«البركان العظيم» دمّر طبقة الأوزون ولم يقضِ على الجنس البشري

دراسة من «كاوست» وفريق دولي حول تأثيرات انفجار بركان «توبا» قبل 74 ألف عام

تحوّل بركان «توبا» العملاق إلى بحيرة بركانية (كالديرا) حاليا تُعرف باسم «بحيرة توبا»
تحوّل بركان «توبا» العملاق إلى بحيرة بركانية (كالديرا) حاليا تُعرف باسم «بحيرة توبا»
TT

«البركان العظيم» دمّر طبقة الأوزون ولم يقضِ على الجنس البشري

تحوّل بركان «توبا» العملاق إلى بحيرة بركانية (كالديرا) حاليا تُعرف باسم «بحيرة توبا»
تحوّل بركان «توبا» العملاق إلى بحيرة بركانية (كالديرا) حاليا تُعرف باسم «بحيرة توبا»

رجح علماء من جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست) وفريق بحثي دولي، أن الانخفاض الكارثي في مستويات الأوزون في الغلاف الجوي حول المناطق الاستوائية قد يكون أسهم في اختناق واضح في التجمعات البشرية في فترة تتراوح بين 60 ألفاً و100 ألف عام.
ودعم هذه الفرضية التي تحل «لغزاً تطورياً» يناقشه العلماء منذ عقود، دراسة ثوران بركان «توبا» العملاق في جزيرة سومطرة بإندونيسيا، الذي حدث قبل 74 ألف عام، وأدّى إلى تدمير كبير لطبقة الأوزون.
وقد عمل على هذه الدراسة البروفسور جورجي ستنتشيكوف، أستاذ علوم الأرض والهندسة في «كاوست» مع علماء من معهد «ناسا غودارد لدراسات الفضاء NASA GISS» بالولايات المتحدة الأميركية، وجامعة الملك سعود بالمملكة العربية السعودية، إلى جانب سيرغي أوسيبوف من معهد «ماكس بلانك MPI» للكيمياء بألمانيا، الذي يقول: «لطالما عُد (توبا) سبباً للاختناق، لكن التحقيقات الأولية في المتغيرات المناخية من جهة درجة الحرارة وهطول الأمطار لم تقدم دليلاً ملموساً على أنه قد حدث تأثير مدمر على الجنس البشري أو أن البشر اقتربوا جداً من الانقراض خلال هذه الفترة الزمنية».

أهمية الأوزون
تشير صفحة الأمم المتحدة الخاصة باليوم الدولي لحفظ طبقة الأوزون الذي يوافق 16 سبتمبر (أيلول) من كل عام، إلى أن الأوزون (O3)، هو شكل خاص من الأكسجين (O2) ولكن بتركيب مختلف. ويشكل الأوزون جزءاً صغيراً جداً من أجوائنا، غير أن وجوده أمر حيوي لرفاهية الإنسان.
ومعظم الأوزون يكمن في الغلاف الجوي، بين 10 و40 كلم فوق سطح الأرض. وتسمى هذه المنطقة «الستراتوسفير» وتحتوي على نحو 90% من جميع الأوزون في الغلاف الجوي.
تكمن أهمية الأوزون في طبقة «الستراتوسفير» في أنه يمتص بعض أشعة الشمس فوق البنفسجية الضارة بيولوجياً. وبسبب هذا الدور المفيد، يعد الأوزون «الاستراتوسفيري»، هو الأوزون «الجيد». وعلى النقيض من ذلك، فإن الأوزون الزائد على سطح الأرض الذي يتكون من الملوثات يعد من الأوزون «السيء» لأنه يمكن أن يكون ضاراً على البشر والنباتات والحيوانات.

تأثير بركان «توبا»
درس ستنتشيكوف وفريقه ثوران بركان «توبا العظيم»، حيث تدعم الأبحاث الحالية أن هذا البركان أثّر في حجم السكان خلال ذلك الوقت، مستحدثاً ما يسمى «عنق الزجاجة السكاني»، الذي يشير إلى انخفاض حاد في حجم السكان بسبب حدث فردي.
يقول ستنتشيكوف: «تؤكد معظم الأبحاث السابقة التي أُجريت على «توبا» أن الانفجار البركاني تسبب على الأرجح في حدوث «شتاء بركاني»، وذلك لأن البراكين تقذف ملايين الأطنان من الغازات مثل ثاني أكسيد الكبريت في الغلاف الجوي. وهذه الغازات هي مقدمة لتكوين الهباء الجوي، وهو قطرات صغيرة ذات تركيز عالٍ من حمض الكبريتيك، يمكن أن تبقى في طبقة «الستراتوسفير» لبضع سنوات، وتؤثر في المناخ من خلال عكس الإشعاع الشمسي وتبريد الأرض.
وتُظهر سجلات المناخ أن درجات الحرارة انخفضت بدرجة كبيرة بعد انفجار «توبا العظيم»؛ ما لم يؤثر على السكان والحيوانات والنباتات فحسب، وإنما في انتشار الأمراض، وبرودة المحيطات التي تطيل أمد ظاهرة «النينيو».
ويرى الباحث أن بعض التحليلات لا تدعم هذا الرأي، مشيراً إلى الدراسات الحديثة للرواسب في قاع بحيرة مالاوي بأفريقيا التي أظهرت عدم تأثرها كثيراً بالتبريد، خصوصاً في المناطق الاستوائية؛ حيث كان معظم السكان يتركزون ذلك الوقت، لكنه يوضح: «لهذا السبب فإنّ دراستنا تنظر في التأثيرات الأكثر تنوعاً للسحب البركانية أو الانبعاثات البركانية على كيمياء الستراتوسفير».
ونماذج ستنتشيكوف هي الأولى التي تفسر التأثير الإشعاعي لثاني أكسيد الكبريت في التسخين الإشعاعي ومعدلات التحلل الضوئي في «الستراتوسفير». فهذا الأخير يتحكم في التفاعلات الكيميائية الضوئية في الغلاف الجوي، وقد وجد فريقه أن نسبة كبيرة من الأوزون تتلف في سياق مثل هذه الانفجارات.
يوضّح ستنتشيكوف: «نحن نعلم أن انبعاثات الهالوجينات تدمر طبقة الأوزون في الستراتوسفير، ونعلم أيضاً أن انبعاثات بركان (توبا العظيم) لم تكن غنية بالهالوجينات. ومع ذلك، حتى من دون الهالوجينات، لاحظنا استنفاداً قوياً لطبقة الأوزون». وتشمل الهالوجينات عناصر الفلور، والكلور، والبروم، واليود، والاستاتين.
وقد أثبتت الأبحاث في العقود الأخيرة أن استنفاد طبقة الأوزون ناتج عن مركبات الكربون الكلورفلورية. وتحدث هذه الظاهرة في القطبين، ومعظمها في القطب الجنوبي حيث لا يوجد سكان، على الرغم من أن دول نصف الكرة الجنوبي مثل نيوزيلندا وأستراليا تتأثر أيضاً.
ويشرح ستنتشيكوف: «في حالة (توبا) وجدنا ثقباً للأوزون ليس في القطبين ولكن في المناطق الاستوائية، وقد استمر لعدة سنوات، ما يعد عاملاً قوياً آخر تسبب في تدهور الظروف البيئية والانخفاض الحاد في درجة الحرارة، على نحو أثّر سلباً في البشر خلال ذلك الوقت».

استنتاجات البحث
تشمل الآلية التي تستند إليها استنتاجات ستنتشيكوف نمذجة رياضية للنظام، يقارنها بعدئذ مع الملاحظات المرصودة. وعلى الرغم من عدم وجود الكثير من الملاحظات التي يمكن الرجوع إليها منذ 74 ألف عام إلا أن الباحث يقول إن ثمّة بيانات قديمة تتوفر لدينا من ذلك الزمن.
ووضع هو وفريقه افتراضات فيزيائية في نموذجهم، وابتكروا سلسلة تجارب عددية توضح نتائج هذه الافتراضات. وللتأكد من أنها ذات مغزى فقد دعموا جميع التفسيرات الفيزيائية بالنتائج.
يقول: «بهذه الطريقة نحاول دراسة الماضي والمستقبل. ونُجري عمليات محاكاة محاولين جعلها ذات دلالة إحصائية، ونجد آليات فيزيائية تفسر ما نراه». ويشير ستنتشيكوف إلى «أنّ الأشعة فوق البنفسجية القريبة من السطح، في المناطق الاستوائية، تعد العامل الدافع للتطور؛ إذ يصبح المناخ أكثر أهمية في المناطق الأكثر تقلباً بعيداً عن المناطق المدارية». ويضيف أن «طبقة الأوزون تمنع ارتفاع مستويات الأشعة فوق البنفسجية الضارة التي تصل إلى الأرض، حيث تشكل (درعاً) هشاً في الغلاف الجوي العلوي الذي يوجد فيه أعلى تركيز للأوزون».
عندما يطلق بركان ما كميات هائلة من ثاني أكسيد الكبريت، فإن العمود البركاني الناتج يمتص الأشعة فوق البنفسجية ولكنه يحجب أشعة الشمس. وهو ما يحدّ من تكوين الأوزون، ويحدث ثقب للأوزون ويزيد من فرص الإجهاد بالأشعة فوق البنفسجية.

نموذج المناخ المطور
فحص الفريق مستويات الأشعة فوق البنفسجية في أعقاب ثوران «توبا» باستخدام نموذج المناخ «ModulE» الذي طوّره معهد «غودارد لدراسات الفضاء» التابع لوكالة الفضاء الأميركية «ناسا»، إذ قام الباحثون بمحاكاة الآثار المحتملة بعد أحجام مختلفة من الانفجارات. ويتسم تشغيل مثل هذا النموذج بالكثافة الحسابية، وهو ما استدعى ضرورة استخدام حاسوب «كاوست» الفائق، «شاهين 2»، الذي يستطيع إنجاز عدد من العمليات الحسابية الثقيلة المطلوبة للنموذج. ويشير نموذج الباحثين إلى أن سحابة ثاني أكسيد الكبريت الناتجة عن ثوران بركان «توبا» استنفدت مستويات الأوزون العالمية بنسبة تصل إلى 50 في المائة. علاوة على ذلك، وجدوا أن الآثار على الأوزون كبيرة، حتى في ظل سيناريوهات ثوران صغيرة نسبياً. ومن شأن الأخطار الصحية الناجمة عن ارتفاع الأشعة فوق البنفسجية على السطح أن تحدث تأثيراً كبيراً على معدلات بقاء البشر على قيد الحياة.
ويقول أوسيبوف إنّ «آثار الإجهاد بالأشعة فوق البنفسجية يمكن أن تؤدي إلى نتاج مماثلة لما أعقب الحرب النووية. على سبيل المثال، ستنخفض غلة المحاصيل والإنتاجية البحرية بسبب آثار التعقيم بالأشعة فوق البنفسجية. فالتعرض للأشعة فوق البنفسجية من دون حماية سيسبب ضرراً للعين وحروق الشمس في أقل من 15 دقيقة. ومع مرور الوقت، كانت سرطانات الجلد والأضرار العامة التي لحقت بالحمض النووي تؤدي إلى تراجع أعداد السكان».

الدراسات المستقبلية للبراكين
يقول ستنتشيكوف: «تساعد البراكين العملاقة العلماء في تحديد الآليات الكامنة وراء العمليات المناخية الحالية والمستقبلية، إذ إنّ الانفجارات البركانية تسمح لنا بفهم الآليات الفيزيائية للمناخ بشكل أفضل؛ لأنها توضّح كيف يمكن لتغيير التوازن الإشعاعي للأرض أن يؤثر في المناخ. وهذا سيمكننا من التنبؤ بشكل أفضل بالاحترار العالمي وتغير المناخ في المستقبل».
وفي ورقة بحثية سابقة بعنوان «الإشارات البركانية في المحيطات»، أثبت ستنتشيكوف أنه بدءاً من عام 1850 أدت الانفجارات البركانية إلى تأخير الاحتباس الحراري بمعدّل يقارب 30 في المائة. إذ إنّ الفريق الحكومي الدولي المعنيّ بتغير المناخ (IPCC)، حدّد عام 1850 بوصفه خط أساس قياسياً لدراسة درجات حرارة سطح الأرض، ليشمل فترة ما قبل الصناعة حتى يومنا هذا، وهي الفترة الزمنية التي تم فيها إطلاق معظم ثاني أكسيد الكربون.
ويرى ستنتشيكوف أننا إذا أردنا أن نفهم المناخ فإن علينا أن نفهم آثار الانفجارات البركانية في المناخ، وأن ندرك أنّ النشاط البركاني في أي مكان يمكن أن يؤثر في الظروف الجوية للعالم بأسره.
ويشير إلى أنه لم تكن توجد دراسات أو ملاحظات كافية تتناول المرحلة الأولية للانفجارات البركانية. علاوة على ذلك، لا تقدم النماذج المناخية الحالية المستخدمة لدراسة تأثير الانفجارات البركانية تفاصيل كافية. ولمعالجة هذه الفجوة، قام هو وفريقه بتعديل النماذج الحالية من أجل فهم أفضل للمراحل الأولى لتطوير السحابة البركانية.

تأثير الانفجارات البركانية على الشرق الأوسط

> تؤثر الانفجارات البركانية التي تجري حول العالم تأثيراً شديداً على منطقة الشرق الأوسط. وسطياً، يكون التأثير على مناخ الشرق الأوسط أكبر بمرتين من التأثيرات على نصف الكرة الشمالي. يقول ستنتشيكوف: «يتضخم تأثير المناخ البركاني في الشرق الأوسط بسبب تغير الدوران الذي تسببه الانفجارات البركانية الاستوائية القوية».
على سبيل المثال، بعد انفجار بركان «بيناتوبو» عام 1991 في الفلبين، كان هناك تساقط قوي للثلوج في فلسطين وإسرائيل وشمال الشرق الأوسط. وفي العامين 1991 و1992 كان لهذه الانفجارات تأثير قوي على البحر الأحمر؛ إذ شهدت المنطقة ابيضاض الشعاب المرجانية في البحر الأحمر لمدة عامين بسبب تبريد السطح وتعزيز اختلاط المياه بالقرب منه.
وفي سبتمبر من العام 2007 ثار بركان «جبل الطير» في جنوب البحر الأحمر، ما أدى إلى تكوين جزيرة بركانية هناك. ويقول ستنتشيكوف: «انبعثت من هذا الانفجار البركاني كمية لا بأس بها من ثاني أكسيد الكبريت، وكان ذلك حدثاً مثيراً للاهتمام. إذ يمكن أن يتأثر الشرق الأوسط بأكمله بالانفجارات القوية، ولهذا فمن المنطقي النظر إلى تأثيراتها في المنطقة».


مقالات ذات صلة

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

علوم النموذج تم تطويره باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء ينتجون «نموذج جنين بشري» في المختبر

أنتجت مجموعة من العلماء هيكلاً يشبه إلى حد كبير الجنين البشري، وذلك في المختبر، دون استخدام حيوانات منوية أو بويضات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم الهياكل الشبيهة بالأجنة البشرية تم إنشاؤها في المختبر باستخدام الخلايا الجذعية (أرشيف - رويترز)

علماء يطورون «نماذج أجنة بشرية» في المختبر

قال فريق من الباحثين في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة إنهم ابتكروا أول هياكل صناعية في العالم شبيهة بالأجنة البشرية باستخدام الخلايا الجذعية.

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

علماء يتمكنون من جمع حمض نووي بشري من الهواء والرمال والمياه

تمكنت مجموعة من العلماء من جمع وتحليل الحمض النووي البشري من الهواء في غرفة مزدحمة ومن آثار الأقدام على رمال الشواطئ ومياه المحيطات والأنهار.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
علوم صورة لنموذج يمثل إنسان «نياندرتال» معروضاً في «المتحف الوطني لعصور ما قبل التاريخ» بفرنسا (أ.ف.ب)

دراسة: شكل أنف البشر حالياً تأثر بجينات إنسان «نياندرتال»

أظهرت دراسة جديدة أن شكل أنف الإنسان الحديث قد يكون تأثر جزئياً بالجينات الموروثة من إنسان «نياندرتال».

«الشرق الأوسط» (لندن)
علوم دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

دراسة تطرح نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات

توصلت دراسة جديدة إلى نظرية جديدة بشأن كيفية نشأة القارات على كوكب الأرض مشيرة إلى أن نظرية «تبلور العقيق المعدني» الشهيرة تعتبر تفسيراً بعيد الاحتمال للغاية.

«الشرق الأوسط» (لندن)

في التعليم: تدرّب على قيادة الذكاء الاصطناعي... بدلا من «ركوبه» كمسافر

الأدوات الذكية تدخل المدارس
الأدوات الذكية تدخل المدارس
TT

في التعليم: تدرّب على قيادة الذكاء الاصطناعي... بدلا من «ركوبه» كمسافر

الأدوات الذكية تدخل المدارس
الأدوات الذكية تدخل المدارس

يقول المدرسون إنهم يرغبون في تمكين طلاب المرحلة الثانوية من قيادة الذكاء الاصطناعي، بدلاً من أن يكونوا مجرد مُتلقّين تُسيّرهم برامج الدردشة الآلية.

وفي الجلسة الأولى من دورة جديدة في الذكاء الاصطناعي أقيمت هذا الشهر لطلاب الصف الثاني عشر في «مدرسة واشنطن بارك الثانوية» في نيوآرك، لم يطرح أي شيء عن الذكاء الاصطناعي بل إنها خُصصت للذكاء البشري... بشكلٍ كامل.

كان واجب الطلاب: مُقارنة أوقات تصفّحهم السلبي لمنشورات وسائل التواصل الاجتماعي التي يُديرها الذكاء الاصطناعي، مع أوقات اختيارهم المُباشر للفيديوهات أو نتائج بحث «غوغل» التي يرغبون هم في مُشاهدتها.

«هل تُسيّر التكنولوجيا أم أنها هي التي تُسيّرك؟»

«هل تُسيّر أنت التكنولوجيا أم أنها هي التي تُسيّرك؟» هكذا طُرح السؤال من خلال شريحة عرض (سلايد) على السبورة البيضاء في مدرسة واشنطن بارك الثانوية.

وفي نقاشٍ صفّيٍّ تلا ذلك، قال طالبٌ يُدعى أدريان فاريل، 18 عاماً، إنه سيطر على الذكاء الاصطناعي من خلال طلبه من برنامج دردشة آلي مُراجعة واجباته المنزلية في الرياضيات للتأكّد من دقّتها. بينما قالت الطالبة بريانا بيريز، البالغة من العمر 18 عاماً، إنها دخلت في «وضع الراكب» عند استخدام ميزة «دي جي الذكاء الاصطناعي» في موقع «سبوتيفاي». وأضافت: «إنها تشغل موسيقاي المفضلة، فلا داعي لتغييرها».

«مدرسة واشنطن بارك الثانوية» في نيوآرك

«محو أمية الذكاء الاصطناعي» - مادة تعليمية

تسعى المدارس في جميع أنحاء الولايات المتحدة جاهدةً لإدخال مادة جديدة: معرفة (محو أمية) الذكاء الاصطناعي A.I. literacy. وفيما يسميها بعض التربويين «رخصة قيادة» للذكاء الاصطناعي، تهدف الدروس الجديدة إلى تعليم الطلاب كيفية فحص أحدث الأدوات التقنية واستخدامها بمسؤولية. ويقول المعلمون إنهم يريدون إعداد الشباب للتعامل مع عالم يتشكل بشكل متزايد بفعل الذكاء الاصطناعي، حيث تقوم برامج الدردشة الآلية بتأليف نصوص تبدو كأنها من صنع البشر، فيما يستخدم أصحاب العمل الخوارزميات للمساعدة في تقييم المرشحين للوظائف.

برامج ذكية في المناهج الدراسية

ويركز بعض المدارس على برامج الدردشة الآلية التي تعمل بالذكاء الاصطناعي، حيث تعلم الطلاب كيفية استخدام مساعد غوغل «جيميناي» أو مساعد مايكروسوفت «كوبايلوت». بينما تقوم مدارس أخرى بإدخال الذكاء الاصطناعي في المناهج الدراسية. وبوصفه موضوعاً جديداً في المناهج الدراسية، تتناول الدروس التداعيات المجتمعية مثل انتشار الصور العارية المُولّدة بالذكاء الاصطناعي، وهي الظاهرة المعروفة باسم «التزييف العميق».

تحسين التعليم أم تدميره؟

تزداد دروس الذكاء الاصطناعي شيوعاً في المدارس مع احتدام الجدل حول ما إذا كانت برامج الدردشة الآلية ستُحسّن التعليم أم ستُدمّره. يقول المؤيدون إن على المدارس أن تُعلّم الشباب سريعاً استخدام الذكاء الاصطناعي وأنه ضروري لدعم تعلّمهم، وإعدادهم للوظائف، ومساعدة الولايات المتحدة على منافسة الصين. وفي العام الماضي، أصدر الرئيس ترمب أمراً تنفيذياً يحثّ المدارس على تدريس «أساسيات الذكاء الاصطناعي» بدءاً من رياض الأطفال.

في مقابل ذلك يُحذر باحثون في مجال التعليم من أن برامج الدردشة الآلية قد تُلفّق المعلومات، وتُسهّل الغش، وتُضعف التفكير النقدي. ووجدت دراسة حديثة أجرتها مطبعة جامعة كمبردج و«مايكروسوفت للأبحاث» أن الطلاب الذين دوّنوا ملاحظات على النصوص كانوا أكثر فهماً للقراءة من الطلاب الذين تلقوا مساعدة من برامج الدردشة الآلية.

مؤسسة «برومينغز» أصدرت تقريراً الشهر الماضي حول أخطار الذكاء الاصطناعي

مخاطر الذكاء الاصطناعي أكبر من فوائده

في الوقت الراهن، «تفوق مخاطر استخدام الذكاء الاصطناعي في التعليم فوائده»، هذا ما خلصت إليه مؤسسة بروكينغز Brookings Institution الشهر الماضي في تقرير حول استخدام الذكاء الاصطناعي في المدارس.

موقف وسط

في خضمّ هذا الجدل، تتخذ مدارس مثل مدرسة واشنطن بارك الثانوية موقفاً وسطاً، إذ تتعامل مع الذكاء الاصطناعي كما لو كان سيارة، وتساعد الطلاب على وضع قواعد لاستخدامه.

وشبّه مايك تاوبمان، 45 عاماً، وهو مُدرّس استكشاف المسارات المهنية، الذي شارك في تطوير منهج محو الأمية الجديد في المدرسة، هذه الحصة الدراسية بتحضير المراهقين لاختبار رخصة القيادة.

وتساءل تاوبمان: «إلى أين تريدون الوصول؟ وهل يُمكن للذكاء الاصطناعي مساعدتكم على ذلك؟». وأضاف أن الطلاب بحاجة إلى تعلّم كيفية استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، وتحليل وظائفها، ووضع إرشادات للاستخدام الشخصي، وتصميم سياسات سلامة مثالية.

وتابع: «ما القوانين والقواعد والمعايير التي يجب أن تُطبّق على الذكاء الاصطناعي في مدينتي وبلدي؟».

المدرسان مايك تاوبمان وسكوت كيرن

تجربة مدرسية

يخدم مبنى واشنطن بارك، وهو مبنى من أربعة طوابق بواجهة من الطوب الأحمر في وسط نيوآرك، نحو 900 طالب في المرحلة الثانوية. وهو جزء من شبكة مدارس أنكومون، وهي شبكة مدارس مستقلة في شمال شرقي الولايات المتحدة الأميركية تركز على إعداد الطلاب للجامعة والمسارات المهنية.

وقد ابتكر تاوبمان مع سكوت كيرن، مدرس التاريخ الأميركي، فكرة المقرر الدراسي الاختياري الجديد حول الذكاء الاصطناعي. وكان كلاهما قد أدخل أدوات ومواضيع الذكاء الاصطناعي في مقرراتهما الدراسية.

وشارك كيرن، البالغ من العمر 45 عاماً، أخيراً في برنامج «بلاي لاب Playlab»، وهي منظمة غير ربحية تساعد المعلمين على إنشاء تطبيقات ذكاء اصطناعي مخصصة لمقرراتهم الدراسية. ولمساعدة طلابه على صقل مهاراتهم في الكتابة الجدلية، طوَّر كيرن روبوتات محادثة لصفوف التاريخ الأميركي بناءً على مواد المقرر الدراسي وتقييمات الطلاب. كما وضع إرشادات واضحة للطلاب حول متى يجب استخدام روبوتات الذكاء الاصطناعي ومتى يجب تجنب استخدامها.

مناقشة تاريخية اصطناعية-بشرية

وفي تجربة صفّية درّس السيد كيرن جانباً دراسياً متقدماً في تاريخ الولايات المتحدة حول أحداث شغب شيكاغو العرقية، وهي احتجاجات عنيفة اندلعت إثر مقتل مراهق أسود عام 1919. في البداية، طلب من الطلاب قراءة قصاصات صحافية قديمة ووثائق تاريخية أخرى. ثم أدار نقاشاً صفّياً حول الاتجاهات الأوسع التي أسهمت في تأجيج التوترات.

بعد ذلك، طلب السيد كيرن من الطلاب تخصيص بضع دقائق لوصف السبب الرئيسي للشغب لبرنامج دردشة آلي كان قد أنشأه خصيصاً لهذا الفصل.

وبعد بضع دقائق أخرى، أخبر كيرن الطلاب أن وقتهم مع الروبوت قد انتهى، واستأنف نقاش الصف. وأكد أن التعلم الأساسي للطلاب يجب أن يبقى نشاطاً خالياً من الذكاء الاصطناعي. وقال كيرن: «في أي وقت نرغب فيه أن يتفاعل الطلاب بعضهم مع بعض أو أن يمارسوا التفكير النقدي الأولي، لا أريد أبداً أن يتدخل الذكاء الاصطناعي أو أي نوع من التكنولوجيا المشابهة في ذلك».

وفي قسم آخر من المدرسة، كان تاوبمان يُدرّس دورة استكشاف المسارات المهنية. وقد طوّر مجموعة متنوعة من برامج الدردشة الآلية لمحاكاة المسارات المهنية لطلابه.

«رخصة قيادة» الذكاء الاصطناعي

وأقرّ كيرن وتاوبمان بأن تعبير «رخصة القيادة: الذي استخدموه له حدود. إذ سيعاني الطلاب من صعوبات اتخاذ قرارات مدروسة بشأن مخاطر أنظمة الذكاء الاصطناعي القوية... حتى الحين الذي سيتم فيه تزويد ​​برامج الدردشة الآلية بآليات حماية مُدمجة تُشبه أحزمة الأمان والوسائد الهوائية.

وقال كيرن إنه يأمل أن يتمكن الطلاب يوماً ما من «التأثير في بناء هذه الأدوات بطريقة أفضل وأكثر عدلاً وأكثر مراعاةً للبيئة مما هو موجود الآن».

* خدمة «نيويورك تايمز».


استطلاع أميركي: الغش بالذكاء الاصطناعي «أصبح جزءاً لا يتجزأ من الحياة الطلابية»

استطلاع أميركي: الغش بالذكاء الاصطناعي «أصبح جزءاً لا يتجزأ من الحياة الطلابية»
TT

استطلاع أميركي: الغش بالذكاء الاصطناعي «أصبح جزءاً لا يتجزأ من الحياة الطلابية»

استطلاع أميركي: الغش بالذكاء الاصطناعي «أصبح جزءاً لا يتجزأ من الحياة الطلابية»

أظهرت دراسة جديدة أجراها «مركز بيو للأبحاث» أن أكثر من نصف المراهقين في الولايات المتحدة يستخدمون أدوات الذكاء الاصطناعي للمساعدة في واجباتهم المدرسية.

تضاعف استخدام الذكاء الاصطناعي

وأفاد استطلاع «بيو» في تقرير نُشر أمس الثلاثاء أن 54 في المائة من الطلاب الذين تتراوح أعمارهم بين 13 و17 عاماً قالوا إنهم استخدموا برنامج دردشة آلية مثل «تشات جي بي تي» أو«كوبايلوت» لمهام مثل البحث عن الواجبات المدرسية أو حل مسائل الرياضيات.

وكان 26 في المائة من المراهقين الأميركيين أفادو عام 2024 أنهم استخدموا «تشات جي بي تي» في واجباتهم المدرسية، وذلك وفقاً لدراسة سابقة أجراها «مركز بيو» سألت تحديداً عن استخدامهم لهذا البرنامج. وقد مثل هذا زيادة مضاعفة مقارنةً بعام 2023، حيث أفاد 13 في المائة فقط من الطلاب باستخدامهم برنامج «جي بي تي» للمساعدة في دراستهم، وفقاً لنفس المركز.

تنفيذ الواجبات المدرسية

وخلص التقرير الحديث واستناداً إلى استطلاع شمل 1458 مراهقاً وأولياء أمورهم في خريف العام الماضي، إلى وجود تباين في استخدام الذكاء الاصطناعي بين المراهقين بشكل كبير. فبينما قال 44 في المائة من المراهقين إنهم استخدموا الذكاء الاصطناعي في «بعض» أو «قليل» من واجباتهم المدرسية، قال 10 في المائة إنهم لجأوا إلى برامج الدردشة الآلية للحصول على المساعدة في جميع أو معظم واجباتهم المدرسية.

وقالت كولين ماكلين، الباحثة الرئيسية في مركز بيو والمشاركة في إعداد الدراسة: «نلاحظ بوضوح أن استخدام برامج الدردشة الآلية المدعومة بالذكاء الاصطناعي للمساعدة في الواجبات المدرسية أصبح ممارسة شائعة بين المراهقين».

جدل محتدم

وتأتي هذه النتائج وسط جدل وطني محتدم حول انتشار أنظمة الذكاء الاصطناعي التوليدية، القادرة على إنتاج نصوص تبدو وكأنها من صنع الإنسان، وإنشاء صور واقعية، وتطوير تطبيقات.

يقول المؤيدون إن على المدارس تعليم الطلاب استخدام وتقييم روبوتات الدردشة المدعومة بالذكاء الاصطناعي لإعداد الشباب لمتطلبات سوق العمل المتغيرة. بينما يحذر المنتقدون من أن هذه الروبوتات قد تنشر معلومات مضللة، وتضلل الطلاب، وتقوض التفكير النقدي، وتؤدي إلى إيذاء النفس، وتسهل الغش.

تعويق التفكير النقدي للطلاب

تشير العديد من الدراسات الحديثة إلى أن روبوتات الدردشة قد تعيق التفكير النقدي وتؤثر سلباً على التعلم. ففي إحدى الدراسات التي أجرتها دار نشر جامعة كامبريدج والتقييم بالتعاون مع «مايكروسوفت للأبحاث» حول فهم النص المقروء، أظهر الطلاب الذين طُلب منهم تدوين الملاحظات دون استخدام روبوتات الدردشة فهماً أفضل للنص المقروء مقارنةً بالطلاب الذين طُلب منهم استخدامها لفهم النصوص.

التعلم والترفيه

طرح باحثو مركز بيو للأبحاث أسئلة متنوعة على المراهقين حول آرائهم واستخدامهم للذكاء الاصطناعي. وتُظهر النتائج أن العديد من الشباب يستخدمون روبوتات الدردشة كمنصات متعددة الأغراض للتعلم والترفيه والحصول على النصائح والتواصل الاجتماعي.

وقال 47 في المائة من المراهقين إنهم استخدموا روبوتات الدردشة للتسلية، بينما قال 42 في المائة إنهم استخدموها لتلخيص المحتوى. وقالت نسبة أقل، 12 في المائة، إنهم استخدموها للحصول على النصائح أو الدعم النفسي.

كيفية استخدام الذكاء الاصطناعي

وسلّط ​​التقرير الضوء أيضاً على كيفية استخدام المراهقين لأدوات الذكاء الاصطناعي في دراستهم.

وقال ما يقرب من نصف المراهقين إنهم استخدموا برامج الدردشة الآلية لأغراض البحث، بينما استخدم أكثر من 40 في المائة منهم الذكاء الاصطناعي للمساعدة في حل مسائل الرياضيات. وأفاد أكثر من ثلثهم بأنهم استخدموا هذه البرامج لتحرير كتاباتهم.

الغشّ «بشكل متكرر»

ولم يتطرق الاستطلاع إلى سؤال الطلاب عما إذا كانوا قد استخدموا برامج الدردشة الآلية لكتابة المقالات أو إنشاء واجبات أخرى، وهي أنواع الغش التي حذَّر منها المعلمون في جميع أنحاء الولايات المتحدة. لكن ما يقرب من 60 في المائة من المراهقين أخبروا مركز بيو للأبحاث أن طلاباً في مدارسهم يستخدمون برامج الدردشة الآلية للغش «بشكل متكرر» أو «بشكل متكرر إلى حد ما».

وذكر التقرير أن النتائج تشير إلى أن المراهقين يعتقدون أن «الغش باستخدام الذكاء الاصطناعي أصبح جزءاً لا يتجزأ من الحياة الطلابية».

* خدمة «نيويورك تايمز».


مهارات قيادية… لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحل محلها

مهارات قيادية… لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحل محلها
TT

مهارات قيادية… لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحل محلها

مهارات قيادية… لا يمكن للذكاء الاصطناعي أن يحل محلها

يجلس الرئيس التنفيذي في غرفة اجتماعات، محدقاً في عروض استراتيجية أُعدّت بين عشية وضحاها بواسطة الذكاء الاصطناعي: إنها تقدم التحليل الدقيق، والتوصيات الواثقة، والأرقام المتناسقة... ومع ذلك، ثمة شعورٌ بعدم الارتياح؛ إذ يبدو الأمر مثالياً أكثر من اللازم، كما كتب جيف بيرنغهام (*).

الذكاء الاصطناعي أضحى أقوى أدوات الإدارة

أصبحت هذه اللحظة شائعة بشكل متزايد بين القادة. فالذكاء الاصطناعي اليوم يُعدّ من أقوى أدوات الإدارة على الإطلاق. بإمكانه تحليل الأسواق في ثوانٍ، واكتشاف أنماطٍ يعجز أي فريق بشري عن رصدها، ووضع خططٍ عند الطلب.

وبالنسبة للكثير من المديرين التنفيذيين، بات الذكاء الاصطناعي ضرورياً لا غنى عنه. ولكن مع تزايد انتشاره بوتيرة غير مسبوقة، يبرز سؤالٌ خفيّ داخل المؤسسات: كيف نضمن تركيز الذكاء الاصطناعي على ازدهار الإنسان؟

«الذكاء يتوسع»... والحكمة لا تتوسع

يتفوق الذكاء الاصطناعي في الذكاء. فهو يكتشف الأنماط، ويتنبأ بالنتائج، ويُحسّن الكفاءة. أما ما يفتقر إليه الذكاء الاصطناعي، فهو الحكمة السياقية: القدرة على فهم أهمية القرار (في سياق الأمور)، وكيف سيؤثر عاطفياً وثقافياً، وما الذي يعززه بمرور الوقت.

لم تكن القيادة يوماً تعني امتلاك أكبر قدر من المعلومات، بل لطالما كانت تعني تحديد الأولويات عند تضارب المعلومات.

في بيئة غنية بالذكاء الاصطناعي، حيث يُتداول الذكاء بصفته منتجاً، يواجه القادة إغراءً خفياً لتفويض الحكم إلى جهات خارجية. فعندما تبدو لوحات المعلومات دقيقة والتوصيات موضوعية، قد يجري الخلط بسهولة بين التحسين وبين الحكمة.

لكن الذكاء الاصطناعي لا يستطيع الإجابة عن الأسئلة التي تزداد مسؤولية القادة عنها:

- كيف يؤثر هذا على الأشخاص الأعزاء الذين أعتني بهم؟

- ما القيم التي تحرك هذا القرار؟

- هل يعكس هذا القرار نوع العالم الذي نسعى لبنائه معاً؟

هذه ليست أسئلة حسابية، بل هي أسئلة إنسانية.

الخطر الحقيقي: القيادة المتخلية

يركز جزء كبير من النقاش العام حول مخاطر الذكاء الاصطناعي على التحيز أو سوء الاستخدام. وهذه المخاوف حقيقية. لكن داخل المؤسسات، يبرز خطرٌ خفيّ: إسناد التفكير الذي يؤثر على البشر إلى «الآلة».

عندما يُفرط القادة في الاعتماد على توصيات الذكاء الاصطناعي، فإنهم يفقدون تدريجياً ثقتهم في حكمهم. ويتحول دور القيادة من فهم الأمور إلى مراقبة النظام. ثم تتوقف فِرق العمل عن النقاش، ويتوقف القادة عن تفسير الواقع ويبدأون في التحقق من صحة النتائج.

النتيجة ليست قيادة أفضل، بل قيادة أضعف... إذ ومع مرور الوقت، يظهر هذا في صورة انحراف ثقافي، ونقاط ضعف أخلاقية، وانفصال الموظفين، وفقدان الثقة، خاصةً في أوقات مثل تسريح العمال، أو إعادة الهيكلة، أو التحولات الاستراتيجية الكبرى. عندما يعجز القادة عن شرح أسباب اتخاذ قرار ما بوضوح، يشعر الموظفون بأنهم مُوجَّهون بدلاً من أن يكونوا مُقادين.

القادة الأقوياء

القادة الأقوياء لا يكتفون باتخاذ القرارات، بل يشرحون أهميتها. إنهم يربطون القرارات بمعناها وبالقيم المشتركة. إنهم يساعدون فرق العمل على فهم كيف تتناسب خيارات اليوم مع مسار التحول والتطور البشري الأوسع.

يمكن للذكاء الاصطناعي اقتراح حلول، لكن البشر وحدهم من يستطيعون صياغة المعنى.

لماذا أصبح الوضوح مهارة قيادية أساسية؟

في عالمٍ مُتشبّع بالذكاء الاصطناعي، يُضاعف الوضوح من قوة التأثير... وضوح بشأن الغاية...وضوح بشأن القيم... وضوح بشأن ما لا يجب تحسينه.

أي ببساطة: الوضوح هو تحديد ما ترفض السماح للذكاء الاصطناعي بتحسينه.

سيسعى الذكاء الاصطناعي بكل سرور إلى التحسين من أجل السرعة والكفاءة والتفاعل أو خفض التكاليف. ولن يسأل عما إذا كانت هذه التحسينات تُضعف الثقة أو الإبداع أو المرونة أو التماسك على المدى الطويل. يجب على القادة أن يفعلوا ذلك. لهذا السبب؛ أصبح الوضوح، وليس الكاريزما أو الخبرة التقنية، إحدى أهم القدرات القيادية في العقد المقبل.

رؤية واستبصار

يُتيح الوضوح للقادة:

- وضع حدود لكيفية ومكان استخدام الذكاء الاصطناعي.

- وضع إطار لرؤى الذكاء الاصطناعي ضمن السياق الإنساني.

- تحديد متى يجب أن تُضحّي الكفاءة المطلوبة بالأخلاق.

- حماية الإبداع حيث يُمكن للتحسين أن يُطغى عليه.

ومن دون الوضوح، يُخاطر القادة بأن يصبحوا مُتفاعلين مع الذكاء الاصطناعي بدلاً من أن يكونوا مسؤولين عن النتائج الإنسانية.

كيف يستخدم القادة الفعالون الذكاء الاصطناعي دون الاعتماد عليه؟

الهدف ليس مقاومة الذكاء الاصطناعي، بل توظيفه بالشكل الأمثل في ممارسات القيادة.

وهناك ثلاثة مبادئ تساعد القادة على تحقيق ذلك:

- التعامل مع الذكاء الاصطناعي بصفته مستشاراً، لا سلطة مطلقة.

- استخدام الذكاء الاصطناعي لاستكشاف الخيارات، واختبار الافتراضات، ودراسة السيناريوهات، مع التأكيد على أن القرار النهائي يبقى بيد الإنسان. عملياً، يعني هذا أن يتخذ القادة قراراتهم بكلماتهم الخاصة، لا بالاعتماد على خوارزمية.

- التأني في اللحظات الحاسمة.

عندما تؤثر القرارات على الأفراد، أو الثقافة، أو الهوية (التوظيف، التسريح، تغيير الاستراتيجية، القيم)، توقف. لا تسأل فقط «ماذا تشير إليه البيانات؟»، بل «ماذا يعكس هذا القرار عن هويتنا؟».

الاستثمار في الحكمة... لا مجرد الإلمام بالذكاء الاصطناعي

مهارات الذكاء الاصطناعي مهمة، لكن مهارات الحكمة أهم. فالمنظمات الناجحة يقودها أشخاص مدربون على التفكير الأخلاقي، والمنهجي، والتعبير عن القيم تحت الضغط، لا مجرد تشغيل الأدوات بكفاءة.

المعنى هو ميزة القيادة التي لا يستطيع الذكاء الاصطناعي منافستها.

وفي لحظات عدم اليقين، لا يتطلع الناس إلى القادة للحصول على تنبؤات مثالية، بل يبحثون عن التوجيه.

إنهم يريدون معرفة: ما هو المهم الآن؟ على ماذا يجب أن أركز؟ كيف يرتبط عملي بشيء ذي معنى؟

لا يستطيع الذكاء الاصطناعي توفير هذا التوجيه، بينما تستطيع القيادة ذلك. مع تسارع وتيرة الذكاء الاصطناعي، يصبح المعنى أكثر ندرة وقيمة. القادة الذين يوفرون الوضوح وسط التعقيد، والغاية وسط التسارع لا يبنون ثقافات أفضل فحسب، بل يقودون ابتكاراً أقوى، ومرونة تنظيمية أكبر، وخلق قيمة طويلة الأجل.

كل تحول تكنولوجي يعيد تشكيل القيادة

كل تحول تكنولوجي يُعيد تشكيل القيادة، وهذا التحول الجديد ليس استثناءً.

لكن الحقيقة الأساسية تبقى ثابتة: القيادة لا تتعلق بمعرفة المزيد، بل برؤية أوضح وممارسة الحكمة تحت الضغط.

سيستمر الذكاء الاصطناعي في التطور، وستتوسع قدراته، وستتحسن أدواته. ما يجب أن يتعمق بالتوازي مع ذلك هو قدرة القيادة البشرية على الوضوح، والحكمة، وصنع المعنى؛ لأنّ القادة الأكثر تأثيراً في عالم الذكاء الاصطناعي لن يكونوا أولئك الذين يعتمدون على أذكى الآلات، بل سيكونون أولئك الذين يتذكرون بحكمةٍ معنى الإنسانية أثناء استخدامهم لها.

* مجلة «فاست كومباني»