لغز ألفريد نوبل... حزين وغامض وكاره للبشر فما سرّ ذلك؟

ما وراء الصورة الشائعة لرجل الديناميت و«مخترع» الجائزة الأشهر والأرفع في العالم (1-2)

ألفريد نوبل
ألفريد نوبل
TT

لغز ألفريد نوبل... حزين وغامض وكاره للبشر فما سرّ ذلك؟

ألفريد نوبل
ألفريد نوبل

استناداً إلى رسائل ألفريد نوبل الشخصية وكتاب ابنة شقيق نوبل: مارتا نوبل ـ أولينيكوف، وسوى ذلك من مصادر تناولت حياة ألفريد نوبل، ينقّب الكاتب والمترجم السويدي بينغت يانغفيلت فيما وراء الصورة الشائعة لألفريد لنوبل بحثاً عن المجهول والمحجوب في سيرة حياة رجل الديناميت و«مخترع» الجائزة الأشهر والأرفع في العالم، التي تحمل اسمه، هذه الجائزة، التي غدت بدورها نوعاً من ديناميت، يتجدد انفجاره كلّ عام، مخلفاً أصداءً لا تخفت بسهولة. المترجم
في العاشر من كانون الأول (ديسمبر) من كل عام، يتم تذكير الناس في مختلف أنحاء العالم باسم ألفريد نوبل. ما من سويدي آخر يُداني صاحب جائزة نوبل شهرة وذِكراً، مع أن «اللغز» هو الاسم الذي يقترن غالباً بألفريد نوبل. وهذا يعود، في جزء منه، إلى شخصيته المعقدة والتضارب في عمله الذي جمع فيه، بين نشر الديناميت، والكفاح في سبيل السِّلم العالمي، وفي جزء آخر إلى حياته الخاصة، فهو لم يتزوج ولم يُبدِ أي رغبة في ذلك، خلاف ما كان في سن مبكرة، وبدلاً عن ذلك تبدّى مع السنين، كمفكر وحيد، مريض، كاره للبشر.
حقاً، كان يُنظر إلى ألفريد نوبل، كلغز، منذ وقت مبكر. وهو لم يكن مخترعاً بارعاً فحسب، بل كان أيضاً شاعراً وكاتباً مسرحياً ذا مستوى عالٍ، وإن كهاوٍ. تبدأ أشهر قصائده بعبارة «أنتِ تقولين أنني لغز...»، التي كتبها عندما كان في سن الثامنة عشرة، وهي موجَّهة إلى امرأة ترى أن شخصيته غامضة. القصيدة توجد في عدة نسخ بالإنكليزية، كما توجد في نسخة بالسويدية، مما يدل على أهميتها بالنسبة له. هنا السطور الاستهلالية للقصيدة:
أنتِ تسمّينني لغزاً، لديكِ حق
لأن الحياة ليست سوى لغز مستغلق
نتلمس طريقنا من المهد إلى اللحد
غير عارفين بما سيؤول إليه الغد،
نطارد السعادة، التي غالباً، ما تُخفق
ونشتّت الحزن بأمل يخيب دائماً.
مبكراً كانت رؤية الحياة من منظور رومانسي ـ انقباضي تتملك ألفريد نوبل، لذا يمكن النظر إلى تطور حالته باتجاه بُغض البشر والنظرة السوداوية في سن النضج على أنه عملية طبيعية، نوعاً ما، كتحصيل لنزعته، وهو ما كان مؤكَّداً. لكنْ ثمّة تفسير آخر أكثر رسوخاً لما يعانيه من اكتئاب سوداوي يزداد بمرور الوقت، وهو ما يمكن اكتشافه من خلال صيغة باللغة الروسية تضمّنتها رسالة بخط ألفريد نوبل، أُهملت سهواً أو تمّ تجاهلها في السابق، عن عمد. ولوضع الرسالة في سياقها، يجب أن نبدأ ببعض المعلومات الشخصية عن نشأة ألفريد نوبل في سانت بطرسبورغ.
وُلِد الفريد نوبل في ستوكهولم عام 1833، وكان الأصغر بين ثلاثة أشقاء. والده إيمانويل كان مخترعاً ومهندساً معمارياً، وفي الرابعة من عمر ألفريد، أُجبر على ترك ستوكهولم بسبب الديون الكبيرة المتراكمة عليه وتهديده من مصلحة جباية الديون. بعد عام قضاه في دوقية فنلندا الكبرى التابعة لروسيا، انتقل إلى سان بطرسبورغ، حيث صنع لنفسه اسماً خلال وقت قصير، كمخترع أسلحة. كان اختراعه الرئيسي هو اللغم البحري، الذي اشترته الحكومة الروسية عام 1842، وقد حصل نوبل، مقابل اختراعه هذا، على مبلغ كبير جداً لدرجة أنه تمكَّن من أن يرسل وراء عائلته التي بقيت في ستوكهولم: زوجته أندرييتا، وأبناؤه روبرت ولودفيغ وألفريد. في السنوات التالية أقام إيمانويل ورشة ميكانيكية ناجحة لصناعة معدّات للاستخدام العسكري والمدني، وخلال حرب القرم 1853 ـ 1855، تلقّى طلبات كبيرة، لدرجة أنه أصبح ثرياً. وعندما انتهت الحرب ونصّبت روسيا إمبراطوراً جديداً هو الإسكندر الثاني، قامت الحكومة بفسخ العقد مع الورشة وتمّت تصفيتها. في عام 1859، أُجبر إيمانويل نوبل على الهجرة مرة أخرى، عائداً إلى السويد، هذه المرة. ومن أجل إنقاذ الورشة، تم تكليف الأبناء الثلاثة الذين بقوا في سانت بطرسبورغ بهذه المهمة، على سبيل المحاولة، لكن الجهود فشلت، وفي عام 1861 أشهرت إفلاسها. في نفس العام، انتقل شقيقه الأكبر روبرت إلى هلسنكي؛ للزواج، وبعد عامين غادر ألفريد العاصمة الروسية وأقام في ستوكهولم. بقي لودفيغ في سانت بطرسبورغ، ليبدأ ورشة عمل ميكانيكية جديدة أصبحت في سبعينيات القرن التاسع عشر واحدة من أكثر ورشات العمل نجاحاً، في روسيا. بعد حوالي عشر سنوات، عاد روبرت إلى روسيا، حيث نشط في كل من معمل مكائن لودفيغ، وفي باكو أسس شركة نفط الإخوة نوبل، التي أضحت مع الوقت واحدة من الشركات الرائدة في مجال النفط. خلال هذه الفترة، تمكّن مخترع الديناميت ألفريد من تطوير أعماله في أوروبا والولايات المتحدة، وعاد إلى روسيا في زيارتين قصيرتين فقط، بين عامي 1871 و1883، على الرغم من مناشدة لودفيغ الحثيثة له على مر السنين للقدوم والزيارة. كان ألفريد يشير إما إلى اعتلال صحته، أو إلى عبء العمل أو كليهما، موضحاً الحالة. التوضيح كان مقبولاً، فقد كان في صحة سيئة ومنهمكاً بالعمل على مدار الساعة، لكن من الصعب التخلص من فكرة أن هذه لم تكن سوى ذرائع. بالنظر إلى أن ألفريد قد أمضى عشرين عاماً من حياته في سانت بطرسبورغ، بين سن العاشرة والثلاثين، فمن الغريب أنه لم يشعر بإغراء إعادة الاتصال بأصدقائه ومعارفه القدامى، إذ لو كانت الإرادة موجودة، لتمّ التغلب على مشاكل الصحة والعمل، بكل تأكيد.


إيمانويل نوبل والد ألفريد نوبل

في عام 1952 نشرت ابنة لودفيغ؛ مارتا نوبل ـ أولينيكوف، كتاباً بعنوان «لودفيغ نوبل وعمله»، طُبع في عدد محدود جداً من النسخ، وكان في متناول عائلة نوبل فقط. (أصبح متاحاً للعموم عام 1977)، تشير فيه إلى أن انعدام رغبة ألفريد في زيارة سانت بطرسبورغ يعود إلى حقيقة أنه «حمل منذ ستينيات القرن التاسع عشر بعض الذكريات المحرجة، من هناك، وهي على أية حال، يشوبها الغموض». ربما لم يكن التحفظ في الجملة الثانوية في المقتبس السابق، صحيحاً تماماً. فمن الجائز أن الكاتبة كانت تعرف جيداً ما كانت تدور حوله «ذكريات ألفريد المحرجة». على أية حال، كان ذلك سراً عائلياً مصوناً جيداً.
من بين الإخوة الثلاثة، كان ألفريد هو الوحيد الذي لم يتزوج، ولم يكن لديه أطفال. كان لروبرت أربعة أطفال، ولودفيغ البالغ 18 عاماً، كان قد تزوج مرتين. لقد أفضت حقيقة أن ألفريد لم يتزوج، ولم يكن له علاقات حميمة معروفة مع النساء، إلى تكهنات، ومع ذلك لم يكن هناك أي مؤشر على ميول جنسية غير سوية لديه. كان الشاب ألفريد مهتماً جداً بالمرأة، على سبيل المثال، كان يتودد إلى خطيبة روبرت بحماسة شديدة أدت إلى تصدع العلاقة بين الأخوين، وعند بلوغه السادسة والعشرين، شرع بأخذ دروس في اللغة الإنكليزية في سانت بطرسبورغ، على الرغم من تمكنه من اللغة بالفعل؛ إذ كان الهدف هو التواصل مع النساء. وقد أوضح لروبرت «كيف كان يحوز على إعجاب النساء؛ لتقدمه الكبير، وللمقاطع الشعرية التي يكتبها لهن». كان يعتقد أن الشعر سيساعده على «أن يحظى بفتاة ثرية وجميلة» و«يصبح الوحيد في العائلة الذي يجعله الزواج ثرياً».
وعندما كان ألفريد يزور سانت بطرسبورغ، عام 1871 اعتقدت زوجة روبرت أنه موجود هناك لمخاطبة «شعلته القديمة»، أياً كانت، وهو ما لم يحدث. ألفريد لم يخطب ولم يتزوج، في الوقت الذي كانت علاقاته النسائية المعروفة قليلة، وهي ذات طبيعة غير جسدية، وقد اتخذت بصورة رئيسية شكل المراسلات. وهذا ينطبق أيضاً على العلاقة الوحيدة المعروفة بـ«الذوق الإيروتيكي»، تلك الخاصة بصوفي هيس، الأصغر سناً، وهي نوع من علاقة بجماليون مطبوعة بطابع «الاهتمام المميز»، وفقاً لسيرة ألفريد التي أعدَّها إيريك بيرينغرين. وبالنسبة لفيلغوت شومان، الذي كرس جهداً كبيراً في كتابين؛ في محاولة لفهم الحياة الخاصة لـ«ألفريد»، كان من الواضح أن ألفريد «يعاني جوعاً عاطفياً، طوال حياته».كان الإخوة نوبل جميعهم كُتاب رسائل كباراً. ذكر ألفريد أنه يكتب ما بين 20 و40 رسالة يومياً، على الأقل بشكل دوري. كان إخوته على شاكلته، تقريباً، في المثابرة على كتابة الرسائل، وقد بلغ عددها بالآلاف وهي محفوظة في أرشيفات مختلفة. كانت المراسلات التجارية تتم باللغات الألمانية والروسية والفرنسية والإنكليزية، بينما الرسائل المتبادلة بين أفراد العائلة كانت باللغة السويدية. كل رسائل الإخوة الثلاثة كُتبت بلغة سليمة نحوياً، غنية ومعبرة، على الرغم من أن نصيبهم من التعليم الرسمي كان لبضع سنوات فقط قبل مجيئهم إلى روسيا، حيث أكملوا تعليمهم في البيت على يد مدرس خصوصي سويدي.

* بينغت يانغفيلت: (Bengt Jangfeldt (1948. كاتب ومترجم سويدي. أستاذ في معهد الدراسات السلافية في جامعة ستوكهولم. عُرف بالعديد من كتبه المهمة، إضافةً إلى نشاطه في الترجمة عن الروسية. من بين ما صدر له من عناوين، تأليفاً وترجمة: «إيمانويل نوبل وأولاده: العبقرية السويدية في روسيا القيصرية»، «نحن وهُم ـ عن روسيا كفكرة»، «اللغة هي الإله: ملاحظات حول جوزيف برودسكي». «أوسيب ماندلستام: الكلمة والثقافة»، «مع الحياة كمقامرة: حكاية فلاديمير ماياكوفسكي ووسطه»، وقد نال عن هذا الأخير، جائزة أوغست سترندبيري لسنة 2007، وهي من الجوائز الرفيعة في السويد، إضافة إلى جوائز دولية أُخرى.

*عن صحيفة «سفينسكا داغبلاديت» السويدية SvD، والموضوع يُنشر بإذن
خاص من الكاتب.


مقالات ذات صلة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

يوميات الشرق «تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر  في تشجيع الشباب على القراءة

«تيك توك» أكثر جدوى من دور النشر في تشجيع الشباب على القراءة

كشفت تقارير وأرقام صدرت في الآونة الأخيرة إسهام تطبيق «تيك توك» في إعادة فئات الشباب للقراءة، عبر ترويجه للكتب أكثر من دون النشر. فقد نشرت مؤثرة شابة، مثلاً، مقاطع لها من رواية «أغنية أخيل»، حصدت أكثر من 20 مليون مشاهدة، وزادت مبيعاتها 9 أضعاف في أميركا و6 أضعاف في فرنسا. وأظهر منظمو معرض الكتاب الذي أُقيم في باريس أواخر أبريل (نيسان) الماضي، أن من بين مائة ألف شخص زاروا أروقة معرض الكتاب، كان 50 ألفاً من الشباب دون الخامسة والعشرين.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق «تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

«تيك توك» يقلب موازين النشر... ويعيد الشباب إلى القراءة

كل التقارير التي صدرت في الآونة الأخيرة أكدت هذا التوجه: هناك أزمة قراءة حقيقية عند الشباب، باستثناء الكتب التي تدخل ضمن المقرّرات الدراسية، وحتى هذه لم تعد تثير اهتمام شبابنا اليوم، وهي ليست ظاهرة محلية أو إقليمية فحسب، بل عالمية تطال كل مجتمعات العالم. في فرنسا مثلاً دراسة حديثة لمعهد «إبسوس» كشفت أن شاباً من بين خمسة لا يقرأ إطلاقاً. لتفسير هذه الأزمة وُجّهت أصابع الاتهام لجهات عدة، أهمها شبكات التواصل والكم الهائل من المضامين التي خلقت لدى هذه الفئة حالةً من اللهو والتكاسل.

أنيسة مخالدي (باريس)
يوميات الشرق آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

آنية جزيرة تاروت ونقوشها الغرائبية

من جزيرة تاروت، خرج كم هائل من الآنية الأثرية، منها مجموعة كبيرة صنعت من مادة الكلوريت، أي الحجر الصابوني الداكن.

يوميات الشرق خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

خليل الشيخ: وجوه ثلاثة لعاصمة النور عند الكتاب العرب

صدور كتاب مثل «باريس في الأدب العربي الحديث» عن «مركز أبوظبي للغة العربية»، له أهمية كبيرة في توثيق تاريخ استقبال العاصمة الفرنسية نخبةً من الكتّاب والأدباء والفنانين العرب من خلال تركيز مؤلف الكتاب د. خليل الشيخ على هذا التوثيق لوجودهم في العاصمة الفرنسية، وانعكاسات ذلك على نتاجاتهم. والمؤلف باحث وناقد ومترجم، حصل على الدكتوراه في الدراسات النقدية المقارنة من جامعة بون في ألمانيا عام 1986، عمل أستاذاً في قسم اللغة العربية وآدابها في جامعة اليرموك وجامعات أخرى. وهو يتولى الآن إدارة التعليم وبحوث اللغة العربية في «مركز أبوظبي للغة العربية». أصدر ما يزيد على 30 دراسة محكمة.

يوميات الشرق عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

عمارة القاهرة... قصة المجد والغدر

على مدار العقود الثلاثة الأخيرة حافظ الاستثمار العقاري في القاهرة على قوته دون أن يتأثر بأي أحداث سياسية أو اضطرابات، كما شهد في السنوات الأخيرة تسارعاً لم تشهده القاهرة في تاريخها، لا يوازيه سوى حجم التخلي عن التقاليد المعمارية للمدينة العريقة. ووسط هذا المناخ تحاول قلة من الباحثين التذكير بتراث المدينة وتقاليدها المعمارية، من هؤلاء الدكتور محمد الشاهد، الذي يمكن وصفه بـ«الناشط المعماري والعمراني»، حيث أسس موقع «مشاهد القاهرة»، الذي يقدم من خلاله ملاحظاته على عمارة المدينة وحالتها المعمارية.

عزت القمحاوي

ألف زهرة تتفتح تطريزاً على الأوشحة وفساتين السهرة

ساعات من شغل الخيط والإبرة تتحوّل لوحات مزهرة على الفساتين (دليل المعرض)
ساعات من شغل الخيط والإبرة تتحوّل لوحات مزهرة على الفساتين (دليل المعرض)
TT

ألف زهرة تتفتح تطريزاً على الأوشحة وفساتين السهرة

ساعات من شغل الخيط والإبرة تتحوّل لوحات مزهرة على الفساتين (دليل المعرض)
ساعات من شغل الخيط والإبرة تتحوّل لوحات مزهرة على الفساتين (دليل المعرض)

بين التطريز وأناقة النساء علاقة حب قديمة. وكانت هذه المهارة، أي الغرز بالخيوط الملونة على القماش، من الأمور التي لا بدّ للفتاة أن تتقنها منذ الصغر ليكتمل تأهيلها وتستحق صفة ربّة بيت. وإلى جانب التطريز يحضر النسيج «التريكو»، وشغل الإبرة «الكروشيه»، و«الدانتيلا». فإذا كان التطريز قد توارى في فترة من الفترات، فإنه يشهد عودة قوية مع فساتين السهرة، وكذلك مع العباءات والقفاطين والجلابيات التي أصبحت مرغوبة ومطلوبة، لا سيما في شهر الصيام.

مطرّزات تاريخية شاهدة على أناقة الزمن (دليل المعرض)

من هنا تأتي أهمية هذا المعرض، الموجود حالياً وحتى أواخر الخريف المقبل، في متحف الموضة في باريس، المعروف باسم «قصر غالييرا».

يتنقل الزوار بين نماذج من الأزياء المطرزة بفخامة عبر العصور. كل شيء هنا يدعوك لأن تشهق من روعة ما ترى: أزاهير، وشجيرات، وبلابل تتفتح على صدور الفساتين وأذيالها وأكمامها. تتجول بين الصالات وكأنك تتنزه في حديقة فردوسية الألوان: ورد، وخشخاش، وقرنفل، وعناقيد عنب، وفراشات. معرض يقدِّم لك الطبيعة على الحرير، والقطيفة، والتافتا، والكتان، ويروي لك تاريخ فنٍّ من الفنون الجميلة الذي يترك إبداعاته على قماش الفستان المتنقّل، والوشاح، والحقيبة، والقبعة، بدل أن يسجنها على خامة اللوحة حبيسة المتاحف.

فساتين بتطريزات الأمس (دليل المعرض)

يعرض متحف أزياء مدينة باريس تقنيات التزيين وإبداعات المصممين القدامى والصاعدين، وقطعاً من مجموعته أو مستعارة من دور الأزياء الكبرى. ويهيب بنا عنوان المعرض: «دعوا ألف زهرة تتفتح!». وهي مناسبة للاحتفاء بالمهارات النسيجية الثلاث الرئيسية التي تُشكّل جوهر الموضة الباريسية: النسيج، والتطريز، والطباعة. وهي تقنيات يستلهم المصممون إبداعاتهم مما تتيحه من إمكانات. ففي عشرينات القرن الماضي تجرأ بول بواريه على نثر أنماط تُذكِّر بأسلوب الرسام بوتيتشيلي على سترة خضراء. وبعد عقود، غطّى نيكولا غيسكيير، مصمم دار «بالنسياغا»، هيكلاً مرناً من مادة «النيوبرين» بأكمام من الورد. وإذا اقتربنا أكثر من عصرنا الحالي، نجد المصممة اليابانية ري كاواكوبو تجرؤ على ابتكار فستان على هيئة سلة زهور عملاقة.

تطريز أحذية السهرة (دليل المعرض)

ومنذ العام الماضي، أدرج المتحف في منهاجه تنظيم سلسلة من المعارض المخصصة للحِرف اليدوية، تستكشف من زوايا مختلفة المهارات والتقنيات التي ارتبطت بعالم الأزياء. والهدف هو تسليط الضوء على ثراء مجموعاته ومقتنياته، وكذلك إلقاء نظرة جديدة على تاريخ الموضة منذ القرن الـ18 حتى يومنا الحالي. وهذا هو المعرض الأول في السلسلة؛ إذ يضم أكثر من 350 عملاً ما بين الملابس والإكسسوارات والصور الفوتوغرافية وفنون الغرافيك وعُدّة العمل وأدواته.

أوشحة مطرّزة من شرق أوروبا (دليل المعرض)

كما يكرِّم قصر غالييرا الحرفيين الذين طوّروا هذه المهارات، والذين غالباً ما تغيب أسماؤهم حين يطغى عليها اسم مصمم الأزياء المرموق. ومن هؤلاء من صنعت أناملهم شهرة المصممين المرموقين؛ فقد ظهرت بيوت تاريخية تخصصت في التطريز مثل «لوساج» و«موريل». وبهذا فإن المعرض يعيد الاعتبار إلى مهن غالباً ما يتم تجاهلها في عالم الموضة: مصمِّم النسيج، والمُطرِّز، وصانع الريش، وفنان الزخارف الزهرية. إن هؤلاء ساهموا في تكريس باريس عاصمة للموضة ومنطقة متميزة بالتجديد والاستمرار.


السعودية تُعيد تعريف رعاية الموهوبين

40 دولة تشارك في صياغة مستقبل المبدعين عبر 350 ورقة عمل في المؤتمر الآسيوي الـ19 للموهبة والإبداع (جامعة الأعمال والتكنولوجيا)
40 دولة تشارك في صياغة مستقبل المبدعين عبر 350 ورقة عمل في المؤتمر الآسيوي الـ19 للموهبة والإبداع (جامعة الأعمال والتكنولوجيا)
TT

السعودية تُعيد تعريف رعاية الموهوبين

40 دولة تشارك في صياغة مستقبل المبدعين عبر 350 ورقة عمل في المؤتمر الآسيوي الـ19 للموهبة والإبداع (جامعة الأعمال والتكنولوجيا)
40 دولة تشارك في صياغة مستقبل المبدعين عبر 350 ورقة عمل في المؤتمر الآسيوي الـ19 للموهبة والإبداع (جامعة الأعمال والتكنولوجيا)

لم يكن الحديث عن الموهبة في «المؤتمر الآسيوي التاسع عشر للموهبة والإبداع» نقاشاً تقنياً حول أدوات تعليمية بقدر ما كان عرضاً لتجربة وطنية متكاملة، نضجت عبر عقود، وانتقلت من مبادرات تعليمية مبكرة إلى منظومة مؤسسية باتت اليوم محل اهتمام دولي، وتُعرض من جدة بوصفها نموذجاً قابلاً للنقاش والتطوير.

وفي قلب هذا المشهد، برزت تجربة «مؤسسة الملك عبد العزيز ورجاله للموهبة والإبداع»، بوصفها نموذجاً وطنياً ينظر إلى الموهبة لا بكونها استثناءً، بل طاقة كامنة تستدعي الاكتشاف والرعاية والاستدامة.

«الموهبة»... من المفهوم إلى المنظومة

الأمير فيصل بن مشاري آل سعود مستشار أمين عام «مؤسسة الملك عبد العزيز ورجاله للموهبة والإبداع» (جامعة الأعمال والتكنولوجيا)

مستشار أمين عام «مؤسسة الملك عبد العزيز ورجاله للموهبة والإبداع»، الأمير الدكتور فيصل بن مشاري آل سعود، قدّم خلال كلمته في المؤتمر قراءة معمّقة لمسار رعاية الموهوبين في المملكة، وأكد أن «الموهبة» ليست مجرد اسم لمؤسسة، بل كلمة عربية تعني الهبة والقدرة الفطرية، وتُشكل جوهر الفلسفة التي قامت عليها التجربة السعودية.

واستعاد الأمير فيصل البدايات المبكرة للتعليم النظامي في المملكة، متوقفاً عند تأسيس مدرسة «دار التوحيد» في الطائف عام 1945، بوصفها تجربة انتقائية هدفت إلى جمع الطلاب المتميزين من مختلف المناطق وتوفير بيئة تعليمية متكاملة لهم، في وقت كانت فيه المدارس محدودة.

وأوضح الأمير فيصل أن مرحلة التحول الأبرز جاءت في نهاية التسعينات، مع تنفيذ مشروع وطني بحثي لدراسة الموهبة ورعايتها، مهّد لتأسيس «موهبة» عام 1999 بوصفها جهة غير ربحية تُعنى باكتشاف الموهوبين وتمكينهم. ومع إنشاء الوقف الداعم للمؤسسة في عام 2011، انتقلت التجربة من منطق المبادرات إلى منطق الاستدامة، ضمن رؤية طويلة المدى لرعاية الموهبة بوصفها استثماراً وطنياً.

رحلة تمتد من المدرسة إلى سوق العمل

طلاب وطالبات «موهبة» على المسرح أثناء افتتاح أعمال «المؤتمر الآسيوي الـ19 للموهبة والإبداع» (جامعة الأعمال والتكنولوجيا)

ما يُميّز النموذج السعودي، كما عُرض في المؤتمر، أنه لا يتوقف عند الاكتشاف المبكر. تبدأ الرحلة من التعليم العام، عبر أدوات علمية مقننة للتعرف على الموهوبين من الصف الثالث حتى المرحلة الثانوية، لكنها تمتد لاحقاً إلى برامج إثراء وبحث علمي، ومسارات جامعية، وربط مبكر بالصناعة وريادة الأعمال.

وشدد الأمير فيصل على أن التحدي الحقيقي لا يكمن في اكتشاف الموهبة فقط، بل في استدامة رعايتها وبناء بيئة تعليمية ومجتمعية تسمح لها بالنمو وتحقيق الأثر عبر مراحل الحياة المختلفة، مؤكداً أن نجاح هذه المنظومة يتطلب تكامل أدوار المؤسسات التعليمية والجامعات والقطاع الخاص.

وشهد حفل الافتتاح لحظة رمزية لافتة مع صعود 19 طالباً وطالبة من «موهبة» إلى المسرح، ضمن فقرة حملت عنوان «ثمرة التمكين»، عكست بصورة مباشرة نتائج الاستثمار الوطني في اكتشاف الموهبة ورعايتها.

وفي هذا السياق، جاء انعقاد «المؤتمر الآسيوي التاسع عشر للموهبة والإبداع» في جامعة الأعمال والتكنولوجيا بجدة بوصفه امتداداً طبيعياً لتجربة وصلت إلى مرحلة العرض والمساءلة الدولية.

المؤتمر، الذي انطلق برعاية وزير التعليم، وبمشاركة أكثر من 40 دولة، وبحضور أكثر من 1000 شخصية من الخبراء وصنّاع القرار، أصبح منصة لتبادل النماذج والخبرات، ومناقشة مستقبل تعليم الموهوبين في عالم سريع التحول.

دكتور عبد الله صادق دحلان رئيس مجلس أمناء جامعة الأعمال والتكنولوجيا بجدة (جامعة الأعمال والتكنولوجيا)

وأكد رئيس مجلس أمناء جامعة الأعمال والتكنولوجيا، الدكتور عبد الله دحلان، في كلمته أن الاستثمار في الموهبة يُمثل الاستثمار الأسمى في مستقبل الأوطان، مشدداً على أن قوة الدول باتت تُقاس بما تستثمره في عقول أبنائها وبناتها، لا بما تمتلكه من موارد فقط.

من جانبها، أشارت رئيسة الاتحاد الآسيوي للموهبة، الدكتورة كيونجبين بارك، إلى أن التحولات المتسارعة في مجالات الذكاء الاصطناعي والتعلم الرقمي تفرض إعادة التفكير في تعليم الموهوبين، ليس من حيث التسريع الأكاديمي فحسب، بل من حيث بناء الحكمة والمسؤولية والقدرة على التعامل مع التحديات العالمية المعقدة.

من الرعاية إلى القياس

وجاء الإعلان خلال المؤتمر عن إطلاق أول مؤشر عالمي لتقييم رعاية الموهوبين ليُشكّل محطة مفصلية في هذا المسار، ناقلاً النقاش من «كيف نرعى الموهبة؟» إلى «كيف نقيس أثر هذه الرعاية؟»، ومؤكداً انتقال التجربة السعودية من التطبيق المحلي إلى الإسهام في صياغة أدوات تقييم عالمية.

وبين تجربة وطنية تبلورت عبر الزمن، ومؤتمر دولي جمع الخبرات والتجارب في جدة، تتضح ملامح قصة واحدة: قصة بلد اختار أن يجعل من الموهبة ركيزة للتنمية، لا عبر مبادرة عابرة، بل عبر منظومة تُبنى، وتُراجع، وتُقدَّم للعالم اليوم بوصفها نموذجاً مفتوحاً على المستقبل.

Your Premium trial has ended


معرض مصري يُعيد تشكيل النمط الاستهلاكي فنياً

أوجه متعددة للاستهلاك في المعرض (الشرق الأوسط)
أوجه متعددة للاستهلاك في المعرض (الشرق الأوسط)
TT

معرض مصري يُعيد تشكيل النمط الاستهلاكي فنياً

أوجه متعددة للاستهلاك في المعرض (الشرق الأوسط)
أوجه متعددة للاستهلاك في المعرض (الشرق الأوسط)

في معرضه «استهلاكي»، يطرح الفنان التشكيلي المصري ياسر جعيصة رؤية بصرية تسعى إلى تفكيك مفهوم الاستهلاك، لا بوصفه فعلاً اقتصادياً وحسب، بل نظام يومي متأصل في ثقافة الحياة المعاصرة، وسلوك مكرّس يُعيد تشكيل علاقتنا بالأشياء وبأنفسنا، وذلك ضمن المعرض الذي يستضيفه غاليري «ياسين» بالقاهرة حتى 19 فبراير (شباط) الحالي.

يعتمد جعيصة في أعماله على الأثر بوصفه مدخلاً جمالياً لطرح مفهومه الفني، معتمداً على ما يخلّفه الإنسان وراءه من بقايا، ما يجعلها تتحوّل داخل اللوحات إلى ما يُشبه مروّية بصرية تشهد على تراكمية استهلاكية متنامية، فالإنسان لا يظهر هنا باعتباره فاعلاً مرئياً، بل من خلال نتاج سلوكه، وما يخلّفه من مفردات استهلاكية تتكدّس وتفرض حضورها.

تزاحم عناصر الطعام داخل اللوحة (الشرق الأوسط)

ويُكثّف الفنان من هذا الأثر عبر الاشتغال على الحشد والتكرار، أو ما يصفه هو نفسه بـ«الزخم المقصود بوصفه أداة تعبيرية تنقل حالة الاستهلاك داخل المساحة التصويرية، كما في استهلاك مواد مثل الكاميرات والأحذية والصحف وغيرها من المفردات»، كما يقول لـ«الشرق الأوسط».

لا يعمل الزخم داخل اللوحات بوصفه ازدحاماً شكلياً فحسب، بل حالة بصرية ضاغطة تعكس منطق الاستهلاك ذاته، فالتداخل الكثيف للعناصر المادية ينتج عنه ثقل بصري ودلالي، ويجعل العين في مواجهة مباشرة مع فائض لا يُتيح مسافة للراحة أو التأمل، ويتجلّى ذلك بوضوح في اللوحات التي ترصد تكدّس الكراتين، في إحالة مباشرة إلى تصاعد معدلات الشراء عبر الإنترنت وشركات الشحن، في حين تتخذ أعمال أخرى منحى أكثر إدهاشاً، بفعل الكم الفانتازي لاستهلاك الطعام والحلوى، وأكواب القهوة، والمشروبات الغازية؛ حيث تتحول الوفرة إلى مشهد إشكالي، لا إلى علامة رخاء.

الاعتماد على الزخم والتكدس في تناول موضوع المعرض (الشرق الأوسط)

وعبر 28 لوحة، تتحوَّل السلعة المستهلكة إلى بطل للمشهد، فلا يحضر الإنسان بجسده بقدر ما يحضر بسلوكه، ويبدو اختيار الفنان لأحجام لوحات كبيرة مقصوداً، ليصبح المنتج المستهلك هو صاحب السطوة والسيطرة في مقابل الإنسان، وكأن اللوحة تعكس انقلاب الأدوار بين الفاعل والمنتَج، فلا يعمل التكديس عنصراً شكلياً، بل استراتيجية فنية تكشف تحوّل الاستهلاك من فعل مؤقت إلى نظام ضاغط، يحوّل الكثرة إلى عبء بصري ودلالي.

ورغم هذا الغياب شبه الكامل للجسد البشري في اللوحات، فإن العنصر الإنساني يتصدّر عدداً محدوداً من الأعمال، كما في لوحة «استهلاكي من الأصدقاء»، ويُشير جعيصة إلى هذه اللوحة بوصفها تعبيراً عن «حالة من الاستهلاك العكسي، عن أصدقاء يدخلون حياتنا ثم لا يلبثون أن يختفوا»، وهو ما يوسّع أفق قراءة الاستهلاك، بحيث لا يعود محصوراً في بُعده المادي، بل يمتد إلى علاقاتنا الإنسانية نفسها، وإلى منطق الاستبدال والتخلّي الذي يحكمها أحياناً.

ظهور العنصر البشري في لوحة «استهلاكي من الأصدقاء» (الشرق الأوسط)

ويلعب اللون دوراً أساسياً في تعميق هذا المعنى، فاختيارات الفنان اللونية عبر خامتي الزيت والأكريليك تعزّز من الإحساس بالزخم، وتتدرّج اللوحات بين ألوان داكنة ومحايدة تحيط بمفردات مثل الأحذية والقهوة، وألوان زاهية ومشبعة تطغى على لوحات استهلاك الأغذية والألعاب، في تدرّج بصري يعكس تفاوت أنماط الاستهلاك وحدّتها، وما تحمله من إغواء بصري متعمّد.

أما مفردات مثل «البيوت» و«السيارات»، فتفتح مسارات دلالية إضافية داخل المعرض؛ تحيل البيوت إلى فكرة البدايات والحميمية التي تتآكل مع كثافة التنقل والاستهلاك، في حين تشير السيارات إلى الاقتناء بوصفه نمطاً اجتماعياً وربما وجاهة رمزية، ولا تسعى الأعمال إلى تقديم إجابات مغلقة بقدر ما تترك للمتلقي مساحة للتفاعل مع قصته الشخصية مع الاستهلاك، بوصفه «كائناً استهلاكياً» قد يشترك مع غيره أو يختلف في طبيعة هذا النمط ومستواه.

جانب من معرض «استهلاكي» (الشرق الأوسط)

وفي هذا السياق، تتحول لوحات المعرض إلى مساحة مساءلة بصرية، تضع المتلقي أمام مفارقة أساسية: «أصبح الشخص الواحد يستهلك اليوم ما كانت تستهلكه أسرة كاملة في السابق؛ فهل صار الاقتناء رغبة أم غريزة أم شرهاً؟»، وهو السؤال الذي يطرحه جعيصة لا بوصفه إدانة، بل دعوة مفتوحة لإعادة التفكير في علاقتنا بالأشياء، وبما نكدسه أو نتخلص منه، وبما يكشفه ذلك عنا.