعرَّض لحملة تشهير وتشويه»، على حد تعبيره. وإنه إذا كانت المشكلة في شخصه فهو يترك الفرصة كاملة لمجلس الإدارة ليختار مَن يشاء لقيادة سفينة المهرجان، لافتاً إلى إنجازات حقَّقها المهرجان خلال رئاسته له على مدى 13 دورة.

وفتحت استقالة رئيس المهرجان الباب أمام تساؤلات بشأن إمكانية استئناف نشاط المهرجان وإقامة دورته لهذا العام، مع اختيار رئيس جديد لها بالتوافق مع اللجنة العليا للمهرجانات ووزارة الثقافة.

وترى الناقدة ماجدة خير الله أن «استقالة أباظة لا بد أن تُمهِّد لاستئناف المهرجان نشاطه وعقد دورته المقبلة». وقالت لـ«الشرق الأوسط»: «أعتقد أنَّ وجود الأمير أباظة كان يمثِّل مشكلةً للبعض، لكن قرار إيقاف المهرجان كان متعجلاً، فلماذا نضحي بمهرجان عريق لمشكلة فردية، ولطالما واجه المهرجان نفسه مشكلات ولم يتوقَّف»، مشدِّدة على أنه «من المهم عقد الدورة المقبلة في موعدها بعد اختيار مجلس الإدارة لرئيس جديد للمهرجان».

وأكدت ماجدة أن «جمعية كتاب ونقاد السينما التي تنظِّم المهرجان تضم شخصيات تمتلك خبرات كبيرة تصلح لرئاسة المهرجان، وهم أقدر على إنقاذ هذه الدورة»، مبدية مخاوفها من أن «وقف المهرجان ولو لدورة واحدة ليس في صالحه، وقد يفقده ثقة صناع الأفلام ويؤثر على سمعته، وقد يغري هذا التوقف جهات بوقفه إلى الأبد، مضحين بالمكانة التي حقَّقها المهرجان على مدى سنوات انعقاده الطويلة»، وفق تعبيرها.

في حين وصفت الناقدة ميرفت عمر، عضوة مجلس إدارة جمعية كتاب ونقاد السينما والمدير الفني للمهرجان، استقالة أباظة بأنها «جاءت متأخرة، ولو كان طَرَحَها من البداية لكان لها تقدير كبير، ولجَنَّبت المهرجان ما وصل إليه، لكنها الآن ليس لها أي مردود، فهو يعلن استقالته من دورة توقَّفت بقرار وزاري، كمَن يعتذر عن منصب لم يعد فيه».

ليلى علوي خلال تكريمها في المهرجان (إدارة المهرجان)

وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «أعتقد أنَّ اللجنة العليا للمهرجانات أصدرت قراراً نهائياً ولا رجعة فيه بالنسبة لعدم عقد دورته الـ42، وأنَّ استقالة رئيس المهرجان الآن لن تغيِّر من الأمر شيئاً»، مؤكدة أنَّها طلبت إعفاءها من منصبها منذ بدء تراجع مستوى المهرجان وعدم الاهتمام بصناع الأفلام، قائلة: «كانت هناك وعود واتفاقات براقة لإنقاذ المهرجان وتجاوز أخطائه، لكنها لا تنفَّذ على أرض الواقع»، ولفتت إلى أنَّها تقدَّمت وزميلها محمد شكر بمذكرات لوزارتَي الثقافة والتضامن؛ لبحث كثير من الأسئلة التي لم يجدا لها إجابات لدى المهرجان تتعلق بدورتيه السابقتين.

ويرى الناقد الفني المصري سمير شحاتة أنَّه «بعد استقالة الأمير أباظة يحتاج المهرجان لهيئة تديره بمعطيات تلائم العصر الحالي وليس بالطريقة التي كانت تدار بها المهرجانات منذ 20 عاماً»، مستبعداً عقد المهرجان هذا العام وفقاً لقرار اللجنة العليا للمهرجانات، لافتاً إلى أنه «من الصعب تقديم دورة ناجحة سوى بتوافق بين الجمعية ووزارة الثقافة ومحافظة الإسكندرية». وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «الإصلاح لا بد أن يكون من الداخل، وأن اللجنة العليا للمهرجانات طالبت قبل ذلك بحل مشكلات المهرجان ولم تجد استجابة، بل كانت المشكلات تتفاقم». وأوضح أنه «من ضمن مشكلات المهرجان عدم وجود صف ثانٍ لقياداته، وعدم خروجه للجمهور السكندري».

وكان شحاتة قد اعتذر عن عدم تولي منصب مدير عام المهرجان «بعد أيام من إسناده له، وبعدما تقدَّم بورقة بإصلاحات مطلوبة ولمس صعوبة تحقيقها»، وفق قوله.

وانطلقت الدورة الأولى لمهرجان الإسكندرية السينمائي لدول البحر المتوسط عام 1979 ولعب على مدى عقود دوراً مهماً في تعزيز التبادل الثقافي والسينمائي بين دول البحر المتوسط.


في متحف الذكاء الاصطناعي تشعر بالفن... وهو بدوره يشعر بك

رفيق أناضول (سيلا شيلوني - نيويورك تايمز)
رفيق أناضول (سيلا شيلوني - نيويورك تايمز)
TT

في متحف الذكاء الاصطناعي تشعر بالفن... وهو بدوره يشعر بك

رفيق أناضول (سيلا شيلوني - نيويورك تايمز)
رفيق أناضول (سيلا شيلوني - نيويورك تايمز)

قال أحد الطلاب بصوت خافت: «هذا جنون!». تمتم الطالب المجاور له: «جنونٌ حقاً». «جنون» هنا تعبيرٌ مُبالغ فيه عن روعة «الروعة». كنا في وسط مدينة لوس أنجليس، في «داتالاند»، المتحف الذي سيُفتتح قريباً والمُخصّص للفن المُولّد بواسطة الذكاء الاصطناعي، وبالفعل، كان الأمر مُذهلاً. كان الطلاب، من دورة الذكاء الاصطناعي بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس، يحظون بفرصة الاطلاع المُسبقة بناءً على دعوة من أستاذهم، نجم الفن الرقمي رفيق أناضول. يُعدّ «داتالاند»، الذي أسّسه أناضول وزوجته الرسامة إفسون إركيليتش، إضافةً مُرتقبةً بشدة إلى المشهد الفني - التقني المُزدهر في المدينة، وربما يكون المتحف الأكثر طموحاً لفن الذكاء الاصطناعي حتى الآن.

«داتالاند» المتحف الذي سيُفتتح قريباً والمُخصص للفن المُولّد بواسطة الذكاء الاصطناعي، في لوس أنجليس (سيلا شيلوني - نيويورك تايمز)

محاكاة حركة الفراشات خوارزمياً

في لحظة، انزلقت صورٌ زاهية الألوان لنباتات وحيوانات غابات الأمازون البرازيلية على الجدار والأرضية؛ ثمّ، انجرفت صورٌ مماثلة نحونا بتقنية ثلاثية الأبعاد قبل أن تتسارع فجأةً ثمّ تتباطأ؛ وظهرت خطوطٌ ودوائر من الضوء الأبيض في أنماطٍ معقدة؛ وتناثرت خطوطٌ تجريدية من الأخضر والأصفر، والأحمر والأصفر في أرجاء الغرفة.

«أنماطٌ جميلة من أجنحة الفراشات»، هكذا شرح أناضول. أجنحة فراشات؟ أجل، صحيح. يقوم نظام الذكاء الاصطناعي الذي طوره أناضول واستوديو عمله للمتحف الجديد بتحويل بيانات فراشات الغابات المطيرة صوراً متحركة باستمرار يصفها طلابه بأنها «مذهلة». «البيانات ليست مجرد أرقام»، أشار أناضول. كانت كذلك في السابق، ولكن مع انفجار المعلومات الذي بدأ في ستينات القرن الماضي، يُمكن عدّ أي شيء تقريباً بيانات - الصور، والفيديوهات، والتسجيلات الصوتية، وحتى أجنحة الفراشات. تأتي بيانات أناضول عن الفراشات - أصولها، وأعمارها، وأنماط ألوانها، وسلوكها - بشكل رئيسي من موسوعة الحياة، وهي مستودع على الإنترنت جمعه المتحف الأميركي للتاريخ الطبيعي في نيويورك.

قال أناضول: «تمكّنا من محاكاة حركة الفراشات خوارزمياً». ومن خلال إدخال هذه البيانات في البرنامج المتطور للغاية الذي يُشغّل «داتالاند»، والذكاء الاصطناعي الذي يُشغّله - وهو برنامج، كما قال أناضول، يتألف من أكثر من 10 ملايين سطر برمجي - يُنتج عملاً فنياً فائق الحركة.

الفنان الرقمي رفيق أناضول في جناح البيانات بمتحف «داتالاند» (سيلا شيلوني - نيويورك تايمز)

انطلاقة أناضول

بدأ أناضول في بناء اسمه قبل عقد من الزمن بعروض أصغر حجماً وأكثر تأملاً لأنماط تجريدية - أمواج من الألوان تتدفق عبر الشاشة، وتعكس دواماتها وحركاتها بيانات الطقس وغيرها من الظواهر. وجاءت انطلاقته الكبرى عام 1988 بتكليف من أوركسترا لوس أنجليس الفيلهارمونية لعرض أرشيفها المُرقمن حديثاً - كل أداء لكل سيمفونية، وكل عزف على البوق، وكل عزف على الأوبوا، وكل نغمة عزفتها الأوركسترا على الإطلاق - على السقف الفولاذي المُتموج لقاعة والت ديزني للحفلات الموسيقية، التي صممها فرانك جيري.

لم يعد وجه أناضول طفولياً في الأربعين من عمره، لكنه لا يزال مفعماً بالحيوية والنشاط، ويرتدي ملابس سوداء بالكامل، ونادراً ما يقف ساكناً. انتشرت أعماله في جميع أنحاء العالم تقريباً في المتاحف: متحف غوغنهايم بلباو، ومعارض سربنتين في لندن، ومتحف هامر في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس، وغيرها في إسبانيا، وفرنسا، وبلجيكا، وكوريا الجنوبية وتركيا، موطنه الأصلي. لكن أول تكليف كبير له في متحف، وهو متحف الفن الحديث في نيويورك، جعله متورطاً في جدل واسع.

حظي عمل أناضول الفني «غير الخاضع للإشراف»، الذي عُرض في بهو متحف الفن الحديث (MoMA) بين عامي 2022 و2023، بشعبية واسعة لدرجة أنه استمر عرضه لمدة عام تقريباً. انبهر زوار المتحف، وأطفالهم، بالعرض المتغير باستمرار لديناميكيات السوائل على شاشته التي تبلغ مساحتها 24 × 24 قدماً. في صحيفة «واشنطن بوست»، وصفه سيباستيان سمي بأنه «تحفة فنية مبكرة للفن المُولّد بالذكاء الاصطناعي». لم يُبدِ نقاد آخرون إعجاباً مماثلاً. ففي «مجلة نيويورك»، وصفه جيري سالتز بأنه «مصباح حمم بركانية ضخم بتقنية التكنو» يعرض «مزيجاً من الألوان المهلوسة والكتل البكتيرية».

مع عمل «غير خاضع للإشراف»، ربما لم يكن واضحاً ما إذا كان أناضول قد فقد بوصلته الفنية أم أن نقاده لم يتمكنوا من فهمها؟

الرسامة إفسون إركيليتش بجناح البيانات في «داتالاند» (سيلا شيلوني - نيويورك تايمز)

أحلام الآلة

مع عمل «غير خاضع للإشراف»، ربما لم يكن واضحاً ما إذا كان أناضول قد فقد بوصلته الفنية أم أن نقاده لم يجدوا ضالتهم؟ يُسلّط معرض «داتالاند» الافتتاحي، «أحلام الآلة: الغابة المطيرة»، الضوء على هذه القصة... قبل خمس سنوات، حثته إركيليتش على مرافقتها إلى الأمازون بحثاً عن الإلهام. وبعد رحلة شاقة تضمنت استخدام الطائرات والسيارات وعشر ساعات في زورق آلي، انتهى بهما المطاف بين شعب ياواناوا، وهم من السكان الأصليين الذين يعتمدون بشكل أساسي على «ستارلينك» و«واتساب» للتواصل مع العالم الخارجي.

«لقد شعرتُ بإلهامٍ كبير»، هكذا استذكر. «شعب ياواناوا، وكيف يعيشون في الغابة - لا أستطيع نسيان ذلك الشعور. لكن بالطبع، لا ينبغي لنا الذهاب إلى الغابة المطيرة كل يوم. كان السؤال: هل يمكن أن تأتي إلينا؟» في «داتالاند»، يتحقق ذلك بشكلٍ ما. يُعدّ «غرفة اللانهاية» محور «أحلام الآلة: الغابة المطيرة» - وهي عبارة عن مكعب كبير يُعرض فيه فيلم مدته ثماني دقائق، مُولّد بواسطة الذكاء الاصطناعي، بشكلٍ متواصل على الجدران، وينعكس على أرضية وسقف عاكسين. يُظهر الفيلم طائراً طناناً زجاجياً و«شجرة حكمة» مُصممة على غرار شجرة في الأمازون. «كنتُ أرى هذا الطائر الطنان الزجاجي في أحلامي»، قال أناضول. «سألتُ الزعيم: لماذا أرى هذا الطائر؟ فأجابني: إنه طائر مميز لا يُغرّد في الغابة إلا عندما يُحلّق ليأخذ أنفاسه الأخيرة من شجرة الحكمة». في غرفة اللانهاية، تُركّز على عينه وتدخل عالماً خيالياً من الزهور والأنابيب والبيانات. وصفها أناضول بأنها «حكايات شعبية خوارزمية»، «نوع من أنواع السرد القصصي الجديد».

الرسامة إفسون إركيليتش بجناح البيانات في «داتالاند» (سيلا شيلوني - نيويورك تايمز)

الفراشات، والطيور، واليراعات، وكل أنواع الأشجار في الأمازون - جُمعت البيانات التي تُشكّل عمل «أحلام الآلة: الغابة المطيرة» من قِبل أناضول نفسه ميدانياً، أو من قِبل فريق من الفنانين والعلماء والمهندسين المعماريين والمهندسين في مختبره، استوديو رفيق أناضول، من خلال شراكات مع مختبر كورنيل لعلم الطيور، ومتحف التاريخ الطبيعي في لندن، وغيرها من المؤسسات المماثلة.

جناح البيانات في متحف «داتالاند» المُخصص للفن المُولّد بواسطة الذكاء الاصطناعي (سيلا شيلوني - نيويورك تايمز)

بيانات من الزوار

سيتم جمع كمية كبيرة من البيانات من الزوار أنفسهم. تعمل مستشعرات الليدار المثبتة في الجدران على معايرة حركاتك. السوار الإلكتروني الذي تحصل عليه عند الدخول هو جهاز طبي يراقب نبضات قلبك واستجابة جلدك الجلفانية - هل أنت متحمس، هادئ، مستمتع، أم تشعر بالقشعريرة؟ - ويرسل هذه البيانات إلى أنظمة الكمبيوتر في «داتالاند»؛ ما يسمح للشاشات بالاستجابة في الوقت الفعلي.

يُستخدم الذكاء الاصطناعي، مع تدخل بشري، لتوليد روائح «داتالاند»، التي تم ابتكارها بالشراكة مع قسم Luxe التابع لشركة «لوريال»، ونكهاتها - وهي عبارة عن شوكولاته مصنوعة بالتعاون مع شريك محلي، فاليري كونفيكشنز.

الفكرة

خطرت فكرة «داتالاند» لأناضول عندما كان هو وإركيليتش في إجازة في المكسيك، بعد رحلتهما الأولى في الغابات المطيرة. حينها فكرا في اسم - ولكن لم يكن لديهما أي فكرة أخرى. قالت إركيليتش: «أنا واقعية، وهو حالم. كان يُخبرني عن حلمه، وكنت أتساءل: كيف يُمكننا تحقيق هذا؟» كانا في حاجة إلى المال - الكثير منه. ثم بدأت الأمور تتضح. على الرغم من كل البيانات الموجودة في «داتالاند»، فإن تجربتك تحدث في العالم الحقيقي. لا يوجد جهاز واقع افتراضي يفصلك عن عالم الخيال. حتى أن هناك قطعاً تذكارية يمكنك أخذها معك إلى المنزل، بما في ذلك شوكولاته برائحة الغابات الاستوائية. كان بالإمكان شراء نسخة من 1000 «لوحة حية» مع نسخة مطبوعة أرشيفية مقابل 5000 دولار للواحدة، لكنها نفدت عبر الإنترنت في 34 دقيقة. مقابل 15000 دولار، يمكن لكبار الشخصيات الحصول على ذراع روبوتية تُدعى «كواليا» لرسم لوحة تجريدية مسترشدة ببياناتك الشخصية - لكن هناك بالفعل قائمة انتظار.

* خدمة «نيويورك تايمز»