هل تتحول بوركينا فاسو إلى موطئ قدم جديد لروسيا في غرب أفريقيا؟

متظاهرون يرفعون العلم الروسي في واغادوغو أمس (أ.ف.ب)
متظاهرون يرفعون العلم الروسي في واغادوغو أمس (أ.ف.ب)
TT

هل تتحول بوركينا فاسو إلى موطئ قدم جديد لروسيا في غرب أفريقيا؟

متظاهرون يرفعون العلم الروسي في واغادوغو أمس (أ.ف.ب)
متظاهرون يرفعون العلم الروسي في واغادوغو أمس (أ.ف.ب)

في الساعات الأولى من صباح الأحد، وأمام ثكنة عسكرية في واغادوغو؛ عاصمة بوركينا فاسو، صعد جندي شاب من الموالين لزعيم الانقلاب العسكري النقيب إبراهيم تراوري، على ظهر مدرعة عسكرية، وأخرج من جيبه العلم الروسي وبدأ يلوح به وسط هتافات مؤيدة لموسكو، يرددها عشرات الشبان المتحمسين للتوجه نحو التعاون العسكري مع روسيا، وإنهاء الشراكة مع فرنسا؛ القوة الاستعمارية السابقة.
لم تكن تلك هي المرة الأولى التي تُرفع فيها الأعلام الروسية في المظاهرات الشعبية المؤيدة للانقلاب العسكري الذي نفذه ضباط شباب فجر الجمعة الماضي، فمن الواضح أن الانقلابيين الجدد لا يخفون ميولهم نحو المعسكر الروسي، وعلاقتهم المتوترة بالمجموعة الغربية، خصوصاً فرنسا.
النفوذ الروسي في بوركينا فاسو يزداد بشكل ملحوظ، رغم أنه حتى أشهر قليلة كان مجرد نفوذ إعلامي وشعبي، فظهرت شخصيات وحركات تدعم بشكل صريح أن يسلك بلدهم طريق مالي المجاورة، التي أنهت علاقاتها مع فرنسا وطردت قواتها وأنهت اتفاق التعاون العسكري معها، وعقدت شراكات قوية مع موسكو، بل إنها استعانت بمجموعة «فاغنر» الروسية الخاصة في حربها على الإرهاب.
روسيا التي أصبحت تتمتع بنفوذ مُزداد في القارة الأفريقية؛ بدأ في ليبيا، ثم جمهورية أفريقيا الوسطى، وصولاً إلى دولة مالي، يبدو أنها في طريقها نحو إيجاد موطئ قدم جديد في غرب القارة، يتمثل في بوركينا فاسو، التي رغم فقرها وصغر مساحتها، ورغم أنها دولة حبيسة لا تملك أي إطلالة على المحيطات، فإن لديها موقعاً استراتيجياً حيوياً؛ إذ تحد العديد من الدول المهمة في المنطقة، ولها مكانة ثقافية واجتماعية محورية في غرب أفريقيا، وسبق أن تمتعت بنفوذ دبلوماسي معتبر في القارة.
استفادت روسيا في تعزيز نفوذها من التاريخ السياسي لهذه الدولة الصغيرة؛ فبوركينا فاسو التي استقلت عن فرنسا عام 1960، عاشت كثيراً من الانقلابات العسكرية والتقلبات السياسية، إلا إن الحقبة التي لا تزال تثير حنين الشارع، تلك التي حكم فيها توماس سانكارا (1983 – 1987)، وهو عسكري وصل إلى السلطة إثر انقلاب عسكري، فتبنى الفكر الشيوعي وربطته علاقات قوية بالاتحاد السوفياتي حينها، وتمتع بشخصية قوية وثورية فلقبه أنصاره «شي غيفارا الأفريقي».
عمل سانكارا خلال حكمه البلاد على إنهاء «الهيمنة الفرنسية» ومعاداة «الإمبريالية الغربية»، ولكنه دفع حياته ثمناً لسياساته حين قتل في انقلاب عسكري، فتحول إلى رمز للثورة، وبقي جزء من شعب بوركينا فاسو يرددون عبارته الشهيرة: «يمكن قتل الثوار ولكن أفكارهم لا تموت»؛ وهكذا أصبحت الشعارات نفسها التي رفعها الرجل قبل أكثر من 3 عقود حاضرة بقوة في خطاب أنصار تعزيز النفوذ الروسي في بوركينا فاسو.
من أبرز مؤيدي التعاون مع روسيا، حركة تطلق على نفسها «بوركينا - روسيا»، ينشط فيها مثقفون وسياسيون وحقوقيون وصحافيون، ينظمون أنشطة موالية لروسيا ويطالبون بعقد شراكة «جيو - استراتيجية» مع موسكو، وتقدم الحركة نفسها على أنها معارضة للسياسات الفرنسية وتدعو إلى «إلغاء الاتفاقيات السرية مع باريس».
وبرزت هذه الحركة بقوة خلال الأيام الأخيرة، وكان ناشطون فيها يتصدرون المظاهرات المؤيدة للانقلاب العسكري، يرتدون قمصاناً تحمل علمي بوركينا فاسو وروسيا، ويرفعون لافتات مناهضة للوجود الفرنسي والغربي في بلدهم، بل إن بعض هؤلاء الناشطين استهدف لافتة إشهارية تحمل شعار شركة فرنسية في أحد شوارع واغادوغو.
إلى جانب الحضور الصاعد لروسيا في الشارع والحركات الشعبية، كانت دوماً هنالك مواقف رسمية مؤيدة لتعزيز العلاقات مع روسيا. على سبيل المثال، وقّع البلدان عام 2018 اتفاقية تمهد لحصول الجيش وقوات الأمن في بوركينا فاسو على «دعم فني» من روسيا، بالإضافة إلى إطلاق برنامج للتكوين العسكري والاستخباراتي يشرف عليه عسكريون روس، ولكن الأهم هو أن الاتفاقية الموقعة قبل أكثر من 4 سنوات لمحت لإمكانية حصول بوركينا فاسو على «معدات عسكرية وأسلحة» روسية.
بقيت هذه الاتفاقية مجرد حبر على ورق حتى انقلاب يناير (كانون الثاني) الماضي، حين بدأت أصوات داخل الجيش تدعو إلى تفعيلها وتعزيز التعاون مع روسيا، في إطار ما سموه «تنويع الشراكات» من أجل إيجاد حلول فعالة في مواجهة خطر الإرهاب، ولكن يبدو أن العقيد بول هنري داميبا الذي عينه الانقلابيون رئيساً للبلاد لم يكن متحمساً لهذا التحول السريع.
داميبا التقى قبل أسبوع وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف على هامش اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، وأعلنت رئاسة بوركينا فاسو أن الاجتماع خصص للتباحث حول آليات تعزيز التعاون بين البلدين، وهو تعاون قالت الرئاسة إنه «قديم، يعود لأكثر من 50 عاماً، واليوم يسعى البلدان لتعزيزه من أجل مواجهة تحديات اللحظة الراهنة»... بل إن وزيرة خارجية بوركينا فاسو، التي حضرت المباحثات، قالت في تصريح صحافي: «الآن؛ لدينا رغبة كبيرة في تعزيز هذا التعاون، ونقله إلى مستوى مربح للبلدين».
كان من الواضح في تصريحات مسؤولي بوركينا فاسو خلال الأشهر الأخيرة أن هنالك استراتيجية جديدة تقوم على البحث عن شركاء جدد في الحرب على الإرهاب، بعد ازدياد النقمة الشعبية على الفرنسيين، وكانت روسيا جاهزة لتكون هذا الشريك الجديد.
نهاية شهر أغسطس (آب) الماضي، أعلن الوزير الأول في حكومة بوركينا فاسو الانتقالية ألبيرت أوديراغو أن بوركينا فاسو تحتفظ لنفسها بالحق في تنويع شركائها، حتى ولو كان ذلك قد يزعج الشركاء التاريخيين، في إشارة إلى القوة الاستعمارية السابقة فرنسا، التي تعد أكبر شريك عسكري وأمني للبلاد. بل إن الوزير الأول كان أكثر صراحة حين قال إن «هنالك علامات استفهام على الشراكة التي تربطنا بفرنسا».
إن أكثر ما تعاني منه بوركينا فاسو في حربها على الإرهاب هو نقص المعدات والأسلحة والتكوين، وتلك هي الذريعة التي برر بها الانقلابيون عزل الرئيس بول هنري داميبا يوم الجمعة الماضي، وموسكو جاهزة لسد هذا النقص في إطار صفقات شبيهة بتلك التي أبرمت مع منفذي الانقلاب العسكري في دولة مالي المجاورة قبل عامين. ولكن موسكو التي تتجه للهيمنة على بوركينا فاسو، لا تملك أي سفارة في واغادوغو، بل إن بوركينا فاسو تدخل في إطار مهام السفير الروسي المقيم في أبيدجان؛ العاصمة الاقتصادية لدولة كوت ديفوار المجاورة، إلا إن موسكو في المقابل لديها «قنصلية شرفية» في واغادوغو، تديرها آنا راتشينا كوليبالي، وهي سيدة بوركينابية من أصل روسي، لديها شبكة علاقات قوية في الأوساط السياسية والثقافية، وفي المجتمع المدني أيضاً.


مقالات ذات صلة

«مذبحة الكرمة» تفاقم الوضع الأمني في بوركينا فاسو

العالم «مذبحة الكرمة» تفاقم الوضع الأمني في بوركينا فاسو

«مذبحة الكرمة» تفاقم الوضع الأمني في بوركينا فاسو

بدأت بوركينا فاسو التحقيق في «مذبحة» وقعت في قرية الكرمة شمال البلاد، أسفرت عن مقتل عشرات المدنيين، بينهم نساء وأطفال، على أيدي مسلحين يرتدون زي القوات المسلحة البوركينابية. وقُتل نحو 136 شخصاً في الهجوم، الذي وقع في 20 أبريل (نيسان) واتَّهم فيه مواطنون قوات الجيش بالمسؤولية عنه، لكنّ مسؤولين قالوا إن «مرتكبي المذبحة إرهابيون ارتدوا ملابس العسكريين»، في حين ندّدت الحكومة بالهجوم على القرية، في بيان صدر في 27 أبريل، دون ذكر تفاصيل عن الضحايا، قائلة إنها «تواكب عن كثب سير التحقيق الذي فتحه المدعي العام للمحكمة العليا في واهيغويا، لامين كابوري، من أجل توضيح الحقائق واستدعاء جميع الأشخاص المعنيين»

محمد عبده حسنين (القاهرة)
العالم الحرب على الإرهاب في بوركينا فاسو... مقتل 33 جندياً و40 إرهابياً

الحرب على الإرهاب في بوركينا فاسو... مقتل 33 جندياً و40 إرهابياً

أعلن الجيش في بوركينا فاسو أن 33 من جنوده قتلوا في هجوم نفذته مجموعة إرهابية على موقع عسكري، يقع في شرق البلاد، وذلك في آخر تطورات الحرب الدائرة على الإرهاب بهذا البلد الأفريقي الذي يعاني من انعدام الأمن منذ 2015. وقال الجيش في بيان صحافي إن مجموعة من المسلحين هاجمت فجر الخميس موقعاً عسكرياً في منطقة أوجارو، شرق البلاد، على الحدود مع دولة النيجر، وحاصروا وحدة من الجيش كانت تتمركز في الموقع، لتقع اشتباكات عنيفة بين الطرفين. وأعلن الجيش أن الحصيلة تشير إلى مقتل 33 جندياً وإصابة 12 آخرين، لكنهم في المقابل قتلوا ما لا يقلُّ عن 40 من عناصر المجموعة الإرهابية التي ظلت تحاصرهم حتى وصلت تعزيزات فكت عن

الشيخ محمد (نواكشوط)
العالم بوركينا فاسو: العنف يحصد مزيداً من الضحايا رغم «التعبئة العامة»

بوركينا فاسو: العنف يحصد مزيداً من الضحايا رغم «التعبئة العامة»

على الرغم من إعلان المجلس العسكري الحاكم في بوركينا فاسو «تعبئة عامة» لمنح الدولة «الوسائل اللازمة» لمكافحة الإرهاب، تزايدت الجماعات المسلحة في الأسابيع الأخيرة، والتي يتم تحميل مسؤوليتها عادة إلى مسلحين مرتبطين بتنظيمي «القاعدة» و«داعش». وتشهد بوركينا فاسو (غرب أفريقيا)، أعمال عنف ونشاطاً للجماعات المتطرفة منذ 2015 طالها من دولة مالي المجاورة. وقتل مسلحون يرتدون أزياء عسكرية في بوركينا فاسو نحو 60 شخصاً، بحسب مصدر قضائي، الاثنين، ذكر لوكالة «الصحافة الفرنسية»، نقلاً عن جهاز الشرطة، أن «الهجوم وقع (الخميس) في قرية كارما في شمال إقليم ياتنغا»، مضيفاً أن المسلحين «استولوا» على كميات من البضائع ا

العالم بوركينا فاسو: العنف يحصد مزيداً من الضحايا رغم «التعبئة العامة»

بوركينا فاسو: العنف يحصد مزيداً من الضحايا رغم «التعبئة العامة»

على الرغم من إعلان المجلس العسكري الحاكم في بوركينا فاسو «تعبئة عامة» لمنح الدولة «الوسائل اللازمة» لمكافحة الإرهاب، تزايدت الهجمات المسلحة في الأسابيع الأخيرة، التي يتم تحميل مسؤوليتها عادة إلى مسلحين مرتبطين بتنظيمي «القاعدة» و«داعش». وتشهد بوركينا فاسو (غرب أفريقيا)، أعمال عنف ونشاطاً للجماعات المتطرفة منذ 2015 طالاها من دولة مالي المجاورة. وقتل مسلحون يرتدون أزياء عسكرية في بوركينا فاسو نحو 60 شخصاً، حسب مصدر قضائي (الاثنين) ذكر لوكالة الصحافة الفرنسية، نقلاً عن جهاز الشرطة، أن الهجوم وقع (الخميس) في قرية كارما شمال إقليم ياتنغا، مضيفاً أن المسلحين «استولوا» على كميات من البضائع المتنوعة خ

أفريقيا مقتل 60 مدنياً بهجوم في شمال بوركينا فاسو

مقتل 60 مدنياً بهجوم في شمال بوركينا فاسو

قال مسؤول من بلدة أواهيجويا في بوركينا فاسو، أمس الأحد، نقلاً عن معلومات من الشرطة إن نحو 60 مدنياً قُتلوا، يوم الجمعة، في شمال البلاد على أيدي أشخاص يرتدون زي القوات المسلحة البوركينية. وأضاف المدعي العام المحلي لامين كابوري أن تحقيقاً بدأ بعد الهجوم على قرية الكرمة في إقليم ياتنجا في المناطق الحدودية قرب مالي وهي منطقة اجتاحتها جماعات إسلامية مرتبطة بـ«القاعدة» وتنظيم «داعش» وتشن هجمات متكررة منذ سنوات. ولم يذكر البيان مزيداً من التفاصيل بشأن الهجوم، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء. وذكرت منظمة «هيومن رايتس ووتش» في مارس (آذار) أن هجمات الجماعات المسلحة على المدنيين تصاعدت منذ عام 2022 ب

«الشرق الأوسط» (واغادوغو)

مقاطعة كندية تقاضي «أوبن إيه آي» بشأن حادث إطلاق نار في مدرسة

ضباط الشرطة خارج المدرسة التي شهدت إطلاق النار المميت في بلدة تامبلر ريدج بكندا (رويترز)
ضباط الشرطة خارج المدرسة التي شهدت إطلاق النار المميت في بلدة تامبلر ريدج بكندا (رويترز)
TT

مقاطعة كندية تقاضي «أوبن إيه آي» بشأن حادث إطلاق نار في مدرسة

ضباط الشرطة خارج المدرسة التي شهدت إطلاق النار المميت في بلدة تامبلر ريدج بكندا (رويترز)
ضباط الشرطة خارج المدرسة التي شهدت إطلاق النار المميت في بلدة تامبلر ريدج بكندا (رويترز)

رفعت مقاطعة كولومبيا البريطانية الكندية دعوى قضائية أمام محكمة اتحادية في الولايات المتحدة ضد شركة «أوبن إيه آي»، على خلفية اتهامات بعدم إبلاغ السلطات عن تفاعلات مقلقة عبر تطبيق «تشات جي بي تي» سبقت حادث إطلاق نار في مدرسة ببلدة تامبلر ريدج، أسفر عن مقتل 8 أشخاص، بينهم 6 أطفال.

ونفّذت الهجوم، الذي وقع في فبراير (شباط) الماضي، ويُعدّ أحد أسوأ حوادث إطلاق النار الجماعي في تاريخ كندا، فتاة تُدعى جيسي فان روتسيلار، تبلغ من العمر 18 عاماً، قبل أن تنتحر عقب إطلاق النار.

وبحسب شبكة «بي بي سي» البريطانية، كانت الشركة قد اعتذرت سابقاً عن عدم إبلاغ سلطات إنفاذ القانون بشأن حساب جيسي على «تشات جي بي تي»، بعدما أثار مخاوف لدى فريق السلامة في الشركة بسبب إشارات إلى العنف باستخدام الأسلحة، وذلك قبل وقوع الهجوم بأشهر.

وصرحت نيكي شارما، المدعية العامة لمقاطعة كولومبيا البريطانية، بأن الدعوى القضائية تثير تساؤلات حول «مسؤوليات شركات التكنولوجيا عندما تدرك وجود تهديدات موثوقة بوقوع أعمال عنف جسيمة».

وأضافت شارما: «حتى الآن، لم تتخذ (أوبن إيه آي) خطوات ملموسة لمعالجة المخاوف التي أثارها الناجون وعائلات الضحايا وسكان تامبلر ريدج».

وتابعت قائلة: «لا تزال الشركة تملك فرصة لإثبات تحملها للمسؤولية من خلال تعزيز تدابير الحماية، وتحسين الشفافية، واتخاذ إجراءات فعلية للمساعدة في منع وقوع مآسٍ مماثلة في المستقبل».

وأوضحت شارما للصحافيين أنها لم تطلع على محتوى المحادثات التي أجرتها جيسي عبر «تشات جي بي تي»، مشيرة إلى أن حكومتها طلبت من الشركة الكشف عنها، لكنها رفضت ذلك. وقالت: «علينا جميعاً أن نسألهم: لماذا؟».

كما صرحت شارما بأن أي تعويضات مالية قد تحصل عليها المقاطعة من القضية ستُخصص لإعادة بناء المدرسة الثانوية التي وقعت فيها المأساة.


الذكاء الاصطناعي يسرّع القرار العسكري... هل يزيد خطر اندلاع حرب بالخطأ؟

عسكريون داخل مركز العمليات المشتركة للقيادة الفضائية الأميركية في قاعدة بيترسون بولاية كولورادو في 27 يناير 2023 (رويترز)
عسكريون داخل مركز العمليات المشتركة للقيادة الفضائية الأميركية في قاعدة بيترسون بولاية كولورادو في 27 يناير 2023 (رويترز)
TT

الذكاء الاصطناعي يسرّع القرار العسكري... هل يزيد خطر اندلاع حرب بالخطأ؟

عسكريون داخل مركز العمليات المشتركة للقيادة الفضائية الأميركية في قاعدة بيترسون بولاية كولورادو في 27 يناير 2023 (رويترز)
عسكريون داخل مركز العمليات المشتركة للقيادة الفضائية الأميركية في قاعدة بيترسون بولاية كولورادو في 27 يناير 2023 (رويترز)

اقترحت الولايات المتحدة على الصين، خلال محادثات عُقدت في نيويورك الأحد، إنشاء آلية تتيح للبلدين إبلاغ بعضهما بحوادث مرتبطة بالذكاء الاصطناعي تبلغ مستوى يمس الأمن القومي، قبل أيام من لقاء مرتقب بين الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ.

وجاء الاقتراح بعد ثلاثة أيام من تحذيرات أطلقها مسؤولون وخبراء خلال منتدى شيانغشان الأمني في بكين من المخاطر التي قد ترافق الاستخدام المتزايد للذكاء الاصطناعي في المجال العسكري، وبينها تقليص الوقت المتاح أمام البشر لاتخاذ القرارات مع تزايد الاعتماد على أنظمة أكثر استقلالية.

وفي الفترة نفسها، طرح خبراء أمنيون أميركيون وصينيون ضوابط مقترحة لاستخدام الذكاء الاصطناعي عسكرياً، محذّرين من سيناريوهات قد تترك واشنطن أو بكين أمام وقت قصير لتحديد ما إذا كان حادث مرتبط بأنظمة عسكرية حساسة يمثّل هجوماً متعمداً من الطرف الآخر.

وتطرح هذه التطورات مخاوف من تداعيات الاستخدام العسكري المتزايد للذكاء الاصطناعي، لا سيما مع قدرته على تسريع عملية اتخاذ القرار. فهل يزيد ذلك خطر سوء التقدير، ويدفع دولتين إلى مواجهة لم تكن أي منهما تسعى إليها؟

نائب رئيس الوزراء الصيني خه ليفنغ (يمين) يصافح وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت قبل مشاوراتهما في نيويورك... 20 سبتمبر 2026 (أ.ب)

قرارات أسرع

دخل الذكاء الاصطناعي مجالات متعددة من العمل العسكري، من تحليل كميات ضخمة من المعلومات والصور إلى المراقبة ورصد التهديدات ودعم عمليات القيادة واتخاذ القرار.

وتكمن إحدى أبرز ميزاته العسكرية في السرعة. فالأنظمة القادرة على معالجة كميات هائلة من البيانات خلال فترة قصيرة يمكن أن تمنح الجيوش قدرة أكبر على اكتشاف التهديدات والاستجابة لها، وهي أفضلية تزداد أهميتها في ساحات قتال تتسارع فيها وتيرة العمليات.

لكن الميزة نفسها تحمل خطراً معاكساً. فكلما ازدادت سرعة رصد التهديد والرد عليه، تقلّص الوقت المتاح أمام البشر للتحقق من المعلومات وتقدير نيات الخصم قبل اتخاذ قرار قد يصعب التراجع عنه.

ويشير معهد «بروكينغز» الأميركي إلى أن دخول الذكاء الاصطناعي بوتيرة متسارعة إلى المجال العسكري، من الدفاع الإلكتروني إلى أنظمة الأسلحة وتحليل المعلومات والقيادة واتخاذ القرار، يفتح مسارات جديدة أمام أخطاء أو سوء استخدام يمكن أن يقود إلى التصعيد.

وتزداد حساسية المسألة عندما يتعلّق الأمر بقوى نووية، حيث يمكن أن تكون تكلفة تفسير نشاط معادٍ بصورة خاطئة أكبر بكثير منها في ساحات القتال التقليدية.

وزراء دفاع الصين ولاوس وبيلاروسيا وكمبوديا قبيل افتتاح منتدى شيانغشان في بكين في 16 سبتمبر 2026 (رويترز)

عندما يخطئ الذكاء الاصطناعي

ولا يحتاج هذا السيناريو إلى أن يتّخذ الذكاء الاصطناعي قرار شن حرب بصورة مستقلة. فقد تبدأ المشكلة قبل ذلك بكثير، عندما تصبح المعلومات التي ينتجها أو يحللها جزءاً من سلسلة القرارات التي يتخذها البشر.

فالأنظمة التي تعتمد على الذكاء الاصطناعي ليست معصومة من الخطأ، وقد يؤدي تصنيف غير دقيق لهدف أو تحليل خاطئ لمعلومة إلى تقديم صورة مضللة لصانع القرار، خصوصاً عندما يكون مطالباً بتحديد طبيعة التهديد والرد عليه بسرعة.

كما تبرز مشكلة أخرى في العمليات الإلكترونية، إذ يصعب أحياناً تحديد الجهة المسؤولة عن الهجوم. فقد يكون مصدره دولة أو مجموعة غير حكومية أو جهة تستخدم الذكاء الاصطناعي، فيما يمكن أيضاً تنفيذ عملية بطريقة توحي بأن دولة أخرى تقف خلفها.

وفي مثل هذه الحالات، لا يكون الخطر في الآلة وحدها، بل في التفاعل بين معلومات غير مكتملة وسرعة متزايدة وضغط لاتخاذ القرار. وقد يقود الرد على هجوم نُسب بصورة خاطئة إلى الخصم إلى سلسلة من الإجراءات والإجراءات المضادة يصعب وقفها لاحقاً.

مخاطر تطول الأنظمة النووية

ويزداد القلق عند ارتباط الذكاء الاصطناعي بالأنظمة النووية والعمليات الإلكترونية.

وحذّر خبراء أمنيون أميركيون وصينيون، الأسبوع الماضي، من أن تدَخُّل نظام يعمل بالذكاء الاصطناعي في شبكة للقيادة والسيطرة النووية، أو تنفيذه عملية إلكترونية عسكرية، قد يترك الطرف الآخر أمام وقت محدود لتحديد ما إذا كانت الحكومة المنافسة تقف خلف ما حدث.

ولا يعني ذلك أن الذكاء الاصطناعي أصبح قادراً على إطلاق حرب نووية من تلقاء نفسه. لكن دمجه في أنظمة الإنذار والتحليل العسكري يمكن أن يضيف طبقة جديدة من عدم اليقين إلى أزمات يكون الوقت المتاح لإدارتها محدوداً أصلاً.

وتزداد المخاطر مع انتشار أنظمة عسكرية أكثر استقلالية، مثل المسيّرات والسفن غير المأهولة. فتحرُّك غير مقصود أو استجابة آلية لحادث في منطقة تشهد احتكاكاً عسكرياً يمكن أن يُفسَّرا بصورة مختلفة لدى الطرف المقابل، ما يفرض على الحكومات احتواء الأزمة بعد وقوعها.

إبقاء القرار بيد الإنسان

ودفعت مخاطر سوء التقدير إلى البحث عن ضوابط تضمن بقاء السيطرة البشرية في المجالات العسكرية الأكثر حساسية.

وكانت الولايات المتحدة والصين قد اتفقتا في أواخر عام 2024 على ضرورة بقاء قرار استخدام الأسلحة النووية تحت سيطرة البشر. ويرى باحثون أميركيون وصينيون مشاركون في حوار ينظمه معهد «بروكينغز» و«مركز الأمن والاستراتيجية الدولية» في جامعة تسينغهوا الصينية أن هذا المبدأ يمكن أن يشكّل نقطة انطلاق لضوابط أوسع.

ومن بين المقترحات إبقاء قرار تنفيذ هجمات إلكترونية على أنظمة القيادة والسيطرة النووية والبنى التحتية الحساسة بيد البشر، وتحديد معنى واضح لـ«السيطرة البشرية» على الأنظمة العسكرية التي تستخدم الذكاء الاصطناعي.

كما يقترح الخبراء إنشاء قناة اتصال أميركية - صينية مخصصة للحوادث الناجمة عن أخطاء الذكاء الاصطناعي أو الهجمات الإلكترونية المرتبطة به، بهدف منع سوء الفهم من التحوّل إلى أزمة أوسع.

ولا تمثل هذه المقترحات اتفاقاً بين الحكومتين، لكنها تزامنت مع تحرّك رسمي في الاتجاه نفسه. فقد قال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت بعد محادثاته مع نائب رئيس الوزراء الصيني خه ليفينغ، الأحد، إن واشنطن اقترحت آلية للإبلاغ عن الحوادث المرتبطة بالذكاء الاصطناعي التي تبلغ مستوى يمس الأمن القومي، على أن يبحث ترمب وشي هذه الآلية خلال لقائهما.

سباق أسرع من الضوابط

لكن إبقاء الإنسان ضمن سلسلة اتخاذ القرار لا يحل المشكلة بالكامل. فالولايات المتحدة والصين لم تتوصلا بعد إلى مقاربة مشتركة لتنظيم الاستخدام العسكري للذكاء الاصطناعي، فيما يستمر التنافس بينهما على تطوير قدرات أكثر تقدماً.

كما أن بقاء الكلمة الأخيرة للإنسان لا يعني بالضرورة امتلاكه الوقت والمعلومات الكافية للتأكد من صحة ما تقترحه الأنظمة الآلية. فزيادة سرعة الأنظمة العسكرية قد تفرض على البشر اتخاذ قراراتهم تحت ضغط أكبر.

ويضاف إلى ذلك ما يصفه باحثو «بروكينغز» بمعضلة أمنية ناجمة عن صعوبة معرفة القدرات الحقيقية التي يمتلكها الخصم، أو تحديد ما إذا كانت تطبيقاته العسكرية للذكاء الاصطناعي دفاعية أم هجومية. وقد يدفع الغموض كل طرف إلى افتراض السيناريو الأسوأ وتطوير قدرات مقابلة.

ولا يلغي الذكاء الاصطناعي الحسابات السياسية التي تقود الدول إلى الحرب أو تمنعها منها، لكنه يغيّر جانباً من معادلة الردع بين الدول المتنافسة، عبر تسريع رصد التهديدات والاستجابة لها وتقليص الوقت المتاح لتقدير الموقف قبل اتخاذ القرار.

ومع تزايد استخدام الذكاء الاصطناعي عسكرياً، تزداد أهمية الحفاظ على السيطرة البشرية ومنح القادة الوقت الكافي للتحقق من المعلومات وتصحيح الأخطاء قبل اتخاذ القرار. فالسرعة التي توفرها هذه الأنظمة قد تكون ميزة عسكرية، لكنها تزيد في المقابل أهمية التأكد من صحة المعلومات قبل اتخاذ خطوات قد تقود إلى تصعيد غير مقصود.


وزراء خارجية مجموعة السبع يدعون إيران إلى وقف تسليح الحوثيين

أعلام دول مجموعة السبع (رويترز)
أعلام دول مجموعة السبع (رويترز)
TT

وزراء خارجية مجموعة السبع يدعون إيران إلى وقف تسليح الحوثيين

أعلام دول مجموعة السبع (رويترز)
أعلام دول مجموعة السبع (رويترز)

دعا وزراء خارجية مجموعة السبع إيران أمس الاثنين إلى وقف تسليحها ودعمها للحوثيين في اليمن، معتبرين أن ذلك يمثل نمطا خطيرا من التصعيد ينذر بتقويض التجارة الدولية ويؤدي إلى عدم استقرار عالمي.

وقال وزراء خارجية بريطانيا وكندا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا واليابان والولايات المتحدة في بيان صدر عقب اجتماع على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة «نستنكر بأشد العبارات الضربات المستمرة وغير المقبولة التي ينفذها الحوثيون في اليمن ضد المملكة العربية السعودية».

وأضافوا «ندعو الحوثيين إلى الوقف الفوري لجميع الأعمال العسكرية والتهديدات والهجمات على السفن المدنية، والعودة إلى العملية السياسية بحسن نية».